الروائي بوفاتح سبقاق في حوار خاص
بواسطة مسارب بتاريخ 3 مارس, 2012 في 10:00 مساء | مصنفة في حوار مسارب | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 2145.

 

أنور الخطيب
الأخبار تتوالى على القصر الرئاسي، الاعتصامات في كل الميادين الاستراتيجية، الرئيس في ركن من مكتبه، يضع جريدته أمامه ويشطب من حين لآخر كلمة، إنها هوايته المفضلة البحث عن كلمة السر… فجأة دخل مدير الأمن الرئاسي مسرعاً: سيدي الوضع جد خطير، إنهم يقتربون من القصر الرئاسي.. نهض الرئيس من مكانه يجر ثقل السنين.. ثلاثون سنة في الحكم جعلته يتأقلم مع كل الظروف، ولكن هذه المرة يحس بأن النهاية أضحت قريبة… وفجأة سمع صراخاً وفوضى ورصاصاً في ردهة القصر، سارع إلى أخذ مسدسه واقترب أكثر من النافذة، لا يصدق ما يراه، العسكر يغزون المكان، فتح باب المكتب بقوة، ودخلت مجموعة من العساكر المدججين بكل أنواع الأسلحة: “انتهت اللعبة أيها الرئيس، من الآن أنت الرئيس السابق…”.
لا بد أن تكون هذه المقاطع من قصة قصيرة كتبت خلال الفترة التي بدأ فيها ما اتُفق على تسميته “الحراك العربي”، هي قصة بعنوان “الساعات الأخيرة للرئيس” للقاص والروائي الجزائري بوفاتح سبقاق، الذي تثير قصصه وروايته ضجة في الشارع الثقافي المغاربي، لكونه يكتب وهو على تماس مع الحدث الساخن، ويعبر بجرأة وصراحة، حتى لو كلفه هذا أن يلجأ أحياناً إلى الأسلوب المباشر في السرد، ولكونه يكشف عورات المجتمع بأسلوب المواجهة، وهذا ما جلب إليه بعض الانتقادات أيضاً، ولكن حسب رأيه، فإن الواقع لم يعد يحتمل التجميل أو زخارف الكلمات، ولا غرابة في ذلك، فهو ابن مجاهد قديم شارك في ثورة تحرير الجزائر، ربطته به علاقة خاصة يقول عنها: “منذ نعومة أظافري والحديث الدائم للوالد لا يخلو من الحديث عن الثورة الجزائرية، وكيف انخرط فدائياً وعمره 22 سنة، وعن دخوله السجن عدة مرات، وكانت آثار التعذيب الفرنسي على ظهره واضحة، تعلمت منه حب الجزائر وكره فرنسا، وعرفت أن الإرادة تؤدي إلى حدوث المعجزات، حكايات كثيرة كان يرويها، منها أن الكثيرين في بداية الثورة كانوا حين يلتقون به يقولون له بكل سخرية: أنتم تخرجون فرنسا من الجزائر؟ محال.. ودارت الأيام والسنوات وتحقق حلم الثوار، وكان والدي دائماً يزرع فينا الإرادة وحب الجزائر، وأتذكر كيف كان يتألم لما يحدث في الجزائر في سنوات الإرهاب الدامية في التسعينيات، وكان دائماً يقول إن إرادة الشعب الجزائري ستقهر كل المشكلات، وكتبت قصة واحدة تحكي عن مقاومة الجزائريين بعنوان (نهاية ظالم)، وهي مستوحاة من الحكايات الثورية التي كانت دائماً على لسان الوالد، رحمه الله ورحم الله كل شهداء الجزائر”.
مناضل في البيت!
 وكان لوالد الأديب سبقاق دور كبير في نشأته وحبه للقراءة والكتابة: “كان دوماً يشجعنا على المطالعة، ويظهر لنا أهمية الكتاب والفكر، رغم أنه لم يدخل مدرسة في صغره، بل تعلم بعد الاستقلال في مدارس محو الأمية”، ويذكر أيضاً دور أخيه الأكبر “الطاهر”: “الذي كوّن لنا مكتبة عائلية مميزة فيها الكثير من الكتب الأدبية والتاريخية، وأتذكر جيداً أنني في تلك الفترة من مرحلة التعليم الابتدائي قرأت الكثير من الكتب التي كانت تتجاوز سني بكثير مثل “الحرب والسلام”، و”الأم”، و”يوميات نائب في الأرياف”، و”المحاكمة”، وغيرها.
وللأديب الجزائري بوفاتح قصة طريفة مع القراءة يقول عنها: “في فترة الطفولة والشباب، كنت مدمناً على المطالعة، حتى أنني كنت لا أكتفي بما هو موجود بالمكتبة العائلية، بل أشتري من حين لآخر بعض الكتب أو أستعير من مكتبة البلدية أو مكتبة المدرسة، وكنت أيضاً مولعاً بمراسلة المجلات العربية والدولية، وكانت تصلني الكثير من المجلات من عدة دول من العالم حتى أن والدي رحمه الله كان دائماً يفاجأ بالكم الهائل الذي يصلني، كنت حين أجد عنوان أي مجلة أو دار نشر أبادر بمراسلتها، وفي إحدى المرات، وجدت ظرفاً ممزقاً عليه عنوان دار نشر إيرانية، راسلتهم فوصلتني مجموعة من الكتب الدينية لم أفهم منها شيئاً في تلك السن، ومرة راسلت منظمة العفو الدولية، وكنت أظنها دار نشر، فأخذت تصلني منها شهرياً تقارير حول أوضاع الإنسان في مختلف دول العالم، بالإضافة إلى تقارير سنوية، وقد سأل أحدهم والدي عن ابنه المناضل في حقوق الإنسان، واستغرب وقال له: (ليس عندي أي مناضل في البيت، ولما اكتشف الأمر ضحك كثيراً وقال لي: «لم يبق لك سوى الأمم المتحدة»).
سيرة إبداعية
نشأ بوفاتح في بيئة صحراوية، كانت مكان روايته “الإعصار الهادئ”، يقول حول تأثره بالبيئة الصحراوية: “بالفعل كان للبيئة الصحراوية تأثير كبير في كتاباتي، حيث إن الصحراء في بلادنا تعتبر مناخاً قاسية جداً، ويتميز أهلها بالطيبة والكرم، وهذه الصفة ما زالت موجودة، زيادة على أن المناطق الصحراوية تتميز بالبساطة مما يجعل معيشة أهلها في حدود عادية، فهي قليلة السكان والعمران ونشاطها الاقتصادي محدود، أعتقد أن كل هذه المؤشرات ساهمت كثيراً في طريقتي في الكتابة من حيث الموضوع والشخصيات وتسلسل الأحداث، فراويتي الإعصار الهادئ تدور أحداثها في مدينة تقرت وكل الشخصيات تتحرك ضمن فضاء صحراوي ونسق اجتماعي وفكري جنوبي، وعليه فإن العلاقات بين الشخصيات ترتكز على مكونات المجتمع المحلي الصحراوي، مع أنني في روايتي الإعصار الهادئ حاولت أن أقضي على تلك الصورة النمطية الجاهزة حول الصحراء وأهل الجنوب، التي تجعل الصحراوي هو ذالك المواطن الطيب إلى حد السذاجة”.
بدأ بوفاتح سبقاق النشر في الصحف الوطنية الجزائرية في عام 1988، كما نشر أعماله في مجلة “العربي” الكويتية وأسبوعية “أخبار الأدب” المصرية، وحاز المرتبة الثانية في مسابقة عبد الحميد هدوقة للقصة القصيرة، (عبدالحميد بن هدوقة من أعمدة الروائيين الجزائريين، إلى جانب الطاهر وطار وكاتب ياسين وغيرهم)، وقد صدر لبوفاتح مجموعتين قصصيتين، الأولى بعنوان “رجل الأفكار” عام 2000، والثانية بعنوان “الرقص مع الكلاب” عام 2002، وقد أصدرت الناقدة الأردنية سعاد جبر دراسة نقدية حول أعماله بعنوان “ثنائية النخبة والمواطن في كتابات بوفاتح سبقاق القصصية”، كما أصدر رواية بعنوان “الإعصار الهادئ” عام 2007. وهي الرواية التي أثارت ضجة في الساحة الثقافية الجزائرية، ويتحدث عن علاقته بالكتابة فيقول: “أتذكر أن أول محاولة قصصية كتبتها كانت تندرج ضمن الخيال العلمي، حيث أنني كنت متأثراً كثيراً بغزو الفضاء والكواكب المأهولة، كانت قصة تحكي عن رجال فضاء وصلوا الى كوكب غريب وفجأة يتحول واحد منهم إلى عدو لهم. أما أول قصة قصيرة متكاملة كتبتها، فكانت بعنوان “الاقتراح العجيب” وهي عمل نشر سنة 1987 انتقدت فيه سياسات الحزب الواحد وتسببه في مآسي المواطنين، وكيف أن الوجوه نفسها المتسببة في كل الأزمات تواصل تسيير البلاد بالكثير من الكوارث و لم تمضي سوى أشهر حتى وقعت أحداث أكتوبر 1988 التي كانت بداية المسار الديمقراطي بالجزائر”.
كنفاني وإدريس ونيسين
الغريب في مسيرة الأديب بوفاتح أنه لم يتأثر بكتاب جزائريين بل بكتاب عرب آخرين، وهذا رأيه في الموضوع: “تأثرت في بداياتي بالكثير من الكتاب يأتي على رأسهم الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني، حيث إنني كنت مولعاً جداً بكتاباته بما حملته من قيمة إنسانية وجرعة التشويق التي كانت تسكن ثناياً قصصه، وتأثرت أيضاً بالكاتب المصري الراحل سهيل إدريس الذي كانت تتميز قصصه بمسحة فنية تجعلك أحياناً تغرق في الضحك إلى حد البكاء، وطبعاً قرأت للكثير من الكتاب الجزائريين والعرب وبعض الأعمال الغربية المترجمة، كما أن كتابات المبدع الكبير التركي عزيز نيسين كانت تؤثر في منهجي في الكتابة من حيث الموضوع بما تحتويه دائما من نقد لاذع، وتموقعها دائماً مع المواطن المقهور ضد السلطة الظالمة مهما كان لونها”.
وكان الأديب بوفاتح سبقاق قد ذكر في حوار صحفي أنه لم يتأثر بأي كاتب جزائري، ولكن ما هي المعايير التي يجب أن تتوفر بالكاتب حتى يكون مؤثّرا؟ يقول بوفاتح: “لقد قرأت للكثير من الكتاب الجزائريين وهناك فرق بين أن تقرأ لكاتب وأن تتأثر به، كما أسلفت سابقا الكاتب الوحيد الذي تأثرت به هو شهيد القلم الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، من خلال كتاباته عرفت أن القصة فن جميل وعرفت أنه بالقصة نستطيع أن نكشف معاناة الإنسان ومآسيه وأن نكشف الأغلبية الساحقة والأقلية المسحوقة، وحسب رأيي الخاص فإنه لكي يؤثّر كاتب في الآخرين يجب أن يكون صادقاً قبل كل شيء وأن يكون صاحب قضية وأن تكون سلوكاته في الواقع اليومي لا تتعارض مع أفكاره في قصصه”.
وعلى الرغم من تأثّر بوفاتح بكتاب “مشارقة”، إلا أن الهوة لا تزال موجودة بين الأدب المشرقي والأدب المغاربي، وهي قضية مثارة منذ سنوات طويلة، دون أن تجد لها حلاً باستثناء تجمع (المشارقة والمغاربة) في بعض المهرجانات، وللأديب بوفاتح رأي في ذلك، إذ يقول: “الحقيقة أن هناك شبه قطيعة من طرف واحد بين المشرق والمغرب، نحن نقرأ المشرق ولكن المشرق لا يقرؤنا، النقاد والقراء في المشرق لا يعرفون ما يكتب في المغرب إلا إذا ترجم إلى لغات عالمية أو أحدث ضجة عالمية، وهناك حالات استثنائية تتعلق بمغاربة هاجروا إلى المشرق ونشروا فيه إبداعاتهم، يبدو لي أنه لابد من إحداث قفزة نوعية في جسور التواصل عن طريق معارض الكتاب ودور النشر والنشر المشترك والندوات الفكرية والثقافية”. يمزج الجزائري بوفاتح بين النقد والأبداع، علماً بأن قليلين من الكتاب مارسوا المزج بين الاثنين، فهل هي محاولة لسد ثغرة في الكتابات النقدية في الجزائر، لا سيّما أنه يتحفظ على مستوى هذه الكتابات، باستثناء أعمال محتشمة حسب وصفه، والسؤال المطروح هو: لماذا تعاني معظم الساحات الثقافية العربية تراجع الاهتمام بالنقد؟ يجيب بوفاتح: “بالفعل كنت دائماً أقول إن الساحة الأدبية ببلادنا تعاني من غياب تام للنقد، وهذا ما جعل وجود تراكم أدبي لا يقابله أي رصد نقدي، والكثير من الأسماء تعتلي سلم المجد الوهمي بتزكية إعلامية فقط، وحتى المشرق العربي لا يعرف الكثير عن تطور الأدب الجزائري، ما زال القطار متوقف عند محطة واحدة فيها المرحوم الطاهر وطار أو عبد الحميد بن هدوقة او رشيد بوجدرة، لا غير وبالتالي هناك الكثير من الأسماء المتميزة لا يعرفها أحد لا في الداخل ولا في الخارج، أنا في الواقع لا أمارس النقد الأكاديمي، ولكنني أحياناً أكتب مقالات نقدية وأنشرها في الصحف والمواقع الإلكترونية، وأجري بعض الحوارات مع الكتاب والمبدعين من أجل التعريف بمنجزاتهم، ولكن بالفعل، الساحات الثقافية تعاني الكثير من غياب النقد، ففي الغرب مثلا صدور رواية يعتبر حدثا كبيراً تشحذ لأجله أقلام النقاد، أما لدينا فغالبا ما لا نكتشف قيمة ما ينشر إلا بعد أن يترجم أو يكتب عنه نقاد غربيون”.
موضوع البطالة
يعمل بوفاتح في مجال تطوير المشاريع، ما يجعله على تماس مباشر مع مسألة توفير فرص العمل للشباب والكوادر البشرية المؤهلة، وباتت “البطالة” تشغل باله كثيرا، فانعكست في قصصه القصيرة وروايته “الإعصار الهادئ، فهل مر الكاتب بتجربة البطالة، أم أنها تكتسب بعدا آخر؟ في الواقع كانت فترة البطالة التي مر بها قصيرة جدا، لكن موضوع تشغيل الشباب، كما يقول يعتبر عنصراً أساسياً لحل كل مشاكل الشباب: “فحين يجد المرء عملا تفتح أمامه كل ميادين الحياة الأخرى، وحين أكتب تهمني معاناة الإنسان بالدرجة الأولى، والمشكل الأساسي مرتبط بغياب العدالة الاجتماعية، لأن مشكل الشباب بالدرجة ليس في عدم وجود وظائف بل في غياب تكافؤ الفرص وتهميش الكفاءات وتفشي المحسوبية، وغالبية هذه الظواهر عالجتها في الكثير من أعمالي”.
فرد ينظم جائزة
ينظم بوفاتح بشكل فردي وشخصي جائزة الرواية الجزائرية لعام 2010، فما المعايير؟ وفي الواقع، ينبع سؤالي من أن جائزة البوكر العربية، كما يبدو، وضعت معايير منها انشغالها بما يحدث في الشارع العربي، و”الثورات”، أي غلّبت مضمونا محددا في المعايير، فكيف ينظر إلى هذا الأمر، وكيف يقيّم الجوائز العربية من حيث الموضوعية، أم أنها مصابة بالشللية كما هي الساحات الثقافية؟
يقول حول هذا الأمر، إن مسابقة أفضل رواية جزائرية التي تنظم هذه السنة في دورتها الثانية، جاءت من أجل إبراز أفضل الأعمال وتعريفها للقراء والنقاد على الساحة الجزائرية والعربية، وهي مبادرة خاصة مني عن طريق النادي الأدبي الجزائري على الانترنت، الذي أسسته منذ سنوات، إضافة إلى موقعي الشخصي أيضا، ليس هناك لجنة للمسابقة، بل أطلب قائمة الروايات من القراء والنقاد والإعلاميين، ثم أختار أفضل 10 روايات مقترحة، والتي بدوري أقترحها على الجميع، وبالتصويت المباشر في موقعي الشخصي، والمسابقة دائما مفتوحة لكل من أصدر رواية جزائرية جديدة خلال الموسم، أما بخصوص الجوائز العربية من حيث المبدأ، فهي مبادرة جيدة من شأنها تكريس روح المنافسة والإبداع، ولكن المؤسف أن البعض منها يخضع للولاءات والجهوية الضيقة، وهذا السلوك يبدو متجذراً في العقلية العربية، وهو موجود أيضاً في الساحات الثقافية، إن هذه الأفعال غير الثقافية من شأنها إحداث نوع من الزيف الإبداعي في ساحاتنا الثقافية، يتم من خلاله تغليط القراء والنقاد على حد سواء، أتمنى في المستقبل أن يتم تدارك هذه الثغرات من أجل تطوير أفضل لثقافاتنا، وجعل الإبداع العربي في مصاف الآداب العالمية من حيث الجودة والمقرئية.
بقي أن نقول أن بوفاتح يعمل الآن على مجموعة قصصية جديدة، ستكون الثالثة في رصيده القصصي، كما يستعد لكتابة شبه سيرة ذاتية يرصد خلالها التغيرات الثقافية والسياسية والاجتماعية في الجزائر من 1990 الى 2011 أو 2012.
التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. وتأثرت أيضاً بالكاتب المصري الراحل سهيل إدريس الذي كانت تتميز قصصه بمسحة فنية تجعلك أحياناً تغرق في الضحك إلى حد البكاء…
    المقصود ربما الكاتب المصري الراحل يوسف ادريس أحد رواد القصة العربية القصيرة …
    أما سهيل ادريس فهو كاتب لبناني اشتهر برائعته الحي اللاتيني وحتى و ان كتب مجموعات
    لكنها بطبيعة ليست في مستوى نصوص بوسف ادريس : طرحا و معالجة و أسلوبا…
    تحياتي للمحاور و الكاتب النشط بوفاتح سبقاق…

  2. واصل الكتابة على هذا المنوال يا صاحب النظرات الجليدية

اترك تعليقا