في باكورة أعماله السرديّة «صحراء الظمأ» عن دار التنوير الجزائرية، ينقلنا الأخضر بن السايح في رحلة سرديّة، عبر رحلة سفر تشق فضاء الصحراء الجزائريّة، بكل تلك التفاصيل المكانيّة، من امتداد المسافة والآفاق، والكثبان الرمليّة الممدودة، والواحات المشتتة، عبر سيارة يستقلها مجموعة من الشخصيات الروائية، مصطفى وسعيد والطيب وإينزام وعبد السلام السائق، حيث تمثّل هذه الشخصيات طبائع مختلفة وأفكار متنوّعة، تُحيلنا إلى تيارات واتجاهات وظواهر اجتماعية، في فضاء الصحراء الذي يُزيحنا إلى بيئتنا الجغرافية الأكثر عمقا في دلالتها المكانية والاجتماعية والحضاريّة، « هذا إقليم صحراوي فسيح يمتد من جانت حتى عين صالح يحمل أسماء مختلفة حسب الأشكال والمناطق» الرواية ص 84 فالفضاء الصحراوي هو أكثر من مكان جغرافي في الرواية فهو فضاء فنّي يتجلى في تجربة جمالية، بما يعنيه من توظيف لمجموعة المعطيات الحسيّة الصحراوية، لأن المكان عندما يتجاوز حيّزه المادي إلى كينونته السردية والجمالية، يُحيل إلى معانيه العميقة.
في الصحراء داخل النص السردي الذي هو فضاء ثقافي يتجاوز حيّزه الجغرافي وفي هذا السياق الفضائي، يظهر الجسد بوصفه محورا سرديا، ليمنح ذلك الفراغ و الفضاء الصحراوي دلالته السرديّة في تعاطيه مع إشكاليات فكريّة من خلال الجسد، إن وصف مشهدية المكان هي عملية سردية متضمنة في مسار السرد، وليست عملية منفصلة ومستقلة عنه، فالوصف ليس مجرد استراحات لرحلة السرد، وإنما هو عملية تفعيل وشحن وتزويد للسرد لدرّ المكان، والجسد في الرواية هو محور سردي، في فضائه الصحراوي ودلالاته، «فمن الجسد تنبثق حركة السرد وتنمو الدلالات وتتناسل الإمكانات السردية» في سرد الجسد عند الأخضر من السايح والرواية هي تجسيد لمنظوره النقدي حو الجسد والسرد، وحول فضاء المكان الصحراوي في الرواية.
عرضه الكاتب في كتاب نقدي بعنوان: «سرد الجسد وغواية اللغة» مستلهما توظيف الجسد سرديا «حيث ينسكب الجسد على النص إلى ذات نصّانيّة مزوّدة بالمؤثرات التأويلية التي تسهم في بنائه» وعليه تنبني عمليّة التأويل الروائي، وفي هذا النسق النظري للدلالة نقرأ الرواية، فالمرجع النقدي للكاتب يسهل عملية تأويل الرواية، لأنها تنبثق من منظور سردي واحد، هذه الرواية التي تصاحبنا إشكالاتها في شخصيّة مصطفى وهو أحد الركاب، معتقدا خيانة زوجته في مدينته الأصليّة فيشد الرحال من الصحراء التي يُقيم فيها بسبب العمل، مثلما يسكنه ويسيطر عليه هاجس الخيانة الذي يبقى معلّقا إلى آخر الرواية.
إنّ مصطفى هو الذي يحمل إشكاليّة السؤال المعلّق طول رحلته، وعلى امتداد رحلة السرد، للإثارة السرديّة ولامتحان منظور المتلقي الذي يحمل بدوره سؤال الإشكالية، إشكالية الخيانة الأنثويّة، وهيمنة الدلالة الجسدية على أفكار مصطفى « لا يهتم مصطفى بهذه الدنيا إلا الثأر لعرضه وشرفه، وهمّه أن يرى سارة (زوجته) في جهنّم وبئس القرار، مثلما يقول الطيب» الرواية ص 22، هذا السؤال الجوهري في ثقافتنا، الجسد الأنثوي يساوي العرض والشرف، ومن هنا يأخذ الجسد قيمته الثقافية والاجتماعية، ولكن تحوّله إلى هوس مرتبط بالخيانة عند مصطفى يتقاطع مع هوس السائق بالجسد، من خلال ارتباطه النزوي مع السائحة البريطانيّة «سوزان»، الذي يتحوّل انتهاك حرمة جسدها إلى عقدة نفسيّة اتجاه الآخر، تبدأ بالافتتان بالآخر، فهو الذي يُصفّي حسابه مع الغربي، ولكن من يمتلك الآخر، هل هو يمتلك الجسد أم أنّ الجسد يمتلكه من خلال فتنته وجماله الذي يُهيمن عليه، حتى وهو يتوهم أنّه يمارس رجولته عليها « هل عرفت سبب احتفاظي بسوزان البريطانيّة إنّني أقتلها أكثر من مرّة في اليوم، أنتقم منها وآخذ بثار أبائي وأجدادي…أثأر للأمّة العربيّة وأثار لفلسطين» الرواية 58، فهو في الحقيقة افتتان بالجسد الأوروبي الذي يسكن مخيال الشباب العربي.
ذلك الجسد الأشقر و الفالت، الذي يُحيل إلى افتتان بالحضارة الغربيّة ومفاتنها، وهو إشكاليّة المفتون الذي يمتلك الجسد عندما يستحوذ عليه ليلبّي عقدة النقص وعقدة الانتقام، ولكن هو يقع تحت ملكية الجسد له، وهذا الضعف بقدر ماهو خارجي فهو بواعثه داخليّة، بسبب الخوف المتجذّر في نفسيّته « الحل لا يأتي ما بين عشيّة وضحاها وإنّما هو عمل متواصل يبدأ بتحرير الإنسان من هذه المخاوف في البيت والعمل والمدرسة وأمام وطنه» الرواية ص 188، ومنه التحرر من فتنة الجسد وهيمنته الفكريّة والثقافيّة، والتحرّر من وهم التملك لأنه لا فرق بين الجسدين في ممارستهما للنزوة، فقد يكون التفكير الذكوري أنّه يمارس سطوة على الجسد الأنثوي، وهو في ذات الوقت رهينة لهذا الجسد، فسوزان ترى في جسد السائق مادة للاستغلال والاستهلاك والسيطرة على هذا الكائن المفتون، « الرجل في نظر سوزان صورة الشرق في مرآة الغرب، دائما لا تخرج عن الاستغلال والاستهلاك الذي يصل إلى درجة الاستنزاف» الرواية ص 156، وعلى طريقة الأنظمة العربيّة التي تحوّل هزائمها إلى انتصارات، يُحوّل السائق المفتون بجسد سوزان إلى بطولة وفتح مبين يثار من خلاله لفلسطين !!
إنّ الرواية التي تسير على محورين سرديين، بين المتخيّل الذي يستعمل الإيحاء، وخطاب مباشر كأنّ أحدهما يفسّر ويخدم الآخر، فتتضمن الرواية أحداثا واقعيّة مصاحبة، تأتي في خطاب الشخصيّات، لتذكرنا أنّ تلك التفاصيل الصغيرة في الرواية، وذلك الفضاء الصحراوي العجيب، ماهو إلا مرآة واقعنا السياسي والفكري، ففي الوقت الذي كان السائق يتوهم الثار لفلسطين من خلال عمليّة نزوية، كانت هناك « الإبادة الجماعيّة للشعب الفلسطيني» الرواية ص 58، كما كان الراكب الطيّب غارقا في معركته الدينكوشوتيّة في تكفير الدولة والمختلف عن فكره « ينطق الطيب بحدّة: ما دامت الدولة كافرة فأنت كافر مثلها» الرواية ص 21 فبين الخطيئة والتكفير لا يمكن بناء حياة مشتركة.
وعلى شكل منظور استشرافي للواقع السياسي العربي يرصد الكاتب مجموعة من الأحداث ويتحدّث عن الهجرة والواقع الإفريقي الذي يغزو الصحراء « لكن الشيء الذي شدّ انتباهي كثرة الفتيات الماليات في هذا الكوخ» الرواية ص 25، فبين السياحة الأوروبية والهجرة الإفريقية يجد الكاتب فضاء دوليا ينسج من خلاله منظوره السياسي للعلاقة مع الآخر، ويرصد نتائج السياسات.
إنّ خيبة السائق مع سوزان لا تُساويها إلا خيبة مصطفى في فكره المسكون بهوس الخيانة والعار المرتبط بزوجته لتتلاشى هذه الأوهام عند وصوله إلى أسرته، ويرسم لنا إشكاليّة التخوين، وخلق الأعداء في فكرنا، ما أكثر الأشباح والأوهام والهواجس التي تستنفد مجهودنا وهمومنا ورحلة سفرنا، فمع كل الأحداث الكبرى والجنسيات المختلفة في الصحراء التي تحيل إلى قراءات سياسيّة لمشهد دولي وحضاري، تعيش شخصيات الرواية في هواجس عالمها الصغير المرتبط بنوع الثقافة الاجتماعيّة التي تُخفي مستويات من الوعي والنفسيات للمجتمع في العالم العربي والإسلامي.
/
* روائي من الجزائر




