“صدر الحكاية ” للقاص قلولي بن ساعد/ قراءة نقدية / محمد بوحبيب*
بواسطة مسارب بتاريخ 5 فبراير, 2017 في 05:15 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2737.

صدر الحكاية:مجموعة الأستاذ بن ساعد القصصية. الصادرة عن دار الكلمة، للنشر والتوزيع، في كتاب بحجم ” رواية الجيب”، ما يسهل تناوله و قراءة نصوصه في كل مكان، امتدت نصوصه على مدى خمس وثمانين صفحة إحدى قصص المجموعة، اختارها الكاتب عنوانا للمجموعة ” صدر الحكاية” سجلت بخط كوفي جميل، باللون الأحمر، على خلفية بيضاء. وتحته منمنمة رائعة، تمثل الملك ـ شهريارـ جليسا، لسيدة الحكي والسرد، دون منازع ـ شهرزاد ـ التي سحرت الملك بأسلوبها، وجعلته يقلع عن سفك الدماء ولقد أحسن الفنان ـ إبراهيم ينينة ـ في التصميم، فجاء متوافقا تمام التوافق مع القصة ـ صدر الحكاية ـ ومع المجموعة. وهي تحتل الترتيب ما قبل الأخير في الكتاب صدر الحكاية، أو رأس الحكاية، يبقى في كل حال بوابة المجموعة التي تشد انتباه القارئ، ليغوص في نصوص المجموعة

أوجاع شائكة ..

القصة الأولى في المجموعة. وها هو البطل الراوي، قد “حبس” نفسه لمدة أسبوعين، في بيته لا يخرج منه، طلبا في تغيير الأجواء، فيسترجع من خلاله جلسته تلك، بعضا من جوانب حياتية، عاشها في المقهى الشعبي مع رفاقه، ونبذه المقاهي المستحدثة المنتشرة هنا وهناك. وتقوده الذكريات، إلى أيام الصبا، في قريته ـ مسقط رأسه ـ زنينة ـ وعلاقته بها. فيتشبه في هذه ” النوستالجيا” ببطل الأوديسا، كما لا ينسى أن يعترف بتوقه للقاء ” السهروردي”، ليستمد شيئا من نفحات الصوفية… رحلة جميلة، تقوده في أجواء سرد آخذة، لتعود به في النهاية، إلى مدينة الجلفة، التي تحكم عليه قبضتها، لتوطد علاقتها به، فيذكر عنها الكثير من المظاهر اليومية، العامة والخاصة؛ وكذا وقوفه على النافذة، يتأمل المارة في الشارع، أمام بيته، كل في شأنه، ويركز عدسة التأمل عند ظاهرة الرجال الذين يدفعون قارورات الغاز أمامهم، أو يجرونها. والنساء اللواتي، يحاولن اتقاء البلل بالمطر البارد، المتصبب عليهن ثم يستيقظ من تأملاته، فيلوم نفسه عن تلك العادات، التي يراها غير لائقة به، منها التجسس على غسيل النساء المنشور على الحبال. وبذلك يعود إلى عالمه المفضل، عالم الكتاب والحرف، ما يسدل عليه الهدوء والسكينة، فينام مطمئنا    لماذا هي أوجاع شائكة ألا يكفي أن تكون الأوجاع أوجاعا، تقض مضجع المتوجع، وتهزم عزيمته، وتنحل جسده فإن زادت وحملت الأشواك، كان مفعولها مزدوجا، وأثرها مدمرا. والأشواك وحدها موجعة، فكيف يكون الأمر إن اتحدت مع الآلام والأوجاع؟ فالبطل الراوي إذن على حق، وهو يعلن عن أوجاع شائكة؛ التي هي من جهة موجعة، لأنها تعود به إلى أيام مضت، وربما أخذت معها ذكريات جميلة، تركت أثرا في نفسه، وهي بالطبع لن تعود إليه، لتعيد إليه  تلك الذكريات، لأن طبيعة الحياة شاءت وهي من جهة أخرى متشابكة فيما بينها، فهي متداخلة بعضها ببعض، ما يزيد أثرها في نفس البطل الراوي، وربما جسده. ( أطياف مَن رحلوا وعذابات شخوص قدت من خيال…). ص08… ويبدو أن البطل يحاول جاهدا، أن يهرب من وضع ـ ذكريات ـ تمس بعاطفته وشعوره، فتمنى أن يفلت منها.( لعل السكينة تلج أعماقي، فأعود إلى عالمي المفضل.). ص12

بناء النص في أوجاع شائكة  

نسج الكاتب النص باعتماد ضمير المتكلم المفرد؛ من أوله لآخره وقديشعر   فيه القارئ، بشيء من السيرة الذاتية، خاصة وهو يشير إلى قريته ـ مسقط رأسه ـ زنينة ـ وكأنما كل ما سرد البطل الراوي، إنما هو شيء من الحنين والنوستالجيا التي تشد لا وعيه، حتى وهو  ينفي ذلك؛ على قول النقاد ـ كل نص فيه من الكاتب ـ  يخلو النص من الحوار المباشر، الذي نجده ـ عادة ـ بين الشخوص، إذ لم يكن لذلك داع لكون النص، وحيد البطل ـ البطل الراوي ـ إلا إذا اعتبرنا ما صدر منه في جلسة ، نوعا من الاعتراف مع ذاته، فيكون بذلك أقرب إلى الحوار النفسي.

الطائر الذي بدد سراديب الصمت                                          

                                                                                     

القصة الثانية في الترتيب، في متن المجموعة. بطلها ـ قدور بومحيزمة ـ .الرجل المجهول ـ المعروف في المدينة بعدما أشار الكاتب إلى الحياة الاجتماعية والثقافية في المدينة، فناسها قد تزايد تكاثرهم، وتلهوا بالأولاد، ونسوا غير ذلك؛ ثم أولئك الجنس من نسل ” يأجوج ومأجوج” ، الذين عاثوا في  الأرض، فأبادوا جنس الهنود الحمر، وبددوا حضارتهم، وأنشأوا بدلها إمبراطورية قوامها الظلم، والقوة والزيف، وقد سكت عنهم خصمهم المفترض ” الدب الأبيض عاد إلى البطل ـ قدور بومحيزمة ـ وهو رجل نزل المدينة من حيث لا يدري أحد. وصار يجوب شوارعها وأزقتها، وساحاتها… يتكلم ويتكلم. يلوم الماضي ورجال الماضي… ويهجو الحاضر، برجاله وظواهره. فترى الشبان والمراهقين، يلتفون حوله، ويرون كلامه مدعاة للتفكه ووالهزل والتهكم لأنهم يجهلون ما يعني  ذات مرة، يتفطن الراوي، فيستشير جده الطاعن في السن، في أمر قدور و “هذره” فيدهشه جواب الجد ،إذ يقر أن الذي يقوله هذا الذي لا يرون فيه، سوى رجل مخبول، فاقد للواقعية، إنما هو حقيقة ساطعة سطوع الشمس… وخز الراوي دواخله، وأقر بنفسه أن يشعر بضياع شيء من التاريخ، وداخلته الريبة والشك، مما هو آت… واعترف أن الكتب المدرسية الرسمية، التي تداولها مع غيره، كانت تتغنى فقط بالأمجاد، والانتصارات، وتخفي على الأجيال شيئا آخر فيه الكثير من الإخفاقات والعثرات، وتصفية الحسابات الشخصية الضيقة

رمزية العنوان: ” في الطائر الذي بدد سراديب الصمت”

العبارة فيها أربع كلمات، تحيل كل منها إلى مفهوم بعيد عن اللفظ. فالطائر المقصود هنا هو ” قدور بومحيزمة”. ولكن لماذا هو طائر؟ ألم ينزل المدينة، من حيث لا أحد يعلم!، كأنما هو طائر من تلك الطيور النادرة المهاجرة، من مكان لآخر، وقد سارع إلى تبديد طيلسان الصمت ” الرهيب”، المخيم على المدينة، وصار يصدح في أجوائها؛ فيقول ما لم يتعود على سماعه الناس؛ وبذلك يكون قد غاص في سراديب مظلمة، لم يكن من سبقوه، يجرؤون على الولوج إليها ـ كأنما له السبق في ذلك ـ ومنهم جد الراوي أما الصمت، فأمر آخر، إذ حطم معه ” قدور بومحيزمة” تلك الحكمة الشائعة ” إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب”؛ وقلب قاعدتها رأسا على عقب؛ فجعل الكلام حكمة والصمت كفرا؛ فصدع وتكلم، وجهر، وأدهش فالكاتب باختياره صيغة العنوان؛ قد حطم بدوره الكثير من القواعد المسلم بها، وهي الحكم السالفة ” إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.” و ” الصمت حكمة”. واستخدمها ـ عكس التيار ـ وصارت بذلك حكمة أخرى، بددت بدورها قلعة الصمت، وهي ” الساكت عن الحق، شيطان أخرس

بناء النص في الطائر الذي بدد سراديب الصمت

في هذه القصة اعتمد الكاتب ضمير الغائب المفرد ـ يصح تصنيفه ” نص البطل” ـ وعليه استند إلى راو عارف بكل شيء ـ أو المصاحبة من الخارج ـ كما يقال ـ يحكي عن شخص آخر، هو ـ قدور بومحيزمة ـ فالنص بالتالي، شبيه بسابقه ـ أوجاع شائكة ـ وحيد البطل ـ انتقاه الكاتب من عامة الناس ” ظاهريا”، بينما في العمق من الخاصة جدا. يعيش وحيدا بين الناس؛ ولكنه يدهش الناس بسلسلة الأحاديث، التي يطلقها، ويدخل بها في مواضيع ـ لا يعرفها جيل الحاضر ـ ويرون فيها هذر رجل، فقد عقله ـ A perdu la raison ـ وصار يهذي… أما الذين جايلوه، فهم يتفادون الخوض فيما يخوض، لسبب أو لآخر. فهم يعرفون الحقيقة ويتغاضون عنها… وبذلك يتفوق عليهم، بأن يتخفى وراء مرضه العقلي، ليصدح بالمخفي، وينطق بالمسكوت عنه من غير تردد. فهو لا يهاب أحدا، ولا يتوجس ردة فعل من أحد، ما دام المحيطون به، قد صنفوه في فئة المرفوع عنهم القلم.. إذن له أن يفجر الطابوهات، ويكشف الأسرار ـ أو ما اعتبره البعض أسراراـ وقد يقول عنه البعض: إنه يحلم بصوت مرتفع، ما دام يقول كلاما، عن أمور حنطت، وأغلق عليها بمفاتيح، ألقيت في غياهب صناديق، يصعب الوصول إليها، على الأقل في نظر العامة

” الطائر الذي بدد سراديب الصمت / لماذا البطل بهذه الصورة وهذه الخصائص

القارئ لهذا النص، يجد بطله ـ قدور بومحيزمة ـ صورة تكاد تطابق، ما يعرف في الجزائر بمداح الأسواق؛ الذي يجمع حوله الناس، ويكلمهم عن أمور، قد لا يفهمون منها شيئا، نظرا لإغراقها في الإيحاء والرمزية، ومع ذلك نجد من الحضور من يلجون ” قلعة” المداح، ويفتحون ألغاز كلامه، وبعون المراد منها، ويجعلونه بعد ذلك مضرب الأمثال، ومصدرا للمثاقفة الشعبية؛ كما يجد له نقاط تلاق، مع بطل الطاهر وطار ” اللاز”، في الرواية التي تحمل نفس الاسم. فكلاهما يجهل الناس ـ العامة ـ أصلهما وفصلهما، وبالمقابل لكل منهما، أثره في مخيال المحيط الجمعي.ـ يستقبلهما الناس بنوع من الحفاوة والفضول ـ وكل منهما له ارتباط ـ علاقة ـ بثورة التحرير الكبرى هذا البطل الذي يصرخ في وجوه الناس، ويستنهض الغافلين. هل هو ضمير الأمة الحي، الذي يزجر أبناءها، ويدعوهم لمراجعة نفوسهم… هل هو التاريخ، ينادي ويطالب بتصحيح الكثير، من أحداثه التي حرفت عن مسارها الحقيقي، يريد عودتها إلى سيرورتها وطريقها الطبيعي.. هو كل أولئك الذين كرسوا جهودهم، وساهموا في صنع أمجاد الأمة، ثم ـ لسبب أو لآخر ـ غبطت آثارهم، وهضمت حقوقهم، ، فوجدوا نفوسهم على الهامش: يرمون بالخبل تارة، والهذر تارة، وحتى العمالة أحيانا. (… ربما يكون قد تعرض لمؤامرة، أو مكيدة بعد وقف إطلاق النار، وأنه ينام الآن على مادة دسمة، لقول كل الحقائق المرة.) ص…. 17ما يميز هذا النص، أنه قصير ـ أربع صفحات ونصف من حجم كتاب الجيب ـ ولكنه يحمل زخما من الأفكار، والأحداث ـ وهي خاصية من خصائص الأسلوب عند الكاتب قلولي بن ساعد؛ الذي يجعل دائما نصوصه، حافلة بالتكثيف، فيجعل القارئ، يجوب آفاقا واسعة، في مساحة صغيرة ـ نص قصير ـ وبذلك تكون كتابته من نوع ـ السهل الممتنع ـ. كما نجد هنا: عناصر تاريخية متباعدة، زمانا ومكانا، ولكنها لصيقة بشكل وثيق بحياة المجتمع البشري، من: تغول البلدان الأوروبية، واعتدائها السافر على هنود أمريكا، وإبادة آثار حضارتها، ومحاولة محو شخصيتها، مقبل إرساء حضارة الغرب الأوروبي الغازي؛ إلى الثورة الجزائرية الكبرى، التي تميزت بالكثير من المفاهيم، لدى الناس، منها ـ القوة التي لا تقهر ـ ولكنها قهرت بفضل قوة العزيمة، وصلابة الإرادة. ولكن مع ما تخلل هذه الثورة من هنات، وتجاوزات، أخفت الكثير من الحقائق ـ ليس لها ذكر ووجود سوى في صدور صانعيها ـ ومنهم هذا البطل، الذي يصرخ في وجوهنا إلى حاضر الأمة الجزائرية، والأوجاع الاجتماعية والثقافية، التي لصقت بجسد الجزائر، وأبت أن تفارقها، منها الفقر، واللا عدل ، والانفجار الديمغرافي العشوائي؛ إلى ما يسميه البعض “الربيع العربي”، وما نتج عنه. من خلال ذكر، سقوط القذافي

” مايسة “

هذه الفتاة التي نكبها القدر فوقعت بين أيدي الإجرام الإرهابي، فخطفت منها عذريتها، وأذلتها وكسرت إنسانيتها… ثم فرت بأعجوبة من أتون هذا الجحيم، التي يجثم عليها ذئاب بشرية؛ لتجد نفسها بين مخالب وحوش بشرية أخرى، لا تقل قسوة من سابقتها، ولكن في المدينة هذه المرة . 
التقت بالصدفة، أحد المشارقة ـ يمكن أن يكون فلسطينيا من نابلس ـ  وعاشت في كنفه، يمنحها.
الدفء وتشعره بالاستقرار إلى أن قرر يوما، أن يغادر إلى فلسطين ولم يترك لها سوى بعض الحلي وبذلك وجدت نفسها مرغمة، أن تكون زوجة لأحد الرجال المشهورين بالتدين، عن طريق صديقتها ” عيشة  مات الزوج فجأة، واختلفت مع ابنه البكر، حول المنزل الذي تسلمت منه المفتاح والعقد؛ فأقدمت على قتله، لتسجن عشر سنين؛ تخرج بعدها مجنونة، وهي الآن كما رآها الراوي، تحتل زاوية من هذا المكان لا تعير اهتماما لما يدور حولها

طريقة البناء: في “مايسة”

خرج الكاتب عن طريقة بناء النص التي اعتمد في النصين: أوجاع شائكة، والطائر الذي بدد سراديب الصمت ” الوحيدي البطل” ، ليستضيف شخوصا أخرى: الأمير الإرهابي. اللاجئ الفلسطيني. الرجل الثري المزواج. ابنه البكر. وكل شخصية مثلت جانبا من جوانب الحياة؛ فالإرهابي، هو صنف من الناس الذين تخفوا وراء قناع واجهته الدين، وخلفيته الإجرام: هوس الإنسان لامتصاص دماء الأبرياء. فقد عقد على مايسة بالفاتحة، وشاهده أحد رفاقه دون مهر، و رغم أنفها، وعاملها كقطعة أثاث، إلى أن خلصتها الصدفة من بين مخالبه… أما اللاجئ الفلسطيني، فقصته مكملة لقصة مايسة، لاقت بينهما الصدفة، ليكون أحدهما سندا للآخر… سارت قصتاهما لمرحلة من الحبكة، جنبا إلى جنب. فهو الرجل الفدائي، الذي فجر محلا صهيونيا، فاضطر للهجرة فرارا من آلة العدو، وحطت به الظروف في الجزائر، حيث شعر بفرصة لالتقاط الأنفاس؛ وقد خلف وراءه زوجة وبنتا، فهو بذلك في حاجة لمن يعوضه الفراغ المفروض عليه، ووجد هذا الدفء بين أحضان مايسة؛ التي كانت بدورها في حاجة، لمن يشعر بها كإنسان ويبادلها الإحساس بدفء الأسرة. فكان هذا الفلسطيني… ثم غادرها بعدما تغيرت الظروف والعوامل، وعاد لوطنه

استضافة ـ نائبة

ارتأيت أن أجمع بين هذين النصين ” إستضافة ونائبة ”  في قراءة واحدة، نظرا لوجه الشبه بينهما، في الموضوع والحبكة على الخصوص فالقصة الأولى. استضافة، يتقاسم البطولة فيها: مدير مدرسة، وأم ولية تلميذ؛ نزلت ضيفة باستدعاء من هذا الأخير، في شأن يخص تلميذا ابن هذه السيدة. تنبيهه لها إلى وجوب الاعتناء بابنها، لأنه متهاون في الدراسة. تتطور الأمور، في جلسة مع هذا المسئول، إلى موعد ” حضور هذا المدير، إلى بيت السيدة، بغرض تقديم دروس إضافية لابنها، لتقويم مساره أما القصة الموالية ـ نائبة ـ فيقول الراوي ـ وهو رجل إعلام ـ صحفي ـ دعته هذه السيدة ـ النائبة، إلى بيتها في الشمال، والواقع على الشاطئ… وهنا تظهر مطامع الجانبين، كل من رفيقه؛ فالصحفي لا يرغب سوى في أن ينال حظه من أنوثة هذه المرأة الجريئة، التي لم تعوّد نفسها على قول “لا” أمام أحد، وفي نيته ألا ينشر أي دعاية لها، في الجريدة التي يشتغل بها… وهي بالمقابل، لا ترغب سوى في أن تشتري بجسدها، شيئا من الشهرة و ” الدعاية” بغض النظر عن الثمن الذي ستدفعه، ولا العملة التي تدفع بها، ما دام جسدها مستعدا لذلك؛ وقد تعودت على ذلك مع غيره … ماذا يريد الكاتب من وراء هاتين القصتين؟ أولا: لنتأمل هذا الصحفي، الذي يحمل معه بطاقته المهنية، ويلج بها أماكن لا تفتح أمام غيره ـ الرجل العادي مثلا ـ ومن وراء ذلك، يستعمل موقعه ليحقق مآرب، تصهل في عمقه؛ فها هو مأخوذ بهذه المرأة، يسعى للوصول إلى سريرها… وهي مقابل ذلك تستعمل تجاربها السابقة، ومهاراتها في ترويض الوافدين، وإغراء هذا الذي وقع في الشباك طامعا، وفي نفسه نية إخلاف العقد، وعد تقديم المقابل ـ وقصة استضافة: كان مفترضا أن يستقبل مدير المدرسة أم التلميذ، وولية أمره، بطريقة حيادية، من موقعه كمسئول تربوي، ويدعوها إلى إحاطة ابنها بالرعاية والاهتمام، حتى يعود إلى حسن السيرة، ويواظب على الدراسة كغيره من التلاميذ. وبدل ذلك، راح يلمح لها إلى حسن ملامحها، وأمور أخرى لا تليق برجل التربية. ومنها اقتراح تقديم دروس دعم لابنها في بيتها. وما ذلك إلا طريق ليكون قريبا منها، ويخلو له الجو للتقدم في خطته. وهي نية لا تشرف رجل التربية عامة، ومدير مدرسة خاصة… ومن جهتها، نجد الأم قد استجابت للعبة، وتفاعلت مع الاقتراح، وغواية هذا الموظف، وفي أمرها احتمالان: إما أنها فعلا، تسعى لتحسين وضع ابنها الدراسي، ووجدت الفرصة ـ وليس أحسن من مدير مدرسة، يفترض أنه أهل لإتقان المهنة، يساعد هذا الابن، ويعدل سيرته إلى الحسن والأحسن. و إما إن الغواية قد انطوت عليها ـ فلم تحفظ عهد الزوج المتوفى، وها هي تسعى للخيانة، وليس أسهل لها من أن تكون في بيتها، وربما في سرير الزوج المتوفى القصتان تفضحان ظاهرة اجتماعية، تمس بقيم المجتمع، وسمعة الناس ومهنهم. فليس هناك أحط من موقف مدير   مدرسة، يراود أم تلميذ في مكتبه، داخل الحرم المدرسي، منتهكا قدسية المهنة، وشرف الوظيفة؛ فهل بقي له أن ينظر تلميذه في عينيه، ويكلمه عن الأخلاق أما المرأة النائب، فهي تمثل صورة سيئة عن هذه الفئة ـ التي يفترض أن تكون الحارس الأمين، والمدافع المستميت عن حقوق المستضعفين والمغلوبين على أمرهم هذا الصنف من الناس الذي يسعى للوصول إلى مقعد في البرلمان، ولكن ليس عن طريق تكريس الكفاءة، والقدرة المعرفية؛ بل باعتماد طرق ملتوية، ووسائل دنيئة، تسيء إلى شرف الوظيفة. فهل تستطيع مثل هذه المرأة أن تقف، صباحا أو مساء في مواجهة المرآة، وهي تستعد للذهاب إلى البرلمان، أو العودة منه؟ هي صور ونماذج من الناس ـ نماذج بشرية ـ عرضها الكاتب في النصين، ومن خلال هذه الشخوص، يرفع أصبع الاتهام والتشنيع بهذه المظاهر أولا، ومسبباتها ثانيا. وإن اختلفت المواقع والوظائف، فإن المشكلة واحدة، الأثر واحد، ينم على انهيار القيم، وإصابة بعض الأفراد ـ بغض النظر عن المستوى الثقافي والاجتماعي عندهم ـ بعمى الأخلاق، فتساوت أمامهم الأهداف، مع اختلاف الوسائل  ”

توقيع لحالة  انتظار

 ينقل البطل الراوي، حادثة وقعت بين والديه، وهي أن والده، قد تعود أن يتصدق كل أسبوع على سكان الحي، وعلى ابناء السبيل، بوجبة مشهورة تسمى ” خبزة سيدي عبد القادر”. وحدث أن أم البطل، نسيت مرة ـ لسبب أو لآخرـ أن تعد الوجبة في موعدها، فغضب الأب وأغلظ لها القول؛ فأحدث ذلك أثرا نفسيا عميقا في نفس الابن، فقاطع أباه. وانعكس حزن الابن على أبيه بالمقابل، فبادره يوما مع مطلع الفجر برغبته في مرافقته، إلى أرض الأجداد، وهناك أعلن الأب لابنه عن ندمه عما بدر منه في حق أمه ـ فأسعد ابنه بهذا الاعتذار والندم؛ كما حدثه عن طريقة امتلاك،أرض الأجداد   وانتقال ملكيتها إلى قبيلة أخرى قسرا ـ تحت وصاية الاستعمار وعملائه ـ ما جعل تلك القبيلة تناصب قبيلته العداء؛ وما أزم الوضع في نفسه، أن حبيبته ورفيقة صباه من تلك القبيلة؛ وقد رفض رفضا لينا مؤدبا عرض أبيه عليه بالاقتران بإحدى قريباته من القبيلة، وفاء لعلاقته العذرية مع تلك الفتاة ” الضاوية”، والتزم في كثير من الأوقات اللجوء إلى غرفته، خلوته المفضلة مع كتبه، ومنها ديوان الشعر العذري، الذي تلقاه هدية من ” الضاوية” ؛ وقد وجدت نفسها مرغمة على قبول الزواج، من رجل اختاره لها أبوها، ولم يمنحها فرصة الرأي أو الرفض سيلاحظ كل قارئ لهذا النص، أن الكاتب قد غاص في عمق المجتمع الجزائري، وصور منه جوانب كثيرة، منها المضيء.المشرق  للأمة الجزائرية؛ فالأب ثارت ثائرته، لمجرد أنه أحس اضطراره للإخلال بواجب فرضه على نفسه طائعا ـ إطعام الناس ـ ما جعله يغلظ القول لزوجته؛ التي تفهمت الأمر، واحتملت غضبه، كأنما تكفر عن ذنب بدر منها نحوه. وها هو الابن يتمثل مقولة الشاعر محمود درويش ” وأعشق عمري، لأني إذا مت أخجل من دمع أمي.”. وإن كان الموقف الذي قاله فيه محمود درويش، له طابع خاص آخر؛ إلا أن الكاتب أفاد باقتباسه، لما له من علاقة مع الأم. وكأنه يمهد بهذه المقولة لحدث كبير، يتخلل حبكة النص، وهو اختلال العلاقة بين الأبوين، وينتقل أثر ذلك للابن.، وبالمقابل قد يكون له الأثر، لتمتين العلاقة الأسرية بين الأفراد؛ وقد تجلى ذلك، في عودة المياه إلى مجاريها بين الأب و الابن، وقد اعترف هذا الأخير بذلك، وأنهما صارا صديقين. ( صرنا بعد ذلك صديقين، أصبحت علاقتي معه أكثر قوة وصلابة.). ص33 34   ومع أن النص لم يشر إلى تأثر الأم بالحدث، ولا إلى ” احتجاجها” لدى زوجها بصدد غضبه، إلا أن اعتذار هذا الأخير أمام ابنه، إنما هو في واقع الأمر، اعتذار للأم ـ الزوجة، عن طريق ابنها… وهو يعتذر أمام ابنه عما صدر منه نحو أمه ـ كان يبعث رسالة لزوجته؛ لأن الابن، بطريقة أو بأخرى سيخبر أمه وقد يجد البعض عدم اعتذار الأب ـ الزوج مباشرة لدى زوجته تقصيرا، أو خطأ منه؛ إلا أن ذلك أمر مبر ر ومعروف لدى من هم على معرفة بثقافة الرجل الجزائري وتميزه بالأنفة والرجولة وعدم التصاغر أمام الزوجة والوقوف معها على قدم المساواة فلجأ لطريقة أخرى ـ رمى بها عصفورين بحجر ـ أرضى ابنه، واعتذر لزوجته عن طريقه ومهما يكن من أمر، فإن ما حدث بين أفراد هذه الأسرة، هو شأن حياتي، بمثابة الإسمنت لتوطيد العلائق بين أفرادها . وهناك مظهرا اجتماعيان، لكل منهما أثره الفاعل في حياة المجتمع الجزائري؛ أولهما تلك الطريقة والعادة التي توارثها الناس، وهي تزويج البنات، حسب رغبة الأب، دون اعتبار لرغبة أي منهن، مع تجاهل، أو جهل أحكام الدين ـ السنة النبوية خاصة ـ إذ يختار الأب زوج ابنته حسب مقاييس، يراها هو، لا البنت، وإن كان اختياره على حساب سعادتها ورغبتها. فنجد أبا الفتاة ” الضاوية”، قد قرر وقضى، في اختيار زوجها، وفرضه عليها، و” الضاوية” فيما يبدو على دراية، ببعض خصاله وخصائص شخصه، ومنها التسلط، ورفض مناقشته في أمر يقرره. وقررت هي من جانبها، أن ” تستغني” عن بعض أمور، لا يحبها هذا الزوج المفترض، ومنها ديوان جميل بثينة، الذي رأت أن تهديه للبطل الراوي، وتودعه لديه عربون وفاء، لا ينقطع بافتراقهما، وعنوان حبها العذري، وارتباطها العاطفي عبر ديوان الشعر، وإن ارتبطت مع هذا الزوج ظاهريا، والذي لا علاقة له بثقافة الشعر ظاهرة أخرى لا تقل تأثيرا عن فرض الزواج على البنت؛ وهي ظاهرة العروشية ـ الشعوبية ـ والتحيز للقبيلة. وهو مظهر لا يقبل النقاش لدى البعض. فانتقال القطع الأرضية بين القبائل، بطريقة أو بأخرى، يتبعها إرساء قواعد تعامل جديدة بين هذه القبائل، إن تقاربا وتحابا، وإن تباعدا وتعاديا. وقد تجلى ذلك بين قبيلتي البطل الراوي، و” الضاوية”… إلى جانب تسليم البطل الراوي في حبه وحلمه، إرضاء لقانون القبيلة، وتفاديا للنزاع مع أبيه، فعدل عن مفاتحته في أمر ارتباطه بها .. 

توقيع لحالة انتظار/ لماذا هذا العنوان

 بني كل الحكاية، وهيكل الحكاية مبني على الانتظار؛ بدءا بأبي بطل النص، وأمه اللذين قضيا ردحا من حياتهما، ينتظران مجيء هذا الوليد الوحيد بين البنات. الوليد الذكر، الذي سيحفظ اسم العائلة ـ الأسرة، وجاء ومع الأب دائما، أليس ميلاد الابن الذكر، هو الذي دفعه لأن ينذر على نفسه، بإخراج ” خبزة سيدي عبد القادر”، شكرا لله على استجابة دعائه. ودأب على الوفاء بالنذر؛ وكان له زوجته الساعد الأيمن في ذلك… ثم انتظارهما معا دورة الأسبوع ليأتي موعد الوجبة، فتبادر الزوجة إلى تحضيرها، ويبادر هو إلى تقديمها للطاعمين في الحي انتظار من نوع آخر، هو انتظار الفتيين: البطل الراوي، وصديقته “الضاوية”، مرحلة البلوغ للتشهير بالعلاقة بينهما، والسعي للقران بعد ثورة الأب على الأم، كان هناك انتظار من نوع آخر: انتظار الأم هدوء الغضب لدى زوجها، ويقدم اعتذاره عن إغلاظه القول في وجهها. وبالمقابل انتظار الأب الأيام لتفعل فعلها، ويغتنم الفرصة لذلك. بدعوة ابنه لتغيير الأجواء فيراجع الأب نفسه، ويعترف بخطئه، ثم يعتذر. وهو ما حدث والانتظار الأكبر، والذي لن يعرف نهاية، ولا انفراجا، هو المتعلق بعزم البطل الراوي الانتظار، وعدم الاقتران بإحدى القريبات، وكأنه قد سلم أمره للأيام لتفعل فعلها، كظروف تتدخل وتأتي بالجديد ولكن تلك الظروف صنعها الناس، وهي تسير ضد حلمه، وحسب مسبباتها… وكل واحد من أبطال النص، من قريب أو من بعيد، قد وضع بصمته، وكأنه يوقع على”عقد”

حبكة النص

الفنان ابن بيئته”. مقولة مشهورة لدى النقاد… والكاتب استغل معرفته الكبيرة، وثقافته الواسعة ـ خاصة ما يعني الزمكانية التي تدور فيها الأحداث: خبايا المجتمع وقوانينه، إلى جانب باعه الطويل في الكتابة الفنية، فأبدع هذه القطعة الجميلة، المبنية أساسا، على أعمدة من ثنايا الأمة؛ ليس من قبيل ” الأفكار مطروحة في الشارع”؛ بل    من وجهة نظر ” ها هو وجهك أيها المجتمع، فانظر وجهك.”. وما التراث إلا وجه من أوج المجتمع. وحامل لشخصيته                                                                               

حنين

بطل النص في هذه القصة، التزم الصمت ـ ولعب دور الكورس ـ وفسح المجال أمام الراوي، ليسرد له ـ بضمير المخاطب ـ كل شاردة وكل واردة، عن حياته ـ حياة البطل ـ بدءا بتلك الممارسات الشبانية، التي كان يقوم بها من أعلى شجرة المشمش متلصصا على النساء اليهوديات، اللواتي يقصدن مسبحا في مزرعة يملكها اليهودي ” حاييم”، ليتمتعن بالسباحة وأشعة الشمس، بينما يتلصص هو ـ لا ليراقب مجموع النسوة، بل واحدة فقط ـ يراقب حركاتها وسكناتها، مع أنها أم أولاد، وربة بيت، هي ” زيزة” التي فتن بها… ثم رحلت مع الراحلين، غداة استرجاع الاستقلال؛ ولم يبق له منها، سوى وهم، يتمثل له في قاع قنينة الجعة، لما. .
  يستغرق في احتساء كؤوسها… هذا يمثل الجزء الأول من القصة  في الجزء الثاني من النص، ينقل الكاتب حبل السرد، إلى ضمير المتكلم، وقت الحاضر، ومن خلاله، يوجه الراوي الحديث إلى البطل، كأنما يذكره بأحداث عاشها في الماضي، وما آل إليه وضعه حاليا… إنه كان متقدما في السن، عكس الراوي الذي كان صغيرا مع بعض رفاقه؛ فكانوا يرونه معتصما بقلعة الوحدة والعزلة، ولا أحد عرف السر في بقائه وحيدا؛ لولا أن أخته المتزوجة، كانت تقصد بيته، فتجمع ثيابه الرثة، لتغسلها و أن كان يعيش منشطرا بين مدينته التي فقدت معالمها ، بفعل الغزو الذي أصابها، من كل جهة، فصارت أشبه بقرية مجهولة، وبين الضفة الأخرى من المتوسط، التي أخذت منه أخته من أبيه، التي أنجبها من تلك الفرنسية ـ الرومية ـ التي رحلت، وأخذتها معها وزيزة تلك التي تعلق بها عن بعد يعود السرد في الجزء الثالث، من النص إلى ضمير المخاطب… فيتكلم الراوي كمن يعرف كل شيء عن البطل، المنسحب من ميدان السرد؛ فيقول له: ذات يوم بينما كنت غارقا في أحلام يقظتك، فاجأك رجال الدرك، برفقة أختك ” ماري” قادمة من فرنسا لزيارتك، فرأيت في وجهها ملامح أبيك، الشيخ المشري؛ ثم قدمت أختك الشقيقة، تحمل ثيابك التي غسلتها؛ فرحت تقدم لها الضيفة، بطريقة توحي أنك تلومها على ذنب ما سابق. ( هل تذكرين الطفلة التي أنجبها والدك من الرومية، ” جاكلين” وأخفيتم خبرها عن والدتي؟.). ص48 أختك ” ماري” حدثتك عن حياتها في باريس، وعن والدتها التي توفيت متأثرة بالسرطان. وعن تعلمها في السوربون … ثم عادت من حيث أتت، واعدة إياك أنها ستعود، بعدما تتكفل بملف حالتها المدنية، لتغير اسمها من ماري إلى “نورة”… وكان أن شاهدتها بعد أيام على شاشة قناة فرنسية تتحدث في حصة ” أطلال ” في هذا النص، وسع الكاتب ” بوتقة” السرد ليحيل إلى صراع الهوية، بين الأجناس المتفاعلة في محيط ما: زمن الاحتلال الفرنسي. ، ليتطرق إلى ذلك التمزق في مكان ما، صحراء الجزائر؛ التي طالما سحرت الإنسان الأوروبي، فتعلق بها، فنجد المعمرين: الأقدام السوداء، ومنهم اليهود، قد استولى الكثير منهم على أملاك الجزائريين، وصاروا فيها أسيادا، وتحول أهلها خدما في أرض أجدادهم. مثلما حدث مع الشيخ المشري، الذي وجد نفسه أجيرا لدى ” حاييم” اليهودي… ثم ذلك التعلق ” القسري” الذي فرض على البطل، بامرأة ليست من طينته، ولا من طبيعته. فخلبت عقله، وصار ينتظر مدة أسبوع، ليحين موعد خروجها إلى المسبح، فيراها من على شجرة المشمش، ويلتحق بالمسبح خفية ـ بعد انصرافها ليتنسم ريح ” حبيبته”، وأثرها في المكان… لقد حدث له ما حدث لوالده المشري مع جاكلين” الفرنسية، وأنجب منها ” ماري ” بشكل سري وكأنه يستجيب للمقولة القائلة هذا الشبل من ذاك الأسد telper.telfis ثم ” جاكلين” نفسها، أليست ضحية هذا   و هي المرأة الأوروبية التي جاءت مع الغزاة، وقعت صريعة الحب للرجل الشرقي وسحر أرضه، إلى درجة “الزواج السري” والإنجاب والمتأمل في أحداث النص، وما حدث للمشري و” جاكلين” ، وما حدث للبطل من تمزق، إنما هو أمر منطقي، نتاج التفاعل الحضاري بين أناس من ثقافات وأعراق مختلفة. وما يسترعي الانتباه والتأمل، هو ما بدر من اخت البطل، غير الشقيقة، “ماري” التي نشأت وكبرت وتعلمت في فرنسا، إلى أعلى درجات العلم، وتعاملت مع ثقافة وحضارة الغرب؛ إلا أنها في آخر المطاف، شدها الحنين، وجذبها الشرق، لأن تعود إلى أول بقعة، رأت فيها النور، وتنفست أتربة المكان، وفتحت عينيها على تلك البيوت البسيطة المتواضعة ـ مسقط رأسها ـ فطلبت من أخيها، أن يرافقها لتطوف بالمكان، وترى الفسحات التي لعبت فيها صبية… والأكثر من ذلك، شعرت بثقل الاسم الذي وسمت به من طرف أمها، فعزمت على التخلي عنه، واتخاذ اسم له علاقة بأبيها ” نورة”. الذي أحست فيه وقعا للمكان، ورائحة ” الأصل” الأقرب إلى أعمق أعماقها…هو إذن البحث عن الذات وإسترجاع الهوية   

قبل أن…  

       قصة هذا الرجل المسئول، الذي تولى مهام في الجهاز الحكومي، ممثلا بلده في الخارج، حيث كان يعيش حياة رغدة هنيئة. وفجأة فرضت عليه العودة إلى أرض الوطن، إلى قرية المنشإ ـ بالأحرى ـ وليس له غيرها. ولكن بعدما سجل عقارات ومبالغ خيالية، بأسماء ذريته هناك وجد القرية على غير العادة ـ لا كما ألف أن يجدها، في الأيام الخوالي، عندما كان يقصدها في المواسم الانتخابية، حيث يهب الجميع لاستقباله في خشوع ورهبة هذه المرة، وجد ، وشاهد الشبان بأعداد كثيرة، غير مألوفة، ولاحظ أن تمثال صورته، لم يعد في مكانه ـ لقد أنشأه له نحات تركي البنايات قد نبتت كالفطر ولحظة نزوله من سيارته، ذات نزول، كان من رأوا وصوله، قد انقلبوا على أعقابهم، باتجاه منازلهم ـ ربما اتقاء التقاء الوجوه والعيون هذه قصة مستقاة من واقعنا المعيش في الجزائر؛ في حبكة ـ تدعو إلى التفكير والتأمل ـ وقد أظهرت، أن المسئول إن كان ظاهريا مسخرا من قبل الدولة، ليخدم أمته، ويمثلها خارج بلده، إلا أنه لم ينس نفسه، وفكرة ـ أنا أولى ـ فقد حرص ان يكون لنفسه ثروة بالعقارات والأموال، ويخادع القانون، والعين الرقيبة، بإسناد كل ممتلكاته إلى أفراد عائلته، تفاديا لصداع الرأس، مع القانون، وأمثاله كثيرون لم ينس الكاتب أن يدرج الحالة النفسية للبطل، خاصة وهو يلامس أرذل عمره، وربما شعر بتأنيب الضمير، لتقصيره، فيما أسند إليه من مهام، وأداء واجبه على أحسن وجه؛ وهو يرى تربته ومسقط رأسه، ويلاحظ ما يعاني أهلها، وبالمقابل يراجع ما حصل عليه مقربون منه بطرق ملتوية، غير سوية

عنوان النص: قبل أن.

.. ماذا بعد هذه الصيغة؟ “قبل أن…” . للقارئ الفسحة في أن يختار، ويحدس الآتي بعدها. قد يتصور: قبل أن تُودعَ القبر أيها الغافل  وقد يحدس قارئ آخر: قبل أن قبل أن تُكشف أسرارك، وقد يقول آخر: قبل أن يثور عليك الضعفاء.. وغيرها. في كل الحالات، هناك شيء فظيع، متصور ومفترض؛ ويبدو أن الكاتب قد تعمد قطع العبارة، ليوقع القارئ، في متاهة النص، ويبحث عن جزئياته، وعلى الخصوص في الحديث عن هذا الصنف من الناس ـ الموظف السامي الذي يخل بواجبه، فينشغل بجمع المال، وبناء ” نفسه” على حساب المغلوبين، وعلى حساب المال العام والوطن… ولكن ـ كما حدث في الكثير من الحالات والبلدان، أن الأيام كشفت الأسرار، وفضحت المستور، تماما كما تكشف الشمس الساطعة المخبوء تحت الثلج الذائب

 

سقوط مرتب لرجل منا..

الحدث في هذا النص ورد موازيا للحدث في نص” قبل أن”… فالبطل بذلك عكس البطل السابق، فبينما وجدناه لصيقا بالسلطة، خادما لها، ولو ظاهريا، إذ اغتنى واكتسب في ظلها… نجد البطل في النص ” سقوط مرتب لرجل منا … مناوئا للنفوذ السلطوي، وقف منذ البداية معارضا سياسيا، وانتهى به الأمر، بعد أن سكن السجون، طوال معارضته، ينتحي ناحية ـ وقد صادفه الراوي يبكي، كما يبكي الأطفال، ويظهر عليه الانكسار والحزن، فتأثر لحاله وراح يبحث عن دواعي الألم في نفس الرجل اللغز؛ فعرف أنه كان صلبا لا ينثني، رغم وسائل الترغيب والترهيب والجذب المسلطة عليه وسمع الراوي يوما أباه يقول: دموع الرجال غالية… فتذكر يوم كاد أبوه يلوي عليه بعصاه، لما شاهده، يبكي خيبته في الزواج من حبيبته؛ وتعجب من كلام أبيه، الذي اعتبر حبيبته شيئا لا يستحق الذكر ثم يعود الراوي لبطل النص، فيعترف أنه كان معجبا به، مثله مثل الكثير من الناس. لأنه كان بالنسبة لهم، يمثل الضمير الحي للفئات المقهورة، يتكلم بلسانهم ولكي يعبر عن احترامه له، وإعجابه به، قرر أن ينظم قصيدة، ويهديها له في عيد ميلاده، وخاب أمله، لما علم بأحداث الخامس أكتوبر سنة ثمان وثمانين وتسعمائة وألف، أعادت المناضل إلى مكانه في السجن. فخاف أن ينشرها، واتقى مقص الرقابة، وسوط السلطة ولقد استشهد الراوي عن صرامة البطل ـ المناضل، ووقوفه إلى جانب المغلوبين، بحادثة المرأة المقهورة في مقر عملها، بسبب تسلط رئيس البلدية عليها، فقام هذا بمجابهة المتحرش، وأوصى نوابه بالإحسان إليها.
فقرة أخيرة من النص، ورد فيها لقاء الراوي، بالبطل؛ فابتسم هذا إليه، وقدم له جريدة، تنقل خبر هلاك زوجة رجل سياسي معارض وابنه، في حادث سير، انتهت التحاليل الصحفية، إلى أن الحادث كان أمرا مرتبا في حق الزوجة والابن، للتأثير على الأب…
 عن النص: حدث هذا النص، يمثل الوجه الآخر للقطعة، ( Le revers de la pièce  ). كما يقال، لنص ” قبل أن…” . فهذا رجل آل على نفسه أن يكون في الجانب المقابل للقوة والسلطة؛ يكافح من أجل حفظ حقوق الفقراء والمغلوبين؛ فدفع مقابل ذلك، من حياته وجسده، في سجون السلطة ـ في الجزائر ـ وآخر المطاف، وجد نفسه مشردا، أو أشبه بمشرد، خالي الوفاض، إلا من مجد صموده ومعارضته، وثباته على المبدإ، إلى جانب ضحايا التسلط. يقضي وقته منعزلا، يجتر خيباته، باكيا متحسرا، وكأنه يعيش في عالم غير عالم الناس، ولكنه لم ينس خطه، في الوقوف معارضا… يظهر ذلك حين استوقف الراوي، وقدم له الجريدة، كأنما يقول له: خذ. اقرأ عما يحدث في بلدك. إنهم يضربون الأقوياء، ليخاف ويتقهقر الضعفاء. زوجة سياسي وابنه ضحيتا حادث سير مرتب      يقال، لنص ” قبل أن…” . فهذا رجل آل على نفسه أن يكون في الجانب المقابل للقوة والسلطة؛ يكافح من أجل حفظ حقوق الفقراء والمغلوبين؛ فدفع مقابل ذلك، من حياته وجسده، في سجون السلطة ـ في الجزائر ـ وآخر المطاف، وجد نفسه مشردا، أو أشبه بمشرد، خالي الوفاض، إلا من مجد صموده ومعارضته، وثباته على المبدإ، إلى جانب ضحايا التسلط. يقضي وقته منعزلا، يجتر خيباته، باكيا متحسرا، وكأنه يعيش في عالم غير عالم الناس، ولكنه لم ينس خطه، في الوقوف معارضا… يظهر ذلك حين استوقف الراوي، وقدم له الجريدة، كأنما يقول له: خذ. اقرأ عما يحدث في بلدك. إنهم يضربون الأقوياء، ليخاف ويتقهقر الضعفاء أعود إلى أسلوب الكاتب، بن ساعد، في ربط الأحداث ببعضها، وجعلها تتناسل، ويأتي بعضها ببعض، والفكرة تولد الفكرة، لينتج بها نصا، خاصيته البارزة، التكثيف، وتشخيص الواقع؛ ففي هذا النص ـ سقوط مرتب لرجل منا ـ وعلى مدى صفحتين ونصف صفحة، تمكن من إيراد الكثير من الأحداث، وإن كانت معروفة لدى الكثير من القراء، ولكن بحنكته الكبيرة، في السرد والكتابة الفنية، تمكن من جعلها وحدة واحدة، متماسكة في حبكة جميلة، وقصة عمادها الوحدة العضوية ـ وحدة الموضوع ـ فنجد مثلا، المعارضة السياسية الشرسة, التي تميز بها كثير من كبار الجزائريين، وعدم رضوخهم لعاملي الترغيب والترهيب، ومن ورائه التطويع. ونجد ثورة الخامس أكتوبر، سنة ثمان وثمانين وتسعمائة وألف، التي تمخضت عن التعددية السياسية، وأوقفت آلة الأحادية ـ لا أريكم إلا ما أرى ـ وولدت التعددية الإعلامية ـ حرية التعبير ـ إلى جانب قمع المعارضة، بالسجن وتكميم الأفواه، ثم تغييب الآخر المختلف، فكرا وسياسة وجسدا؛ مثلما حدث لهذا السياسي المعارض، والذي رتب حادث سير، في حق زوجه وابنه، بغرض التأثير عليه، وشل نشاطه السياسي المعارض  
                                                                           …       

                 .

 حكاية حب قديمة

ها هو الراوي يحدث شخصا، وكأنه يلومه ـ ولكن بلطف ـ عن تركه قريته النائية الجميلة، وعدم شعوره بالارتباط بها، حيث يتمتع بمظاهر الحياة، من سماع أصوات الحيوانات والطيور؛ ويعجب من قدومه إلى المدينة، حيث الأضواء تعمي العيون…” ودادي” القادم إلى المدينة، منجذبا بعبق العشق، يضفي عليها من روحه، 
 وكأنما يزاحم أهل المدينة، ويأخذها منهم. قال له: ” أنت تحمل رأسا جافة، يابسة، مثل أجدادك الأولين، الذين تصدوا للغازي بصدور عارية، وعزيمة من حديد ـ لقد سخرت من هؤلاء الناس، الغوغاء، وكأنك  تردد عليهم بمقولة ـ مكسيم غوركي ـ ” جئت هذا العالم لأختلف معه، ). وهذا يكفي لتكون مختلفا، عن سكان هذه المدينة.
( كنت تجهل أسماء الحب المستعارة، وفنون الدهاء، والكلام المغشوش.). ص60.
لقد طال عمرك، وعشت زمن ” ارفع راسك يا ابا”. وقبيل عيد الكرامة، جاءت القوة العمومية، ورمت ما لديك من أثاث قديم خارج البيت ـ لسبب ما، قد تكون لا تعلمه ـ زمن كان الشاب التونسي ” البوعزيزي” لا يزال صبيا يحبو، إذ عزمت أنت أن تنتحر أمام البلدية حرقا، لولا أن بعض العقلاء أقنعوك بالعدول عن الفكرة، وبذلك أدخلت الحضور، في متاهة السؤال؛ فقيل:” هل هو التوحيدي؟ حينذاك، كنت ترى الشموخ في أولئك الثوار الذين كانوا، يقصدون المنطقة التي جئت منها، ليزوروا شيخها ـ سيدي عبد القادر الزنيني ـ يستمدون منه الحكمة والبركة والإيمان بالقضية. إنك لم تتخرج في جامعة أو مدرسة، وإنما مدرستك الحياة، ومعارفك بسيطة، بقدر ما تمكنك من الكتابة. ( كانت تبدو لك الحياة أبسط بكثير من هذا العبث والهوس والجنون.). ص62. 
قصة مواطن ترك مسقط رأسه ـ في زحمة الأحداث ـ حيث المتعة بعناصر الطبيعة، والتجأ إلى المدينة، منجذبا كالفراشة إلى شعلة الشمعة، ويبدو أن هذا المواطن، قد احترق جناحاه، تماما مثلما يحدث للفراشة ” المتهورة” . لقد كان متنطع الرأي، فاختلف عن غيره، وصار يعزف خارج السرب ـ ربما دخل عالم النقد والانتقاد ـ لمظاهر التسلط، وتيار الحياة المدنية، فعوقب أشد عقاب بأن طرد من أبسط حق للمواطنة ـ طرد من المسكن الذي حازه في المدينة الصاخبة ـ بعيدا عن مسقط رأسه؛ فكان السباق إلى فكرة الانتحار حرقا بالبنزين ـ هذا الفعل الذي بدأ فيه الشاب التونسي ” البوعزيزي”، فأشعل ثورة الياسمين، وسقوط نظام حكم، ومجيء نظام حكم آخر…
بقي أن يتساءل القارئ: لقد كان الشبان والكهول في بلد الكاتب، سباقين إلى فكرة الانتحار حرقا أمام الملإ. وكم منهم من أولئك الذين ماتوا، أو تشوهت أجسامهم، وتغيرت ملامحهم بفعل الشواظ، فهل غيروا بذلك شيئا، أم كان انتحارهم مجرد خبر عن حدث، تعلن عنه الجرائد يوم غد في باب ـ حوادث عامة ـ 
ومع أن ” ودادي” بطل النص المفترض، لم يتخرج في جامعة أو مدرسة، ولكنه تميز بالتمسك بأصله، وحبه لجذوره… إنه يتذكر تلك الأيام التي كان الثوار يقصدون منطقته، في زيارة للولي الصالح، يستمدون منه طول النفس، لمواصلة الكفاح، والإيمان بقضيتهم التي ثاروا من أجلها…

على أطلال ” ضاية التلية”

 هي أشبه بتلك القصص المشهورة، في الحب والعشق؛ نسجت بين المهدي، وجارته ” الياقوت”… كانا يلتقيان في مرتع حبهما… وذات موعد لم يجد المهدي أثرا لحبيبة القلب، وعرف فيما بعد، أن أسرتها قد رحلت إلى مكان آخر ـ على عادة البدو الرحل في بلادنا ـ فأصابه الإحباط ، واستولى عليه القنوط، فراح يهيم على وجهه، لا أنيس له سوى نايه، يعزف عليه ألحانه الشجية. ثم إنه ذات مرة، صعد إلى تلة، ارتبط اسمها بامرأة من الشمال، نزلت المنطقة في مهمة طبية ـ للتوعية الصحية، وتباعد الولادات ـ فاستقرت بالمكان، لارتباطها برجل من المنطقة، ولكن العرف، وحكم القبيلة فرق بينهما، فأصيبت بلوثة عقلية، وراحت بدورها تضرب في الأصقاع، إلى أن ماتت غريقة بئر. 
سعى أبو المهدي في كل اتجاه، بحثا عن علاج لابنه، وقدم القرابين، واستشار الدراويش، فقيل له إن ابنه يعاني مسا من جن.
وكانت المفاجأة ذات يوم، لما شاهد الأب ابنه قادما في انشراح وحبور؛ وقد عاد إليه الألق، وسمع ابنه الأصغر، يصرخ ويقول: إن جميع البدو الذين رحلوا قد عادوا إلى الديار… ثم عرف حقيقة القصة بين المهدي و” الياقوت” من زوجته”. ثم شاهد الناس “الياقوت” تجوب الدكاكين والحوانيت، تقتني ما يلزم استعداد للعرس.
وعادت لقاءاتها مع المهدي، وعاد الناي إلى ألحانه الجميلة… نسج الكاتب نص القصة على الطريقة الكلاسيكية ـ قصة حب ـ بين شابين يعيشان بين أحضان الطبيعة، على منوال قصة ( قيس وليلى.. عنترة وعبلة. بول وفرجيني). على سبيل المثال… وأدخل في حبكتها، قصة حب أخرى تشبهها في عنف الحب، والعواطف الجياشة، ولكنها تختلف عنها في النتيجة. ” ظروف متشابهة، وعواقب مختلفة”. 
ــ قد يرى بعض القراء، وربما حتى النقاد المتمرسين في معالجة النصوص القصصية، أن حبكة هذه القصة، مجرد بكاء ” أو تباكي” على الأطلال، واجترار لمضامين نصوص سابقة؛ معروفة عبر التاريخ الأدبي، مثل ” بول وفرجيني، وقيس وليلى، وقصة حيزية المشهورة في الأدب الشعبي الجزائري” ، فأقول إن الكاتب بقدرته الأدبية، وحنكته في السرد والقص، استطاع أن يصهر أحداثا ـ قد تكون من مخيال الشفهي ـ ومن الموروث المحكي في منطقة الجلفة وأولاد نائل، حيث يعيش الأستاذ بن ساعد، وجعل منها قصة فنية رائعة، والحق أنه جمع معها اقتباسا من قصة امرأة، صنعت الحدث في المنطقة، وصارت جزءا من مخيلة المكان، وهي ” إيزابيل إيبرهارت” المشهورة بين السكان بالفارس ” سي محمود”، فعل ذلك بطريقة ذكية جدا، قد لا يتفطن له غير المطلعين على قصة ” إيزابيل”، التي خلدها سعيد خطيبي في ” أربعون سنة في انتظار إيزابيل”… 
قصة ” ضاية التلية” التي وظفها الكاتب، فعمق بها الجانب الدرامي في القصة الأصلية، وما كان يتحقق ذلك لولا براعة الكاتب واطلاعه الواسع؛ إذ دفع بالبطل وهو يفتقد أثر حبيبته، إلى الصعود إلى، ” ضاية التلية”، كأنما ليستمد القدرة على تحمل ألم الفراق، وتحمل صبابة الشوق للحبيبة المغادرة… فهو بذلك يكون قد لمح للقارئ: انظر ليس فقط المهدي وحده يعاني ألم الفراق، في هذا المكان، فإنما هناك هذه المرأة الولهى عانت وتألمت، وتركت قصتها تحكيها الأمكنة.
وكما نسج الكاتب نص القصة على الطريقة الكلاسيكية، قاد أحداثها كذلك على الطريقة الكلاسيكية، إلى نهاية ” يرغب فيها القارئ” خاصة العادي، نهاية مفرحة، تتمثل في لمّ الشمل ” بين الحبيبين” ، وإن كان قد وجه أحداث ” ضاية التلية”، إلى وجهة أخرى، أعتقد أن لذلك سببا منطقيا ـ من الناحية الفنية والمنطقية ـ رفض زواج رجل محلي، من امرأة جاءت من منطقة أخرى ـ ربما تحمل ثقافة و عادات مختلفة ـ فكان أبو الزوج المفترض بالمرصاد، ومعه شيخ القبيلة. 
ولم يفت الكاتب، اعتماد التراث ـ الموروث الثقافي السائد، فالمهدي، حرص على أن يحتفظ من أمه بتلك القطع من قماش ثوبها، يتنسم منها ريح أمه، كلما استعملها، ثوب خيط بطريقة خاصة، ليحمل خصوصية منطقة بعينها ـ أولاد نائل ـ ضف إلى ذلك إيمان الناس، واعتقادهم في تلبس الجن الإنسان، والتحكم في تصرفاته. فيلجأون إلى تقديم القرابين، وممارسة الشعوذة لمجابهة ذلك. وتخليص المعني من براثين الجن، وهو ما فعل أبو المهدي جاهدا…
وكذلك عادة سكان السهوب، الذين يعيشون في تواؤم وانسجام مع الطبيعة، فيستغلون مواسم الرخاء، للاستقرار في مكان، وتفادي حالات القحط والجدب بالانتقال والترحال، إلى أماكن أخرى ـ مؤقتا ـ بحثا عن ظروف حياتية مواتية.

 الموت يخطئ أحيانا

البطل الراوي من رجال الإعلام، يشتغل صحفيا بعد تخرجه. استقر بالجزائر العاصمة، محررا في جريدة، بأجر، قسمه قسمين: قسما يشتري به، المتوفر من الكتب المهووس بها. وقسما يدفعه ثمن وجبات طعام، مع دفع إيجار غرفة في فندق بائس يقول البطل الراوي، إنه في هذا اليوم، دعاه صديقه ورفيق صباه ” تامر”، إلى تناول وجبة، بمطعم، بشارع طنجة المشهور بمحلاته، المزدحم بالناس البسطاء أمثاله. وجرى بينهما حديث مطول أمام الوجبة، حول أيام الطفولة الخوالي؛ ولما خرجا عند منتصف الليل، في الطريق إلى نزل السفير، حيث يقيم الصديق ” تامر”، تفاجآ بانفجار مرعب؛ عرف فيما بعد ـ بعد استيقاظه في المستشفى، أن صديقه قد قضى في الانفجار… حدث ذلك خلال العشرية الدموية في الجزائر، ما دفعه ليتساءل: لماذا لم أمت أنا، بدل تامر؟

عن بناء النص

بنى الكاتب النص بتقنية ” الفلاش باك”، فلسبب ما عادت إلى ذهنه تلك اللحظة، التي وجد فيها نفسه، وجها لوجه أم صديق الطفولة ” تامر”، ومن خلال تلك اللحظة، 
استرجع أيام دراسته وتخرجه، واستقراره في العاصمة، لاهثا وراء حلم ـ خاب فيه ظنه، لعوامل وأسباب… كان في نيته الارتباط بإحدى بنات العاصمة، ولكن… لم يحدث. وقبل أن يعيش حياة بوهيمية، في مدينة صاخبة، بالإضافة إلى حالة اللا أمن السائدة، وقتذاك؛ إذ كانت أرواح المثقفين هدفا لرصاص جماعات لا تعترف لغير من يوافقها الفكر والرأي بالحق في الحياة
 في مفهوم ” الموت يخطئ أحيانا “

من ذا الذي يستطيع أن يقنع شخصا مفجوعا في عزيز لديه، أن الموت واحد، وأسبابه عديدة، أو يذكر أمامه ” الموت حق”؟. 
كان أول ما بدر من البطل الراوي، وهو يعود إلى وضع الهدوء والوعي في المستشفى؛ أن تساءل في استنكار: ” لماذا لم أمت أنا بدلا عنك يا تامر؟”. وكأن تامر في نظره، اختار أن يموت في ذلك المكان، وبتلك الطريقة. ومن هول التأثر والرفض لما حدث؛ رأى أن الموت قد أخطأ الهدف، فبدلا أن يصيبه هو، بحجة أنه هو الصحفي، رجل الإعلام، هدف الرصاص المصوب والطائش. وكانت آلة الموت ، وقتذاك، تعني أول من تعني من فئات المجتمع ـ المثقف والصحفي ـ وعليه فهو أحق بأن يموت. وكأنه اقترف جرما بامتهان الصحافة. ونسي ـ البطل الراوي ـ أن الموت كتاب ـ لا يتقدم ولا يتأخر ـ وكل مخلوق له كتابه… ولم يفكر مثلا، أن صديقه، قد تواجد في المكان الخطإ، والزمان الخطإ، وكان ما كان وعليه أرى أن النص يمثل قطعة ـ وثيقة، تؤرخ لتلك الفترة الدموية المقيتة، التي ابتليت بها الجزائر، وبرز أثر أكثر في فئة رجال الإعلام والثقافة. ولا يستطع أحد أن ينكر أن الجزائر دفعت فيها ثمنا باهظا

صدر الحكاية.

قصة حميدة “العفريت” الذي نسجت حوله، أساطير وقصص… كان من الرجال ـ في محيطه ـ من رموه بالجنون والعته، ومنهم من قال عنه ” درويش”… وخاف منه الصغار ـ ومنهم البطل الراوي ـ قبل أن يعرف ويفهم… أما فئة النساء، فيبدو أنهن اتفقن على شيء واحد، هو التبرك بهذا الرجل، فكن يكرمنه بخبز الفطير، والقهوة المحضرة بالطريقة المحلية…
من أين جاء حميدة ” العفريت”؟. قيل إن أباه هاجر إلى تونس، يطلب العلم، في جامع القيروان، ولكنه لم يعد منها سوى بامرأة ومعه إمرأة حامل، رزق منها بذكر وحيد، هو حميدة ” العفريت”. أطلق عليه اسم أخيه، الذي غاب ولم يعد نشأ حميدة بين والديه، محبا للصيد، وحدث أن أسقط حمامة بيضاء، فثار عليه والداه، واستهجن الناس فعله؛ فجر عليه فعله اللعنة، إذ أصيب بالخبل والجنون، وادعى أحد الدراويش، أن الجن قد تملكه، لأن هذا الجن يسكن قلب الحمامة. فأقلع عن عادة الصيد، إلى أن فقد والديه في حادث فيضان الوادي، الذي جرف 
بيتهما وجرف حيوانات وأناسا. فهام على وجهه يضرب في  الأرض، إلى أن أصابه الهرم، فعاد إلى مسقط رأسه، واتخذ لنفسه مكانا منعزلا عن الناس، إلى أن اغتيل من جماعة ملثمين ومن الخوارق المرتبطة بهذا الرجل، حميدة ” العفريت”، وأكد ” بركاته” بين الناس… أن الراوي شاهد يوما، البنت ” خيرة” بنت الماحي، عائدة من كوخ حميدة العفريت”، بعدما أحضرت وجبة من خبز الفطير بالقهوة التي يحبها… وبعد ذلك شاهد خاطبا، يقصد بيت الماحي، طالبا إبنته الكبرى “حيزية” للزواج هذه القصة مبنية أساسا على الثقافة الشعبية، متمازجة مع الأسطورة. كيف ذلك؟ أولا: علاقة الأطفال الصغار، انطلاقا من تصرفات الكبار ” مع حميدة العفريت”. ففكرة ” الغول” مثلا، مرتبطة، بتصرفات الصغار، وتوجيه حركاتهم من طرف الكبار: الجدات والأمهات. إذ يسار إلى الوعيد والتهديد، أمام كل طفل مشاغب، كثير الحركة. ” أنه إذا لم يهدأ، وينصاع للأوامر، فإن الغول سيدخل من النافذة، أو من المدخنة، ويعاقب كل عاص وعليه، فإن الراوي في هذه القصة، ” صدر الحكاية” قد عاش صباه، وجزءا من مراهقته؛ يهاب حميدة ” العفريت”، ويتمنى بينه وبين نفسه، ألا يضطر يوما لملاقاته، أو رؤيته… ولكنه ـ فيما بعد ـ شاهد أترابه: ذكورا وإناثا، يقصدون حميدة، في كوخه، وينقلون إليه الطعام، وهو الأمر الذي زاد تساؤله، ورغبته في استكناه أسرار هذا الرجل الغريب. فراح يحرص على مراقبة محيطه، والوافدين عليه، وهو يتفقد مزرعة والده؛ فرأى ” خيرة” بنت “الماحي”، تقصده وتطعمه، تخرج من كوخه جذلى فرحة… والمفاجأة التي عاشها ـ فيما بعد ـ أنه كان شاهد عيان، على مجيء خاطب لبنت ” الماحي”، أخت ” خيرة . . 

ـ شخصية حميدة ” العفريت”، وموقعها في المخيلة الشعبية والثقافية

ـ في هذا النص، ارتبطت شخصية حميدة، بأحداث فيها جوانب، غير مألوفة للعقل، منها سبب إصابته بالخبل والجنون، ” إنه قتل حمامة بيضاء. وأن الحمامة يسكن قلبها جن. فعاقبه ومسه بجنون.”. 
جانب آخر، أنه لما طعم بخبز “خيرة” و قهوتها ـ يكون قد دعا بالخير، لأهلها، فأجاب الله دعاءه، وبعث لهم خاطبا لابنتهم ” حيزية” ـ وبذلك يخلصها من العنوسة التي تهاب سطوتها الأسر والبنات على حد سواء. وقد يكون من يفسر ذلك ـ مجيء الخاطب ـ أنه من كرامات حميدة، وبذلك يرفعه لمرتبة الحلاج وكراماته في بغداد وقد يكون من يقف على النقيض، فيرى ذلك مجرد صدفة .

الصاعقة….

قصة رجل. رب أسرة، سقط منجذبا لسحر الغواية ـ المادة، وتلاعب الأنثى، صريعا تحت سطوة بنت، في عمر ابنته كان عونا لها في مصابها ـ ساعد أمها المريضة. ولما توفيت الأم، رأت أن ترد الجميل. ولكن، كيف؟.. بغواية رجل في عمر والدها؛ فغيرت فيه كل شيء: حركاته وسكناته، وشكله ـ هيئته وملابسه ـ ما حير أم أولاده، وكان أن  أجابها لما استفسرته عن السر، بأنه أراد فقط، أن يهتم بنفسه قليلا وجاءت لحظة السقوط؛ ففي ذلك اليوم، لما أصرت ” حبيبته” المراهقة، أن تأخذ منه، ويأخذ منها ما يطفئ لهيب الاشتهاء؛ جاءه الخبر، الصاعقة: أصيب ابنه البكر المجند في حادث انفجار، فقضى؛ فأصابه الجزع، وعقد البكم لسانه، وبذلت. .  
زوجته من أجله، بالبخور وما إلى ذلك، معللة نفسها بالصبر قصة يمكن أن تحدث في أي زمان، وأي مكان ومجتمع. فهذه الفتاة التي وجدت العون، في بداية الأمر، لما مرضت أمها، لدى هذا الرجل، وقد تخلى عنها أقاربها؛ كانت ترى فيه المنقذ والمخلص لأمها من براثن المرض. وربما شعرت نحوه شعور البنت نحو والد افتقدته؛ فمالت إليه كل الميل، وشعرت معه بالأمن والأمان، وتنسمت الدفء الأبوي الذي حُرمته… وعندما توفيت أمها، وجدت نفسها كالغريق، أو كالذي جرفه تيار نهر هادر، يمسك حتى بالشوك، رجاء النجاة؛ فازداد تعلقها بالرجل، وتوطدت العلاقة بينهما أكثر أما الرجل… فوضعه يختلف تماما… فهو رب أسرة، وأبو أولاد. قام بفعل الخير، إذ ساعد أم الفتاة في علاج مرضها. وتغلب فيه جانب المادة، على الجانب الإنساني، وإعمال العقل فانساق وراء اللهفة نحو بنت ـ ليس من قبيل العطف والتكافل ـ بل كان الجسد واللهو سيدا طاغيا؛ فنسي  مكانه في أسرة بين أبنائه وزوجته… وأعمته الغواية قد يكون ذلك بفعل تأنيب الضمير، والندم على تجاوز حدود اللياقة، وخيانة الأبوة، والدوس على العلاقة الزوجية، كما كان ذلك لمفاجأة الخبر الساقط عليه، لحظة لهو كالصاعقة؛ فأحدث فيه انقلابا كليا ـ إصابة ابنه البريء ـ فاستيقظ من غفوته، وهو يستمع للفتاة تلح عليه أن يأتي المحظور معها؛ فانفجرت عليه قنبلة من نوع آخر، أشبه بتلك التي أوت بابنه …
 … في مضمون النص. 

عن العنوان ـ الصاعقة

يجد القارئ نفسه ـ في هذا النص ـ أمام صاعقة متعددة الجوانب، والآثار… فعلاقة الرجل الكهل بالفتاة اليافعة، بحد ذاتها ” صاعقة”، تهز نفوس من يطلعون عليها، ويسمعون بها. وتخلي الرجل عن أهله ـ زوجته وأولادهـ، ليكرس وقته واهتمامه لبنت سحرته ـ صاعقة ـ وخبر إصابة الابن في انفجار قنبلة ـ صاعقة الصواعق ـ أخرجت الأب من ” غيبوبته”، فأصابه الخبل والجنون؛ وصاعقة كذلك أصابت البنت ، وهدمت على رأسها قصر الورق، الذي شيدته. ” العشق في كنف رجل، يغدق عليها…”. وعودته إلى أهله وبيته، وقد فقد كل مقومات الآدمي، ” العقل والنطق”، صاعقة أخرى، خطفت وعي الزوجة، ودفعتها إلى البحث عن مخرج من المأزق، وطلب العلاج بكل الوسائل، بما في ذلك الشعوذة وصاعقة بالنسبة للأبناء، الذين وجدوا أنفسهم أمام أب، أبكم مخبولا؛ ولا يعرفون ما يفعلون من أجله. والابن الذي قضى في الانفجار ـ صاعقة ـ أصابت الجميع، بمن في ذلك البنت ـ “عشيقة” الأب ـ وفي المعنى المباشر والحقيقي صاعقة القتل ـ بحيث تواجد الابن في المكان والزمان غير اللائقين، فدفع حياته. القنبلة انفجرت بصاعقة، لولاه ما كانت تكون قنبلة. أما الأخطر من ذلك، فهو الحلم الذي عاش له الشاب، بأنه سيجتاز التجنيد في الخدمة الوطنية، وينضم بعد ذلك لصف الرجال. ” بأنه كان يوما جنديا سخر قدراته لخدمة وطنه مثل أترابه”؛ ولكن القنبلة أجهضت حلمه، وأوقفت مسيرته، بعنف بدد أشلاء جسده في البرية…

ـ خلاصة. عن المجموعة

على مدى خمس وثمانين صفحة تقريبا، ومن القطع الصغير، توزعت خمس عشرة قصة، مختلفة الطول والقصر، كما اختلفت مواضيعها؛ فمنها ما تناول موضوعا اجتماعيا ـ خلقيا، ومنها ما جمع بين الثقافة والسياسة، وفي كل الحالات، طعم الكاتب نصوصه بالتراث والثقافة المحلية ـ خاصة ـ أرادها الأستاذ بن ساعد، أن تكون ناحية الجلفة ومنطقة أولاد نائل. وما يجعل نصوص المجموعة ذات ميزة، إنما قدرته على تطعيم فقراتها بتقنية التناص، والتضمين من القرآن الكريم، وإدراج استشهادات لكتاب أجانب مجموعة ـ صدر الحكاية ـ آسرة للقارئ؛ أعترف أنها تقتضي أكثر من قراءة، للغوص بين ثناياها، وسبر أغوار الإيحاء والرمز فيها

/

* شاعر وناقدمن الجزائر 

اترك تعليقا