عنوان الكتاب يحيل القارئ لمحتواه ، هذا ما نستشعره كلما وقع بين أيدينا عنوان جديد أو كلما أغرانا كتاب جديد لقراءته ، فكيف حين تنتظر بشغف عنوانا بهرك فألححت في الحصول عليه؟ وكيف إذا صرت مفتونا فعلا بكل الطرق المؤدّية إليه، بداية من العنوان، مرورا بالغلاف، ثم الوقوف على كل قصة من قصص المجموعة التي انتظرتها طويلا “من مذكرات غرفتي” للقاصة “حفيظة طعام” فأبتهج متسائلة عن فحوى تلك المذكرة، ثم يزداد فضولي عند تتمّة باقي العنوان، مضيفة صاحبتها بشيء من الإغراء كلمة “غرفتي”، فيتساءل القارئ :بمَ تراها تمتاز هذه المذكرة عن غيرها؟ فالمذكرة تدوين وبوح من صاحبها، يبثّها آلامه وآماله، أحزانه وأفراحه، وتعيش معه تفاصيل حياته، حتى تلك الصغيرة التي لا نكاد ننتبه إليها، لكن خفية عن الجميع، فكيف تعرض القاصة مذكّرتها على طبق من اشتهاء لقارئ تغريه تلك العلاقة الحميمة بين القاصة ومذكّرتها؟ بل إنها ما تلبث أن تضيف أن ما كتبته هو مذكرة لغرفتها، فنزداد فضولا لمعرفة هذا السرّ ، سرّ تعرضه القاصة في بوح صريح ارتسم بواجهة مفتاحه “من مذكرات غرفتي”، ونستميت نحن في الكشف عن ذلك السرّ وتلك العلاقة المشوبة بالغموض. فالقاصة وإن أوهمتنا أنها فتحت لنا صفحات مذكّرتها لتطلعنا على أسرارها فإنها تجيد اللعب بأعصابنا لتضطرنا نصوصها إلى الوقوف عند كل قصّة بأكثر من قراءتين وثلاث…، فنحسد في سرّنا تلك المذكّرة وتحتفي هي بحبنا كشفها أمام الملأ.
تناسق العنوان بشكل جميل مع صورة الغلاف أين تشرع ستائر نافذة فتزيح بعضا مما خلف الزجاج ونرى الحديقة الساكنة خلفها، وكأننا نرى بذلك ما حوته بعض القصص من المذكرة، غير أن الصورة لا تكتمل فأطراف ذلك الستار الأبيض، على بياضه يحجب باقي الصورة، ولنا أن نأوّل ذلك الامتداد الأخضر بما يمكن أن يكون خلف الجزء المغطّى من النافذة لتكتمل الصورة ويتضح ما وراء النافذة، تماما كحال المذكرة . نقرأ نصوصها فتتضح الصورة الأوليّة، ثم نظل في مواجهة الستار لنزيحه بغية الوصول إلى المعنى الحقيقي الكامن داخل المذكرةـ كما نزيح الستار كاملا عن النافذة.
بأسلوب بسيط سلس تنتقل القاصة بين يوميات تلك المذكرة، فنعيش روعة اللقاء بالنص، ويتغير مزاجنا في كل قصة، نبتسم تارة ونحزن أخرى، وفي سرّها تبتسم القاصة لأنها نجحت في تكييفنا مع النص وفي جعلنا نخال أنفسنا قد تجرأنا فعلا على كسر حاجز عادة لا يُكسر لأي كان، فمن مبادئ المذكرة “السّرية” وهو الأمر الذي كاشفتنا به القاصة علناً، موهمة كل واحد منا أنه هو وحده وفقط من أطلعته على سرّها دون غيره، ونقع نحن ضحية غرور البوح، فننصت للكلمات بعناية ونحاول بحرص ألا نسيء فهمها.
وأنا أقرأ المجموعة للمرة الثالثة شدّت انتباهي قصتان أو ثلاث، ولا أنفي ذلك عن باقي القصص، لكن ربما أحسستها راقت ذاكرتي، أو شيئا من خلجات نفسي، فرجعت إليها بعد أن كنت قد وشمت بقلمي الرصاصي عناوينها، واحترت بأي واحدة منهن أبدأ.ولفرط سعادتي رأيتها كلها تهمس لي، فتوهمتها قالت:
“لا تبحثي عن المعنى الخفي، اخلعي نعليّ فضولك وعندها ستقرئين…، ستحسّين، … ستعيشين بنفس الغرفة وتطلّين من النافذة ذاتها لربما عثر فضولك الناقد عن شيء من زللي، أوليست تلك على الأرجح مهنة جلّ النقاد؟ ! “
كان ذلك صوت “موت نص” القصة التي أثارت دهشتي، كيف للنص أن يموت؟ أيموت كما يموت المؤلف في بعض الدراسات مثلا؟.هذا ما أردت أن أعرفه وهذا ما أخال نفسي قد عرفته بعد أخد ورد بين كلمات تلك القصة.
قد يبدو للقارئ أن القصة على بساطة لغتها وتماسك أحداثها وتسلسلها تبدو واضحة، تعتمد في تطوير الأحداث على شخصيتين (الأب والابنة) يمثل كل منهما فضاء فكريا مستقلا عن الآخر ، يجمعهما فضاء مكاني واحد وهو المنزل، تحديدا غرفة الابنة “من خلف باب غرفتها المنغلق…وبينما كانت الفتاة ترتل أحزانها، مرّ والدها من هناك واصطدم بصوت ابنته المسموع، فجثم أمام باب غرفتها”[1] ، تلك الغرفة التي ضمت إليها الفتاة الحالمة فراحت ترتل أبيات على غير عادتها بصوت مسموع، وفي استعمال القاصة جملة “على غير عادتها بصوت مسموع” دلالة عميقة، ورؤيا بعيدة عن المعنى السطحي، فنستنتج أن تلك الفتاة اعتادت قراءة الأبيات سرا وهو الأمر الذي ضمن لنا استمرارية الكتابة ولو لزمن محدود، ثم نتابع الأحداث بغية معرفة علاقة ترتيلها للأبيات بصوت مسموع هذه المرة كما ذكرت في القصة “على غير عادتها” وننتظر ماذا سيحدث بعد ذلك.
ونحن منشغلين بالاستماع لما ترتله الفتاة بعد أن عمدت القاصة على سرده دون المرور بالإشارة إليه، تتوقف لتسرد حدثا آخر قاطعة استماعنا بقولها “وبينما” كأنها تعدّنا لأمر أهم مما كانت ترتله الفتاة فيدخل عنصر آخر للبناء القصصي وتكشف عن هويته قائلة: “وبينما كانت الفتاة ترتل أحزانها، مرّ والدها من هناك واصطدم بصوت ابنته المسموع”[2]، ثم تضيف بشيء من الحزن ما ورد على لسان الفتاة بصوت مسموع:
“هيئي يا جراح مراحي
وشراب خيبة معتقه
ونعشا جديدا
وحسّا بليدا
فضيفنا اليوم قد أبرق
لنسهر على نبض جراحي
ونشرب ملء أقداحي
احتفالا بالزائر الحزين
لموطن الأتراح”[3]
فتأتي الإجابة على يد الوالد الذي لم يتمالك نفسه عند سماع ما ذكرته ابنته حين يقتحم غرفتها ويبرحها ضربا مغتاظا بتلك الكلمات التي خلخلت كيانه “لم يتمالك نفسه من شدة وقع ما سمع (شراب وأقداح وزائر وضيف…) كلمات خلخلت كيانه فجعلته يغضب بشدّة. دفع باب الغرفة وانقض عليها يشبعها ضربا”[4]، هذا المشهد مؤلم رغم بساطته فكيف حين نعرف الحقيقة المرّة التي نعجز عن ابتلاعها، أن الفتاة لم تستغرب هذا التصرف من والدها بل تحاملت وتحملت، لأنها كانت تؤمن في قرارة نفسها بجهل والدها وكيف يمكن أن تموت النصوص الجميلة على أيدي من يشبهونه. هو اعتراف خطير لما يمكن أن تُخلّفه قراءة ساذجة وتأويل سطحي للنصوص، هي دعوة من القاصة تنبهنا فيها بخطورة انفلات التأويل وضياعه على أيدي من لا يحسنون ذلك بل ويعطون لأنفسهم حق الوصاية عليه تماما كما فعل الوالد مع ابنته حين سمعها ترتل تلك الأبيات الحزينة، وبحكم وصايته لها كان له الحق في معاقبتها، كأن القاصة تثبت أن ما ذهب إليه دعاة موت المؤلف وإعطاء السلطة المطلقة للقارئ ليست دائما محمودة العواقب فانفتاح النص على قراءات متعددة قد يسيء إليه وقراءة من يعتقد أنه يجيد القراءة أخطر، بسببها تقتل أجمل النصوص وهو ما حاولت القاصة لفت انتباهنا له في قصّتها “موت نص” والمؤلم في الأمر هو أن المبدع يعرف هذه الحقيقة ويدرك أن موهبته قد تموت بسبب سوء قراءة أو نقد.
لقد كان اختيار الروائية للفضاء المكاني مناسبا إلى حد ما، حين ركّزت على الغرفة وهي بذلك جمعت ما بين “النص(والذي تمثّل في ما ألقته الفتاة جاهرة بصوتها)،المبدع ( وهي الفتاة) ثم القارئ السلبي(تمثل في الأب) جميعهم داخل تلك الغرفة كأنها إحالة إلى انغلاق النص على نفسه دون أن يخرج من ذلك الحيّز المكاني وهو بهذا يعكس النظرة الضيّقة للقراءة. ونجحت القاصة في جعل هذا الفضاء الصغير بنظرنا يتسع كثيرا بنظر الفتاة، تلك الغرفة التي تحيلنا مباشرة إلى عنوان المجموعة “من مذكرات غرفتي” فنحاول أن نربط الغرفتين أو نسقط إحداهما على الأخرى.ثم تأثير ذلك الفضاء على المبدع (الفتاة)، والقارئ السلبي (الأب) فقد جمعهما وقارب بينهما لدرجة أن الأب استطاع –لقربه من باب غرفتها- أن يستمع لما كانت تقول، وهو ما ساهم في التصادم الفكري بينهما.
قصة “موت نص” جديرة فعلا بالقراءة والتحليل والوقوف على ظاهرة أدبية خطيرة قد تقتل كاتبا وتحطّ من كتاباته وإبداعاته رغم جماليتها تماما كما قد تعلي من قراءة ناقد سلبي جاهل لما سينجرّ عن سوء قراءته.




