قراءة في قصة “حجر الياسمين” للكاتب السوري “محمد كرزون / د سامية غشير*
بواسطة admin بتاريخ 7 سبتمبر, 2018 في 05:40 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 308.

يعدفن القصة القصيرة من الفنون النثرية التي شهدت حضورا وتموقعا في خريطة السردية إلى جانب فن الرواية، فالقصة لا تزال تحتفظ بمكانتها رغم كثرة المتهافتين على فن الرواية. فالقصة فن نثري يتطرق إلى معالجة جانب من الحياة (نفسي، اجتماعي، سياسي، أخلاقي…) عبر أسلوب رصين ومشوق، فالقصة بالرغم من محدودية عناصرها (الشخصيات، المكان، الزمان، الحوار، الحبكة…) إلا انها تحمل مغزى عميق، ورمزية كبيرة. “محمد كرزون بن يوسف” أديب سوري متميز، سخر قلمه للكتابة عن الإنسان وبلده سورية، وجعل أوجاع بلده محورا رئيسا للكتابة، إيمانا منه أن الأدب مرآة عاكسة للواقع، وان الأديب ابن بيئته، فالأعمال الإبداعية المهمة تنطلق من تربة الواقع، وتعبر عن صوره ومظاهره المختلفة. تفيض قصة “حجر الياسمين” بعديد الدلالات والإيحاءات، وتعبر عن واقع موات قاس ومؤلم، واقع سورية الحزين الذي التهمته نيران الحرب الأهلية، التي ولدت التمرد والخراب والهلاك، وضياع الإنسان في وطنه. كما تعبر عن مأساة الشباب الذين أخرست اصواتهم، وسخروا لخدمة أغراض النظام، الذي أوقع بهم في براثن التمرد وثورة الاحتراق والجحيم. عنوان القصة: يعد عنوان القصة العتبة الأولى في أي نص سواء شعري أو نثري، ويرتبط ارتباطا عميقا بالمتن، ويعبر عنه وعن الدلالات التي يزخر بها، وفي القصة جاء العنوان مركب إضافي متكون من لفظتين حجر والياسمين. فالحجر نوع من الحجارة الصلبة القاسية، اما الياسمين فهو نوع من الزهور الناعمة ذات رائحة عطرة ومنعشة. فالظاهر ان الكاتب جمع بين لفظتين نقيضتين وهما: حجر والياسمين، للدلالة على حالة سورية الجريحة الناتجة عن الحرب الأهلية التي بثت الخوف والذعر، ونشرت السواد والظلام، والهلاك والضياع. ولم يوظف الكاتب لفظة الياسمين عبثا؛ بل عن قصد، فسورية تشتهر بزهر الياسمين، وقد سميت بمدينة الياسمين، ونظرا لكثرته وانتشاره أضحى مثل الحجارة، تتقاذقه أيادي الغدر، التي أدخلت البلاد ازمة لم تستطع التخلص منها بعد، كما يرمز الياسمين إلى الشباب الخاضع لمنظومة السلطة، والمسخر من أجل القضاء على أمن الوطن وسلامه. الأحداث في القصة: اعتمد الكاتب في قصة “حجر الياسمين” على تقنية التكثيف الدلالي، والاقتصاد اللغوي، فالقصة جاءت في صفحة واحدة إلا انها تنفتح على قراءات متعددة وابعاد مختلفة، ووكل الكاتب للرواي العليم الذي يعلم بتفاصيل الحكاية ونفسية الشخصية البطلة بسرد الأحداث “راقت له عريشة الياسمين، لم يعجبه تهافت الناس على أزهارها، هو لا يريد ان يظهر غضبه ممن يحب هذه العريشة، ولا يريدها ان تبقى بعبقها بين الناس” يصور الكاتب عبر حبكة بسيطة راهن سورية العنيف، الذي تكالبت عليه القوى الداخلية والخارجية، فالوطن ذهب ضحية ابنائه الذين غرسوا العنف والقتل في كل جانب من جوانبه، وهم في نفس الوقت ضحايا الخضوع لمنظومة السلطة التي قتلت فيهم حب الوطن، والذود عنه، والجهاد في سبيله، فهنا الكاتب يكشف عن جانب آخر وهو قتل السلطة للجانب الروحي للإنسان “كم أنت بريء أيها الياسمين… انت المقتول قبل ان تقتل…” اللغة: وظف الكاتب لغة عنيفة، مأساوية، شاعرية تجنح نحو الإيحاء والترميز، لغة كابوسية أفلحت في إجلاء الواقع، وتشخيص الجانب النفسي للإنسان، يقول الكاتب:”صار يذهب إليها ليلا، يقطف أقصى ما يستطيع من ازهارها، يأتي بها إلى مختبره العلمي، يضع الزهور تحت مكابس ضغط عال في أكثر من مرحلة إلى ان تتحول إلى كثلة صغيرة صلبة، ويهدر عصيرها في مكان بعيد لكي لا تفوح منه اي رائحة… ويعتمد على ثقلها العنيف الناتج عن الضغط في إصابة الهدف. بل إلحاق الأذى بالهدف، أقسى الأذى إلى حد العطب أو الموت.” الرموز في القصة: من أبرز الرموز الموظفة في قصة “حجر الياسمين” نجد: – رمز الياسمين: الياسمين رمز طبيعي، فهو نوع من الزهور ذو رائحة زكية منعشة، يستخدم في تشكيل العطور، وهو منتشر في كثير من مناطق العالم منها سورية التي سميت بمدية الياسمين نظرا لانتشاره بكثرة في مناطق كثيرة منها، فالياسمين رمز للحياة والعنفوان والجمال والبهاء والرقة والحب، وقد تغنى به الكثير من الشعراء والمغنيين. اما في القصة فقد حاد هذا الرمز عن دلالاته الطبيعية، واضحى يرمز للموت والفناء. فهذا الزهر يكون سببا في خراب وضياع سورية لما يحول إلى أداة للموت، يقول الكاتب:”وفي أول خصام مباشر له مع الناس استخدم (قذائف الياسمين” استخدمها بكثافى غير مسبوقة، وامتزج الدم بها.” ثم يعقب الكاتب ليؤكد الحالة المأساوية الجنائزية لسورية التي اضحت مسرحا ترمى فيه قذائف حجر الياسمين المميت “رأى الناس ما تبقى القذائف البيضاء! فحصوها، حللوا ماهيتها، وجدوها مكونة من الياسمين، ويقطعون بأيديهم عرائشه من دورهم وبيوتهم، وصار الياسمين هو النبات الملعون. إن لجوء الكاتب إلى تحوير دلالات رمز الياسمين ناتج عن حاجة فنية ملحة يتطلبها السياق، فالياسمين هو رمز للشباب المتمرد الخاضع لمنظومة السلطة، الذي اهلك بلاده، وسبب لها أشكال العنف والموت، وهي إشارة رمزية من الكاتب لضياع كثير من بلدان العرب إثر تفاقم الثورات العربية، ثورات الجحيم التي ضخمت ذات الإنسان العربي، وجعلته حبيس الحزن والقلق والاغتراب الوجودي، واسير الفناء. كما وظف الكاتب رموزا أخرى مثل الرمز الطبيعي (الحجر) والرمز الحربي (القذائف)، وقد اسهمت في توليد الدلالة وتجسيد صور الحرب والتمرد والعتمة والموت التي شهدتها سورية. ويمكن القول في الأخير إن قصة ” حجر الياسمين” قصة تفيض بعديد الإيحاءات والدلالات، وقد تطرق فيها الكاتب “محمد كرزون بن يوسف” إلى تصوير واقع سورية المؤلم، وإجلاء جوانب خفية عن جهاز السلطة، عبر لغة عنيفة سوداوية، موظفا رموزا أسهمت في تجسيد المعنى وتعميق الدلالة.

/

* قاصة وأكاديمية من الجزائر 

 

اترك تعليقا