طالعنا الروائي الجزائري “عز الدين جلاوجي” بنص خاض معركة اكتساب الحضور وخرج منها ظافرا، حائزا على هويته الثقافية، مؤمنا تداوليته في فضاء قرائي واسع ومميز.
إنه نص “الرماد الذي غسل الماء”1 الذي قدم إلينا بوصفه رواية، وهو تحديد أجناسي ينهض بوظائف موصولة بالإبداع والتلقي على حد سواء.
إذا، نجح المؤلف في أن يقد نصا روائيا من:
- مرجعي يثوي في تضاعيفه، يقربنا منه حتى لكأننا نعيشه أو نخال أننا نعيشه ونعرفه حق المعرفة.
- تخييلي يرسو على ضفافه، يلقي بظلال من الغرابة على المكان والزمان ومعها الشخصيات، أنشأ عالما واقعيا رصد فيه حاضرا جزائريا توخى فيه تسجيل تفاصيله وتوقيع دقائقه، انطلق فيه من حدث يومي يعد بمكانه وزمانه وشخوصه بسيطا جدا وعاديا جدا ومألوفا جدا: إنها جريمة قتل مواطن جزائري مغمور في قرية نائية زمن القتل العشوائي المجاني في جزائر التسعينيات وما بعدها من طرف مجهول.
حول هذا الحدث وبه حاك الروائي خيوط نسج هذا العالم المحكي، مفوضا في المتن ساردا واحدا عهد إليه بمهمة، ولسنا ندري، أهي إيهامنا بالخيال، أو تثبيت الواقع؟
عمد هذا السارد إلى التشكيل والتنضيد والتأثيث متوسلا آليات السرد حينا، وتقنيات الوصف أحيانا كثيرة.
وهكذا، فقد توزع عالم الرواية على أربعة أقسام وسمت بالأسفار، يضم كل سفر أجزاء مرقمة، وتتفاوت عدد الأجزاء من سفر إلى آخر، إذ بينما يضم السفران الأول والثاني أربعة وعشرين جزءا بالتساوي يتضاءل عدد أجزاء السفر الثالث ثلاثة عشر جزءا والسفر الأخير إلى ثلاثة أجزاء، وهو ما أدى اقتضاء إلى تفاوت هذه الأسفار في امتدادها المطبعي.
ولم يكن الروائي وهو ينحو هذا النحو مخالفا تقاليد الكتابة الروائية، ولم يخرق مألوفها، فقد درج على مثل هذا التعامل، لكن ما لفت انتباهنا في هذا النص الذي ينوس بين البساطة والتعقيد، بين المرونة والتمنع، بين التقليد والتجريب، هو وجود ما سماه الروائي بالحواشي، وعددها تسعون، وهي مقاطع تخلل الأجزاء المكونة للأسفار تارة إذ تندس بينها حينا، وتتراص في تتابع واضح حينا آخر فتوقف مجرى الأجزاء.
ويبدو لأول وهلة أن هذه الحواشي تؤدي وظيفة إخبارية، للوصف فيها سلطان وغلبة، فيقر في الأذهان أن ثمة فصلا ظاهرا بين السرد الذي يصلنا عبر الأجزاء المرقمة والوصف الذي تحمله الحواشي.
وهنا ينتصب السؤال صارما: إذا كانت هذه هي الحواشي، وهذه هي وظيفتها، فهل يمكن عد ما تبقى متنا؟
- ويتفرع عن هذا سؤال ثان يرتبط بمدى تيميم الروائي وجهه شطر كتابة روائية تقليدية تأسس على تبعية الوصف للسرد على النحو الذي رآه بعض الدارسين ومنهم “ج. جينيت”G.Genette الذي صرح أن السرد في المحكي يكون “متبوعا لا تابعا، مهيمنا وإن قل حضوره على المستوى المادي، فلئن كان تصور الوصف خاليا نهائيا من أي عنصر سردي أمرا ممكنا، فإن عكس الوضعية لا يستقيم.”2
ويحسن بنا ونحن نهم بالإجابة، أن نسوق نماذج من هذه الحواشي نعزز بها ما نحن إليه بسبيل:
- حاشية 1 “يقع ملهى الحمراء في جوف الغابة، تحضنه أشجار الصنوبر والفلين من كل حدب وصوب كقلب محاط بالأضلاع، كان زمن الاستعمار بيتا لحاكم المدينة…”3
- حاشية 3 “ومدينة عين الرماد كالمومس العجوز، تنفرج على ضفتي نهر أجدب تملأه الفضلات التي يرمي بها الناس والتي تتقاذفها الرياح… تتدرج فيها البنايات على غير نظام ولا تناسق، يسد عليها الريح من الجنوب أشجار غابة صغيرة…”4
- حاشية 22ّ “والخبطة في الخامسة والأربعين، ممتد القامة، ممتلئ الجسم، نحيف الشفتين، لامع العينيين، مجعد الشعر ، أبيض اللون، يميل إلى الحمرة ،معتد بصحته، لا يلبس إلا الملابس الخفيفة صيفا وشتاء كأنه يتعمد إظهار الرسومات التي وشمها على ساعديه المكتنزتين كساعدي ملاكم جبار.”5
- حاشية 86 “تناقلت الأنباء أن عزيزة اختفت من المدينة بأسرها وكأنها فص ملح داهمته الأمواج العاتية… وأن الناس ظلوا الأيام الطوال ينتظرون المحاكمة دون جدوى…”6
- إن تقصي أنحاء النظر في هذه النماذج التي، وإن لم تكن لتجزئ عن غيرها من الحواشي، فإنها تمكننا من نشر بقعة ضوء عليها، فهي كما نرى ترد وصفية خالصة كما في الحاشية3 وحاشية 22، مثلما تحتكر وظيفة سردية بامتياز كما في “الحاشية 86 ” وقد تجمع بين الوظيفتين كما في الحاشية 1.
لكن ما يباين بين هذه الومضات الإخبارية وبين الحواشي، أن الأولى وردت بوصفها معلومات قدمت في ملف خاص سلمه الشرطيان للضابط “سعدون” المكلف بالبحث في “جريمة القتل” واختفاء الجثة في حين أن ما انطوت عليه الحواشي ينضوي في سياق آخر كنا قد أشرنا إليه ، ويحسن بنا أن نشير إلى أن ما ورد من تفاصيل في هذه المقاطع التي يحويها تقرير الشرطة يفيض عن حاجة المعلومات التي تطلب في هذه المواضع، ويرتد ذلك فيما نحسب إلى السلطة التي بسطها السارد على كل شيء: على الشخصيات، والزمان والمكان والأحداث، إنه السارد العليم LE NARRATEUR OMNISCIENT .
وأكثر من هذا، فقد وقفنا ونحن نجوس في مجاهل هذا النص على مقاطع كثيرة تتماثل إلى حد التطابق في بنياتها ومحمولاتها على حد سواء مع الحواشي، ولنضرب مثالا على ذلك ما نجده في الجزء 15 من السفر الأول، إذ ألفينا السارد يقدم لنا ثلاث شخصيات على التوالي:
- “عمار كرموسة شاب في السابعة والثلاثين من عمره، قصير القامة، بدين، يملأ الوشم كثيرا من أنحاء جسده …نشأ يتيم الأب في أسرة معدمة تسكن الأحياء القصديرية…تسرب من المدرسة في سنواته الأولى…”7
- “مراد لعور في الثلاثين من العمر… طويل، نحيف، أحول العين اليمنى، نشأ في أسرة ميسورة، تميل إلى التدين، معظم أفرادها يحفظون القرآن الكريم…”8
- فواز بوطويل في الخامسة والثلاثين من عمره، معتدل القامة، بهي الطلعة، أنيق اللباس، يعيش في أسرة ميسورة الحال، يملك مزارع شاسعة، فشل في البكالوريا ثلاث مرات…”9
وصفوة القول إن الحواشي بما هي مقاطع تتكيء على السرد حينا وعلى الوصف حينا آخر، وبما هي أجزاء مطبعية تأخذ شكل ومضات لم يكن قياد الرواية يسلس إلا بها، فإن دلالتها تنأى بها عن مقابلتها بما هو متن، وبالتالي وضعها على التخوم لإضاءة زوايا أوصال المتن ذاته، بل إنها لحمته وسداه فلا استقامة له إلا بها .
يتحصل لدينا إذن نص روائي متشظ توزع على أكثر من صعيد: الأسفار والأجزاء المرقمة والحواشي، وكلها أسهمت في تشظية هذا النسيج، بل إن ذلك الغدو والرواح ما بين السرود والأوصاف، وذلك الإقدام والإحجام بين الأخبار التقريرية وبين الومضات الإيحائية ما يشي برغبة جامحة في قول كل شيء، برصد كل الوقائع، ونقل كل الأحداث، وتقليب الأمر على وجوه شتى، أو كما يقول الدغمومي في ارتباط الرواية بالواقع الاجتماعي: “اكتسبت منه صفات جعلت منها نصا أكثر تعقيدا، ليس مجرد محاولات سردية تحكي ما كان ببساطة وسذاجة أحيانا، ولكنها تجريب مدروس وتخطيط يريد أن يماثل الواقع في غناه وتعقده وقلقه وغموضه، ولتقدم اللغة مشحونة بأصوات متناقضة…”10
وهكذا،
- يشف هذا النص الروائي حينا عن خطابية مباشرة سافرة عالية النبرة، كما لاحظناه في الأوصاف والنعوت: “عزيزة الجنرال”، “مختار الدابة”، “نصير الجان”، “عمار كرموسة”، “مراد لعور”، “قدور الخبزة”، “خيرة راجل”، “عياش لبوطة”، “صالح الميقري”، “الزربوط”، “الخبطة”…
وليس بخاف ما في هذه الألقاب من أثر في توجيه القارئ من عملية تأثيث العالم التخييلي للرواية وأشكال خطابية تمثل مقصدية المؤلف فيها قطب الرحى.
- ويكشف حينا آخر عن موقف نقدي بالغ الأهمية طالما أن الرواية عكفت على الاجتماعي اليومي، وأوغلت فيه إيغالا يحمل على الاعتقاد بأنه على الرغم من سعي السارد -ومن ورائه المؤلف- إلى التواري خلف الشخصيات، فإن موضعته إياها في زاوية معينة واختراقه مستودع أفكارها وعواطفها، وملازمته لها في السر والعلن يسلمنا إلى ترجيح إمكان تسلل تجربة الذات والذاكرة الفردية، ويدفعنا في مرحلة تالية إلى النبش في أخاديد المصاحبات النصية التي تحف بالرواية، وكنا قد تركناها وراءنا إذ لم نستطع أن نفك شفراتها ومضينا مسرعين إلى النص نسائله فلم يرو ظمأ معرفتنا فقفلنا عائدين.
- وكان أظهر ما طالعنا من هذه المصاحبات النصية: اسم المؤلف والعنوان والإهداء والتصدير l’épigraphe.
تنفتح واجهة الغلاف على اسم المؤلف بخط عريض “عز الدين جلاوجي” وأسفل منه كلمة “الرماد” بخط أسود عريض، وأكثر حجما من اسم المؤلف تتبعه عبارة “الذي غسل الماء” وهو ما يشكل العنوان. وتحته، وفي أقصى يسار الصفحة، الإشارة الأجناسية”رواية” أما أسفل الصفحة فقد حمل إشارة إلى الدار التي تولت طبع ونشر هذا الكتاب وهي “دار المتون” لا “الحواشي”.
وتنبسط هذه المصاحبات على غلاف رمادي لا ندري أهو لون الماء وقد كدر صفاؤه ونقاؤه؟ أم لون رماد اكتسب بريقا من غسله الماء وهو يحاط على الجانبين بهامشين: أولهما رمادي أيضا والثاني بني متموج وينتهي بهامش بني على اليسار.
يقول جينيت في كتابه “عتبات”: “ينهض المؤلف بوظيفة تعاقدية، تتغير أهميتها بتغير الأجناس ، فهي تضعف وتتلاشى إذا كان العمل تخييليا، أما إن كان الأمر موصولا بأنواع الكتابة المرجعية فإن هذه الوظيفة تتعزز وتتوسع”.
وفي نص “الرماد الذي غسل الماء” الذي متح في جانب، من مرجعي ثر يلامس بعنفه ومأساويته تخوم التخييل، وتخييلي حاكته تفاصيل ملتقطة مما يقبع في مغاور الذات الواعية ومما يحفها من غلالات الغموض المولد للتهاويل والتهويمات، إنه التخييلي الذي نكتشف فيه الحقيقي والواقعي، لما تسقط أمامنا الحجب فتتجلي الرؤية.
هكذا تظهر الوظيفة التعاقدية حينا وتضمر حينا آخر:
- تظهر حين يعلق “جلاوجي” على لسان راويه، حين يصف، حين ينقل تفاصيل الحياة اليومية، حين يسمي الأشياء بأسمائها، حين لا يكني ولا يلمح، حين يفصح ويصرح، وما أكثر هذه المواضع: “وصف الأماكن ( عين الرماد، ملهى الحمراء، الأحياء الفقيرة، الريف،…) وتصوير الشخصيات (عزيزة الجنرال، نساء الحي الفقير ورجاله، …)، وتوثيق العادات (الجلوس في المقاهي، لعب التسلية الشعبية، الأكلات الشعبية، الحفلات والأعراس،…) ورصد الحالات الاجتماعية (الفقر، الثراء، الفساد ، الانحراف، المخدرات،…) وتسجيل الأحداث السياسية (الاستقلال، الاستعمار، الانتخابات البلدية…) أو لها بالسياسة آصرة (مقابلات كرة القدم، رأي العامة في”بن لادن”…)
- وتضمر حين يصوغ الروائي كل ذلك في ذوب جمالي يستشير فضولنا ويباعد ما بيننا وبينه، فقد أسس حول حدث، كان إلى وقت قريب عاديا في جزائر الفوضى والعنف والقتل العشوائي، وأحاطه بما عاش وسمع ورأى، وقد راق له ذلك واستطابه لما نكفأ به على سحر المتخيل يستعير منه أدوات تسعفه على التشكيل والتأليف، فوزع الأدوار وأثث الأمكنة واستدعى الأزمنة واستحضر اللغة وأطلق للفن العنان ليمارس سطوته فكان النص.
أما المصاحب النصي الثاني “العنوان” فهو العتبة التي تضطلع بوظائف فصل جينيت القول فيها لما جعلها “التعيين والتعريف والوصف والإيحاء والإغواء”.12
ولئن كان “الرماد الذي غسل الماء”مضافا إليه التحديد الأجناسي “رواية” قد حدد لنا الأطر المضمونية والشكلية التي يمكن أن نتحرك ضمنها، وأمدنا بما يمكننا من كشف أسرار بنياته ودلالاته، فإنه في المقابل، تزيا بزي الاستفزاز لما ينشره من غموض، يرتد إلى قلب طبيعة الأشياء ومنطقها، فالماء هو الذي يغسل الرماد بعد أن يطفئ النار، وليس العكس، والرماد بما هو أثر من آثار اشتعال يزال بالماء كما يزال بغيره . فأنى يستقيم هذا التركيب؟
وللإجابة انعطفنا إلى النص نسائله ونراوده عن مرجعيه ومتخيله، عن الاجتماعي فيه والسياسي، عن الإنساني فيه والذاتي فألفينا الضبابية تلف كل شيء، وأمر الإنسان في هذا الحيز الزماني والمكاني بكل تداعياته وارتداداته، موكول إلى قوة تحول الوجود رمادا، لعله يومىء إلى “ولو نارا نفخت فيها أضاءت ولكنك تنفخ في رماد”، إلى حياة صارت الحقيقة فيها إلى منطقة مريبة بين البياض والسواد، زاوية ملتبسة بين الشك واليقين، إلى حالة مفجعة ينوب فيها الرماد عن الجذوات المشتعلة، بل إنه يتجاوز النار ليبحر إلى الماء فيغسل جريانه، ويبطئ وتيرته ويمتزج به في محاولة غسل صفائه وبريقه ونقائه، فكان له ذلك وكان “الرماد الذي غسل الماء” أيعقل هذا؟ نعم يعقل أو هكذا يبدو لما يهمش العقل، ويسود الظلم، ويسحق الإنسان، وتقلب موازين الأخلاق، ويكسر سلم القيم فيتعتم النظر وتغيم الرؤية، وكنا نخال أن ما بعد العنوان سيفتح أمامنا كوى نستطلع من خلالها ما استغلق علينا ولكننا وقعنا على خطاب يقيني لا نملك أمامه إلا الامتثال ويتمثل في الآية الكريمة “فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد”الآية 45 من سورة الحج.13
وتتبدى لنا العظة المحال عليها هنا، إذ ترتبط أساسا بالظلم المفضي إلى الهلاك الذي من أماراته الخواء والتعطل وزيف بهرج الدنيا، تلي ذلك عبارة تشف عن حكمة “إنكم لا ترونهم كبارا إلا لأنكم ساجدون”14 تشيع منها رائحة التقريع الذي يروم فتح الأعين على حقيقة رؤيتنا للآخر ومستوياتها.
وهنا ينطرح السؤال الأولي: إلى أي ضرب من العتبات ينتمي هذا الخطاب؟
قد يكون تصديرا، لكننا وقعنا على خطاب آخر قمين بأن يكون تصديرا، لا سيما أن المؤلف قد أنزله منزل التصدير لما جعله بعد الإهداء، وضمنه توضيحا لبعض جوانب النص، فكان بمثابة خطاب الاستشهاد، وسنرجىء الحديث عنه إلى حين الفراغ من أمر هذا النص الموازي الذي، وإن وقع خارج العمل، فإن له به نسبا صريحا ذلك أنه تضمن إشارة من طرف خفي إلى ما يمكن أن يخالطه هذا النص من قضايا، أو يعرضه من مسائل، فهيأ أفق انتظار القارىء، لكننا لا نملك الجزم بالقول إن كان هذا التهييىء بالألفة أم بالخرق.
أما عتبة الإهداء فهي غالبا ما تتسور بالغموض فيما هو موصول بهوية المهدى إليه ذلك أننا نقف على مهدى إليه محدد من قبل المؤلف- بصرف النظر عن كونه شخصية معينة أو كيانا حقيقيا أو افتراضيا-، ويرتد الغموض إلى دخول القارئ طرفا في العملية، يتوازى مع المهدى إليه تأسيسا على حضوره الضمني.
وفي “الرماد الذي غسل الماء” انشطر الإهداء جزءين، جاء الأول مقطعا شعريا مقبوسا من نص إبداعي آخر للمؤلف نفسه، بدا مرثية للواقع العربي الحزين، يقيم في آن وشيجة مع أمل بالبعث، وابثاق للخير، فبعد أن نقرأ “يذبحنا التتار البيض كل مساء…فتجري منا الأرض دموعا ودماء…من بحرنا حتى سيناء…”15 ونصاب بوخز الإحباط وطعن الخيبة، ينقلنا الروائي إلى باحات الإشراق والحياة ” غير أن كل صباح…نبعث أنبياء…نزرع الأرض زهرا…نضمخها عطرا وإخاء.”16
ههنا، وفي هذا المقام، روعي – فيما نحسب- موقع القارئ إذ إننا أدركنا انصراف المؤلف عن الإمعان في تعميق القتامة وتكثيف الضبابية التي رافقت عتبتي العنوان والاستشهاد ، وكذا الجزء الأول من الإهداء الذي يبتعد عن أن يكون إهداء، أو شكلا من أشكاله المعروفة ذلك أنه لا يعدو أن يكون خطابا موجزا يقرر واقعا، أو يكتنز رؤية لهذا الواقع.
ورفع الإهداء في الجزء الثاني من “نص الإهداء” إلى “الأشجار التي وقفت بكبرياء فيجنين والفلوجة متحدية زوابع أعداء الإنسانية…”17
من البين أن ما رامه المهدي هو عقد صلة بين ما سينجزه من إبداع وبين ما ينضد به له من استهلالات وفواتح تستفز القارئ بالقدر الذي تمنحه ضمانات لولوج مجاهله، لقد أفصح المؤلف عن المهدى إليه الذي دلت هويته عن الآصرة التي تربطه به “العرق والدين”، إنه مهدى إليه يتجسد كيانا تجمعه بالنص المرفوع إليه مناسبة “ضبابية الوضع السياسي، القوى الوطنية المتصارعة، الآثار المترتبة عن ذلك:الظلم، القهر، الفساد…”
يقول جينيت:”يكون المهدى إليه دائما، وبشكل ما من الأشكال، مسؤولا عن العمل الذي أهدي إليه، إذ يكون، شاء أم أبى، قد قدم إليه بعضا من دعمه، وهذا يعني أنه شارك فيه بطريقة ما.”18
إن قراءة متأنية في هذا الاستنتاج الذي انتهى إليه “جينيت” من تمحضه لوظيفة الإهداء، توقفنا على جانب بالغ الأهمية، يرتبط بالدور الذي يمكن للمهدى إليه يضطلع به في إنجاز العمل الإبداعي نفسه، إنه الإلهام الذي أومأ إليه “جينيت” من خلال إيراده لكلمتي “الدعم” la participationوالمشاركةle soutien
وفي نص “جلاوجي” ما يشف عن هذا الإلهام، أو ذلك الدعم وتلك المشاركة التي تحسسنا حضورها في الجزء الأول من الإهداء، وفي كل لحظة زمنية مقتنصة من حيوات الشخصيات، وفي كل ومضة سردية توقع مصائر البشر السادرين في درب الرواية، لا فرق بين أهل “عين الرماد” و”أهل جنين” وأهل الفلوجة” ، فالمأساة نفسها وإن بدت مسبباتها مختلفة، والقهر واحد وإن كانت أساليب إحداثه متباينة، إنها معاناة الإنسان العربي التي تنفتح على أكثر من واجهة، وتلبس أكثر من رداء لتفضي إلى مأساة واحدة سحق الإنسان العربي وإذلاله.
بقي أن نعرج على الطرف الآخر الذي كنا قد أشرنا إليه، وهو القارئ الذي أهدي العمل إليه ضمنا أو افتراضا، إنه لم يذهب إلى العمل بحثا عن ذاته، أو عن مساحة له داخل العمل، فإذا به يلفي العمل مهدى إليه أو هكذا خيل إليه، فمضى يتقرى إيماءات يوقع بها حضوره،ويتسلل من منافذ يثبت بها وجوده، ويؤكد من خلالها دعمه ومساندته.
أما آخر مصاحب نصي نعرض له: التصدير فيندرج ضمن العتبات الاستهلالية، ويعرفه “جينيت” بما يلي:”إنه استشهاد يرد على ٍرأس عمل ما، أو على جزء منه، أو على حافته، وغالبا ما يكون في موقع قريبا جدا من النص، أي بعد الإهداء، إن وجد.”19
ويجرنا مثل هذا التعريف إلى عد الخطاب الذي تموضع بين نص الرواية والإهداء، مستهلا بعبارة ندائية “حبيبي” تصديرا، لكن ما حواه هذا الخطاب من توضيحات ينأى به عن أن يكون تصديرا، ويعضد ما نذهب إليه ما حد به “جينيت” التصدير في موضع آخر إذ يقول: “إنه حركة صامتة يتحمل القارئ تبعة تأويلها.”20 فماذا يمكن أن نعد هذا الخطاب؟
- Une instance préfacielle أهو مقدمة، أم تمهيد، أم ما يسميه “جينيت” هيئة مقدماتية؟
يحسن بنا قبل أن نسعى للإجابة، أن ننشغل بما انطوى عليه هذا الخطاب من دلالات، وما حواه من مضامين بوسعها أن تشق لنا مسلكا إلى التصنيف، ونظفر بكشف ما يمكن أن يكون قد احتجب علينا.
تقدمت إلينا هذه العتبة الاستهلالية بخطاب نداء “حبيبي” ينفتح على مناجاة تأخذ شكل الخاطرة، نداء يحقق مقاما تواصليا يحضر فيه المنادى صورة تشكلها ذات متكلمة (المؤلف كناية لا تصريحا) موجوعة بفقد هذا المنادى الحبيب “المجهول”، ذات يائسة من حلم عودة الحبيب، باثة إياه لواعج بعده عنها، تروم امتلاكه بفتنة القص إذ تشرع أمامه أبوابا لشهوة الحكي، ملوحة في ذلك بالعجيب والغريب والمدهش، خاتمة إيقاعها بإشارة إلى حصول اختلاف في اختيار عنوان لهذه “الحكاية العجيبة”، فمن العناوين التي شاعت بين الناس “سوق النساء” و”الجثة الهاربة”، أما هذه الذات المتكلمة فانفردت باحتيار “الرماد الذي غسل الماء” لكنها لا ترى غضاضة في أن يسمها الحبيب المنادى بما يشاء، وله أن يمتنع عن تسميتها كلية.
أما التوقيع الذي ذيل به هذا الخطاب “قلب أحبك بجنون”21 فيحفه غموض متسرب مما ثوى في تضاعيف هذا الخطاب من مخاتلة ومداورة وسع بها المؤلف مدارات التخييل، وحمل المتلقي على بسط أشرعته في كل اتجاه لعله يثبت قدما أدرك أنها ستزل منذ أن واجه العتبات الأولى.
يتحصل لدينا إذا، ونحن نهم بإنهاء مقاربتنا لعتبات الاستهلال في هذه الرواية، أن هذا النص العتبة ضم ما يختلف وما يأتلف من خطابات مما يفيض عن حاجة التصدير، ومما لا يمكن أن يتسع له التمهيد أو المقدمة.
هنا يتساءل متسائل فيقول: أيتأطر هذا ضمن الآفات المعطبات التي تضئل من قيمة النص الروائي، وتخلخل أبنيته؟ أكان ذهن المؤلف، وهو يدبج هذه السطور، خلوا من أي تصور مسبق لما تكون عليه العتبات الاستهلالية في صيغتها ومحتواها؟
فلا نملك هنا إلا أن نجيب بسؤال نراه حقيقا بالتثبيت: أمن الضروري أن يتبع المبدع سمت سابقيه أو مجايليه في هذا؟ ثم ما حظ فعل الخرق المولد لكل جديد وخاص ومتميز ودال على الإبداع؟
وجماع القول إن خطابا كهذا يند عن المحاصرة التصنيفية، ويتزأبق على التجنيس التنظيري خليق بأن يعد عتبة استهلالية مقدماتية تصديرية تؤمن وظائف متنوعة، كالتعليق على النص، والتعليق على العنوان، وتوجيه المتلقي وتصعيد حساسيته، والإعلان عن قصد المؤلف من إنتاجه هذا النص، وتحديد جنس العمل المبدع، ومراحل تكونه، وما إلى ذلك مما يشترك فيه كل من التصدير والخطاب المقدماتي في النهوض به.
إنه ضرب من ضروب الهيئات المقدماتية التي، وإن تفلت من الوسم الأجناسي، فإنه أدى دورا في فتح النص على ممكناته ومستحيلاته في آن، واستفز قارئا لاحق ذاتا هاربة أو “جثة هاربة”، فأبحر في ماء غسله الرماد لعله بذلك يتطهر من فضوله، أو يكتسب مناعة أمام عتبات مغريات طالما نصبت شباكا وأحابيل أمامه وانصاع لها مفتونا مستطيبا وقوعه وانصياعه.
الهوامش:
1 – عزالدين جلاوجي، الرماد الذي غسل الماء، دار المتون للطباعة والنشر، الجزائر، ط1 ، 2005 .
2- Gérard Genette,Frontières du récit,in communications 8, Editions du Seuil, Paris,1981.
3- عز الدين جلاوجي، الرماد الذي غسل الماء، ص17،18.
4- المصدر نفسه، ص19.
5- المصدر نفسه،ص90.
6- المصدر نفسه، ص396.
7- المصدر نفسه، ص 91.
8- المصدر نفسه، ص92.
9- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
10 – محمد الدغمومي، الرواية المغربية والتغير الاجتماعي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء،1991،ص48.
11- يقول جينيت في كتابه Seuils : “المصاحب النصي، في كل أشكاله، خطاب غير مستقل hétéronome ، فهو ظهير وقف نفسه لخدمة طرف آخر يمثل سبب وجوده ألا وهو النص” G.Genette,Seuils, Editions du Seuil,Paris, 1987, p37.
12- G.Genette,Seuils,p44.
13- عز الدين جلاوجي، سرادق الحلم والفجيعة، رواية، منشورات دار القلم، 2006.
14- عز الدين جلاوجي، الرماد الذي غسل الماء، ص 8.
15- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
16- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
17- G.Genette,Seuils,p139.
18- Ibid,P147.
19- ibid, p159.
20- الرماد الذي غسل الماء، ص12.
21- يرن جينيت في كتابه Seuils أن “صيغ الخطاب المقدماتي لا يمكن أن تخرج عن ثلاثة أشكال: صيغة درامية وصيغة سردية وصيغة شعرية”ص( 173، 174.)
ونلاجظ أن ما كتبه الروائي يزاوج بين الصيغة الدرامية المتجسدة في المقدمة الحوارية، والصيغة السردية التي تتصل بظروف تحرير النص وملابسات إنتاجه.
/
* باحثة أكاديمية من الجزائر




