صُدفة…قد تغيّر تاريخنا…وصدفة أخرى تعيد بناءه من جديد…لكن الأجمل أن نصنع من صُدفنا الحزينة بداية جميلة لتاريخ سعيد نكتبه بنبض قلوبنا… فيُورق -رغم الحزن- ورود مَحبّة….إنها هذه الصّدفة أو تلك…
هناك يوم في حياتنا يفصل بين زمنين، يوم ننتظره لمناسبة، وربما بلا مناسبة؛ قد تأتي صدفة ما، فتجعل من الزمن الذي قبلها ذكرى جميلة كانت نهايتها موقّعة بهذا اليوم. أو تجعلها ذكرى حزينة نطويها على عجل. هناك طُرق تؤدي لمن نكره وأخرى توصلنا لمن نحب. قد نصادف قلوباً تبتسم في كل مناسبة وحتى أحيانا بلا مناسبة فنغبطها على ذلك دون أن ندري بأنها بارعة في التّقمص، فلا شيء داخلها يشبه تلك الابتسامة. وقد نصادف أيضا قلبا لا يبتسم فنشفق عليه ظناّ منّا أن مكروها أصابه. نتخلى عن كرامتنا طمعاً ورغبةً في مساعدته فنكتشف في النهاية أن حاله أفضل بكثير من حالِنا وأنه إنما
عبس فقط لِتَعبه من الابتسام.نمرّ يومياً على عشرات النوافذ دون أن ندرك حقا ما تعنيه هذه النافذة أو تلك لرجل مُسنّ يعجز عن الحركة فيبحر في ذكرياته من خلالها،أو كيف يستميتُ سجين لأجل أن تُفتح النافذة الوحيدة بالسّقف ولو بمقدار سنتيم واحد يرى من خلاله زرقة الحرية، ولا ندري عن شاب في عمر الزهور ممدد على سرير الحسرة بعد أن اقتنع أخيرا أنه فقد ساقه بسبب تهوره و إفراطه في السرعة، يرقب من خلال نافذته تعاقب الأيام دون أن يجد بروحه الحماس الذي كان. ..أو نافذة لغرفة فتاة حالمة تشرعها كل ليلة راسمة على النجوم المطلّة فارساً ترسل إليه خلسة عطر قُبل…
إنها هذه النافذة المغلقة أو تلك. تخفي الكثير من أسرار هذا الكون. الحياة تمضي..يوم وآخر دون أن نحسّ الفارق إلا بوجود تلك الأحداث المصيرية في حياتنا..وتلك الصّدف…بعدها نبدأ العدّ انطلاقا من ذلك التاريخ…
كان لابد لنا أن نتغير بسبب صدفة وكان لابد أيضا أن تكون تلك الصدفة ذاتها التي كسرتنا بداية لحياة أجمل وصُدَفٍ أروع..لذلك…أحِبُّوا تلك الصُّدف وتفاءلوا بها مهما كانت…حتى وإن سبّبت لنا ألما، فقد تكون تلك اللحظة هي نهاية الألم ونقطة لإعادة التفكير من جديد لكل ما كُسِر فينا…فليست كل نقطة بحياتنا …نهاية…قد تكون تلك النقطة نهاية لحزن ما وإعلانا بقدوم أجمل بداية…
إنها….هذه الصّدفة…أو …تلك…
/
* قاصة وأستاذة جامعية من الجزائر




