جبران خليل جبران : الانبهار أمام الحياة (1) / ترجمة : سعيد بوخليط*
بواسطة admin بتاريخ 5 مارس, 2018 في 08:10 صباح | مصنفة في حوار مسارب | لا تعليقات عدد المشاهدات : 293.

تقديم : عمله الرئيسي،النبي،يمثل اليوم الكتاب الأكثر قراءة بعد الإنجيل.فقط في فرنسا،تتداول على الأقل خمس ترجمات،وبيعت منه في أرجاء العالم عشرات الملايين من النسخ.

خليل جبران الفيلسوف المسيحي(جبران تعني في العربية المؤاسي)هو بسيط،أبدي،وكوني : أكثر ما يطويه الإنسان من الإلهي،يتمثل في”انذهاله أمام الحياة”.

يتحرق جبران شوقا كي يعيش،مفضلا صداقة النساء ولا يمتنع عن أي سبيل يقوده نحو الإبداع.علاوة على كتبه وقصائده،كتبت أولا بالعربية ثم مباشرة بالانجليزية،كان رساما مشهورا في الولايات المتحدة الأمريكية،وطن منفاه،وكاتب افتتاحيات معترف به في الصحافة العربية والشرق الأوسط. اتسمت أعوامه الأخيرة بالمرض وكذا النداءات المدنية التي أثارها مجده،لأن جبران اللبناني صار كاتبا أمريكيا يعبر عن اهتمامات كونية. فضلا عن لقاء الشرق والغرب،فقد جسد هذا الشاعر خاصة استبسال إنسان كي يصير كائنا حيا.

*مداخل فكر خليل جبران :

1-امتلاك طموح أن تكون :

بالنسبة لخليل جبران،نحن زوار في الطريق بين”ليل ذاتنا-القزِمة”و”نهار ذاتنا-الإلهية”. مثل سهم ينزع دوما نحو هدف،بالتالي على الإنسان التطلع نحو الذهاب أبعد من وجوده البسيط وعدم اكتفائه قط بمرحلة أضحت قائمة.كل رغبة تبلورت يلزمها أن تشكل بداية انطلاق رغبة جديدة.هكذا يمثل التوقف،تقوقعا على الذات،خيانة لإيقاع الطبيعة نفسها،بل ولطبيعتك.يلزمنا إدراك أن الاكتفاء يبقى أسوأ أعدائنا.

2-أحلم حياتك :

حتما من الحيوي أن تحلم،نهارا،بوعي وبكيفية بناءة : أن تحلم هي شجرة حياة حقيقية.أن تحلم لا يعني هروبا عن الواقع. بالنسبة إلى خليل جبران،من لايحلم قط يعجز عن إدراك طريقة التسامي عن يومه،هكذا يصيرا قِنّا له. مايسميه جبران الحلم،يعني الذهاب كي تسبر في ذاتك،واحدة واحدة،الأمنيات التي تضمرها،ثم تعمل على تحقيقها.السعي إلى  انبثاقها من طبيعتنا العميقة،هو أن تطرح تصرفا مسؤولا بالنسبة إلى مصيرك.إذن الحالم هو من ينقاد وراء وسائل بناء مستقبله.مع هذه الأحلام،يبحث ويكتشف الأهداف المتوخاة. خليل جبران يحلم ويعمل دون كلل،ولا يمنح نفسه سوى استراحة قصيرة،بحيث يرسم نهارا،ويكتب ليلا : لذلك مات شابا.

3-الانتماء إلى المستقبل :

مخلص للذكريات والأساطير التي وردت على لسان أمه،فقد بقي جبران مرتبطا بالشرق.مع ذلك،لا يمكن الإنسان إطالة المكوث عند الماضي،لأنه يلزمه التجدد باستمرار.ينبغي ل”الأنا-الإلهية” تخلصها من المترهل كي تترك المجال للجديد. العيش في إطار البارحة،يعني منح سلطة للأموات على حساب الأحياء،إنه تجمُّد الفرد ودحضه لحريته.تستدعي الأنا/الإلهية دائما المستقبل.بهذا المعنى نصح جبران خليل الآباء عدم تطلعهم قط كي يجعلوا أطفالهم امتدادا لهم،ومجرد أطياف تشبههم :((ليس أبناؤكم بأبناء لكم،بل أبناء وبنات نداء الحياة لنفسها)).

4-أن تكون موصولا ثانية بالكون :

جمال أرض لبنان،ألوانها ونُسْكها رسخت في قلب جبران عشقا عميقا للطبيعة غير قابل للشك أبدا.بالنسبة إليه،كعاشق أبدي للأشجار،”هذه القصائد التي تكتبها الأرض حول السماء”،يرتبط حتما المصير البشري بمصير الكون، كتب :((أراد القانون أن يعيش أحدنا من خلال الآخر)).بحيث يعتبر الكون الطبيعي مثل كائن حي :((إذا أنشدتم الجمال وحيدا وسط صحراء، فستحظون بحضور ما)).ينبغي لنا دائما الارتباط ثانية بهذا العالم الطبيعي .أسلوب جبران خليل،الشعري”المشرقي”،قد يسحرك أو يؤججك :((بين النبيذ الوردي للأشياء الصغيرة يعثر القلب على صباحه وينتعش)).أسلوب يلزم استهلاكه باعتدال، مثل بعض الحلويات الشرقية.

5 –فلتحب ذاتك :

يبجل جبران خليل الثقة في الذات،فضيلة لا تسمح أساسا بالاستسلام لأوهام النفوذ أو الثروة. بالنسبة إليه، تولد السعادة عند تخوم القلب،وليست قطعا مجرد ثمرة أحوال خارجية.كل شيء مصدره الذات :((تطوي ذاتي صديقا يخفف عني كل مرة الآلام التي ترهقني ومآسي الحزينة.من لا يختبر صداقة نحوه يعتبر عدوا للعموم ومن لا يألف في ذاته صديقا حميما، سيموت يأسا)).لكننا نحن أيضا أسوأ عدو لذواتنا.يلزم فعلا”مماهاتها”لأنه :((لا أحد بوسعه إدراك الفجر دون عبوره طريق الليل)).

6 –الرغبة في الحياة : 

أطفالكم ليسوا بأطفالكم،إنهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة لذاتها.يصدرون عنكم إلى هذا العالم،لكن ليس منكم مع أنهم يعيشون معكم.يمكنكم إعطاؤهم حبكم لكن ليس أفكاركم،فلديهم اعتقاداتهم الخاصة.يمكنكم الإيواء في أجسادهم لكن ليس أرواحهم،مادامت تسكن موطن الغد،بحيث لا يمكنكم أن تجهدوا أنفسكم كي تشبهوهم،ولا تتطلعوا نحو أن يشبهوكم.لأن الحياة لا تعود  إلى الوراء ولا تركن عند البارحة.أنتم الأقواس التي ترمي بأطفالها مثل سهام حية.يتأمل رامي السهام  الهدف في طريق اللانهائي،ثم يلويكم بكل قوته كي تسري سهامه سريعا وبعيدا.وأن ينزع هذا التقوس، بين يدي الرامي نحو السعادة،لأنه مثلما يحب السهم الذي يحلق،يحب أيضا قوسه الثابت.

ثم هناك من يملكون القليل بيد أنهم يغدقون عطاء بكل مالديهم.أولئك من آمنوا بالحياة وسخاء الحياة،ثم لا تفرغ خزانتهم قط.

قالوا لي خلال يقظتهم : ((أنت هو العالم الذي تعيش فيه فلست سوى حبة رمل على شاطئ  يمتد غاية اللانهائي لبحر لانهائي.ثم أجبتهم من خلال حلمي :”أنا البحر اللانهائي،ومختلف العوالم ليست سوى حبات رمل على شاطئي”)).  

أمشي أبديا على هذه الشواطئ،بين الرمل والزبد.

سيمسح مدّ البحر أثر خطواتي،وستذهب الريح بالزبد.

لكن يدوم البحر والشاطئ إلى الأبد.  

كيف يمكنني أن أفقد إيماني في عدالة الحياة،مادامت أحلام الذين ينامون على الريش ليست أجمل من أحلام النائمين على الأرض ؟  

7-الحب :

حينما يومئ إليكم الحب بإشارة،فتعقبوه،حتى ولو كانت طرقاته وعرة وشائكة.

حينما يظلك بأجنحته،فاستسلم له،مع أن السيف الذي يطويه ريشه قد يجرحك.وحينما يخاطبك،فآمن به،حتى ولو أن صوته يجازف بتهشيم أحلامك مثلما تتلف ريح الشمال حديقة.

يجهل الحب عمقه حتى لحظة الفراق.

لايمنح الحب شيئا سوى ذاته ولا يأخذ شيئا غير ذاته.الحب لايَملك أو يُملك. إنه الحب فحسب. 

8 – حِكم :

لاأحد يدرك الفجر دون عبوره طريق الليل.

يجد القلب صباحه في الندى العالق بين الأشياء الصغيرة وينتعش.

من الجيد أن نمنح حينما يُطلب ذلك،لكن يستحسن أيضا أن نعطي ببصيرة،حينما لايُطلب ذلك،وبالنسبة لليد المفتوحة،فالبحث عن الذي سيتلقاها أكبر سعادة من مجرد تقديمها لعطاء.وماذا بوسعكم أن ترفضوا؟كل ما لديكم،سيُعطى في يوم من الأيام،بالتالي امنحوه حاليا،كي تكون لحظة العطاء لحظتكم وليس لحظة لورثتكم.

جسدكم  قيتارة روحكم.ولكم أمر أن تستخرجوا منه الموسيقى الناعمة أو الغامضة.

الذي يرتدي سلوكه باعتباره أجمل رداء له يجدر به أن يذهب عاريا.

حتى الذين يعرجون لايرتدون قط إلى الوراء.  

الذكرى صيغة للقاء.النسيان مظهر للحرية.

افتح عينيك جدا،وانظر،تجد صورك في كل الصور،وافتح أذنيك جيدا.واصغ تسمع صوتك في كل الأصوات.

الخبرة بداية المعرفة.

العزلة عاصفة هوجاء صماء تقتلع جميع الأغصان اليابسة في شجرة حياتنا.

9-السرور والحزن :  

سيقول أحدكم :((السرور أقوى من الحزن))،وسيقول البعض الآخر :((لا الحزن أقوى)).لكني أقول لكم،إنهما متلازمين.يأتيان معا،وحينما يجلس أحدهما معك على طاولتك،فلا تنسى أن الثاني يرقد على سريرك.

حينما تكون سعيدا،ارجع إلى أعماق قلبك فترى أنك في الحقيقة تفرح بما كان يوما مصدر حزنك وحين يغمرك الحزن تأمل قلبك من جديد فسترى أنك في الحقيقة تبكي مما كان يوما مصدر بهجتك.

10-أسرار :

إذا كشفت عن أسرارك للريح ،فلا تلم الريح إذا باحت بها للأشجار.

تعلم قلوبكم صمتا أسرار الأيام والليالي.لكن آذانكم تتعطش إلى صوت المعرفة. وكم تتمنوا أن تعرفوا باللفظ ماعرفتموه دائما بالفكر وأن تلمسوا بأصابعكم الجسد العاري لأحلامكم .

هذه الأشياء.يقولها بكلمات.لكنه سيحتفظ بأخرى كثيرة في قلبه دون الإفصاح عنها.حتى هو لايمكنه الحديث عن سره الأكثر عمقا.

11-موت :

مامعنى إذن أن تموت،إذا لم تكن أن تعرض نفسك عاريا إلى الريح وتتبخر نحو الشمس؟

  حينما تشربون من نهر الصمت،يمنكم فقط حينئذ التغني بالحقيقة.

وعندما تدركون قمة الجبل،ستشرعون في الصعود.حينئذ ستلتمس الأرض جسدكم وترقصون أخيرا.  

هل بوسعكم أن تتركوا أكثر جسدكم وبشكل أقل ثيابكم والذهاب نحو لقاء الشمس والريح.لأن نَفَس الحياة يكمن في نور الشمس ويد الحياة في الريح.

*المرجع :

:Hors-série :novembre-décembre2017.PP/71-73. Psychologies Magazine

/

* ناقد ومترجم  من المغرب        

اترك تعليقا