مراجعات للمعرفة العلمية من طرف باشلار ودسانتي وغر انجي/ د زهير الخويلدي*
بواسطة admin بتاريخ 12 يونيو, 2018 في 06:51 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 62.

” نحن نعيش في عالم نائم علينا أن نوقظه بالحوار مع الآخرين. وما إيقاظ العالم سوى شجاعة الوجود في أن نوجد ونعمل ونبحث ونخترع ونبدع ونخلق”

                                                – غاستون باشلار، شاعرية أحلام اليقظة.

تطرح المعرفة العلمية الكثير من القضايا والانشغالات من جهة المناهج والمفاهيم والقيم التي تبشر بها وتنتج هذه الاشكاليات من خلال احتكاكها بأنماط المعرفة الأخرى سواء المنتشرة في المجتمع أو في  دوائر الثقافة والدين والسياسة وتتنزل ضمن إطار تاريخ الأفكار والتجارب الصناعية والأدوات التقنية. فماهي طبيعة العقلانية العلمية؟ وما الفرق بين التناول الابستيمولوجي والتناول الفلسفي للمعرفة الواقعية؟ وكيف وضع غاستون باشلار الخطوط العريضة للابستيمولوجيا؟ وما المقصود بالفلسفة الصامتة عند دسانتي؟ وأين يمكن تنزيلها ضمن النشاط العلمي؟ لماذا اشتغل غرانجي على صلة الواقعي الافتراضي؟

1-   ابستيمولوجيا باشلار:

يعد غاستون باشلار 1884-1962 من أهم أعلام الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين الذي مازلت تأثيراته الفكرية في العقل الفلسفي متواصلة الى اليوم وذلك بعد أن ترك بصماته بصورة لافتة في الابستيمولوجيا وتاريخ العلوم والفنومينولوجيا والجماليات والنقد الأدبي وعلم النفس وفتح الطريق في اتجاه قيام ابستيمولوجيا تاريخية تدرس المعرفة العلمية في علاقة بالثقافة الرمزية والتراث المادي.

لقد بدأت حياة باشلار الأكاديمية بحصوله على التبريز في الفلسفة وممارسته التدريس كأستاذ لفلسفة العلوم في مدينة ديجون وبعد ذلك التحق بجامعة السوربون الشهيرة. ولقد ألف منذ 1934 الروح العلمي الجديد وفلسفة الرفض وأضاف إليهما سنة 1938 كتاب تكوين الفكر العلمي والعقلانية التطبيقية الذي أصدره سنة 1948 وأردفه بكتاب آخر في نفس الاختصاص بعنوان المادية العقلانية عام 1953. من جهة مقابلة عمل باشلار على التأليف في المجال الإنشائي والجمالي والتخيلي والتحليل النفسي وبدأ مشواره ببحث حول التحليل النفسي للنار سنة 1937 وعد ذلك أصدر كتاب الماء والأحلام عام 1941 والهوى والرؤى وكذلك التراب وأحلام الإرادة وأيضا التراب وأحلام الراحة سنة 1948 وفي سنة 1957 أصدر كتاب جماليات المكان وأضاف إليه كتابه شاعرية أحلام اليقظة عام 1960 ثم اصدر سنة 1961 شعلة الشمعة.

لقد نظر باشلار إلى الثقافة العلمية بوصفها السلاح المضيء للظلام وراهن عليها من أجل تحقيق التقدم وحسم المعركة مع الماضي وجعل من تفكيره النقدي للعلم محاولة جديدة من أجل فهم العقل والطبيعة والعلاقة الممكنة بينهما وركز بالخصوص على مصطلح القطيعة الإبستيمولوجية لكي يبين بأن العلم لم يكن البتة جديا بل هو ضارب في القدم وله عمر أحكامه المسبقة ويتطور في كل حقبة  عبر تحطيم الفكر اللاّعلمي وإحداث انكسارات في تاريخه وبطريقة انفصالية من خلال استثماره للأزمات التي يتعرض لها.

لق دافع باشلار على الأطروحة التي تعول على العقل في مواجهة تعقد الظواهر الطبيعية من أجل فهمها وفي نفس الوقت التغلب على التصورات المبتسرة والآراء الزائغة التي ينتجها العقل عن ذاته وتجاربه.

 كما يعانق الفكر العلمي عند باشلار الخيال الخلاق والفعالية الإنشائية من خلال وصفه للصور الأساسية التي يعبر بها عن العالم في لغة رمزية بأسلوب شاعري وضمن رؤية أنطولوجية مصغية لنداء الكائنات.

2-فلسفة العلم الصامتة عند دسانتي:

جان توسنت دسانتي 1914-2002 هو ابستيمولوجي فرنسي وفيلسوف اشتغل على قيمة وأسس مختلف المشاكل التي يطرحها النشاط العلمي . ولقد اهتم بالخصوص بابستيمولوجيا الرياضيات والفنومينولوجيا.

بدأ دسانتي حياته الاكاديمية سنة 1956 بتأليف كتاب مدخل إلى تاريخ الفلسفة ولكنه ما لبث إلى الاهتمام بالجانب العملي وأصدر كتاب فنومينولوجيا البراكسيس سنة 1963 وانعطف إلى التفكير في العلوم وكتب المثاليات الرياضية في عام 1968 وبعد ذلك أخرج للنور مؤلفه الشهير الفلسفة الصامتة ونقد فلسفات العلم سنة 1975 وبعد ذلك عاد إلى الاهتمام بالفنومينولوجيا وأصدر كتاب مدخل إلى الفنومينزولوجيا في عام 1976 وفي سنة 1982 ظهرت له كتب أخرى بعنوان المصير الفلسفي وأفكار حول الزمن سنة 1992.

عكست حياته الأحداث الصاخبة التي شهدها في القرن العشرين وانخرط في مقاومة النازية وتبنى أفكارا شيوعية ومارس التدريس بالسوربون والمدرسة العليا الممتازة وكانت علاقته بموريس مرلوبونتي وجان كافياس لها تأثير في مسيرته الفكرية وتكوينه الفلسفي واختياراته الوجودية حيث حاول التقريب بين الفنومينولوجيا والرياضيات والابستيمولوجيا ولم يبعده تعمقه الكبير في فهم المثل الرياضية عن تعقل الممارسة والمشاركة في تدبير المدينة من الناحية الإيتيقية من حيث هو شاهد على عصره ومن حاول إيجاد غاية نبيلة لوجوده ولذلك نبه كثيرا الفلاسفة من فخاخ الاعتقاد وأوهام اللغة ومخاوف من التقنية.

3-الابستيمولوجيا المقارنة عند غرانجي:

جيل غاستون غرانجي المولود سنة 1920 فاعل في الحياة الفلسفية الفرنسية في المنتصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين وأستاذ مميز في جامعة بروفانس وأستاذ كرسي في الابستيمولوجيا المقارنة من عام 1986 إلى عام 1991 قبل أن يتحول إلى أستاذ زائر بالمعهد الفرنسي.

لقد انخرط غرانجي في التفكير المعمق في العلوم ولذلك كان حريصا على وضع تحليلا للاقتصاد في المعرفة العلمية والمنهاجية التابعة لها في بداية كل مؤلفاته وأعماله ومحاضراته ولقاءاته ومداخلتها.

لقد بدأ غارنجي رحلته الاستكشافي في المعرفة سنة 1955 بتأليف كتاب العقل ثم أصدر عام 1960 مؤلف الفكر الصوري وعلوم الانسان بعد ذلك ألف كتابا حول فنتغنشتاين سنة 1969 بنفس العنوان  وأعلن تخصصه في الابستيمولوجيا سنة 1979 باصدار كتاب بعنوان الأقوال والابستيمولوجيا ثم أضاف سنة1987 كتاب من أجل معرفة فلسفية وألف حول التحقق عام 1992 وشارك في كتب جماعية هي العلم والعلوم سنة 1993 والكلام في الفلسفة اليوم عام 1994 والأشكال والإجراءات والمواضيع وأصدر كتاب المحتمل والممكن والافتراضي عام1995 ثم كتاب اللامعقول عام 1998 وألف كتاب فكر المكان سنة 199 وكتب سنة 2001 العلوم والواقعة وكذلك أصدر سنة 2003 كتابا حول الفلسفة والكلام والعلم.

لقد حاول غرانجي تقديم دراسات عامة حول النشاط العلمي وحرص على التبسيط والربط بين التقدم العلمي والثقافة العامة ولكنه اشتغل على تقديم دراسات تحليلية تاريخية وفلسفية عن العلوم وعلوم الإنسان وأنجز بعض الترجمات للرسالة المنطقية والفلسفية لفتغنشتاين وقام بتوقيع مفهوم الإبستيمولوجيا المقارنة التي تتوزع بين نظام عمودي تواجه فيه مختلف أوضاع المعرفة ونظام أفقي أوجد فيه قرابة بين ميادين من العلوم المعاصرة تبدو مفترقة ومتباينة وتفسير العلاقات المعقدة بين المحتمل والافتراضي والواقعي. لكن ماهي الأحداث التاريخية والتغيرات المنهجية التي دفعت الإبستيمولوجيا المعاصرة إلى تغيير بنيتها؟

/

* باحث ومفكر من تونس 

اترك تعليقا