في عتمـــة الظّلمة الدّامسة لحظات بغيمة شتوية تطل من على أبواب فصلٍ تزيد أيّامه من سقامـــة الحياة يراوده الشك كلّ ليلــة هو لا يتطلّع لرؤيـــة الهلال ’هو لا ينتظر” قمر 14” ليضيء به دروبـــه ويلامس وجوده هو أيضًا لا ينتظر مولــــوداً جديدا .
تقسى تلك اللّحظات التي يكتشف فيها أنّ سعادتــــــه التي عاشها سنوات كانت وهما ً لأنّها وببساطة ليست من صنع يديه هي من تدبير من ابتسموا لوجوده ومنحوه أكفّ الرّاحــــــة للعيش بسخــــاء .
شارد الّذهن ومشوّش التّفكيــــر يَعِي قسوة الحياة الكثير من المفارقات غلبت على تجاربه المعتادة وزعزعت ذروة سنامـــه داست على كرامته في كثير من المرّات هو بعائلــــة متوسّطة كميزان مختل في كل مرة ترجح كفـــّة على كفــة آخرها رجح وبدون اختلال .
فُلِذٌةُ كبده الذي تفاءل للحياة ببسمات عابرة رغم ألم الأمراض المتتاليّة يناغيه بعمق يحدّثه كل ليلة حلما ووداعة سرّا وعلانيّـــــة حتى صارت كلّ ليلاليـــــه شكّا .
تتردّد تلك الكلمات في رأسه وتغوص في نخاعه حد الصّداع وقدماه تغوص هي الأخرى في سيّارته السّاخنـــة بسبب عدم اكتراثه للسّرعة المفرطة إنه لا يدري ماذا يفعل ولا إلى أين يتجه وحلقه جاف يعلو وجهه اصفرار عجيب يتصبب عرقا وفيرا إنه لا يعرف من يأتي ذلك التصبب هو لم يشرب منذ يوم كامل يشعر بالوقت ومرور الزمن يظن أن رأسه عقرب يدق بقوة في ساعة قديمة كان يرتديها أيّام الدّراسة شاب الدّهر عليه و هو في الطريق وعابه أنه لا يعرف حتى مرض ابنه أو نوعه هو يتذكّر اسم الطّبيب فقط .
توجعه تلك اللّحظة حين اكتشف أن سعادته يوما كانت تتعلق بمن وافاه الأجل على ركبته طالبا منه شربة ماء ونشّط معه سابق ذكريات كمرافق له على سرير المرض .
ينسى أو يتناسى يرتاح من هذا العب ء الثّقيل إلى أن تسقط عينه على مرآة السيارة التي تعكس حسرة زوجته وابتسامة ولده تارة ومناجاته تارة أخرى .
عادت تلك الكلمات لتتردّد في عقله و تأجّج في صدره النيران كمرجل السّفينة الذي يمتليء بالفحم ماذا أفعل الآن بعد أن أصبحت على مقربة من المشفى ؟ ماذا ستكون الّنتيجة ؟ ماذا لو فقدته ؟ قد أُصْبِحُ بلا نسل وبلا وريث هل أفقد كل ما منحت ؟ ……..ويستمرفي تهيؤاته الفضيعـــــة .
ويعود تمنىّ في كثير من المرّات أن يسقط على يمينه و أن يتوقف قلبــــه عن النبض حتى تخمد تلك النّيران بداخله وينقشع الدّخان الذي يخفى ما تأكله نيران الحيرة والحسرة معا لم يشعر في حياته بالضّعف والوهن رغم الإنكسارات الحادّة في بداية حياته كما يشعر الآن إنه تائه في زمن الخيبات هو في المساء لكنّه لا يبصر قمرا ولا نجوما وعلى مقربة من باب المشفى سرّته نظرات الطّبيب المعهودة التي زادته أملا حين قال : ” لا يزال لدينا الوقت سيكون بخير ” كلمات نبيلة يردّدها الأطبّاء حتى في ثلاّجات الموتى ابتسم بكل صدق يَعِي عظم الأمانة والنّبل في ذلك الطّبيب .
تجاهل مهنته وترك ابنه بين أيدي الممرّضين يغرسون فيه بذرة الحياة من جديد عن طريق الكثير من الأدوية مختلفة الشّكل والألوان تزيده ألما حتى يعود إلى كلماته القاسية يرددها كلحن تراجيدي كان قد حفظه وهو في رحم أمـــــــه.
عادت تلك الكلمات تقفز إلى عقله من جديد .. اللّعنة ….إنه يشعر بوخزات في قلبه المجروح زادت دقات قلبه أكثر حين سمع إنذار غرفة العمليات الجراحية المعهود في سلوك معتاد ينبّيء بخطر محدق بالمريض .
يصر على البقاء مقابلا نافذة لا تمده بالنور هي بغلاف أسود لا تبشر بخير يصر الصّبي على التّمادي في البقاء أيضا على قيد الحياة فصوته يزداد علوّاً كلما زادت جرعات التخذير حتى فتح الباب من جديد الطبيبة تخرج بملامح منهزمة يتكلم دمعها قبل كلماتها المتثاقلة لا جدوى…. يجب نقله إلى المستشفى العسكري هناك سينجو .
نقله على جناح السّرعة لا يجد صديقا إلا رفيقا يتكلم بعفوية يتكلم عن يومه في نهايـــــة العطلة الأسبوعيّة الذي قضاه في إحدى القرى السياحية … كا ن يوما استثنائيا … يبدو أنه ليس ساذجا هو أراد أن يكسر حاجز الخوف والألم الذي ينتاب صديقه في تلك اللّحظـــــات القاسيّة وعلى طريق طويل وصلوا إلى المستشفى العسكري قابلهم حارس الباب ببذلـــــة زرقاء باليّــــة إنه منظر رجل يقف بجانب النافذة الرئيسية ملبسه يحكي عشرات الحكايات كأنه يقول : أنا رجل فقير … مسكين … لقد هدّتني الدنيا بآلامها وأوجاعها وفي صوتــــه حشرجة زادت قبحها كلماته الترحيبيّة .
قابلهم الطّبيب بكلمات ترحيبية هو الآخر أدخله إلى غرفة الإنعاش بقي الصّبي بدقّات قلب بطيئة يترجمها جرس” جهاز السكوب ” الذي يئن تحت الصّدمات الكهربائية التي تدمي صدر الصبي وتترك زرقة غامقة في أنحاء جسمه بجانبه شاب في مقتبل العمر برجل نصفها مبتور يندب حظ الفقـــر ويقول : من قال أن المشفى خاص بالأغنياء فقط كاذب والسبب بسيط …..ليس هناك غني واحد بأي من المستشفيات الحكومية ……ثم إن الأغنياء محصنون فلا يصيبهم المرض ولا تصل السكانين إلى صدورهم ولا إلى بطونهم يرد عليه الصبي بكلمات غير مسموعة كن بخير .
بعد تحسن حالة الصبي نسبيا نقل مع والديه في سيارة إسعاف على شكل صندوق هريء يشكوا طلاءا قديما دنسته قشوره وبعد الوصول أدخله الطبيب إلى غرفة العمليات الجراحية دامت العملية ساعة أو أكثر خرج الطبيب بوجه مستبشر وضاحك يزف الخبر إنه بخير عمت الفرحة أرجاء المكان.
استعاد الأب اطمأنانه وسكينته حين رآى ملامحه من جديد ثم احتظنته الأم تحاول إطعامه دون فائدة فقد تمالكه الوهن بجسده بسبب الجرعات الزائدة للمواد المخذرة إلى أجل مسمى لم يطل كثيرا حتى استيقظ يناغي أباه بكلمات غير التي اعتادها أنا بخير أنا صلاح الدين الأيوبي أنا محمد الفاتح ……ولدت لأكون بطلا .
ا
* قاص من الجزائر




