يقول الشاعر “بولنوار عبد الرزاق”:
أراني شاربا همّي *** وكفّ الخلِّ تسقيني
فلا أحيا إذا كانت *** جراحي في شراييني
وإنّي أرتجي موتا *** لعل الموت يحييني
القصيدة: لعبـةُ المـوت
أَبْقِي على عيْنَيك..لمحةَ نُورِ**إني لمسْتُ على الهَـباء..مَصيري
وتدَثّري من دمعتيْنِ..ببسْمةٍ** فلَعلّني منها..أصُوغُ حضوري
ولْتَهْـنَئي بالأُنْس في تدبيرهِ **عِوَضًا..عن الإشفاقِ من تدبيري
أنا شاهـدٌ..أحْيا بنصفِ حقيقتي** أنا غائب..أرضَى بِوَهْمِ مُروري
حمدًا..فها أنا بعْدُ…أُولَدُ مرّةً ** أُخرَى..وأنفُذُ عبرَ خيْطِ حريرِ
من ثُقبِ بيْتِ العنكبُوتِ..رأيْتُني ** أجتازُ ناري..بلْ أجُرُّ عُصوري
مُتأبّطًا قدَري..ومنْطلِقًا بهِ**كالنجْمِ..مُلْتفِعًا بوَهْجِ أثيري
والموتُ يُغريني..برقصةِ سيرَكٍ**فأخُوضها للرُّوح..جِسْرَ عُبورِ
وأعُودُ..صُوفيَّ الحقيقةِ..إذْ أرَى**صوْتَ النعِيِّ هُنا..قميصَ بَشيرِ
واللّيْلُ ما ابْيضّتْ عيونُهُ..شقَّهُ**فلَقًا..على الغيْبِ البَصيرِ..ضميري
مَلِكٌ لأوجاع الرياح أنا..ولي**أن أُرْعِيَ الأصْداءَ..سمعَ أسِيرِ
سفَري..انْفلاتُ الناي من أنّاتهِ**وتوَجُّـسُ العتَمات..نبْضُ مَسِيري
لا أرضَ لي..إلّا القصيدة..حيْثُما**كانت.. ركبْتُ لها هدِيلَ طيوري
يمتصُّني حُزني..ومن غاباتهِ** أهْدِي إلى الفرَح الصبِيّ..زهوري
أوتِيتُ شجْوَ مُهَلهِلٍ..ولَرُبّما**بهِ أفتَدينيَ..من غدِي المغْـدُورِ
زادي..الخطايا الرابِضاتُ على دمي**وزمانيَ الموْتُورُ..غيرُ غَفُورِ
من هُوّةٍ..أُفْضِي لِهاوِيةٍ..ومِنْ**وِزْرٍ صغيرٍ..أحْتَمي بِكبيـرِ
عُمري جراحاتُ السنين..لوَ انّها **كانت جراحي..لم أضِقْ بثُبوري
إرْثي..من الثاراتِ..عمـرُ قبيلةٍ**تجْتَرُّ لَوْعةَ واتــرٍ، موْتُورِ
تتعَدّدُ الحيَواتُ فيَّ..ومثلُها**مَوتي..يُجَدّدُ قَوْسَهُ الأسطُوري
ولربّما..كنتُ استرحْتُ بشهقةٍ**لوْ أنني يوْمًا..طعنْتُ شعُوري.
جدلية الحياة والموت في قصيدة “لعبة الموت”:
إن الحديث عن الحياة والموت يأخذ أبعاداً كثيرة ومتباينة، فمنذ القدم سكن الإنسانَ فضولُ المعرفة، فراح يحلّل ويفسّر الظواهر التي يراها ويعيشها، ابتغاء الوصول لمجموعة من الاستنباطات والشروحات، وبحث من جملة ما بحث عن الثنائيات وعلاقتها ببعضها، من ذلك ثنائية الحياة والموت، عَرَف معنى الحياة بشكل أوسع، وكيف السبيل لاستغلالها مُنَظّراً لجميع الحالات فيها من حزن وفرح وسعادة وكآبة ومرض…، وقيل عن الإنسان إنّه حيّ إذا كانت أعضاؤه غير متوقفة، والتي من أهمّها العقل والقلب. غير أنّه وقف عاجزاً عن تفسير ظاهرة الموت، تلك الظاهرة الضبابية التي لا أحد من البشر استطاع أن يصفها بعيداً عن الحالة الفيزيائية التي تعني توقف الأعضاء عن العمل، ثم تحلُّل الجسد وغياب الروح أو توقف التنفّس، وبالتالي الفناء، يقول باسكال:” إني في حالة جهل تام بكل شيء، وكلّ ما أعرفه هو لابد أن أموت يوماً ما، ولكنني أجهل كلّ الجهل هذا الموت الذي لا أستطيع تَجَنُّبَه” .
لكن مفهوم الموت يتغيّر عند الشاعر، فالموت لا يعني بالضرورة موت الجسد وغياب الروح، إذ كثيرا ما يصف الشاعر نفسه بالميّت لحالة حزن قد تعتريه أو لهوان يصيبه ،أو لكدر بحياته، كما أنه قد يعطي للموت دلالات تتضمن الحياة أو موت تنبثق منه الحياة، تلك الحياة التي يتمناها الشاعر ويطمح إليها، لا التي يعيشها. هذا الأخير الذي يبعث الحياة في كلّ شيء، حتى وإن كانت الموت، كما أنّه قد يراها خَلاصاً لهمومه ومشاكله، فتكتسب دلالة أخرى أكثر تفاؤلا ، وبدل أن تكون هناك علاقة تضادٍ بين “الحياة والموت” تصبح علاقة تكامل وتداول، كما جاء في قصيدة “لعبة الموت” للشاعر عبد الحاكم بلحيا.
هي لعبةٌ للموت، ومحاورة ومناجاة وتأنيب وتهذيب للنّفس،أليس ما يقهرُها هي تلك؟، هي الموت التي يأخذُها الشاعر _على الرّغم من جدّيتها_ مأخذَ السُّخرية، هي انصهارُ الرّوح بعذابِ قناعات أوجدَها الشاعر، آمن بها، وراح حُبّاً لصاحبه ينثر عبيراً رغمَ قساوة معانيه الشائكة، ففي النهاية تبقى الورود تحت حماية الأشواك مادام نسغهما واحداً.
كيف اختار الشاعر “لعبة” وكيف جمعها بالموت في تركيب ساخر قاهر، أليست اللعبة في النهاية هي ترفيه عن النفس، تسلية، مرح؟ كيف ستكون إذَا ما تعلّقتْ بالموت؟!، ولا يكتفي الشاعر بوصفه للحياة باللّعبة، بل إنّ هذه اللّعبة مُغرية أيضاً، إنّها تغريه بالرقص فيرتّل قائلاً:
“والموتُ يُغريني…بِرَقصة سيرَكٍ”
مُكسِباً الموت دلالات قد لا تكون للحزن دائماً، أو رُبّما هو حزن بلغ حدّ الثّمالة، حتى جعلَ الشاعرَ يسخرُ من آلامه وجراحاته التي صارت تُكبّل حياته. والموت هنا ليس بالضرورة الفناء، وإن كان فناء الجسد وارداً، لكنّه ميلادٌ أيضاً ، هو ما أشار إليه الشاعر في ثنائية متضادّة (موت_ميلاد) كأن هذه الثنائية تمشي تناوُباً “لعبة موت” ثم “حياة”، يقول:
“حمداً..فها أنا بعْدُ…أُولَدُ مرّةً أُخرَى..وأنفُذُ عبرَ خيْطِ حريرِ”
وكأن الموت هي لأجْل أن تستمرّ الحياة، ليست نهاية بقدر ما هي بداية أخرى، حضور الأولى لا يلغي الثانية بقدر ما يكمّلها. هي طبيعة الإنسان وفطرته التي تجعله يبحث عن الخلود، فإن لم يكن ذلك يتأتّى بالجسد والروح، فلعلّه يكون بالمواقف والذّكريات التي يحرصُ الشاعر على نقائها رغم شوائب الدّهر. فمتى ما حضرت الحياة كانت الموت، (حياة_موت) يمثّلان (حضور_غياب)، تجسّد هذا المعنى في قوله:
“أنا شاهدٌ…أحيا بنصفِ حقيقتي أنا غائب…أرضَى بوَهمِ مُروري
فالحضور وردَ في قوله (شاهد) كان ملائما للحقيقة كما جاء في الشطر الأول، وهو تصريح من الشاعر بالرؤيا والوجود، فشَهِدَ بمعنى رأى، ومنه الشاهد الذي يرى ببصره وعقله، والغياب ورد في قوله (غائب) ملائما للوهم، فهو يضيف في الشطر الثاني ما يُربك فهمنا حين يقول “أحيا بنصف حقيقتي”، فكيف لشاهِدٍ يرى كلّ الحقائق أمامه ثم في الأخير يعيشُ مُقتنعاً بنصفها فقط، كأنّه يريد أن يقول أنّ المُحبّ أو العاشق لا يستطيع الرؤيا بوضوح أو رُبّما لا يرى إلا بقلبه ما يُريد أن يراه هو، ويقتنع به، لا ما هو كائن بالفعل.
تقوم قصيدة “لعبة الموت” على جدلية الحياة والموت، وكيف أنه لا وجود لطرف دون الثاني، أو لعلّه لا يكتسب معناه إلا بوجود نظيره. تتجلى هذه الجدلية بالإضافة إلى ما سبق ذكرُه في قوله:
تتعَدّدُ الحَيواتُ فيَّ ..ومثلُها مَوتي.. يُجَدّدُ قَوْسَهُ الأسطُوري
ولربّما كنتُ استرحْتُ بشهقةٍ لوْ أنني يوْماً..طعنْتُ شعُوري
فتعدّد الحيوات في نفس الشاعر مقترنة بالموت، وحضورهما معاً صار أمراً عادياً لكثرة ألمه. ولعلّ الشّاعر يأتي على ذكرِ لعبة الموت بعد أن تعب من حياته المليئة بالألم والجراح حتى صار لها مَلِكاً. مُتعَبٌ، مُرهَقٌ من حياته، حتى بدت له مع زخم آلامها وأحزانها كلُعبةٍ تلهو بعُمرِه كيْفما شاءت، ليقول في الأخير أنّ مَرَدّ ذلك كلّه هو أنّه عاشَ لأجلِ شعورِه وبه، وأنّ طَعنَهُ لهذا الشعور كان سيُريحُه من كلّ هذه الآلام.
حقل الفناء في القصيدة كان معادلا لحقل الحياة، يحمل دوالاًّ تحيل إلى كل منهما، ففي الحقل الأول جاءت ألفاظ الشاعر مُضمّخة بالحزن و الألم مثل: (الهباء، دمعتين، غائب، ملتفع، الموت، النعيّ، العتمات، حزني، أنّات، هوّة، هاوية، جراحات، الثارات، لوعة، طعنت….)، وفي الحقل الثاني اكتست معاني الأمل والتفاؤل والمحبّة مثل: (نور، بسمة، أولد، بشير، الفرح، زهور، الأنس، حمداً، رقصة…)، فجاءت هذه الألفاظ رغم التضاد متناسقة منسجمة كأنها تكمّل بعضها بعيدا عن مفهوم التناقض الذي يُقصد به التنافر بين قطبين مختلفين، وإن كانا في الظاهر كذلك إلا أن الشاعر استطاع أن يخلق لهما علاقة جديدة تبدأ أين تنتهي وتنتهي أين تبدأ دون أن يكون هناك تنافر.
وتظل الحياة بعين الشاعر “عبد الحاكم” أجمل حتى وهي تعبّر عن حالات حزنها، وتقلّبات الدّهر عليها، كما يأخذ مفهوم الموت في هذه القصيدة معنى البعث من جديد، كأنّما بالموت تبدأ الحياة، وليس العكس، لأن عالم الشاعر عالم روحي، يبدأ بشعوره بالرّاحة والهدوء وينتهي بانتهائهما. فنرى نبض الحياة حتى وهو يصف الموت أو الحزن، كقوله:
مَـلِكٌ لأوجـاع الـريـاح أنـا..ولـي ** أن أُرْعِــيَ الأصْــــداءَ.. سـمـعَ أسِـيــرِ
وكانت الأوجاع مقرونة بالرّياح، مما يعكس تفاؤلاً وأملاً، أليست للرياح دلالة الخير، كلّما وردت في القرآن الكريم إلا وكانت مُفرحة كقوله عز وجل: ” وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ” (سورة الحجر، الآية 22)، وقوله: “وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ “(سورة الأعراف، الآية 57). عكس كلمة الريح التي تأتي بمعنى الشدّة والضّيق كما ورد في قوله عزّ وجل: ” وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ” (سورة الحاقة، الآية 06)، فالشاعر رغم ألمه وحزنه إلا أنّ بصيصاً من الأمل ظل يسكن حروفه وعالمه، فأبى إلاّ أن يقابل الموت بالحياة والحزن بالفرح، لتستمر الحياة.
هو الأمر نفسه في قوله:
سفَـري.. انْفـلاتُ النـاي من أنّـاتهِ ** وتوَجُّـسُ العتَمات.. نـبْـضُ مَـسِيري
رغم تلك الأنات إلا أن العزف بحدّ ذاته يحيل إلى أن هناك ألم بطعم الموسيقى، وأن النبض سيظل مرافقه بمسيره رغم العتمات التي تعترض طريقه، من هنا تبدأ الحياة، يبدأ الوجود، يبدأ العطاء حتى وإن كان الثمن ألما وحزنا وتيها، ففي النهاية إنما هو موت لأجل الحياة.
/
* قاصة وباحثة جامعية من الجزائر




