حوار مع إيف بونفوا: القصيدة والكلام*/ ترجمة: سعيد بوخليط*
بواسطة admin بتاريخ 26 يونيو, 2018 في 05:29 مساء | مصنفة في حوار مسارب | لا تعليقات عدد المشاهدات : 129.

تقديم : شهر شتنبر 2010،قصدت حي ”ليبيك” في باريس،وبالضبط الشقة الصغيرة التي يشغلها إيف بونفوا منذ سنة 1950،فضاء خصصه أساسا للكتابة والقراءة.ثم يقطن منزلا آخر يتواجد في الوجهة الثانية من نفس الشارع.بعثت له الأسئلة مدونَة قبل موعدنا،لأن بونفوا يرفض المجازفة المحفوفة بالممارسة الحوارية،دون المبادرة أولا إلى إجراء تعديل ممكن.بوسعنا فهم ذلك تماما.استقبلني بحفاوة كبيرة داخل تلك الغرفة المتوهجة.كان موضوع اللقاء حقيقة بدون موضوع،فقط هي أجواء جلسة مفتوحة.أسهب بونفوا في الحديث عن صداقاته المهمة أيضا كالأدب.

*س- هل كتابة القصيدة،مثلما يدعي فرانسيس بونج Ponge،”أن تتكلم ضد الأقوال”؟

ج- بونج؟ لقد اعترضت عليه خلال فترة، لكن ربما خاصة لأني لم أفهمه جيدا.يبدو لي،أن ”تحيزه للأشياء”،يمثل انحيازا للكلمات،بحيث تمت مراعاة الأخيرة عند مستوى حديثها عن المظاهر المتعلقة بحواس الأشياء،ثم تجلياتها،التي ليست سوى مظهرها.أن ندرك الأشياء بشكل أفضل، حسب فرانسيس بونج، لن يكون إذن بشكل أكثر دقة،سوى استعمال كلمات تفهم بهذه الطريقة،أي باختصار الانقطاع إلى هذا المستوى المفهومي للغة.مشروع يعود ل مالارميه،شرعي تماما،لكن غير ماأنتظره من القصيدة : أن تستوطن فضاء وجود، واعية بمكانها ولحظتها،ما أسميه بتناهيها، ثم توظف الكلمات التي تعمق هذا النوع من التجارب،حيث المخاطرة بالوجود نفسه.أنا اليوم مهيأ للاعتقاد بأن بونج ليس على درجة من البساطة مثلما ظننت،لكن ما أتيت على الإدلاء به لكم،بخصوص نفاذ صبري وقتها يسمح لي بمقاربة سؤالكم عن”التكلم ضد الأقاويل”ثم أنحاز إلى الشيء من أجل تجديد الكلام.نعم، ينبغي ذلك، لكن أن لا يكون هذا الشيء مجرد فاكهة نعاينها وسط سلة،أو تعلمنا كيفية تمييز المذاق،لكن بواسطة الفاكهة التي سنقطفها في يوم من الأيام ثم تمكث بين زوايا ذاكرتنا لأنها تجلت خلال لحظة مهمة في حياتنا.هذا الشيء طبقا لظروف كهذه ،ليس فقط مادة مزخرفة قليلا بسرور لكنه أساسا مخاطِبا،ولكي أستحضر ذلك حسب كلماتنا ينبغي تخليصه  من دلالاته المفهومية،تلك التي تسمح بالأوصاف والتقديرات،من أجل إنتاج ماهو خارجي،وكلياني: اللاوجود. الصراع ضد الكلمات بقدر كونها مفاهيم.ثم عشقها حينما- تخلق أسماء خاصة – تستقبلنا ضمن ما سيصبح فضاء لنا.لا يتعلق الأمر بالامتناع عن أصولها التحليلية،والتي تضمن في ذاتها معارف،سواء العلوم أو من أجل الفعل،ولكن استيعاب بأنه يمكنها،إذا أدركنا توخي ذلك،وحتى مع اللامبالاة، اليقينية للمادة،تشييد مسكن،خلال بضعة أيام لاتزال أمام الإنسانية.

* س- كيف تأتى لكم الحفاظ على نظرة الطفل كما تعبرون عنها؟

ج- نعم، ذات السؤال، الذي استدعيته حقا على الفور وما أدليت به لكم، لأن هذه الفكرة المتعلقة بالشيء كمحاوِر، معناها التذكير بتجربة الطفل قبل أن يقتنع شيئا فشيئا، بالنموذج وكذا توجيه الراشدين، ثم يدرك العالم باعتباره معطى موجودا مطاوعا، قابلا للتلاعب به: باعتباره تشيؤا وليس حقيقة حية.أعتقد أن القصيدة ليست سوى صيانة لهذا الشعور بالحضور الكلي الذي يخلق سعادة،ثم أيضا جزع،”أيام خلاَّقة”.نتيجة لذلك، فالذاكرة الجوهرية قدر كونها صارت منسية، خلال هذا القرن الملازم  للتكنولوجيا،والمأخوذ بالمعارف الكمية، بحيث لا نعيش بين أشياء بل كائنات.ثم كيف نحافظ على تلك التجربة الأولى،ربما هذا،بل  إنها في اعتقادي الطريقة الأساسية،من خلال إدراك عبر ألفاظها لصوتها في ذاته،القائم عند الجانب الآخر،مع كل واحد من المدلولات التي بواسطتها يُخفي الفكر المفهومي داخله الحضور المحتمل لما تدل عليه.نصغي إلى تلك الرنّة البعيدة،وصدى  لغة واحديته، نتلقاه داخل فكرنا حسب الإيقاعات الصاعدة من الجسد،أي الحاجة،ليس إلى الامتلاك بل أن توجد،بالتالي هذا الشدو الذي أقامت بواسطته  الواقعة البشرية فوق الأرض،منذ الخطوات الأولى للغة.هذا الشدو المجدِّد للكلمات،بحيث أتمنى حقا،أن لايتوقف ولن يتوقف قط كي يلازم اللحظات المضطربة لقراراتنا الكبرى.

س-على النقيض من حداثة يمثل الواقع بالنسبة إليها اتجاها نحو”غير الممكن”(جورج باطاي)أو الهروب منه بشكل ملحٍّ جدا (السوريالية)،هل تدافعون عن قصيدة منفتحة على العالم.كيف أدركتكم هذه اللحظة؟

ج-مرورا بما أشرتم إليه للتو! لدي في الحقيقة انجذاب نحو القوة اللاذعة التي بحسبها أدرك باطاي- مثلما فعل قبل ذلك فرانتيسكو غويا Goya ضمن ماسمي ب”رسوماته سوداء”- خارج الحيز الإنساني، ليل هذه الحيوات التي تأكل بعضها البعض من أجل لاشيء، في هوّة المادة، وهذا العدم. لكن ألا يشكل الفزع من هذا الخارج،وكذا الشخص الذي نجسده،أو نظن كذلك، مجرد نتيجة لاستعمال الكلمات،التي تبحث عن معرفة الأشياء وفق تجلياتها الكمية،فإننا نخلق فورا عددا من الألغاز؟من الأفضل أن تستكشف في الكلام هذه الواقعة التي تؤسسه،وكذا الحاجة كي تقيم مع كائنات أخرى،الذين يميزون كأقارب،مجالا لمشاريع وكذا التقاسم.يستحسن وأنت على قارب وسط العاصفة عدم الانزعاج من هول الأمواج العاتية،بل تصميمك على أن هذا القارب بمثابة الكائن نفسه،الذي يجدر المحافظة عليه.تعتبر السوريالية، أساسا أندريه بروتون،الوحيدة تقريبا المندرجة ضمن هذه الجماعة،عموما بالنسبة للفكر،مثلما يعرف جيدا.أندهش حينما أسمعكم تقولون بأن السوريالية شكلت هروبا ”بكيفية مستعجلة جدا”.لم تتوقف أبدا رغبة بروتون للتدخل قصد تطوير المجتمع.لذلك بادر إلى ممارسة سعيه على المستوى السياسي الأكثر فورية،وبكثير من الوضوح،خلال حقبة كل الأوهام.هل نذكِّر ببساطة أننا نتجه مباشرة صوب الكارثة إذا لم نمنح اهتمامنا لحاجيات حياة تبقى معرفتها المفهومية و العقلانية، مقتصرة فقط على ماهو خارجي.في حين،اعتقد بروتون، بأن الحلم يحافظ للحياة على الذاكرة.

س-هل بدا لكم أن بحثكم يشكل مثالا يقتفي أثره اليوم الشعراء الشباب؟هل تنتبهون لإبداعهم؟

ج-أن يوجد عالم جديرا بالانتباه خارج ما تقوله لغة اختُزلت إلى إدراكاتها الحسية المفهومية،هو في كل الأحوال ما يشعر به بعض شعراء جيلي،من أندريه دو بوشي إلى بيير ألبيرت جوردان أو فيليب جاكوتيه أو لوي- روني دي فوري.ولأني أظن بأن الأمر يتعلق هنا بحدس أنه لاشيء يمكنه أن يكتم الأنفاس،فإني لا أشك بأنه يوجه البعض،على الأقل مع الأعمال الحديثة، ضمن طيات اهتمامات أخرى،أكثر تجليا.لكنه أمر مطروح أيضا،أن القرن الذي نعيشه صنع الكثير في الغرب،من أجل زجر أسلوب الوجود ذاك.لاتنعدم الحساسية الشعرية قط،بل هي ناشئة مع اللغة ثم تولد ثانية بين تضمينات كل خطاب،لكن النقد والتعلم،اللذين يلزمهما إبراز البراعم الجديدة ،وكذا الاهتمام بها، لامس دوما بنوع من الإفراط الأعمال بتحليل دلالتها المفترضة،مع سجالات كبيرة بخصوص هذا المستوى.من المهم أن نفهم ما يقوله نص مكتوب،يعتقد أو ينشد أحيانا قول شيء ثان :فائدة هذا البحث صنف معين من الحقيقة ،جوهري أساسا.لكن بوسعنا نسيان أن القصيدة،ليست أولا قولا،مثل باقي الاستعمالات الأخرى للكلمات،بل تمثل مشروعا تستعيد معه الأخيرة،زخمها وكذا قدرتها على الانذهال من الحقيقة الخاصة وكذا جمال الفضاء الأرضي. 

س-هل يوجد حدّ بين عملكم الشعري وما صرحتم به عبر العديد من نصوصكم المتداولة (دراسات، حوارات)؟ فماهو وضع هذه المنافذ بالنسبة المجال الشعري؟

ج-هل تقصدون الفصل،بسؤالكم عن الحدّ؟أتمنى حقا،أن لا يكون الأمر كذلك،لأنه خيانة للقصيدة، مادام يلزم عملها أن يكون كتابة وفكرا  ضمن نفس الاندفاع.تتجاوز الكتابة المقاربة المفهومية للأشياء لكن على نحو فوري يلاحظ الفكر الوضعية،قصد إبرازه لمسالك ضمن هذا الحيز بين تجليات انتُهكت سلفا ثم تمثلات لم تتم بعد  معايشتها تماما.كل ذلك في إطار ماهو شخصي تماما للقصائد،مادام أنه باستمرار بناء على علاقة أكثر فرادة مع الذات، سيمتلك الكلياني مزيدا من الحظ كي يكتشف على نحو ثان ويستطيع أن يتملَّك ثانية.القصيدة فكر،ليس من خلال وصفات تعرضها ضمن نصوص لكن حينما تتأمل في اللحظة نفسها التي أخذت شكلا.يلزم الإصغاء لهذا الفكر، هناك حيث تطويه الأعمال.لم أقصد من جانبي،الكتابة حول ألبرتو جياكوميتي أو فرانتيسكو غويا،وكذا آخرين،سوى كي أعثر ثانية على  منظورات ربما على نحو آخر،من خلال هؤلاء الشعراء، للقضايا التي تطلب منا القصيدة البث فيها.ليس، فَلْتات من الحقل الشعري !بل بالأحرى الإيحاء بأن جل أفكار مجتمع ما يلزمها أن تشغل موقعا بالنسبة له،رغم إملاءات العلم وكذا أطروحات النقاش السياسي.تبحث القصيدة عن تقويض الإيديولوجيات،والأخيرة فعالة بقدر كونها وبالا على العلاقات البشرية.

س-منذ أولى نصوصكم :(Du mouvement et de l immobilité (de Douve ;1953 إلى أحدثها (Planches courbes ; 2001) ،هل لاحظتم تطورا للكتابة لديكم؟

ج-نعم ثم لا.أعتقد بأنه يقوم لدى كل واحد منا تأهب جوهري أمام العالم، نتيجة تجارب قديمة تلعب دور المصفاة : تحضر أشياء لن نبادر للقيام بها،أو مجرد  رؤيتها،أو لا نتطلع إليها قط ،ثم على العكس كليا من ذلك، قد نتشوق نحو العثور عليها ثانية،على المستوى الأكثر فورية وحسية ،بذات قدر قيم أو اختيارات العقلي.لكن يبعث كل فعل للكتابة تأملا حول ما قمنا به،من هنا تلك الصيرورة،التي نتلمسها سواء على مستوى الكتابة وكذا الفكر.بالنسبة إلي وكذا أي شخص آخر، يتبلور هذا النوع من التطور،بحيث لا يمكنني سوى الإصغاء، ولو قليلا، لما تحدثني به كتاباتي،التي ترتضي أحيانا أفكارا لاواعية.ولأمد بعيد مهد هذا الدرس طريقه بكيفية أقول عنها مجازية،بناء على أوضاع رمزية بوسعي إعفاء نفسي من فهمها،بيد أنها  بداهات انتهت بفرض نفسها،وهو ما يشغلني أكثر فأكثر.

هامش

 : po*ésie immédiate ;13 septembre ;2012   

/

* باحث ومترجم من المغرب   

اترك تعليقا