صديقي انتحر / قصة قصيرة / روابح الحاج *
بواسطة مسارب بتاريخ 5 ديسمبر, 2016 في 01:16 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1599.

صباحي اليوم اعتقلته مائدة مستديرة ليست بجانبنا كاميرات أو منشّطة إعلاميّة استعارت ماكياج ومرآة لتدير حوارا بيننا .

هنا انتشر عطر أنثوي فاخر وصورة لجسد حي من الرّغبة يبث على المباشر أثير الشّهوة .

سقطت أنا مع قلمها حين أرادت التقاطه ومن أعالي قمم ألفيس تروس انتصب ‘ السّترينغ ” حلّقت مع وشم الفراشة على مساحة خصرها وللأسف لم تكن النّزهة طويلة ’ عيون ذكرية معي  مللت رؤيتها سافرت  في الصّورة أيضا وعدنا جميعا لروتين الطّاولة .

كمدير تنفيذي للشّركة اغتصبت منهم أفكارهم وخيالاتهم بالكلمة الإفتتاحيّة وكأنّني بتجمّع سياسي وخاطبتهم بخطاب وطني حتى وإن كانت المناسبة تخصّ واقع شركتنا التّجاري .

أخذت الفراشة الشّريك الأجنبي الكلمة بعدي مباشرة ولم تكن مسرورة بأدائنا العام للتّسويق وبرّرت ضعف الإقبال على منتوجنا لكثرة عيوبه كونه لا يزال تقليدي وغير متعدد الإستعمالات وهو لا يؤدّي سوى  وظيفة بدائيّة واحدة ومن وجهة نظرها أنه يتعيّن علينا مواجهة المضاربة والمنافسة باستقطاب الزّبون بما يتماشى مع العصرنة وثقافة ”الماركوتينغ ” .

كما يفعل منافسنا في السّوق لشركة الجنرال المتقاعد فآخر منتوجه الذي اشتهت بتوصيفه بالقنبلة العنقوديّة الكوكتيل بنكهة  الفواكه الذي تذوّقته البارجة يلقى رواجا كبيرا لما يحمله من مواصفات تغري الزّبون أهمّها التعدّد الوظيفي .

الأخرق ممثّل العمّال ضيّع علي مواصلة مشاهدة  مقاطع ايروتيكية خارقة بتقنيّة ”الثري دي ” كنت أتأملّها وهي تلوك بفمها رأس الجنرال المعطّر الذي يقترب جسده من الغرق بكل بزّته العسكريّة ليخسر جميع حروبه .

قدّم الأخرق  عارضة من المطالب المهنيّة والإجتماعيّة تخصّ العمّال وإشعار بالدّخول في إضراب مفتوح وانسحب من الإجتماع كبطل بلوريتاري .

مسؤول التّسويق  غيّر خطابه الرّوتيني بلغته  الفرنسيّة الرّكيكة كعادته إنّما تحدّث اليوم بكلّ ثقة ووضوح فهو يقول أنه تمكّن من إنقاذ شركتنا من الإفلاس فعشاؤه الفاخر  البارحة بفيلا أرباب المال والأعمال مكّنه من افتكاك صفقة ذهبيّة بوساطة إطار سامي بالبنك المركزي حتّى تنتعش أسهم شركتنا و نتمكّن من التّداول في سوق المال  وننافس من جديد لنسقط بقبّعة الجنرال المتمرّدة عن الصّف الرابع.

 أدخل يده في جيب معطفه و أخرج شيكا على بياض وضعه على مرآى من عيوننا .

السّاعة تشير الآن إلى انتهاء الإجتماع وأنا على موعد مع صديقي. كعادتي أتناول معه وجبة الغذاء حتى وإن كانت قد تغيّرت طباعه تجاهي من مدّة أراه شبه مضرب عن الطّعام أو بلا شهيّة للحياة فمؤخرا صار غير مواضب على أداء مهامه يختفي لعدة أيام ولا يظهر إلا وهو على عبوس واكتئاب شديدين .

علاقتي به صارت كسجّان مع مسجونه يلفّنا صمت وحيرة كلما التقينا ويمضي كل منا إلى حاله   .

تغيّرت طباع صديقي منذ سنوات و تحديدا مع تطبيق سيّاسة الإصلاح الإقتصادي التي مسّت مصنعنا التّابع للقطاع العام الذي كان يختص في  إنتاج الصّدريات الواقية من  الرّصاص ليتمّ تحويله إلى شركة ذات أسهم بشراكة أجنبيّة بالخبرات فقط  تختص في إنتاج الواقي الذّكري وبما أنّني اليوم على أهبة  سفر بعيد أردت وداعه لا غير اخترت له طبقه المفضّل علبة السّردين بالطّماطم وحين بلغت المكان المعتاد لم أجد غير جثّة مهشّمة تقطّعت إلى أشلاء  تتنزّه عليها أسراب الذّباب حينها أيقنت أن صديقي نجح اليوم في قراره مع الموت فقبل الإجتماع كنت ألحظه من نافذة مكتبي وهو يحاول مرارا  الإلقاء بجسده على السّكة أثناء مرور القطارات .

كلّ ما أعرفه الآن أن  صديقي” فرّاح ” الذي جاء معي من الصّجراء إلى هنا قد انتحر وتوقّف نباحه إلى الأبد دون أن يصالحني .

هامش

*  فراح إسم كثير التداول يطلق على كلاب البوادي بالصحراء الجزائرية 

 ا

* قاص من الجزائر 

اترك تعليقا