في ضيافة قصة “استضافة”، من المجموعة القصصية “صدر الحكاية” للقاص ڨلولي بن ساعد / بهيليل فضيلة *
بواسطة مسارب بتاريخ 15 يناير, 2017 في 02:07 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1404.

صدر الحكاية، وصدارة المجموعة رغم وجود القصّة في أواخر الترتيب، إلى أن ذلك لم يمنعها من أن تكون عنوانا للمجموعة، يستحضر فيها القاص زمن البساطة، نصوص تشبّعت بحب الانتماء، بحب الأرض، كتبها القاص مستحضرا ذكرياته مرة، وعارضا لنا حكايا سمعها أو ترددت في إحدى المدن التي سكنها أو جاورها. لا نكاد نخرج من عوالم حكاية حتى نلج عوالم أخرى وإن اختلف المضمون يبقى القارئ مستشعرا وجود الراوي في كل اللحظات، لا لشيء سوى ليسرد له ما تبقى من حكايات، تتقاطع مع ما حكته وحاكته مخيلة شهرزاد في كون أن الراوي هو من يتولى مهمة توزيع الأدوار والمهام، منفردا بصوته الأوحد في كل قصة من تلك القصص التي حوتها المجموعة.

من القصص التي لفتت انتباهي في المجموعة إلى جانب “صدر الحكايا” قصة “استضافة” التي -على الرغم من قصرها-  استطاعت أن تحمل دلالات متعددة، وتنهل من فيض الأفكار الجديدة التي تشرّب منها مجتمعنا حدّ القرف،  فاختلّت المفاهيم وبات الممنوع مسموحا بذريعة المصلحة، بل الأكثر من ذلك صار يكتسي طابع الموضة، يتبناه عديمو الضمير بكل وقاحة وكبر.

كلمة “استضافة” بكلّ أبعادها الدلالية تنبئ مبدئيا بوجود “ضَيْفٍ” و “مُضِيفٍ”، والمعروف أن العلاقة القائمة بين هذين الطرفين تكون في الأغلب علاقة توادٍ ومحبّةٍ، تفترض مكانا يليق بها، غير أن القاص هنا ‘ختار “المؤسسة التربوية” بدل “المنزل” وان المدعو من طرف مدير تلك المؤسسة كان والدة التلميذ الذي صعُب عليه التحصيل العلمي. وبعد دعوات متكررّة جاءت هذه الأم، ليسبقها المدير قائلا أن “الأساتذة في هذه المؤسسة كلهم أكفاء ويملكون خبرات واسعة، يقدمون ما لديهم من عطاءات، لا يبخلون أبدا على تلامذتهم، يتفانون في أداء رسالتهم النبيلة، الأمر فقط يتعلق بابنك”[1]، غير أن هذا المدير أعجب بتلك الأم، فانساقت نفسه الدنيئة وراء أهوائها أمام غواية تلك الأم، فأضاف كأنما لينبهها أو يثير انتباهها قائلا: “لكنه مع ذلك جميل جدا مثل والدته تماما”[2]. ما كان يُفترض أن يكون أو ما كان يتوقعه القارئ هو رفض تلك الأم لمثل هذا الكلام خصوصا وأنهما بمؤسسة تربوية لها هيبتها وقداستها، مؤسسة تفرض عليه كلاما يليق بذلك المقام أولا و يليق بمركزه ثانيا، غير أن القاص لا يترك للقارئ تشكّل الغضب بداخله ولا فرصة لاستنكاره هذا الفعل لأنه يضيف مباشرة واصفا فرحة تلك الأم بهذا الكلام، وأنها لم تكن أقل منه شغفا وحقارة حين راقت لها كلماته فباركتها بقولها: ” إنه ولد يتيم الأب” فاسحة له المجال أمام شيطانية أفكاره، كأنها دعوة ليُقبل على تنفيذ ما يفكر فيه، فيصير القارئ هنا ضحية للرّاوي، محاولا في إصرار سرّي معرفة الحدّ الذي وصلت إليه تلك الاستضافة الخارجة عن المعقول، وكيف يروم المدير توريط تلك الوالدة بعد أن اقترح عليها تقديم دروس استدراكية لابنها، لكن في بيتها، فلا عجب أن يفعل وقد علم منها أنها بلا زوج، هو تلميح منها واستجابة فورية منه هو الآخر “أنت واحدة من النساء اللواتي أجد نفسي مجبرا على مساعدتهن”[3] ، وقوله أنها واحدة من النساء  دليل على كثرتهن، أو على تعامله مع غيرها بنفس الطريقة، فليست هذه المرأة سوى حلقة من حلقات أخرى سبقتها، جمعتهما المصلحة ولا شيء آخر، فهي إنما قبلت استضافته ببيتها من أجل مصلحة ابنها ربما بسبب الظروف التي تعيشها والتي قد تكون أجبرتها على فعل ذلك، فالراوي لم يخبرنا شيئا عن حياة تلك المرأة سوى أنها أرملة، وترك للقارئ تأثيث حياتها الداخلية، فمبدئيا نجد أنفسنا نقول ليس من السهل على امرأة أن تربي ابنها لوحدها في ظل هذه الحياة الجديدة التي وفدت إليها  شتى أنواع الفساد أبسطه ما تعلّق بالتكنولوجيا التي لا يجيد استعمالها إلا القلة القليلة من المراهقين والشباب، وحالة ابنها كانت تستدعي القلق، فهو يعيش تشتتا في الأفكار وعدم التركيز والانتباه كما قال عنه مدير المؤسسة: “إنه ولد تائه لا يركز ولا ينتبه أثناء الدرس.. يبدو أنه يسبح في عوالم وفضاءات أخرى”[4] في طل عالم ينخره النفاق والفساد والمصالح المتطاحنة، وربما كان أيضا في ذلك مصلحة لها من أجل أن تثبت لنفسها أنها لا تزال أنثى مُشتهاة تستطيع إغواء رجل يحتل مركز مدير مؤسسة تربوية، والطرف الثاني الذي يمثل المدير، هو الآخر ما كان يخدمها من أجل واجبه التربوي والإنساني كما ادّعى وإلا ما كان طلب تقديم دروس استدراكية في منزلها وهو قادر على تقديمها له بالمؤسسة، وإنما فعل ذلك ليكون بعيدا عن الشبهة أمام عمال المؤسسة، وليجد لنفسه ولنزواته متنفسا بعيدا عن الجميع.

إن اختيار القاص بن ساعد لهذا العنوان “استضافة”  إنما لما لهذا الاسم من دلالات، فالأم استضيفت في مكتب المدير بالكلام وأرادت أن ترد له الضيافة باستضافتها له بمنزلها (يعني مصلحة) هذا هو المعنى السطحي للعنوان للعنوان، أما معناه العميق وهو الأهم، هو أن مثل هذه الصفقات والمعاملات اللاأخلاقية التي وفدت إلينا ضيفة من الآخر والتي لا تمت لديننا بصلة صار مرحبا بها ، بل إنها لتكاد تكون عملة من عملات التواصل في مجتمعاتنا اليوم، ولعل القاص اختار هذا المكان دون غيره كأنما ليسخر من الدور الذي كان ينبغي على ممثل هذه المؤسسة التربوية (المدير) تأديته في محاربة مثل هذه الأفعال، فكيف إذن نتوقع أن يكون جيلنا صالحا وهو يرضع من أفكار وأخلاق يمثلها رؤساء مؤسساتها ويتعاطونها بكل برودة وبلا تأنيب ضمير؟، فالقاص –عمدا- اختار مؤسسة تربوية لما لها من أهمية في تربية النشء.كأنه يقول أن ما كان يفترض أن يكون مصدرا الدواء صار هو بحد ذاته مصدر الداء، فما بالك بالمؤسسات الأخرى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها. فكيف يمكن لهذه المؤسسات محاربة الأعمال اللاأخلاقية إذا كانت هي نفسها تروّج لها ؟ وماذا ننتظر من قوم استضافوا الرذيلة وجعلوها في قواميسهم وسام شرف؟.

قصة “استضافة” على الرغم من بساطة أسلوبها ومن قلة أحداثها و أبطالها، إلا أنها تحمل في ثناياها رؤيا تتطلّب مزيدا من القراءات والتأويل، صوّرها القاص في ثالوث غير متكافئ؛ بدءا بمدير المؤسسة ( السلطة العديمة الأخلاق) إلى الوالدة ( التي تمثل من يبارك لهذه السلطة المستغِلة  حتى وهي تدفع شرفها ثمنا لذلك) فالتلميذ ( الذي يكون في نهاية المطاف ضحية لهاتين الزاويتين إن تعادلتا في تمثيل مهمتهما على أكمل وجه كان هو نتيجة لهما وإلا كان العكس).

هكذا استطاع القاص “قلولي بن ساعد” تقديم مجموعته بشكل بسيط، لكنه لا يخلو من التشويق ومن الحفر في ذاكرة ذلك الذي كان يوما ما طفلا، فآثر أن يهدي له وحده تلك القصص، وجعلنا نتابع نحن القراء ما كُتب لهذا الطفل داخله. لعل ذلك الطفل هو من تقمص الأدوار، أو ربما اكتفى بسردها تاركا لنا لهفة القراءة وشوق الاستماع لحكايات مجللّة بالنقاء الروحي، باحثة عن ألق الذكريات وذلك الانطباع  الذي تخلّفه رؤيتنا لذكرياتنا الجميلة.



[1]   المجموعة القصصية:”صدر الحكايا”، قلولي بن ساعد،دار الكلمة للنشر والتوزيع، ص:39.

[2]  صدر الحكايا، ص:39.

[3]  صدر الحكايا،ص:39-40.

[4]  صدر الحكايا: ص: 39

/

قاصة وباحثة أكاديمية من الجزائر 

اترك تعليقا