هاتف قلب كياني ، زلزل عرشي ، أطاح بيقيني و اعتقادي ، هاتف كأنه سهم حمله الأثير و تلقته أذني لينغرس في قلبي فيمزق سويداءه و يرمي بروحي في هوة مظلمة لا قعر لها . ليتني ما تلقيته و لا رددت عليه … أبعد كل هذه السنوات ذكرتني و علمت أنك ظلمتني و رميتني و أزحتني ، نسيتني و نسيت الأمانة و عاملتني كعالة تثقل كاهلك و تزعج خاطرك و تضيّق عليك الأفق و تقيّد من حريتك و تحرج راحتك فآليت أن ترميني في أول منعطف من حياتي ، تآزرك في الإثم عماتي ..هه.. و أي عمات؟ تسلمن صكوك الغفران ببعض المظاهر من التدين الزائف ؛ عُمرات و حج بعد حج و حجاب و سُبحات و تراويح في المساجد إن لم تكن في الحرمين و كلام في الدين و التقوى كأن الله قد أسبغ عليهن الرضى و البركات ، لكن إذا خلون بي خلعن البياض عن السواد و رمين قفازات التقوى لتبرز مخالب الساحرات و كشّرن عن أنياب الشر ؛ فينخلع فؤادي و أرتجف مكاني … لماذا ذكرتني الآن يا أبي ؟ و أنت في النزع و قد خارت منك القوى و ارتخت اليدان و ثقل اللسان … ليتك تركتني في طي النسيان ؛ تتقاذفني أمواج الحياة كزورق بلا مجداف يحطمه الارتطام بالصخور في كل حين … أنا يا والدي عشت فريسة تهرب من الغيلان ، تطاردها الوحوش في الغابة المظلمة ، هربت من الوحش الذي رميتني إليه بعد تشردي في صباي … لم أفهم معنى الزواج و لم تكن أمي معي حتى تسكن روحي له … أمي المغلوبة على أمرها ليس لي منها غير دموع و حسرات ، أترعاني أم ترعى زوجها و أولادها منه …؟ ألا يفترض أن تكون كهفي الذي ألتجئ إليه و حرزي من كل آفة و غيلة ؟ . بقيت وحيدة ؛ بكيت و بكيت و بكيت و الآن حتى و أنت تطلب السماح على بُعد أبكي …أأحرد عليك لما فعلته بي أم أسامحك لأنك أبي ؟ .. أوّاه هل سيتحقق غيابك كليا و ينطفئ بصيص الأمل في رأياك … ؟ بالله عليك لا ترحل حتى أراك يا والدي و أوسد خدي صدرك القاسي …
لم تشعر إلا و والدتها تضع بحنو كفها على كتفها فالتفتت و رأت صورة الأسى و الحزن يوم أن فارقتها قهرا و لم تكمل عامها الخامس … نادت عليها ماما ماما ، لم تجبها الأم ساعتها و أشاحت بوجهها و الدموع تحرق خدها ، أي أم أنا تخلت عن ابنتها ؟ … و انطلقت سيارة الوداع تفصم قلبين و تمزع جسدين ، انطلقت في هدوء لا تتوقف ؛ لم ترحم صراخ الطفلة و لا دموع الأم التي استفاقت على فجيعة الفراق … تلفتت رأت ابنتها تنفلت من يدي أبيها مسرعة نحو السيارة صارخة بأعلى صوتها و كأنه خناجر تمزق فؤادها …
– توقف توقف أرجوك … تنادي على السائق و أبوها يرفض و ينتهر ، لولا أن للسائق قلب رحيم فأوقف السيارة على جنب لتنزل الأم المفجوعة تجري و الطفلة تجري حتى ارتمت في حضنها و هما تبكيان …
- لا تبكي يا حبيبتي أنا معك سأعود إليك يا حبة قلبي و نبض فؤادي …
وتمسح الدمع عن خديها و تقبلها بحرارة … لكن القدر انتزعها كما ينتزع الروح من الجسد و سحب القلبين إلى قبر الدنيا ؛ تتعذبان بلظاها … و تضرب رياح الوحشة قلب الطفلة المسكينة ، و تختفي ضحكتها التي كانت تملأ الدنيا فرحا و يذوي بريق الطفولة من عينيها ، تشردت و تخشب قلبها ، و تألمت من التمييز الذي طبع حياتها إذ رغبوا عنها بالطيبات ، و حرمت حتى من حنان الوالد ؛ أين مناغاته لي ، أين دلاله لي ، أين حمله لي و قبلاته ؟ أين هو طيلة الوقت ؟… أين أمي …؟؟؟ .
ابتسمت ابتسامة الحزين و قالت : أنت هنا يا أمي … الآن أنت بقربي .
و ارتمت في حضنها تبكي … قد رحل الذي انتزعني من حضنك و أنا صغيرة .. قد رحل . دمعت عين الوالدة و قالت : سامحه الله . قالت : و لكن قلبي منشطر نصفين ؛ نصف يأبى علي و لا أرى من خلاله إلا ظلمه و إهماله و نصف يقول : هذا أبوك و مهما صنع فهو أبوك .
قاطع حوارهما رامي خطيبها و زميلها في المستشفى : أمامنا عملية صعبة يا دكتورة و قد حان وقتها . قالت : نسيت أن أخاطرهم بالهاتف و أعلمهم أن والدي توفي اليوم .
قال : لم أعرف أن والدك حي ، ظننته متوفى من زمن
قالت : قصة طويلة لم تسنح لي الفرصة أن أحكيها لك
/
* كاتب من الجزائر




