ملامح من تجربة المخرج عوني كرومي / أطياف رشيد *
بواسطة admin بتاريخ 13 ديسمبر, 2017 في 02:07 مساء | مصنفة في نقد مسرحي | لا تعليقات عدد المشاهدات : 334.

في البدء لابد من التأكيد على نقطة مهمة ستكون مدخلا لموضوعنا هذا وهي ان الاخلاص للمنهج الفكري او الفني المعين لايكون بملازمة حرفياته فقط انما بما يمكن للفنان المبدع اضافته او تعديله وربما تغييره. من هنا سوف نبحث في سنوات الممارسة الاخراجية في مسيرة د.عوني كرومي، تلك المسيرة التي تمتد منذ عام 1965 وحتى عام 2006، اي طوال 40 عاما كان خلالها مجربا وباحثا لايكل (ليكتشف الحياة باسرارها الغنية والعظيمة ) إذ اراد ان يفتح مغاليقها والكشف عن الشجن الكامن فيها. 
لقد تناول هذه الموضوعة في المسرح وفق مجموعة من النقاط كان قد ذكرها في (تجربتي في المسرح ) نلخصها بما ياتي :- 

1-استغلال مفهوم التغريب في العرض والتمثيل وفي وسائل العرض الاخرى من ديكور وانارة وملابس. 
2- (التعامل مع معمارية المسرح )و(استغلال المكان ) و (خلق التكامل بين الحدث والمشاهد ) من اجل (قتل الوهم (…) وتكثيف التجربة الانسانية التي تسهم في تطوير وعيه الذاتي ومن ثم الوعي الاجتماعي العام ).
فهو يؤكد على خلق سمات مسرحية واقعية انسانية تتصدى لمشاكل الانسان بالنقد البناء وخلق نوع من (المسرحية الشعبية )من خلال (اسقاط الواقع المعيش في النص والعرض ). لذا فقد بدأ الفنان الراحل صنع عوالم انسانية ليس بالصيغة المتحفية انما بما تفيض به من مشاعر واحاسيس وافكار وتجارب في لعبة مسرحية غنية بالمدهش من الدلالات.ومع ان تلك الاهداف ترتبط في انطلاقتها مع التوجه البرشتي في المسرح فانه مع ذلك حاول (تبني وتجريب كل النظريات والمفاهيم الفنية في المسرح ذات الاتجاه الواقعي).
وهو مايتجلى باوضح صورة في مسرحية (ترنيمة الكرسي الهزاز ) حيث ان المتأمل لهذا العرض يجد فيه، بالاضافة لتبني الفكر الملحمي، انه يضمر بنيانا وتاسيسا لمذهب مسرحي انساني المضامين دون اغفال لعراقيته.ففي الترنيمة تجد انك تتحسس العرض /الموضوع تشارك فيه ولاتشارك. 
وقد استفاد عوني كرومي من روحية المكان التراثية (البيت العراقي القديم) في اضفاء طقوسية محلية ومن المفردات التراثية الاخرى مثل استخدام الشموع وماء الورد من القماقم في احتفالية من الحزن كان المشاهد يتحرك خلالها مع الشخصيات (مريم)و(راجحة) وبـ(تنويع المناظر وبادخال عنصر الحركة الى عوامل السكون وبتحريك المشاهد موقعا مع تحريك الممثلين) اكتسب العمل صفة الابداع في استثمار معمارية المكان في النقطة سابقة الذكر. واعتماد عرض مسرحي لايقدم نفسه بل يتقدم نحوه المشاهد في اروقة البيت ملاحقا الحدث في نهم ورغبة في الاكتشاف توقظ في الخيال اسئلة لاتحد، وتؤجج شعورا بغنى وثراء بصري وفني في كل زاوية ونافذة وممر او غرفة كأن المشاهد يعيش القصة او كأنه يعيش حلما حينما جعله (نفسه ممثل عندما يتحرك بحسية وذهنية مع الاحداث والحالات التي تفرضها وتجسدها الشخصيات).ذلك الجو اسس مجموعة من عناصر التجديد منها استخدام المكان بطريقه مبتكره كذلك لم يكن النقل الواقعي للبيئة العراقية نقلا سطحيا ولكن بما تمتلكه من ثراء.كل ذلك خلق علاقة تفاعل بين المشاهد والعرض.تلك العلاقة التي يبرز في تأسيسها الجهد الإبداعي للمخرج والممثل معا.
وحيث ان ماهو محلي ليس بالضرورة ان يكون معزولا في مضامينه عن العالمية فقد جاءت (بير وشناشيل ) تحمل غنى مفردات الواقع والبيئة العراقية، الخان والشناشيل تحديدا.وهي تتصل بالوجع الإنساني في كل مكان في العالم، الرغبة في الامتلاك، والغنى والثراء من جانب والفقر والبؤس من جانب اخر والحب في المنتصف يجاهد كي يبقي لنفسه مساحة مضيئة بين البير والشناشيل تأتي الرموز متلاحقة لتحرك ذهن المتلقي وتفجر فيه اسئلة مصيرية بدءاً من العلاقات بين الشخصيات الى علاقة الشخصيات بالديكور وبخاصة تلك القطع من الملابس المعلقة والموزعة بهذا الشكل الملفت للنظر وربما ترمز الى أرواح آخرين بليت في هذا الخان لنفس الأسباب الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية وان من يعيش في الخان الآن هم امتداد لهذا الجمع من المسحوقين او من عاشوا مسحوقين وماتوا كذلك. اقول (ربما) لأن كل قراءة لرموز العرض تأتي مختلفة بين قارئ وآخر. كما كان لتوزيع سكان الخان بين طبقتين عليا وسفلى _الطبقة العليا للعائلة المالكة والسفلى للمؤجرين (المملوكين بشكل من الأشكال) وهو رمز للتمايز الطبقي الذي تتوسطه البئر والتي هي من المفترض ان تكون مصدرا للخير والانتعاش. ونلاحظ هذه المشابهة في توسط الحب بين الخير والشر وتوسط البئر بين طبقتين وهي مشابهه بين الموضوع وبين الديكور.
ان الديكور الدرامي (لا يصور في اغلب الأحيان تماثليا بوساطة وسائل فضائية او معمارية او تصويرية، بل قد يشار اليه بأيمائها وبإشارات لفظية او وسائل صوتية اخرى) وهو ما اوحاه لنا وجه الزوجة (القبيح) المشوه، والزوج المالك (المقعد) كناية عن قبح فعل الاستغلال والاضطهاد ولامشروعية السبيل المتخذ في تحقيق الثراء وقرب انهيار هذا الكون (المشلول) اصلا المشدود الى نوازعه فقط. 
وهذا فأننا نشاهد في كل مسرحية سمات اخراجية متفردة وكل مسرحية تحمل شجونها الانسانية بقالبها الخاص في بناء فكري واخراجي وجمالي لا يكرر نفسه في عمل مسرحي لاحق الا بتتبعه الهم الانساني وجماليات التكوين السينوغرافي وغناه الدلالي.
واذا كان المخرج الراحل قد ادلى بكلمته في دليل مسرحية (بير وشناشيل) عن مسألة تخطي فكرة خداع المتلقي فهذا لايعني ان يصنف بريشتيا اليا (لأن الرجل يتصرف ويزيد وينقص ويأخذ من غير بريخت ويبتكر ليكون كلا جديدا فلولا ذاك لعاد تلميذا غير ذكي و مخرجا اليا ) ففي هذا العرض بالذات يلتقي كل من تطهير ارسطو وتغريب بريشت في وحده متناغمة وناضجة وجديدة.
وفي حين آمن (وسيط الثقافات) الراحل د.عوني كرومي بخصوصية التجارب الانسانية لكن بشرط ان لاتتحول، على حد تعبيره، الى(معاناة تتميز بالتكور النفسي وجلد الذات او البقاء في الزمن الماضي ) ووضع التجربة في اطارها الأنساني الشمولي لما لمعاناة الأنسان في هذا العالم من ترابط وثيق كخيط ما من اللاشعور ربما يربطها ببعضها، وهو البحث الدائم عن الحريه والخلاص.
وهكذا جاءت معالجته تنم عن وعي بمفاهيم مثل الحرية والغربة وحتى الهجرة، لتتفتح على كل المراحل الزمنية، فهو يقول (اكتشفت ان لكل مرحلة ولكل موضوع شكلا ابداعيا جديدا) من خلال (التراكم والتداخل) لهذا الفيض من التجارب.
واذا كان ما ذكرناه سابقا من طروحات الراحل في المسرح وقراءتنا لنموذجين من اعماله تتوازى مع المناخ الملحمي فأن ما تلا هذه الأعمال وربما في السنوات الاخيرة وخاصة في مسرحية (مسافر ليل) تظهر فيها تطور الرؤى الاخراجية والعزف على اطر منهجية جديدة ابتكارا أو تمثلا.واننا لانقصد القفز على المراحل الأخراجية فيما بين “الترنيمة “و”المسافر “ولكن عنى لنا كثيرا ان نظهر الجوانب المشرقة من تجربته والتي يتبين فيها مدى الابتكار والتطور للمنهج الذي خطه في بداية حياته الاخراجية، ولعل رأي يونسكو من ان الحساسية الانسانية تتغير كل عشر او خمس عشرة سنة وعلى الاخراج ان يلبي اسلوب كل عصر يبدو مناسبا هنا.
مسافر ليل التي اعاد اخراجها برؤية جديدة استبدل فيها الشخصيات بشخصيتين نسويتين وتشكيل لغة تتظافر في صنعها عناصر العرض من اضاءة وملابس وحركات الممثلين وغيرها كانت تشكل وحدة متناغمة وجمالية مكتنزة بالدلالات.كما كان لاستخدام مفردة السلالم في الديكور نافذة (لفتح افق التوقعات ) عن رموز و توظيفات عديدة.وهذه اللغة يفهمها حتى من لا يفهم اللغة المنطوقة، اذ كانت المسرحية باللغة الالمانية.
ان استبدال الشخوص جاء لمزاوجة مجموعة من الأحاسيس و الرؤى ولاختزال الكم المنوع من الاختلافات من اجل اثراء الشخصية وان الانسان بأمكانه ان يكون كونا من الحالات الشعورية والفكرية المتناقضة دون تذويب هذه الحالات في بعضها فقد نجح في رسم ملامح الشخصيتين وفي مد الحدث بمزيد من الرؤى مما جعل العمل (لقاء متفرداً على نقطة في الزمن بين الحدث ومن يشهد الحدث ) كما يعبر بيتر بروك

/

* شاعرة وناقدة مسرحية من العراق 

 

 

اترك تعليقا