يخبرنا التاريخ الديني، أن الجزائري قبل دخول الإسلام، كان يهوديا ومسيحيا ومن دون دين. الإسلام الذي عرفه الجزائري، هو الآخر كان سنيا وإباضيا وشيعيا.
بعد أن وجدت المذاهب الدينية المضطهدة في المشرق، ترحابا بها، من قبل الأمازيغ في المنطقة المغاربية، بنوا دولة للإباضية (الدولة الرستمية) وأخرى للشيعة الإسماعيلية (الدولة الفاطمية). ولكن يبقى الرواج الأكثر للسنة المالكية، كما هو حال المنطقة المغاربية ككل، باستثناء بعض الجيوب الحنفية المتأثرة بالحضور العثماني.
تبنى المواطن الجزائري إسلاما سنيا شعبيا، بمسحة صوفية وطرقية بارزة، ما زالت قائمة لغاية اليوم، فلم يتفلسف التدين الجزائري وبقي بسيطا وشعبيا في الغالب، يغلب عليه طابع مجسد، ليتحول هذا الإسلام الشعبي البسيط إلى نوع من الهوية الوطنية، بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر. وقد استعمل المواطن الجزائري، طول الفترة الاستعمارية إسلامه السني، كما فهمه وطبقه، كأداة للمقاومة في وجه الاستعمار الفرنسي. فاعتبر تدخين المرأة حراما، على سبيل المثال، لأن الفرنسية تدخن في المكان العام. وصام رمضان بشكل جماعي، حتى يقول للفرنسي المستوطن انه مختلف عنه ولا يريد أن يذوب فيه، حتى لو كان ذلك لشهر واحد في السنة، وركز التدين الجزائري على الاختلاف مع الآخر وعلى الجماعية في أشكال التدين وممارسة الطقوس، مع إهمال واضح للقناعة الدينية الفردية، فقد كان تدينا شعبيا لا يهتم إلا بالطابع الجماعي. هذا بالضبط ما استغلته الدولة الوطنية بعد الاستقلال، التي تعاملت مع هذا الإسلام الشعبي، كجزء أساسي من الهوية الوطنية السياسية، من دون ان تقوم بأي مجهود لتطويره أو إعمال العقل داخله، في مجتمع دخل في حركية واسعة، فقد اكتفت الدولة باستغلال هذا التدين كمادة خام.
كان هذا هو اسلام الجزائري المتوسط، الأمي أو شبه الأمي، الريفي، الذي خرج من حالة استعمارية استيطانية طويلة، نجح على أثرها في بناء دولته الوطنية المستقلة. فكيف كان الحال عندما دخل الجزائري المدينة وغادر قريته وتعلم واحتك مع الآخر المسلم مثله أو المختلف؟
اشتغل الرئيس بن بلة، على جبهتين وهو يتعامل مع هذا الإسلام الشعبي السائد وطنيا، فقد طور سياسة دينية شعبوية، حارب من خلالها ما اعتبره خروجا عن ملامح الشخصية الوطنية، على غرار الصراع الساذج الذي انطلق فيه، ضد بيع واستهلاك الخمور، في دولة منتجة كبيرة لهذه المادة، لكنه من جهة أخرى حارب الإسلام السياسي الذي تحمله نخبة جمعية العلماء المنافسة، الصراع وصل إلى حد فرض الإقامة الجبرية على شيخها الإبراهيمي، سنتين فقط بعد الاستقلال.
«السذاجة» التي ظهر بها إسلام الجزائريين، بدأت في إثارة أطماع تيارات الإسلام السياسي الحاضرة دوليا، كجماعة الإخوان المسلمين، منذ بداية الاستقلال، فقد اكتشفوا أنهم أمام إسلام على السليقة، كما قال أحد شيوخهم، من دون قيادة فكرية، يمكن ان تنافسهم، وصل الإخوان الى هذه القناعة، بعد احتكاكهم بالشعب الجزائري، بدءا من النصف الثاني للستينيات، ووصل الأمر إلى حد اقتراح دستور اخواني للجزائر، بعد الاستقلال مباشرة، في وقت كان فيه بن بلة واقعا تحت تأثير القوة الناعمة المصرية.
الاستعمال السياسي للتيار الإخواني في الجزائر، مقابل سكوت مشبوه عن الوهابية، سيستمر الى غاية فترة حكم الشاذلي، الذي يشبه الرئيس بن بلة في بعض خصائص شخصيته.. بساطة في التفكير وتدين شعبي شكلي، عكس بومدين الأزهري، الذي كان أكثر تحفظا في استعمال الدين داخل المجال السياسي. لم يكتف الرئيس الشاذلي باستعمال الإخوان من خلال جلب قياداتهم المعروفة للتدريس والدعوة في الجزائر، على غرار الشيخين القرضاوي والغزالي، بل زاد عليه باستعمال واضح للإسلام الطرقي، الذي اقترحه عليه المحيطين به من أبناء الزوايا وأصهاره من المنطقة الغربية. جهة حافظت فيها الزوايا على حضور نسبي، عكس جهة الرئيس الاصلية (الشرقية) التي حارب فيها التيار الإصلاحي الزوايا وشيوخها.
حصل هذا اثناء مواجهة الإسلام السياسي الجذري وهو في حالة صعود، منتصف ثمانينيات القرن الماضي. التيار الذي استعمل بشكل قوي، تدين الجزائريين، كأداة حرب حقيقية، ضد المجتمع والدولة. تجربة مريرة ساهمت لاحقا في جعل الكثير من الشباب الجزائري، يعيد طرح علاقته مع الدين، بل والتشكيك في هذا الشكل من التدين، الذي يبرر المجازر والتفجيرات والقتل الجماعي لجزائريين مسلمين. من قبل إسلام سياسي، من دون قيادة فكرية. إسلام سياسي فشل فشلا ذريعا في القيام بأي إصلاح داخله أو إعطاء صورة عن التدين المقترح للجزائريين. ليكتفي باستغلال فج لما هو موجود من تدين، بكل عيوبه التي تطورت مع الوقت.
نحن الآن أمام ملامح سوق دينية جديدة في الجزائر، بعد هذه التجربة الرهيبة التي استعمل فيها الدين، من كل القوى السياسية الفاعلة كالدولة والحركات الإسلامية، في مجتمع عرف طفرة واسعة وسريعة في تعليمه ودخوله إلى المدن، حين بدأ في إنجاز عملية انتقال ديموغرافي سريع، خلخلت بدورها، البناء العائلي وهرميته التقليدية. انتقال، سمح للمرأة بالبروز كفاعل اجتماعي جديد، زاد في حدة تحفيز وإثارة العمق الأنثروبولوجي للمجتمع. من ملامح هذه السوق الجديدة ما ظهر في المدة الأخيرة، كالعودة الى المسيحية، والأحمدية وزوايا الكركرة الفلكلورية، مرورا بتيارات سلفية وصوفية عديدة، تشتغل منذ سنوات بين هذا الشباب الحائر. ميزة كل هذه الاشكال الدينية الجديدة، البحث عن نوع من الخلاص الفردي، ممزوجة بحيرة وجودية، تعبر عن نفسها بعدة اشكال متناقضة (المخدرات / الحرقة / الانتحار/ السعي الى الربح المالي السريع من دون ضوابط أخلاقية..) بعد فشل مرحلة الحلول الجماعية التي عبر عنها الإسلام السياسي الجذري.
فشل المؤسسة الدينية الرسمية في التعامل مع هذه السوق الدينية الجديدة، هو الذي يجعلها أكثر استئناسا وقبولا للتعامل الأمني معها. كما توحي بذلك المحاكمات التي انطلقت للأحمديين في الجزائر، والتضيق على المسيحيين الجدد، وكل من تسول له نفسه عدم التسوق، مما هو مطروح من سلع رسمية راكدة، في هذه السوق الدينية التي زادها انفتاحا الوسائط الاجتماعية الجديدة والتعامل المباشر من قبل المواطن، مع النص الديني الذي كان يمر في السابق عن طريق رجل الدين، بعد ان تحول المؤمن الحيران إلى قارئ.
يبقى الحل الجدي لهذا المأزق التاريخي، الذي طال، يكمن في الخروج من منطق الاستعمال السياسي لقناعات الناس الدينية المتغيرة بالضرورة والتعامل معهم كمواطنين وليس كمؤمنين، ليس من قبل الدولة الوطنية ومؤسساتها الرسمية فقط، بل من قبل كل القوى السياسية المنظمة.
/
*لمصدر القدس العربي
*أكاديمي وسوسيولوجي من الجزائر




