كانت ممزقة الثياب، منكوشة الشعر، قذرة المظهر، تجلس بجانب مسجد التقوى، تردد دائما عبارة ” الصديق سبب الضيق “، ولكن للأسف لم يعيرها أحد أدنى اهتمام. كلما أحست بالجوع قصدت السوق المحاذي للمسجد لتجمع منه بعض فضلات الخضر والفواكه التالفة التي رماها الباعة، ثم تعود إلى مكانها تأكل ما جمعته حينا وتردد حينا أخرى ” الصديق سبب الضيق “.
في يوم من الأيام اقترب منها رجل أسمر البشرة، طويل القامة، أعطاها بعض النقود لكنه تفاجأ بتصرفها، ثارت واستشاطت غضبا، ثم رمت النقود على وجهه، وبينما هو يجمع النقود من الأرض سمع صوت قهقهة، التفت إلى مصدر الصوت فألفاه إمام المسجد، قطّب جبينيه وهمّ بالرحيل، لكن الإمام أوقفه قائلا: تمهل يا صاحب القامة الطويلة لا تغضب من ضحكي، سأشرح لك السبب، يبدو أنك غريب عن المنطقة لذلك أعطيت هذه المخبولة نقودا.
بدت علامات الدهشة على وجه الغريب، ثم سأل الإمام: وما الضير في إعطائها النقود؟ هل الصدقة حرام أم عيب؟
الإمام: تعالى نصلي صلاة المغرب، وبعدها سأسرد لك حكاية هذه المسكينة.
توجها إلى المقهى المجاور، نادى الإمام النادل: أحضر لنا يا بني كازوزتين.
الغريب: لا شكرا أنا لا أرغب في شرب شئ، فقط استعجل يا إمام وأخبرني بالقصة.
الإمام: في العجلة الندامة وفي التأني السلامة.
الغريب: رجاء يا شيخ دعك من التشويق وأخبرني بسرعة.
الإمام: كانت حنان
الغريب: اسمها حنان إذن
الإمام: لا تقاطعني حتى أكمل حديثي.
الغريب: متأسف يا إمام، رجاء أكمل.
الإمام: كانت حنان فتاة طيبة وخلوقة، تعمل بمصلحة البريد، تقدم لخطبتها أحد زملائها بالعمل، يقال أنهما كانا يحبان بعضهما منذ الثانوية، وقبيل حفل الزفاف بأسبوع فسخ الخطبة دون مبررات، حاولت مرارا وتكرارا أن تفهم منه السبب، لكنه لاذ بالصمت المطبق.
بعد مرور أسبوعين من فسخ خطبتهما عادت أعز صديقاتها إلى العمل بعدما كانت في إجازة مرضية. هرعت حنان لتحتضنها، ثم سألتها عن سبب مرضها المفاجئ، أخبرتها بكل برودة أعصاب أنها تزوجت وزوجها سيدخل وراءها بعد خمس دقائق، صوبت حنان عينيها باتجاه الباب، فكانت الضربة القاضية لها.
لقد دخل خطيبها السابق، لم تنبس حنان ببنت شفة ونظرت إلى صديقتها مشدوهة، كأنها تنتظر منها جوابا نافيا لما استنتجته، غير أن صديقتها هزت برأسها مؤكدة لها ظنها.
فقدت حنان وعيها ومعه عقلها ومستقبلها، ومنذ ذلك اليوم وهي تجلس بجانب المسجد وتردد” الصديق سبب الضيق “.
انتصب الغريب من كرسيه، وخرج مهرولا باتجاه حنان، ركع بين يديها طالبا يدها، أغمي عليها أخذها للمستشفى بعدما استفاقت عاد لها عقلها. فقد أخبره الطبيب بأنها تعرضت إلى صدمتين نفسيتين قويتين، الأولى أفقدتها صوابها والثانية عالجتها.
/
* قاصة وأستاذة جامعية من الجزائر




