لماذا أخفقت الجامعة الجزائرية؟ / فضيلة الفاروق *
بواسطة admin بتاريخ 7 يونيو, 2018 في 07:58 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 68.

بعد مائة وتسع سنوات من تأسيسها، فشلت الجامعة الجزائرية في أن تكون قلعة علم تخرج منها الأبحاث الجادّة والابتكارات والاختراعات.

لهذا لا نتفاجأ أن يخرج إلينا من خلال إعلامنا – الذي لا يجد مادته داخل الصرح الجامعي – خبر اختراع دواء ما لأحد الأمراض المزمنة أو الميؤوس منها في حلّة غير الحلة العلمية. كأن يحمل الدّواء اسما فيه من الصّيغة الدينية القريبة من الطبقات الشّعبية ما يسهل تسويقه.

“رحمة ربي” نموذجًا، لصاحبه الذي حارب مثل دون كيشوت طواحين الهواء في الجزائر، لأنه لا يملك الحجّة العلمية المقنعة لتسويقه، كما لم تعرف وزارة التعليم العالي ولا وزارة الصّحة أن تخضع الدواء للفحص والتّدقيق العلمي، فقد أُطلق الدّواء ثم سُحب من الأسواق، والأغلب لأسباب اقتصادية، عارضت الشركات العالمية التي لا تقبل التنافس، إلا بشروط حتى وإن كان الدواء نافعا أو غير نافع.

ليس غريبا أيضا أن تسافر جحافل من مرضى، من كلّ نوع إلى مخترع شعبي اسمه “الشيخ بوقبرين ” طلبًا للعلاج المعجزة الذي يخلّصهم من أدوائهم المزمنة وتكاليفها التي لا تنتهي، بعد أن روّج له الإعلام الجزائري كمُعالج معجزة، ناقلا تفاصيل “الطاحونة” التي يدخلها الشخص مريضا ويخرج وقد تحسّن بنسبة قد تبلغ الثمانين بالمائة.

ليس ذلك فقط، بل إنّه تحدى السيد زعبيط صاحب “رحمة ربي” مثبتا أن دواءه ليس ناجعا، وأن اختراعه المسمى بالكاتياس هو الأنجع.

مخابر الجامعات والبحث العلمي في كلّ هذا تتعامل مع الحدث بلامبالاة قاتلة، مسجّلة غيابا فادحا له تأثيره على الملايين من الناس الذين فقدوا الثقة في الطب وعادوا عصورا إلى الوراء، بحثا عن العلاج لأمراضهم، عند المعالجين الشعبيين، الذين يستعملون العقاقير والأعشاب، فيما الهرم الجامعي، من قاعدته إلى قمّته في عزلة عن الثقافة الشعبية، لا يلتجؤوا إليه سوى للحصول على شهادات لا مستقبل لها.

الهيئة الوطنية لترقية وتطوير البحث العلمي “فورام” أيضا تسجّل غيابها إلا إذا قصدتها الصّحافة لموضوع معيّن، فيما دورها يبدو مبهما وغامضا للجميع. هل لديها مشروعا علميا تعمل عليه؟ أم أنّها مجرّد هيئة لمتابعة مشاريع صغيرة لا تتعدى أبحاث الطّلبة المتخرجين؟ ما الجديد الذي خرجت به هذه الهيئة منذ تأسيسها؟ ما الحدث الذي صنعته حين خرجت هذه العقاقير الغريبة من الدكاكين الشعبية لتغزو الأسواق وأدمغة مستخدميها؟

الجواب: لا شيء. فهي تبقى في فضاء الإحتمالات، ولا تعطي أكثر من وجهات نظر، حتى وإن كانت تمتلك الحجّة والأدلة والطّاقات فهي بشكل ما هيئة تساير المجتمع أكثر مما تخدمه بالمنتوج العلمي، مثل ذلك النداء الذي أكد فيه رئيس الهيئة على المطالبة بعودة عقوبة الإعدام على المعتدين على الأطفال، وهذا على ما أعتقد ليس من مسؤوليته فهو مسؤولية القضاء، أما دوره هو فيجب أن يعالج المشكلة علميا، ويواجه المجتمع بحملة لتوعيته من أجل سلامة صحية جنسية للكبار والصّغار.

ولعلّ السّؤال الذي يتبادر للذّهن – هنا – هو لماذا لا تنتهج هيئة علمية بحجم الفورام نهجا علميا صريحا للإعلان عن مخزونها الفكري؟ هل لخوف من الجماهير التي روّضت لرفض كلّ ما هو علمي؟ أم لفقدان الأمل من هذه الهيئة لمواجهة جحافل الجهل التي يصعب إقناعها علميًا؟ إن كان هناك إحتمال آخر فعلى رئيس الهيئة أن يوضحه؟ وعلى معاقل البحث في جامعاتنا – إن وجدت – أن ترفع أيديها وتثبت حضورها في المشهد اليومي للمواطن الجزائري، الذي يغرق شيئا فشيئا في مزيد من أوحال التّخلف.

في كلّ الحالات؛ بعد أكثر من قرن من عمر الجامعة الجزائرية، لا جهود واضحة لترسيخ تقاليد علميّة تؤثّر في النمط المعيش للجزائريين، بل أكثر من ذلك، هي لم تصنع طالبا جامعيا تنطبق عليه مواصفات الطالب في جامعات أخرى.

أما المحزن فعلا فهو هذا الإصرار على المضي نحو المجهول وتجاهل المراتب المتأخّرة التي تشغلها جامعتنا في السلم العالمي بغض النظر إن كانت إفريقيا تظهر بين المراتب الأربعين الأولى، مع أن الأمر سيان إن ظلّت الجامعة مجرّد مدرسة يتلقى فيها الطلبة دروسا مستوردة من الخارج، وهي في أنظمتها وأفق طلابها لا تختلف عن المدارس الثانوية في شيء.

الأسوأ أيضًا حين نتذكر أن جامعاتنا كانت أرضًا خصبة لتربية المتطرّفين وتجنيدهم، ومسؤولوها أيام انتعاش التيار الإخواني والتّيارات السلفية والوهابية يتحمّلون جزءا مهما مما حلّ بالجزائر خلال فترة التسعينات.

ليبقى السّؤال العصيب: لماذا لم تأخذ الجامعة الجزائرية منحى تنويريا؟ وظلت رغم هذا العمر الطويل مجرد صرح وهمي يحتاج لفتح سجال جاد لتطبيبه، لا بالشيح والنعناع والزعتر، بل بتأسيس قواعد علمية متينة له وإعادة هيكلته الداخلية، سواء باستقطاب أدمغة جزائرية من الخارج أو بتدريب طاقم كامل في جامعات عالمية، قبل تسليمها مفاتيح المسؤولية وإدارتها بشكل صحيح.

/

*المصدر نفحة 

* روائية من الجزائر 

 

اترك تعليقا