يعتبر إسماعيل يبرير من الأسماء الروائية الآتية من العمق، محملة بهموم الإنسان الجزائري في السياقات الزمنية المتحولة، ورافدة تجربتها بأسئلة الإبداع الشبابي القادرة على احتواء النزوعات الجديدة التي تمليها التيارات المتدفقة حوله حضاريا وجغرافيا وتاريخيا. ويتميز يبرير في كتاباته عن غيره من الروائيين الجزائريين، في كونه يستحضر تاريخ الجزائر الحديث بوعي خاص، يستنطق التفاصيل المعتمة الضائعة بين التفاصيل، وينفخ فيها الحياة، لتعود سرديا، فتعمل على خلخلة المسلمات والبديهيات، والتصورات المسبقة التي توارثت مع الزمن، أي أنه يجادل اليقينيات تخييليا، ويجعل القارئ يعيد النظر في مسلماته. وانطلاقا من حساسيته الفلسفية الحادة، وتمرده على الثوابت، وتساؤله الدائم حول المنطق المتجدد للعالم والأشياء من حوله، يرتب إسماعيل فوضى المواقف والأفكار، مشيدا عوالمه الروائية الخاصة والمختلفة، استنادا إلى هاته الرؤية/ الحيرة.
وفضلا عن نزوعه الفلسفي الذي يركن إلى توليد الأسئلة الدائرية من العلامات المطمئنة في ذهنية الفرد والجماعة، يستند إسماعيل إلى ذاكرة طفولته الحافلة، تلك التي تعينه على القبض على التفاصيل الصغيرة المؤثرة في حياته وحياة المجموعة البشرية التي ينتمي إليها، مرهنا اللحظة الزمنية المنفلتة، ومشكلا خطابا بديلا يشكل خصوصيته من رؤية بديلة للعالم، وقراءة مغايرة للثوابت التي ترسبت في المخيال الجمعي. وهذا ما يجعل مقولة (الحيرة) في هاته الرواية، مقولة مبأّرة، تطفو على سطح المسرود.
1. هندسة الخراب:
يماثل المحكي الروائي لـ«مولى الحيرة» المحكيات السابقة ليبرير، من كونها تعيد هندسة العالم البشري استنادا إلى نظرية سوسيولوجية، تبئر النتوءات الغائبة في التفكير والحياة والعلاقات الإنسانية للقرية الجزائرية. وتعبر هاته الهندسة السردية المستندة إلى التاريخ العام والخاص والطفولة والحلم والذاكرة باعتبارها وسائط معينة، سابقة على فعل تشييد أبنية مضادة أو بديلة.
إن تأمل جدارية لحي شعبي قديم في مدينة الجلفة الجزائرية، بوصفها مادة للحكي، لا تعدو كونها مجرد محفز لتناسل المحكيات وتطور الحبكات، بما يساهم في دينامية السرد. والأصل، أنّ هذا المدخل، يندرج ضمن إيقاعية اللعبة السردية وحيل الحكي، فالجدارية لا توجد سوى في متخيل الراوي، والاستناد إلى اللوحة كمشهد عام يستنطقه الرواة تباعا، لتوليد المادة السردية، وتأثيث الفضاء الروائي، واستدراج القارئ للإسهام في تشييد العالم الروائي. وتأسيسا على ذلك، يمكن القول بهيمنة ما يمكن تسميته بلاغة المكان (استمرارا لمقاربة سردية برزت، بشكل لافت، في روايتي «باردة كأنثى» و«وصية المعتوه») وهو رهان إسماعيل يبرير في الاشتغال على المكان؛ باعتباره الرّافد الذي يمكنه أن يمنح الرّواية العربية هويّتها. تمثل الجدارية باعتبارها قالبا محفزا، تمثيلا من الذات الساردة للعالم المسرود، وتصوير البنيات المجتمعية من خلال مدينة الجلفة التي يتخذها العالم الروائي نموذجا مصغرا لتمثيل المجتمع الجزائري بتشعباته، وتداخل بناه الثقافية والفكرية والاجتماعية. تكوّن الجدارية منطلقا لتصميم عوالم الحيّ (الجلفة) تتم تغذيتها عبر قراءة سوسيولوجية وسيكولوجية لملامح شخصيات من ساكنة قرية أخرى (القرابة) اتخذت لها شكل البورتريهات التي تنفذ إلى بواطن الوجوه البشرية، وترسم علاقاتهم مع بعضهم ومع الآخرين من أهالي القرى الأخرى، وكيفية تمثيلهم للعالم البراني، في عتمة انسداد الآفاق، وانغلاق الواقع حولها. وسواء تعلق الأمر بقرية القرابة أو الجلفة المستحضرة من خلال اللوحة، فإنهما تكادان تكونان عينتين تمثيليتين ينسحب حالهما على باقي القرى المجاورة أو البعيدة.
ويهيمن على الشخصيات المرصودة طابع البؤس وثيمتا الخيبة والفشل، سواء بالنسبة للمقيمين في قرية القرابة، أو أولئك العائدين إليها بعد غياب يطول أو يقصر، ولعل أهم شخوص الرواية، بشير الديلي الشاعر الخائب، والمناضل الفاشل الذي يعود بعد غياب طويل إلى الحي، ليعيش ممزقا بين قسوة المعاناة التي تكبدها جراء النفي والتضييق الأمني خلال فترة السبعينيات، وذكريات زوجته «الخونية»، المرأة التي تبدو داخل المتن في شكل أسطورة حية. البطل المثقّف الشاعر، هو سابقة في سرد إسماعيل، فباقي أبطاله كانوا من العامة، إن لم يكونوا من المسحوقين عادة، إنّ هذا البطل المعرفيّ لا ينتج أيّ معنى، تماما كالبقية، وتبقى الحيرة تغلّف مساراته كتعبير عن الإفلاس الشامل، فالسلطة حاضرة كظلّ للفشل الذي يغلّف المصائر، كما أن الإيديولوجيا (اليسار) ثم (الإسلاميين) تصنع فارقها في صناعة الفشل.
وإذا كانت الجدارية قد لعبت دور الحافز الأول على الحكي، فإن ظهور شخصية الديلي؛ تكون بمثابة المحفز الثاني المغذي للحكاية، إذ من خلاله، باعتباره راويا- شخصية، أو شخصية شاهدا، تبرز صور عدد من الشخصيات الأخرى التي لا تختلف عنه كثيرا من حيث المعاناة والبؤس الطافح على هيأتها وسحناتها ونفسياتها المعذبة ومن أهمها: عبد الحميد المدرس، ويحيى الأخرس الذي تختصر حياته في ندب خيبته في مجال الحب مع عشيقته: «التالية»، فيتخذ من الكتابة أفقا للانعتاق من تحلزنه وتقوقعه، وكوة يتواصل عبرها، مع العوالم المحيطة به.
لقد كانت للرواية، من خلال هذا التمحيص السردي المشخّص، رسالة واضحة، هي تسليط الضوء على الواقع الجزائري المزري، خاصة بالنسبة للقرية الضاربة في عمق التضاريس الوعرة، ونقد التهميش المضروب حول البوادي والقرى النائية، التي تترك عرضة لكافة الظواهر الاجتماعية تنهشها وتنتهك حرمتها بعيدا عن العناية والاهتمام من الجهات الرسمية. وبقدر ما يبرع المحكي الروائي في تجلية معالم الخراب الروحي وتجذره في نفسيات الشخوص المستهدفة بالتمحيص السردي (البورتريه)، تتفنن في ربط الشخصية بعنصرين من عناصر تشكل الهوية؛ وهما الأرض، بخصوصياتها الجغرافية والطبيعية والبشرية، والتاريخ بمفاصله الحضارية وبياضاته وعتماته. وتبرز هنا بالأساس، مهارة الروائي، في عجن هاته المادة الزئبقية، ببهارات سردية متنوعة وملائمة، ليبئر من خلالها، أسئلة الذات والواقع والهوية والإنسان، ويطرح بشفافية ملغزة الصور الغبشة للثلاثية المتلازمة: الماضي، الحاضر والمستقبل.
2. تشظي الخطاب:
يعطي إسماعيل يبرير، بالموازاة مع اشتغاله القوي على مادة متنه، أهمية كبرى لشعرية الخطاب الروائي، فهو يحرص على أن يقدم المادة الحكائية على طبق شفاف ومتبدل، بقدر ما يكشف جمالية الصوغ، يسائل متراكم القارئ، ويستنبت في ذهنه أسئلة غير اعتيادية، تخرج به من دائرة التلقي السلبي الاستهلاكي، إلى تخوم القراءة المتسائلة، التي تجادل ولا تهادن، تشاكس ولا تطمئن لمعطى الحكي، وصنانير المتعة، فتنهي الحكاية الإطار في النص، لتفسح المجال لتناسل أسئلة المعرفة في ما بعد، لذلك لعب الحكيُ على مجموعة من المقومات، لا يتسع المجال للتفصيل فيها، وسأوردها هنا، على سبيل التلميح:
ـ وظف الروائي، سيرا على نهجه في الكتابة، أسلوبا رقراقا، ولغة شفافة تزاوج بين المباشر التقريري عندما يتطلب الأمر ذلك، وتسمو إلى مراقي الشعرية عندما يقتضي ذلك الصوغ الخطابي. ويومئ اشتغال الروائي على اللغة السردية بطريقة كهذه، إلى كون اللغة ليست وسيلة للتوصيل فحسب، بل تحمل في ذاتها، وأسلوب توظيفها، دوال حبلى بالسيمياء، فكل طبقة منها تعبر عن حالة اجتماعية، ومنطق إيديولوجي، وتصدر عن فحوى دلالي، ومرقى نفسي ووجداني.
ـ استعمال تقنية الرّائي؛ الذي يتقنع خلفه راوٍ موجّه أحيانا، وقد استخدمت هاته التقنية في رواية وصيّة المعتوه، وتبدو حالة متفرّدة، فالرّائي هو الحالة التي تتجلى أعرف من الراوي والكاتب معا، وكأنّه يملي التوجيهات والتصويبات في الحكاية، ورغم أنّ حضوره يقتصر على بعض الفقرات المتباعدة فهو يشكل، بعمق، الراوي الثاني.
استعمل المحكي، على مستوى البناء الخطابي، لعبة الورق، في الكشف عن فحواه، ومفاصله السردية. في الأول، تصادفنا تقنية «الجدارية»، وبعدها يظهر شخص يدعى «الديلي» ليكون مصدرا ثان للمادة السردية، حيث تتناسل من ذاكرته أحداث وشخصيات وأماكن ترتبط بحياته الشخصية، وسيرته النضالية، وواقع البلدة. كما يفتح سجل التاريخ الرسمي والمهمش، ليطل على سياقات تاريخية تخدم القضية المتناولة روائيا. وكل هاته الأدوات والتقنيات لا تعدو كونها معينات فنية، يجتهد يبرير عبرها، ليقدم مادته السردية في حلة بديعة تجاوز بين جمالية القالب السردي، وراهنية المضمون المطروق. تطرح الرواية، بوعي صريح، سؤالي جدوى الكتابة، واعتبارية المثقف في زمن تتهاوى فيه القيم الرمزية للإنسان، سواء من خلال التشخيص الدراماتيكي لوضعية كل من المثقف المناضل، والشاعر والروائي في مجتمع ينبذهما، ويعمق جراحهما وخيباتهما المتواصل في الإبداع والحب والحياة، لتبقى الكتابة مجرد أداة يتيمة يحمون بها ما تبقى من كينونتهما ووجودهما الرمزيين في إطار اجتماعي تنكس فيه الرمزيات، وتحاصر فيه الانفلاتات الجميلة للكائن الآدمي في حدود تضيق بالتدريج، فما يتبقى سوى حلم الكتابة بوصفه طاقة خلاقة للتخيل، والتحليق بعيدا في سموات العوالم المشرعة على الحياة، لذلك التمس إسماعيل الخيال الشعري، ومنطق الصوفية، وهلامية التاريخ، ليمنح مادته هذا الخصب القمين بفك الحصار السيكولوجي والاجتماعي والاقتصادي على الذات (الراوي) وشخصيات العالم الروائي (وجوه قرية القرابة).
/
عن صحيفة القدس العربي
* ناقد من المغرب




