لعنة المتاهة / قصة قصيرة / سميرة بولمية *
بواسطة admin بتاريخ 13 سبتمبر, 2018 في 02:15 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 171.

مدخل :

             ” الطيـور الجريحة تختبئ كي تموت “

              —————————————— “عمـر الخيـام “

         الغربة عجوز شعثاء عجفاء ، غائرة العينين مجورة الصدغين  ، مجعدة اليدين لاصبة الجلد ، مقوسة الظهر مدببة الأظافر سليطة اللسان خالية  الوفاض ، تتكأ على عكاز من قصب الخيزران ، تنفخ في نواقير أدخنة الأشجان ، تحوم كالبلاء حول أسوار مملكتنا الصغيرة ، تفترس نظراتها الشزراء بريق أزميرلادا الأمل الساطع من جبينك الأسيل المتلألئ كسراج متوقد كلما اعترفت لك بلوعة شحارير قلبي لألحان رمان حدائقك وتمرد حسام طاعتي على قضبان زنازينها المسيجة بدفلى الإحنة و بأشواك فلوات الديجور .

سئمت بلابل أمنياتي من التغريد في حناجر المنفى .. وملت فراشات البشائر من الاختباء في شرانق الانتظار ، ويبست أغصان شجرة أصابعي من كثرة العزف على أوتار كنارة الأنين ، وحفظ حذائي عدد العثرات إلى حي ” البلاكا ” الذي يذكرني طرازه التركي بمكان مهجور بذاكرتي المسجونة داخل جيب أول معطف اشتريته مباشرة بعد وصولنا جزيرة الخيال و الأحلام ، ذهب لونـه الرمادي فدفنته مع دفتر يومياتي في قبو الغبس بحجة أنك تكرهين رائحـة الرطوبة الطالعة من خريف الملابس القديمة ، ولا تطيقين رؤية طرقات وجهي الضيقة في مرآة الذكريات العابسة ، و تتشائمين من سماع صرير بوابة الماضي الموجع !.

أتحبيـن حقا ” أثينــا ” ؟!.. أم أنك مثلي تبحثين في زحمة الأيام و الشهور والسنين عن حجر يشـب الشباب الذي ضاع  منا ونحن نركض خلف عربة خيول هذه المدينة الخرافية .

ضجرت من عادات الرجل الصامت الذي يرافقك إلى حدائق الأحد وهو لا يعرف كيف يتعامل مع الزنابق المتفتحة في شرفة نايك ، أو كيف يفك رموز لغة أناملك ولغة قمر همسك ، ولغة نجوم حضورك ولغة أنهار بوحك ولغة مطر آمالك ولغة بواسق طمأنينتك ولغة مروج أفكارك ولغة أشرعة أسفارك ولغة الندى في التفاتاتك ولغة رنة عيدان شذاك ولغة آهات أمواجك هذا الرجل التائه كقارب ضرير لا يعرف كيف يرد التحية على زقزقة كنانير نضارتك البنفسجية أو كيف يرضيك وأنت ترفلين في ثوب دلال الأميرات أو كيف يحسسك بأن الأرض أرضك  و السماء سماؤك وحقول البهاء حقولك ، و الشمس المشرقة شمسك ، وقصر الحياة قصرك ، وتاج ملكوت الصفاء تاجك و صولجان الربيع صولجانك وجزيرة  أحلام ” أثنيا ” ملكك وحدك ..

لم أعد ماهرا في تقمص دور ذلك السجين الأبله السعيد بقضبان الحديد المغروسة في أفئدة أجنحته المكسورة .. ولم تعد تليق بي هالة الجبل الصابر .. لأن الجبال لا تعترف للعواصف بتعبها وبرغبتها في النزول من عرش كبريائها ، والنوم قليلا بعيدا عن الصورة العملاقة والهالة الضخمة ..

 هل تمكن سهم العجز مني .. أم تراني استيقظت من غفلتي .. فلا أنا  ” زيوس ” ولا أنت “ميتس “ !!..

جافتني نياط قلبي لأني لم أعـد أفهم رسائل قلبك ..

انزلي من علية الغطرفة وادخلي في صومعتي المزبرجة بفيروزج الشجن وزبرجد الكدر        و زبارج الألم .. ليتك تنفضين وشاحك الفضي في شرفة صدري الموحشة لأن لا شيء يستحق أن تتنازلي من أجله عن مقعدك بماخرة الحرية .. !.

        نعم حتى ” أثينــا ” لا تستحق .. !لأنها تحاول أن تصنع منا ومن أمثالنا عبيدا بمعابدها المهجورة ، ولأنها لا تفهمني حين أكلمها عن تلك القوة الخفية التي تشدنا إلى جذورنا وإلى وصايا جدودنا .. 

          تعبت أكثر لأنني صرت أصل متأخرا إلى دفء أنهارك ، أتعثر بقشابية ظلي وأنا في طريقي إليك و أرى أثلام ضيقي على حيف رخامك ، فأسمعك تتنهدين في صدر فسيفساء الظلماء ، و من شدة جزعي يتلعثم الغمام في حنجرة دموعي وتنكمش كنارة ضوء القمر في بحة صوتي ، يفزعك سواد قهوة الرماد في فنجان صباحي و شكل الطيور المشنوقة في شرفات وجهي  وحشرجة ظهري ، و هي تحمل جثة الأرض و قواقع الخلاء و الخواء ، أرتعش كالزلزال فتستجير أسوار قلعة جسدي من الرمضاء بالنار، أحبو كالماء هاربا من غطرسة شموع لقاءاتنا الفاترة و من عبير عطر صبوتك المتكبرة  ومن أحاديث نظراتك المختزلة ومن هفوات أصابعك الباردة ، أكدس قضبان زنزانة الوحدة في فسحة رجائي لعلك تتذكرين عاقبة  كل الذين غيروا أسماءهم لينعموا بإكسير النسيان .. أنت بعيدة دائما عن العطش الذي ينهش عظام بئري المحمومة ، وبعيدة عن رماح الندامة التي تطارد غزلان ارتياحي الراكضة في برية دمي المقفرة .. وبعيدة عن مناجل اليأس التي تحصد ما تزرعه سواعد آمالي وبعيدة عن مصائد أفاعي غيران الغربة ، وبعدك سرق مني مفاتيح قلاعي وفتح أبوابها لمكائد الرياح ، أنا الذي لم  أتجرأ على الاعتراف بأنني قد وصلت إلى نهاية الطريق أجر بقايا رجل هزمته زوابع المنفى ، تعس  كنخلة ستقطع خاصرتها ليصنعوا منها حطبا لمواقد اللئام ، و مقهور كفارس ذبح فرسه الأبيض ليستقيم الفرع الأعوج ، ومرتعد كطفل ضيع طريق العودة إلى بساتين طفولته ، ومنكود كحصان انكسر كبرياء   سيقانه الأربعة ، ومذعور كمدينة طمست معالمها شحناء الهلاك و الأوحال وسقطت أطلالها في عتو المتناوحة .

            دثريني بوشاحك الفضي ، و افتحي شبابيك قصرك المغلقة حتى تري ما فعله سعار رمال الهجر ببحيرتنا الزرقاء ، وتفقدي روضة تختنا .. كم سنة و أنا  أنام على أظافر الحيرة المدببة مكبلا بأغلال الصمت الأجرد ، أتنفس ألغاط الحسرة الحامضة و نبض قلبي في قبضة زنابير القلق تلسعه كلما هممت بتخليص روحي من لعنة دهمات الجب .. !.

        غسق المسافة المهجورة حجب عن أحاسيسك ضوء شمس الحقيقة .. وأنا لم أخفي عن بجعات فضولك أورام هواجسي الخبيثة .. !

        في ” ميدان أمونيا ” مزقت  مخالب لبؤاتها الشرسة كل الجلابيب التي كانت تستر عورة النار في جسدي .. و في ساحة ” أيجياس إرينيس ” عرتني سطوة  كلاليبها من الماء الذي كان يغلف مستعمرة اللهاب بعروقي .. 

          عرتني حتى من أحجبة جلدي فخجل النرجس والسوسن من دموع التوليب ، وخجلت مني لأني كسرت قلب الأقحوان وجرحت مشاعر الأوركيد وتسببت في موت شقائق النعمان ..

          ” أثينا ” الوقحة تستفز ترس محارب جريح كما تستفز شوكة بغيضة زيتونة عنيدة  ..

           ليتك تفهمين كم أوجعني الوقوف عاريا أمام أساطين زمان ” أثينـا ” وأساطيلها و أنت تتفرجين على مشهد موت كل أحصنتي الصاهلة بلدغات أنياب أفاعي خبثها المسمومة ..

        أريدك أن تستري آثـار عضات نوائبها بالياسمين الذي تبقى في دمك ، وتدثري كلومي ببلاسم         و ترياقات أدعيتك التقية ..

       لا تتركي دبابير التعاسة تفسد رونق تقاسيمك الطفولية .. ولا تجعلي مسند ظهرك جدارا قاسيا يشعرني بجبروت الغربة .. ولا تدعي جليده القاسي يفرق بين دفء رواية وجهي ودفء أقصوصة وجهك !..

          عتابـك يخنقنـــي ..

          لم أعد أعرف كيف أدير رحى أساطير مدينة تفترس بريق أمل الغرباء ! .. و لم أعد صديقا وفيـا لـ ” هوميروس ” ولجلسات رفقائه ! ..

          ضاق بي سحر ترانيم مزامير “جزيرة سانتوريني ” أو” لؤلؤة الحب و الرومانسية ” كما يحلو لك أن تسميها ، وخمدت شرارة فتنة مدينة “فيرا”  بقلبي ، ولم تعد رقصة غروب الشمس الإغريقية المذهلة تغريني ، ولم أعد مولعا برحيق زهورها البرية .. مللت حتى أريج جنة الهناء بشواطئها الحمراء و السوداء ذات الأحجار الزجاجية ، و كسوة منازلها البيضاء و منحدراتها الشاهقة وماؤها العذب الزلال ، وكنائسها ذات القباب الزرقاء ، و شوارعها المرصوفة بالحصى الأبيض ،       وسئمت ركوب الخيل والتلفريك والعبارات من ميناء ” أثينيوس ” والتجول في متاجرها والنوم في فنادقها والجلوس في مقاهيها ، وفقدت كل تلك التماثيل والأواني الهيللينية والرومانية الهرمة المعروضة بالمتحف الأثري وهجها بقلبي ، وخسرت لوحة ” القرود الزرقاء ” المصنوعة من الجص مكانتها بروحي وكل الأعمال الفنية المصنوعة من السيراميك المطلي و الأدوات والأسلحة الأثرية المعروضة بمتحف الحقبة ما قبل التاريخ .. وكم تمنيت لو يغضب البركان الذي ينام في أحضان ” كالديرا ” المتوهمة أنها تربعت على عرش الحفرة البركانية الضخمة المليئة بماء البحر إلى الأبد ، وضمنت ولاء الينابيع الحارة .. وكم حاولت تغيير طريقي حتى لا أبتلى بوساوس ” موقع  أكروتيري الأثري ” وبلعنات  ” معابد هلنستية ” ” بثيرا ” القديمة ، وبهموم أطلال ” قلعة  قمة التل ” بمدينة     ” بيرغوس ” ،  وكم مرة قلت لك أنني تمردت فخرجت عن ملة القطيع فلم أعد أشاطر عشاق جبل     ” بروفتيس إلياس ” رأيهم حين يتكلمون عن المشهد المبهر من أعلى هذا المكان .. بل صرت أحسهم يبالغون ربما خوفا من الأرواح الخفية التي تحرس تاج مجدر” سانتوريني ” أو لأنهم يعتقدون أن هذا المكان هو الموطن الأصلي للجمال صارت تضحكني طريقتك الغريبة في محاولة إقناعي بأن شاطئ ” بيريسا ” الذي تغطيه الرمال البركانية وتحده أشجار الأثل هو المكان الذي سيستمتع بالجزء الأخير من رواية عمرنا وأن خيمة أحلامنا المخملية ستكون بقرية “بيريفولوس” وسنكون سعداء ونحن نرتشف قهوة المساء الطيبة ذات النكهة الجيدة مع قطع من ” كيكة الروب “  في أحد المقاهي المطلة على شرفات ذكرياتنا ، و سنحتفل في كل ليلة بالنصر الذي حققناه في مدينة يبلغ تاريخها خمسة آلاف سنة ، وفي أقدم مستوطنة أوروبية ، وسنأكل أشهى الأطباق المطهية بسحر زيت الزيتون والنعناع وجوز الطيب والثوم والشبث و بهار الأوريجان والقرنقل وورق اللوري ، وأنك ستشاركينني حبي الكبير للخبز اليوناني الهش و” البيتزا ” و ” الباستا “و” البشاميل ” و لزيتون  ” الكالاماتا ” وأجبان     ” الفيتا ” و” الكاسيري ” و “الكيفالوتري ” و “الجرافييرا” و أوراق العنب و طبق            ” سباناكوبيت ” الذي يحتوي على مزيج بين السبانخ والجبنة ، و” اللاشانوريز ” المكون من الكرنب والبصل و”  السوفلاكي ” أشهر المشاوي اليونانية ، ولن تحرميني من وليمة الأخطبوط بالعسل والكركند والمحار والحبار والروبيان والقريدس و الكالاماري رغم تحذير الأطباء لي بعدم الاقتراب من خطوط عوالمهم المحرمة علي . 

          أنت مازلت تنظرين إلي على أنني ذلك السجين المطيع الذي لا يتذمر من ثقل سلاسل العبودية، ومن قتامة طلاسم الكهوف ومخاوف الأخربة و المدافن ، و من غيهبان ألغاز الدهاليز و السراديب           والتعاويذ والخرائط والأحاجي ، ومن تبلخ اللهجة الدورية ، و تعنت الاركادية ، وعناد الأيونية وغطرسة الأتيكية ..

          كم مرة سأعيدها على مسامعك بأن منتجع ” فيديما ” المحاط بالمياه الفيروزية المتلألئة  لبحر      “إيجه” لم يعد وجهة هادئة تسكت جلاجل ذاكرتي  المتوترة ..

          ينسيك الجاكوزي الجذاب و حوض السباحة وعودك لي فاضطر إلى نفض سنابل ذاكرتك في بيادر أوجاعي حتى تظل كل حواسك مستيقظة ومستعدة لانتشالي من فخاخ تاريخ يشبه ألغاز الرمال المتحركة في الربع الخالي ، و أفتقدك في قرية ” أويا ” حين يلتهمك وهج فنادق البوتيك الأنيقة ، كم مرة خسرت الجولة الأولى في حضرة المعلم ” كريستيان لاكروا  ” و الجولة الثانية أمام              ” جورجيو ارماني ” و الجولة الثالثة ضد ”  فالنتينو غارافانى ” و الجولة الرابعة  على مرأى      ” مايكل كورس ” و الجولات المتبقية خسرتها أمام نفحات ” كوكو شانيل ” الدافئة والمثيرة وأمام جبروت عطر” شاليمار “و ” جاك غيرلان ” عدوي اللدود ! .

           لم تعد رموش المدينة تصلي فوق سجاجيد نظراتي ، ولم يعد نسيمها يهش بعصاه أوراق الخريف المتناثرة فوق قرميد أفكاري .. ولم تعد حجرات صدرها تتسع لبنات صدري .. ولم تعد أوتاد ظهرها تسند بناية ظهري الواقفة في مهب الفراغ .. ولم يعد  شدو ” الآولوس ” يحرك  أوكتافات أشجاني . قلبي يرقص منفردا على وقع  نحيب مطر أمنياتي الرخيم و  أصابع ” الليرا “  الأربعة تهدهد أوتار كمنجة أصابعي المذبوحة ..

          تعلقت عرائس  حرائقي بحبال ” الماريمبا ” ، كأني أحاول أن أجمع أجزائي المبعثرة في هذه الآلة النقرية ، تقربت أكثر من قضبانها الشبيهة بمفاتيح ” الاكسلفون “  كم سنة وأنا متشبت بقبضة مخترعها  ” بورتون ”  لأنها تذكرني بالرجل الحر الذي حارب مردة الأوهام من أجل فتح أبواب مدينة الحقيقة .. وكنت أهيم في عوالم ” الجاز الجاد ” مع ” فلتشر هندرسون “ و ” ديوك الينجتون ”  و ” سيسل تايلور ” وكنت أرقص من شدة ألمي في حضرة أحد أبرز عازفي الساكسفون في تاريخ الجاز ، ومن الذين اتبعوا أسلوب ” فري جاز” صديقي “جون كولتران ” أو ” ترين ” كما يحلو لي أن أسميه وهو الذي يحب أن يرى الناس من حوله يرقصون وهو يعزف ، ولم أستغرب قرار الكنيسة الأرثوذوكسية الإفريقية  التي حولته بعد موته إلى ” القديس جون وليام كولترين ” وضمته إلى قائمة القديسين .. في مدينة  ” نيو أورلينز ” تعرفت جيدا على مناخ و تضاريس قارة الوحدة التي سكنت مسكني الضيق الغريب بشرفات حديدية بمنطقة ” فيو كاريه ” وهو الحي المعروف  ”بالربع الفرنسي ” وسكنت صقيعها الشاسع وكنت أسكت زيزيم جانها وأزيز نيرانها و قطقطة مطرها         و غطغطة أمواج بحار غضبها بمعزوفات ” ترين ” . وحده سحر الجاز جعلني أتحمل غلاظة قلب الوحدة ، و وحدها أجواء ” مهرجان ماردي غرا ” جعلني أتحمل خشونة جلد فصل الصيف ،  كنت انتظره بفارغ الصبر للتمتع بالجو الاحتفالي الرائع بوجود الملك  ” ريكس ” و الألوان الثلاثة المميزة من الذهب و الأرجواني و الأخضر و رسومات الريش و الخرز الملون و النقود المعدنية التي تحمل وجه ” ريكس  ” و كعكته و دمية الطفل الصغير .. وعلى طول ثلاث سنوات لم يثبت لي برج الحظ أنني رجل محظوظ .. في كل سنة كنت أقول سأحصل على العملة لما لها من سحر الحظ !!.. تغلبت بأعجوبة على ضجري حتى أبلغ ما عجز عنه غيري في ” أبرشية جيفرسون ” ، وكنت دائما أتخيلك تجلسين بالقرب مني و أنا بحديقة ” جاكسون سكوير  ” تحملين بين يديك منديل من الدانتيل الأزرق مليء بالياسمين الأبيض ، ونحن نستمتع بعرض موسيقي روحاني ” لترين ” و زوجته ” أليس كولترين  ” عازفة البيانو ، و ابنهما  ” رافي كولترين ”  العازف على الساكسفون  وكأن ” ترين ” يريد أن يوصل لنا رسالة أن موسيقاه مازالت تحافظ على أهازيج الزنوج العبيد الذين كانوا يعملون في  حقول القطن ويتعرضون لأبشع أنواع العذاب ، وكانت طبول  ” بامبولاس ” الضخمة وسيلتهم الوحيدة في التعبير عن معاناتهم الشرسة رغم إلغاء نظام الرق و العبودية .. هل تفهمين همس ذكرياتي المتمرغة في تراب الوجع القاسي ، و هل تدركين معنى أن يكسر الفرس الألمظ ساقه حتى لا يواصل السفر في غيمة الأحلام الغريبة  ، ومعنى أن ألتمس لنفسي ألف عذر و أنا عائد من صحراء اللاجدوى حاملا على ظهري هوادج الخطايا و الخيبات ، كان بإمكاني أن أزرع شجيرة صبري ” بمتحف الحرب الأهلية”  أو ” بدار الأوبرا ” ، أو ” ببيت جاز نيو  أورليانز التقليدي ” أو بحديقة حيوانات ” أوديبون ”  أو بمنتزه ” ولدنبرغ ريفرفرونت ” ، كنت كالمسكون بك .. أتصور غناء الشحارير غناؤك  و وجه الماء وجهك ورقة الزنابق رقتك و رحيق البشائر رحيقك و ضحكة زركون الضوء مع تسابيح الفجر ضحكتك  و بوابة مدينة خيالي لا تفتح إلا بمفتاح قصر خيالك فاقتربت أكثر من الممر المؤدي إلى مقصورتك .. فإذا بك قمر الرحلات الذي كان يرافقني أينما حللت ، و الجنية المهووسة بقفاطين الحرير و بلون الفوشيا التي كانت تحررني من كل أصفاد زنازين الغربة ، وهي تعلم أنه لا توجد جنية تنافسها في استدراج أسراب النجوم إلى الساحة المحوطة بشموع الغبطة والمرح لمشاركتنا بهجتنا برقصة ” البولكا ” ،      و تكسير أوتاد خيمة المشقة و الشجا على مرأى جنيات نهر المسيسبي .

كم مرة ولدت على يديك .. ورقة بيضاء تحن إلى شهد شفتيك ، وكم مرة قررت ألا أكبر كي      لا تخسري الرهان ، أنني طفلك العنيد الذي تمرد على كل أكاسرة و أباطرة إمبراطورية التاريخ .

من أجلك فررت من معركة ” نيو أورلينز ” تاركا خلفي أحصنة حلمي وحيدة ، و تحملت لسعات جذوات الهزيمة ، وحملت من أجلك في صدري خيبة الجندي الذي رمى سيفه ودرعه و ترسه    و قوسه  و كنانته وانسحب متسترا بأجنحة رخ الظلام كي يلحق بالقطار الذي يوصل إلى ديارك .. 

ومن أجلك صبرت على جهامة ” كليو ” ربة التاريخ  و على غواية ” يوتيربي ” ربة موسيقى الناي وعلى لهو ” ثاليا ” ربة الملهاة وعلى قنوط “ميلفوميني ” ربة المأساة وعلى غموض ” إيراتو ” ربة الشعر الغنائي و الأناشيد وعلى عبث ” تريفسيخورى ” ربة الرقص و على جنون ” فوليمني ” ربة فن التمثيل وعلى عجرفة ” كاليوبي” ربة الشعر البطولي وعلى جسارة  ” يوراني ” ربة الفلك .

و من أجلك جازفت ففتحت بوابة مدينة ” اسبرطة ” على مصراعيها وقرأت كتاب حروبها  ونبشت قبور أبطالها وفتشت في حاجيات  ” لاكديمون ” و والده ” زيوس ” ، وسمحت لنفسي أن أفتح علبة نحاسية مفضضة صغيرة تعود لزوجته التي سمى المدينة باسمها تيمنا به فعثرت على رحيق المحبين ، خاتم من الذهب فصه من الفيروزج وبقايا أوراق النبتة النبيلة ” دافني ” المخلدة  للحورية        ” نيمف دافني ” التي هربت من الإله ” أبولو ” وتحولت إلى شجرة غار.. والتي كانت تزين هامات القياصرة والأبطال و الفائزين في الألعاب الأولمبية ..

ومن أجلك تسلقت أسرار ” تل الليكابيتوس ” المتكون من الحجر الجيري الطباشيري ،          و ناديت على الذئاب باللهجة التي تفهمها لأثبت مدى صحة القصص الشعبية التي تقول أن هذا تل ملجأها الآمن ..  وكنت أول من التقط صورة لرقصة أشجار الصنوبر التي تغطي قاعدته .

و من أجلك اعتقدت مثل القدماء بوجود قارة اسمها “اطلانتس ” منذ أكثر من 10 آلاف    سنة ، وتمسكت بشهادة ” أفلاطون ” في وصفه لها بالمدينة الفاضلة ، وأنها اندثرت بفعل إما طوفان عارم أو زلزال مدمر، و استغرقت وقتا طويلا وأنا أحاول إعادة رسم ملامح أهلها و عاداتهم و تقاليدهم ووجه حضارة كبيرة و متقدمة أبدع  أبناؤها فى الهندسة ، وفي الري ، وفي بناء القصور الفارهة ،      وفي تشييد ثلاثة حلقات دائرية الشكل تلف المعابد الضخمة ، مشيت خلف خيطه محتملا أن يكون السهل الذي ذكره هو السهل الممتد من الساحل الجنوبي لإسبانيا إلى الشمال حتى يصل إلى مدينة                       ” إشبيلية ” ، أما الجبال العالية فربما تكون” سييرا  مورينا ” و”  سييرا نيفادا “، ولم أتضايق من عطش أفق  فضولي فدققت في “مخطوطة ماريس”  المصرية المكتوبة على ورق البردى المحفوظة فى المتحف البريطانى ، وفي أخرى موجودة فى متحف “هرماتدج ” فى ” بيترسبرج ” بروسيا التي تشير إلى أن فرعون أرسل بعثة إلى الغرب للبحث عن  ” أطلانتس “..

و من أجلك سايرت  كل الأسباب حتى أكتشف سر تضخم الصوت في مسرح ” إبيداوروس ” دون الحاجة إلى أية مكبرات للصوت حتى مع أضعف الأصوات ، هذه الرائعة الهندسية المعمارية      و الصوتية  التي شيدت في القرن الرابع قبل الميلاد ، إذ يتمكن حوالي 15،000 مشاهد من الجلوس في المسرح و الإستماع إلى أصوات الممثلين بوضوح دون أية أدوات أو مؤثرات صوتية ، ودافعت بقوة عن السبب الذي قادني إلى الحجر الجيري الذي تم استخدامه في بناء مقاعد المسرح لأن لديه القدرة على تصفيه الصوت ، وتخفيف الترددات الصوتية المنخفضة مما يقلل بشكل كبير من الضوضاء ، ويساعد في إرتفاع وتيرة الصوت ليصل إلى المسرح بأكمله ..

و من أجلك أعدت فتح قبر حرب طروادة ، وتحملت العجعجة  الطالعة من صدر المدينة الأولى التي بنيت على أنقاضها طروادة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة .. وطروادة عاشرة ، وكنت كلما هممت باستعمال الجرافة لتوسيع الحفرة فاجئني صراخ ” هيلين “ و هجيج والدها ” زيوس ”  و زئير زوجها   ” منيلاوس ” وأنين أختها ” كلمينسترا ” و وعيد أخاه ” أجاممنون ” ملك “ميسينا ” وزوج الأخت حاكم وقائد جيوش اليونان ونواح ” اسبارطة ” فتصدعت جدران حكاية القلب القديمة ، وكنت أحفر بلا كلل عساني أجازى برأس ” باريس ” سارق الزهرة الإغريقية من حدائق قلب ” منيلاوس ” المجرم الذي لم يفكر في عواقب جريمته ، وفتح باب جهنم في وجه مدينته التي ذبحت من الوريد إلى الوريد ورميت جثتها لألسنة نيران الحرب وغمرها رماد الخراب .. وتمنيت لو التقيت بشبح  ” أوديسيوس ” ليصف لي وجه الليلة التي زاره فيها شيطان الدهاء ، ولأسأله عن مصير حصان المكر بعد الانتصار الكبير الذي حققه جوفه الملعون ، وعما فعله به غضب إله البحر”  بوصيدون ” و رحلة المتاعب و المخاطر التي دامت عشر سنوات ، وكنت كلما تعمقت في الحفر كلما خيل لي أنني أسمع غناء ” بينيلوبي ” الحزين .. وكانت يداي ترتجفان لأنني قد ألتقي بالزوجة الوفية التي رفضت كل الذين تقدموا لخطبتها طوال فترة غياب زوجها  وبقيت  تصلي في محراب الانتظار قرب شمعة تضيء له طريق العودة .. وهي لا تكف عن تصديق نبوءة الربح النؤوج التي وهبتها علامة من علامات سماعه لعزف أناملها على أوتار ربابة الأشواق ، بينما أبنهما الوحيد ” تليماخوس ” خرج بحثا عن أخبار والده الذي شردته عفاريت متاهات الحرب ، وكنت مستعدا لفعل أي شيء مقابل أن أعثر على سيف ” أجاممنون ” الذي جيش الجيوش وآلاف السفن لإسترجاع ” هيلين ” من قبضة     “باريس ” وهو واثق من النصر الذي ينتظره في طروادة رفقة أحد أبطال ساحات الوغى” اخيليس”، و اختصرت كل المسافات كي أصل جنوب ” تركيا “  فأكون من الذين أزاحوا أتربة ألف وثمانمئة عام عن وجه الحفريات التي تم العثور عليها في مدينة ” بيرغة ” بولاية ” أنطانيا ” ، ربما هي أجمل فسيفسائية تروي إحدى فصول حرب ” طروادة ” .

ومن أجلك رفضت النزول من على صهوة فرس المغامرة وواصلت السفر مع حملة                   ” أجاممنون ” المتجهة  نحو ” طروادة ” الساحلية لتغرز سهام انتقامها في أجساد الطرواديين ، ولم يكن بعيدا عن غضب إلهة البراري ” أرتميس ” التي أقسمت أن تعاقبه عقابا قاسيا بسبب اصطياده لأحد غزلانها بالقرب من إحدى الوديان المقدسة ، فأوقفت الرياح بينما كانت السفن قد فتحت أشرعتها لمواصلة الرحلة … وحدث ما لم يكن في الحسبان ” أرتميس ” تطالبه بتقديم قربان حتى تصفح عنه وعن جيوشه  ولابد له أن يرضخ لأمرها ويذبح ابنته الوحيدة الرقيقة ” افيجينيا ” لكي ترضى ، وفيما كان يحضر لذبح صغيرته قامت ” أرتميس ” باستبدالها بغزال .. وعفت عنهم جميعا ، وهبت الرياح وسارت السفن صوب هدف انتقامها .. ولم أحرم ” افيجينيا ” الجميلة من وسام وقفة عميقة خلدت فيها تضحيتها الكبيرة هي التي سلمت رقبتها طواعية لسكين الجلاد لتفدي بروحها وطنها وشرف ” هيلين ” وكل نساء ” اسبارطة ” ..

و من أجلك تأقلمت مع قضبان الاسم الذين اختارته لي” تركيا ” هنريخ شليمان “                       / المغربي /  فبقدر حبي وتقديري الكبير لهذا العالم الألماني المدافع عن واقعية الأماكن المذكورة في أعمال ”  هوميروس “ المولع بتاريخ المدينة المفقودة ، المكتشف لـ ” كنز بريام ” الثمين لإحدى الطروادات المدفونة تحت تل ” حصار لك ” والتي تسميها الإلياذة  باسم ” إليوس“  و المتكون من تسعة آلاف تحفة من الفضة و الذهب و كذا قبر “أجاممنون ” في “ميسيني ” بقدر رفضي لأغلال أسمه التي كانت تشعرني أنني  لم أبرح الأماكن التي وطأتها قدماه ، وأنني لست إلا مجرد نسخة كربونية    عنه . 

و من أجلك حاولت أن أتغلب على كل الصعاب التي شحذت المواسي ورفعتها في وجهي حين غصت في بحار من لقب بفرعون مصر و شاه فارس  وسيد أسيا و فارس الفتوحات و بطل معركتي       ” إسوس ” و ” كوكميلا ”  مؤسس مدينة  ”بوسيفلا ” في شبه القارة الهندية التي سماها على اسم حصانه الذي قضى معه حياته و دخل معه في جميع حروبه حتى أصيب ” الاسكندر المقدوني ” الحاد الطبع المتهور المندفع الشديد العناد تلميذ الفيلسوف الإغريقي ” أرسطو ” الذي أجمع المؤرخون على أنه استحق لقب ” الأكبر ” أو ” الكبير ”  عن جدارة ، فهو المحارب الذي لم يهزم  في أي معركة خاضها … وكان علي أن أنظر إليه من كل الزوايا لأبرهن على حقيقة ولاء الجنود له ، و حسن اختياره مكان المعركة وحسن قيادته للجيش ، وتدريبه فيالق المشاة و الخيالة على استخدام تكتيكات فذة            و استراتيجيات جسورة مقدامة وكان علي أن أنجح في كشف السبب الحقيقي لوفاته ، فاستبعدت السبب الأول في أن يكون أحدهم قد دس له السم في النبيذ أو الماء كون فترة إثنا عشر يوما مرت بين إصابة     ” الاسكندر ” ووفاته .. وهي فترة طويلة جدا حتى يأخذ أي سم من الأنواع التي كانت معروفة حينها تأثيره الكامل ، لأن السموم البطيئة المفعول كانت غير معروفة .. واتبعت طريق الوثائق القديمة التي تكلمت عن أعراض مرضه والتي رأيتها قريبة جدا من أعراض التسمم بالماء الأسود لنهر                       ” ستيكس ” المحتوية على مركب ” الكاليكميسين ” فائق الخطورة الذي تسببه إحدى أنواع البكتيريا القاتلة والتي سببت له عدة مضاعفات توجت بانثقاب المعدة و الأمعاء ومن ثم الشلل التصاعدي ، واستبعدت إصابته بالملاريا و الحمى التيفية أو التهاب السحايا وكثرة شربه للخمرة وتعاطيه لجرعات زائدة من الأدوية المصنوعة من نبات الخربق .

          بسبب أبراج أحلامك صرت قابلا للكسر ، ولين كقطعة غضار في يد صانع فخار، متمددا كجثة بلهاء في قبر الموت ، و فارغا من حبكات الحياة ومن شعلة الفضول و من أناشيد العنقاء ومن هتافات نسور الحرية ومن أهازيج البحار ومجمهرات البحارة .. أبحث عن إبرة الضوء الضائعة مني في قش الهباء و أختبئ من نظرات حكة جلدي في جلد الخواء .. وأركض كلما قرأت تفاصيل وجهي في مرآة الغروب .. وأهرب مني ومنك ومن رماح ” أثينا “  كلما أذنت مئذنة الشروق ..

          لم يعد يخالجني أدنى شك أن سيف عنادي قد بتر أذرع  أخطبوط الحصار فانفك السحر الذي كان يلجم أظافر صرختي ، فأضرمت نيران غضبي في جبروت جليد الصمت ، وفي غطرسة لغة الإشارات فصرت على يقين أنني قد بعثرت أوراق حرباء الغربة المراوغة حين بعثت من رمادي لأخرج الحصان الخشبي من قلعة حياتي وأحرر خطواتي من أغلال ” أثينا ” .. 

            لم يعد هناك أي شيء يدفعني لأن أشهد ضد حوريات بحار حريتي ، أو السكوت أمام ظلم أباطرة الليل أو التطلع إلى كوكب الغد من ثقب الظلماء .. ها أنا أعلن تمردي أمام جحافل  ”زيوس ” و ” هيرا “       و ” بوسيدون ” و ” ديميتريوس ” و ” اريس ” و ” هيرميس ” و ” هيفيستوس “                      و ” افروديت ” و ” أثينا ” و ” ابولو ” و ” ارتيميس ” و ” هيستيا ” وهاهو طائر الفينيق يعلن ميلادي على مرأى ومسمع بطل اللاجدوى “سيزيف” وقمة ” أكروكورنثوس ” وصخرة العقاب الأبدي .  

            وصلت إلى البوابة الخرافية المقفلة وفي يدي مصباح المدينة التي علمتني كيف لا أصدق كل         ما تقوله لي نظرات الغربة .. ليس لأني شديد الحذر بل لأنني على يقين أن طريقي بأرض الأساطير قد انتهى ، وعلي أن أنير شموعي بالمكان الذي يليق بها .. أفلت نجوم ” أثينا ” بمجرة قلبي كما أفلت نجمة الإعجاب بفسيفساء الرومانسية بميدان ” السيندجما ” .. و خبا وميض أعمدة ” أكروبوليس ” البيضاء فوق القمة .. كل شيء قد تغير .. كم صرت صغيرا على دور البطل المتجول على شعفة ” الأولمب ” المتوج بإكليل العظماء ، و عاجزا على حمل حجر التاريخ .. لا أريد تتويجات ” أثينا ” و لا تكريماتها ، أريدك أن تفهمي كم يشتاق إلينا كل الذي كان بيننا خارج قضبان زنازينها المسيجة بدفلى الإحنة و بأشواك فلوات الديجور .

أعلم كم تحبين موسيقى ” ثيودراكس ” الرائعة .. تبدين أجمل من عذراوات اليونان روائع  إزميل ” فيدياس ” حين يلفك ضياء لحن ” زوربا ” كوشاح موشى بالماس و الزمرد و الجمشت .

أنت أجمل ياسمينة ” قسنطينية ” موطنها فردوس الحسن ، وقعت في شركها الأبيض الحريري فراشات قلبي .. وأجمل مدينة هربتها معي في حقيبة السفر .. و أجمل ما حدث معي بعدما صرت أعرف الطريق إلى ما أريد .. تتزمل نخلة روحي بسعوف معانيك الخضراء كلما نادت علي جداجد المغيب وكلما داهمني صيب الحنين ..

أنت أجمل عرافة أسألها عن أحوالها فتجيبني عن أحوالي ! ..

أعلم كم أنك لا تطيقين فكرة سد شبابيك قصورك المخملية بمملكة أحلامك البنفسجية وطي أجنحة خيمة ” أثينا ” الأسطورية وغلق كتاب الحكاية الإغريقية ….

 أنا أختلف عنك .. رغم قربي منك .. كنت وفيا لعهدي لك .. طوال رحلتنا كنت أبحث في غابات المعاني عن شجرة المعنى التي تشردت من أجلها ولم أعثر عليها .. وصار يوجعني أن أشعر بالوحدة وقلبي يحتمي بسقف قلبك.. وبالبرد و أنت تشعلين مقابس دفئك .. وبالعطش الأجاج و أنا بالقرب من ينبوعك النمير.. وبالغربة وسفينتي متكئة على نمارق مينائك المسالم .. وبالهذاء وروحي هاجعة في أحضان مدينتك البلورية .. وبالغموض القاتم و أنت اليقين .. وبالخوف والحيرة و الخواء وأنت أرض النور والماء و الهواء والجلاء .. ولم يألف جوادي الصاهل العيش مع أتراح ساقه المجروح ، ولم أعرف يوما مـذاق كرز الطمأنينـة حتى وأنا ببيتنا المحصن بأرقى نظم الإنذارات المتصدية لاعتداءات قناصي عرق جهد المكدين ! ..

         لقد حان لنا أن نكسر أصنام آلهة ” أثينا ” ونضرم نيران انتقامنا من لسعات أفاعي القفر          و الوحشة في خرائط المنفى لنعود بجذورنا المشردة إلى أرض أجدادنا ننير سروج ذاكرة                  ” بابا الشيخ ” ، الذي باع كل ما كان يملكه حتى حصته بمطبعة ” البصائـــر” لينير لي شموع طريق العلم الممتد من سيرتا إلى جامعة باريس الأولى ” بانتيون – سربون ” .

أشتاق إلى رائحة طيب العنبر على جبين البلاد في أعراس التشارين ، و إلى موائد ولائم أفراح    الأحبة ، و إلى هسيس الياسمين بأحواض الـدار.. و إلى زغاريـد الحنـاء في أبهاء حزيران و تمـوز       و آب ..

” أثينـا ” درج لا ينتهي .. و أنا تعبت من تسلق مرتفعات الغربة !! ..

أعلم أنك كنت صديقة وفية لإطلالات القمر وعلى ضوء اباجوراته كنت تنمقين حروف اسمك الجليل بذهب المهارة و البراعة و المهابة ، وذاع صيت حكاية نحتك على الفضة و النحاس فصرت        ” ليدي ”- Lady- سوق” الأجـورا ” القديم  ، وصار لك معجبين يتابعون خطوات أصابعك الساحرة ، أنت التي أثبتت في رسالتك الهادئة عبقرية فراشة من الشمال الافريقي نجحت في إبراز عمق رسالة الهلال والنجمة رمز أركان ديننا الحنيف الذي صار يعلق كشاة ذبيحة كلما بعثرت العواصف أوراق حسابات مرتزقة الأوطان و اليمام و الأديان أصحاب الخطب الدموية المشبوهة الملطخة بدماء الأبرياء وبأوحال الشنار والخزي والعار! .

دمنا مزيج بين كبرياء جبال الشرف و الشموخ وجبال المجد و العظمة : ” جرجرة “  الحمية ،        و ” أوراس ” العزة ، و  بابور ” الصمود ، و ” صومام ” المروءة ، و ” ونشريس ” الشكيمة               و ” أولاد نايل ” الشهامة ، و “زكار ” الإباء ، و” الخشنة ” النخوة ، و “تاهات ” الرفعة ،              ” وايغيل وادك ” الكبر ، و ” الظهرة ” الرصانة ، و” الأطلس ” الأصالة ، و ” العمور ” الدماثة ، و ” هقار ” الأنفة ولا صلة لمصب دم جدهم  المعلم  ” سقـراط ” بمصب دمنـا ..

أعيانـي الـدرب إلـى كهـوف الجيـر والعناكب و الخفافيـش .. أعياني السقم  وهو يزمجر في سرداب أمنياتي .. أعياني لهيث الأشجان وهي في طريقها إلى أنوال مفاصلي ، وأعياني هجيج النار في حرائق أضلعي، وأعيتني الرياح الهوجاء وهي تهرول في شوارع جمجمتي ، و أعيتني عصي السهاد وهي تدحرجني من مرتفعات المشقة إلى منحدرات الوصب .. لا أريد أن أتناول كأس السم بيدي طائعا كما فعل معلمهم ! ، ولا أريد ” لأثينا ” أن تحاكمني وتلصق بقضبان ظهري تهمة الرجل الغدار الذي أعد وليمة الحطب لعفاريت السعار لحرق مهاجع أحلامك .. 

الأمر ليس كما تتوقعين ، لم أكن قويا و شجاعا كما أنا اليوم .. ، و لم أتنازل عن تاج وصولجان مملكة أحلامي بل أحاول فقط أن أخرج من عنق زجاجـة ” أثينـا ” لأتحرر من قبضة أوهامها ! .

أعترف أنني أنا من اختار مدينة التاريخ على خريطة  ” أثينا ” .. يومها كنت تلميذا مغرما ببرامج مدرسة  ” بابا الشيخ “  … كانت سمائي لوحة فنية زرقاء تدللها فرش الفرح والتمني و الآمال  و من صدري تشع أنوار منارات حب الإبحار في أعماق الحكايا المنسية ، والتسلل إلى القلاع القديمة .. وفتح أسرار الأنفاق .. و قراءة عيون اللغات الصامتة على جدران القصور و المعابد و الدهاليز         و الأقبية ، والمشي خلف الممرات غير المنتهية .. وفهم علاقة التماثيل بكسوة الرخام .. وعلاقة عنجهية الأعمدة بغرور عروش السلاطين .. وعلاقة الأبدية بواجهات الموت في مقابر الملوك والقادة والنبلاء            و الأثرياء ..

                كنت الشاهدة الصابـرة .. كنت تصعدين وتهبطين .. وتصرخين و تصمتين .. وتمرضين وتنهضين .. وتهربين من حراب أسئلتي وتعودين .. وتركضين مع ثيران جنونك وتهدئين .. وكنت البلاد حين أصاب ببرداء الغرباء ، و قطرة اليقين حين أتيه ككثبان رمال الشغف في صحاري الجوى    و الصبابة و الحنين ..

أرهق فؤادي هدير نهر الذاكرة  و أوزار جرار الوقت والتزامات الباحث الذي لا يعرف كيف يفلت من قبضة زنزانة التاريخ الدامسة الظلام .. أريد قليلا من ضوء نجم التوغن .. وحفنة من درر المطر ، وبعض مني و منك لأعيد قراءة وصايا ” بابا الشيخ ” العشر المكتوبة على حيطان إيوان قلبي .. أريدك أن تؤمني مثلي بالمعجزة التي ستتحقق ، وبسنابل الفرح التي ستخضر و بـ “سيرتا ” التي ستشيع الحزن وترتمي في أحضان المردقوش و ” البليري ” .. يا ريحانتي المتهجدة في محراب البخور .. انظري كيف يقدسون خيوط عباءة ذاكرة ” بريكليس ” المحاط بالمجد وكل شبر بمعبده الرائع  ” البارثينون ” .. وكل كلمة جاد بها في خطبته عندما وقف يرثي شهداء الحرب التي قامت بين              ” أثينا ” و” أسبرطه ” في الحفل الذي أقامه الأثينيون لرثائهم .. وكان علي أن أحفظ هذه السطور ولم تكوني مجبرة على ذلك .. لأتذكر دائما كم أننا غرباء في ” أثنيا ” : (( دستورنا لا يثبت له في المقارنة دستور ، الكل ينقل عنا بينما نحن لا ننقل عن أحد، لقد أسميناه ديمقراطيا لأنه يضمن الخير لأكبر عدد   لا لأقله . نحن جميعا سواسية أمام القانون لا يتميز أحد منا بمجد إلا بمواهبه . والمواهب الشخصية      لا الفوارق الاجتماعية هي التي تفتح عندنا أبواب المجد ، وما للفقر أو تواضع الأصل أن ينحي مواطنا عن خدمة وطنه … نحن نعرف كيف نفهم مصالح الدولة ونكشف عنها بأنفسنا ، وعندنا أن القول         لا يضر بالعمل ، بل الضرر هو ألا نستنير… ))

                    ماذا فعلنا نحن لجسورنا الواقفة من فورة النهار إلى فورة العشاء على سيقانها المتعبة  ،         ” جسر صالح باي “  و ” جسر باب القنطرة ” و ” جسر سيدي راشد “  و ” جسر سيدي مسيد “  و ” جسر ملا ح سليمان ” و “  جسر مجازن الغنم ” و ” جسر الشيطان “  و ” جسر الشلالات ”  و ” جسر بومرزوق “  ؟ وماذا  قدمنا لـ “قسنطينة ” المتوسدة صخرة الغرانيت القاسي ولرفيق دربها ” وادي الرمال ” الهرم غير إخلاصنا لروح المالوف ، و للزي التقليدي الذي نتباهى به في مواسم الحفلات التنكرية التي نحضرها و أنظارنا نحو ما نريد مكبلة بخلاخل المستحيل..     و الذي كان يفرقنا عن باقي أسراب الطيور الضائعة في متاهات الشتات ! .

أن نكون قريبين مــن مهد الحضارات ، لا يعني بالضرورة نيلنا قسطا من بركاتها .. وفي أغلب الحالات المسافة التي كانت تقربنا من أمجادها مسافة ملعونة ! ..

           بإمكاني أن أنفخ في حجر ماضي قلاع اليونـان لأغير قدر رماد ” الفينكس “ فاستمتع بشكاسة الميدوزة  ، و فغوة الميموزة الذي سينبعث من ستائر مقصورات الأسرار و أنا أحمل كل صفات الرحالة الـذي حرر عاتقه من هموم الحقيبة الجلدية و من تذمر خيمة التخييم وغطرسة جواز السفر ! ..

قدماي أقدم  قدمين وطئت سفوح ليل غربة ” أثينا ” .. وقلبي أقدم قلب هام بوشاحها المغطوس في خلاصة عطر التاريخ .. وروحي أقدم روح تعلقت بآيات وجهها المنقوشة على جدران معبد     الشمس .. وذاكرتي أقدم ذاكرة بايعت جذور المدينة العتيدة التي عرفت كيف تسرق النضارة و الفراهة   و الرونق من سلطة الزمن ، وكيف تسرقني مني .. ومن أحضان أمي .. ومن أشواك همي .. و من تواشيح “سيرتا ” .. ومن كل جنيات العالم !!..

هل كنت مجرد عاشق مجهول لساحرة عجيبة تدعى ” أثينا ” ، كلما خرجت من صدفة المساء لتستنشق الرائحة الكافورية الطالعة من زهور الخزامى .. تتصورها حواس خيالي شعلة من نور هبطت من السماء لتحرق أسلاك الحدود ورايات المستحيل والأفكار القديمة عن الجنسيات والشعارات المربوطة بحبال الأيديولوجيات واللغات العقيمة ، والعقليات المعلبة ولتفرش كل شبر بمملكتها بزهور ” كربل “       و ” لوريت ” و ” لانا ” و ” دوريندا ” و ” سانار ” و “ورفان ” .. وكلما جلست مع القمر و الفرقد        و النجوم .. أقول في نفسي لقد جمعتهم لتسوي بين مركبة الليل ومركبة النهار ، و بين خطوط  الطول وخطوط العرض ، و بين سلطان فصل الرواء وباقي فصول مسرحية الحياة ، وحين استعملت كل مزامير أجدادها .. كنت أظن أنها قد أخذت قرارها و سمحت لكل الأصوات المرتفعة و المستقيمة        والمقعرة  والمنحنية بدخول بيتها القديم !!..

ليس العيب في ” أثينا “  كل العيب في حبي الأعمى لسهام هوى عينيها .. وفي الصنم الكبير الذي شيدته سواعدي لها ورحت أعبدها كالمجنون الذي ليس له في ثرى المعمورة ضريح .. ، تمنيت تمزيق شبكـة التكرار والتوقف عن التسول في خرائط الخراب .. تمنيت وجهة ” أثينا ” وواجهات حضارتها.. وتعلقت بأشعة الأمل في غابات ضفائرها ، وببحة ربابة الصبوة في سواقي حنجرتها، وبشامات البهار على أشرعة ظهرها ، وبأحجية الأوشام على كاحلها الأيمن ، و بحبكة الجمر في ملكوت أساطيرها، وبحنكة الخلود بمواقع أساطيلها … أسرتني في أصغر زندان بأكبر قلعة شهدت ميلاد أول غصن عمر بترابها كجنية خرافية كسرت طقوس كل الطلاسم و الأقفال ، وخرجت من قنديل البهاء مبللة بعطش الماء لشراهة النار.. سحرني نصفها الأعلى المزبرج باللازورد و الزبرجد والبريل ، و أسراب من الفراشات الأرجوانية تحوم حول هالتها الذهبية وهي ترقص على أصابع قدميها في ساحة من فيروزج رقصة زهرة ” لوتاز” البيضاء مع  عرائس الماء على وقع أجراس مدائن الفجر.

كنت قلقة على “رقية ” من غيرة فرسان ” أثينـا “  ومن إفتراءات تماثيل النساء الست الحاملات فوق رؤوسهن أسرار سقف معبد ” الأركثيون ” منذ آلاف السنين دون أن تضجرن من عناء هذه المهمة الشاقة التي كلفن بها..

كم كنت تكرهين زحمة حي “البلاكا” التاريخي القديم و شوارعه المتاهية ، وكنت تشتكين من أسئلة البحر و من نظرات أمواجه التي كانت تزعج محارة أحلامك الصغيرة ،  وكنت أشعر بضياعك كلما اقتربنا من البحيرة الغارقة ” فولياجميني ” ، تراها كانت تذكرك بحالنا .. و كأننا الكهف الكبير الذي انهار بفعل زلازل الغربة وصارت كل آمالنا معلقة على وقفة جبل ” هيميتاس ” الذي كنت تحبين الاقتراب من جبته الخضراء .

لكن كل شيء تغير بالنسبة إليك عندما بزغ نجم “رقية ” المتألق في سماء حياتنا .. أنستك     صحبتها .. فأنستك كرهك لفكرة الزحام ولكوابيس البحيرة الغارقة ولعدونا المشترك ” مارد الغربة “.. كنا نتطلع من شرفات عينيها لنرى كم تبقى لنا من أوراق فصول الحياة في أجندة ” أثينـا “.. فكان الجواب يأتينا على بسـاط ضحكتها الملائكية ..

كبرت ” رقية ” الصغيرة .. فصارت سوسنة شقية تركب الدراجة النارية و تبحر كطيور الماء صوب جزيرة ” كريت ” التي خرج من أصدافها معظم أدبـاء اليونان .. ، كانت مولعة بالتقاط  صور لحراس ” قبر الجندي المجهول ” وجمعها داخل ألبومات فاخرة ، و رسم  ملكات اليونان ” أماليا ” زوجة الملك ” أوتو ” و ” أولغا كونستانتينوفنا ” زوجة الملك  ” جورج الأول ” و ” صوفيا ” زوجة   ” قسطنطين الأول ” و ” أسبازيا  مانوس ” زوجة ” ألكسندر ” ..

ولم تترك لنا أي خيار .. صرنا ننادي عليها بالنملة البيضاء .. لم تترك ” رقية ” أي كتاب بمكتبتنا إلا والتهمته بشراهة حتى كدنا ننسى تفاصيل حكاية وجهها ! ، وما إن تمسكت بيد منقذها “نيكوس كازانتزاكيس ” الذي أرخ للمراحل التي مرت بها الجزيرة حتى احتفلنا بهذه المناسبة ! ، أخيرا عثرت  ” رقية ” على الدرب الذي كانت تبحث عنه  وكانت بصحبة رفقة آمنة ..

” نيكوس ” بالنسبة لها أكبر من ظاهرة أدبية لا تتكرر .. ” نيكوس ” هو الملاك الذي تقمص روح اللغة و أبدع  في تصويـر ” عذابات المسيح الإنسان وألمه فوق الصليب ” ! ..

           لم تكتف ” نملتي البيضاء ” بملء رئتيها بعبير كتابات ” نيكوس ” بعدما صارت تعي جيدا دور الكتابة في التفتح على أوجاع الآخرين وعلى ما يجعل كرتنا الأرضية كرة نارية و أغلبية سكانها يحملون فصيلة دم التعاسة .. بل راحت تقلب أوراق حكاية مكتوبة بلغة عجيبة متدرجة الألوان أبجديتها من الحرير والدمقــس و المخمل فاعتنقتها موطنها الجديد الذي سيحتوي آهاتها المتدفقة من ينابيع أحساسيها المرهفة  فهدأت خيولها الجامحة و تنهد نبض قلبها  وعاد الندى الوردي يركض في عروق وجنتيها وصارت حدائق خيالها مشاتل لعروض أصابعها السحريـة .. 

وما أن قررت أن تبصم لوحاتها ببصمة ” افيجينيا ” ابنة الملك ” أجاممنون” حتى عصفت رياح الحرجف و الحرجوج بخيمة أفكاري !..

أعادت ” رقية ” صياغة أشهر الأساطير التي حفرت خلودها على طبقات تاريخ اليونان في مقاطع ذات أبعاد ورؤى على طريقة الفن مـن أجل الحياة فرصدت واقعة ضياع ” أوديسوس ” وسط البحار عبر بوابة “هومر” ، و عينتني مستشارها الفني فكنت أقف في ساحة قصرها العجائبي كالحصان الخرافي  أجود على فرشاتها بزاد الإصرار كلما غفت فراشات خيالها ..

حافظت على كل شيء له صلة بأي شيء يخصها .. وادخرت لها في خزائن ذاكرتي تفاصيلها الدقيقة التي أفشت بها سنونوات البراءة التي كانت ترافقها في كل خطوة خطتها لوحدها ونظرات قلوبنا تحرسها ..

أشهد أنها كانت مثلي ترى الوجه الحقيقي  ” لأثينا ” من شبابيك ” مترو الأنفاق ” .. و تنسى فظاظة الغربة بمينـاء ” بيريه ” وتتذكر أصلها القسنطيني بمقهى” أم كلثوم ” ! ..

كم كان يطربها صوت ” الست ” ونقاء الروح المعذبة في ” الأطلال ” ، و قوة لحن الصدق في نبرات ” ألف ليلة وليلـة ” ! … كنا نشرب سويا الشاي الغامق وننتظر اكتمال أجزاء لوحتها المتدفقة من كبد مآسي الخريطة المشلولة .. أبطالها فرسان قبيلة الضيق و العسر و المشقة و المقاساة .. تتقاذفهــم أمواج البؤس والحرمان العاتية فيتصورون شط اليونان جزيرة الخلاص .. هاربون من عضات رقط الظلم والتسلط ، ومن سدف حراب الهلع و الذعر، في سجون النسيان مع الصعاليك            و المساطيل و السرخس والرطوبة  و الجرذان ! …

          كانت تقدر وفائي لرياضة الركض خلف جياد عربتها الصغيرة .. فكانت تارة  تبتعد عني ..     و تارة تنتظرني قرب مفترق الاختلاف .. وحين التقينا .. اعترفنا بقدرة “مايكوفسكي ” على جمع غيوم الماء و زهور النار في الفصل الذي يقف بين الموت و الحياة  : (( تموت ليس صعبا .. أن تصنع الحياة فهو الأصعب ! )) ..

كم كانت بارعة في تحريض تلألؤ نجم السحر على ذوقها .. وشد كل الأنظار إلى فتنة موكبها  ، و سر الأبيض على فساتينها وقمصانها و تنانيرها .. و تطلع الوضاءة إلى أرجوزة قدها .. و تهجد عطر الغاردينيا في خمائل ظلها .. وزقزقة  عصافير ” بولاريا ” و ” فيشري ”  في زرقة سماء  مقلتيهــا ، و سواد ليل شعرها المسترسل حتى ركبتيهـا .. ورسمة الحمامة الزاجلة ” شير آمي ” المرافقة  لتوقيعها …

        كانت تشاركني شهيتي الكبيرة لخبـز الدار و الخليع و المقروط العائم في بحيرة العسل            و الزلابية وعصير سموثي المانجا و الموز ، والزنجبيل المنعش ، و القهوة بحب الهال ، والشاي المنكه بالقرفة  والياسمين  والبرتقال  واللافندر و التين في فصل الصيف ، وزيت الزيتـون في فصل الشتاء ، و الكسكسي بسمك البلوق ، ونكهة الفحم على شواء العيد ..

كنا معجبين بمجرات جنوننا ، وبعلاقتنا المتينة بما كان لا يجمعنا و ما كان ليفرق بيننا ، تنام هرتي ” نميرة ” و فرشاة الرسم بيدها … أنام على سفح ربوة أحلامها وأنا أحلم بالجبال التي سأصعدها كي أرى مدينة مستقبلها .. وكنت شاهدا على انفجار موهبتها وخروج أول لوحة من بين أنامل أنهار أحاسيسها ، هزت زنابق أنفاسي و أنفاسها و أوقدت فتيل الفرح في قناديل أرواحنا الحزينة ..

كانت لـ ” رقية ” أربعة عيون و حاسة ألوان قوية  وحدس مائة أوركيد ورقة حديقة  أقحوان وخفة سرب فراشات ، وذكاء قطيع غزلان و رؤية تطل على واجهة بحرية ، ولوحة نادرة لأشهر أميرات القرن الخامس عشر : ” صورة سيدة ” ،  التي وصلت إلينا تحت اسم ” ماري   الدموية ” للرسام الفرمنكي “روجيه فان درفيدن ” المتصدرة غلاف كتالوج متحف ” واشنطن ” وكنت أجد دائما وجه التشابه بيـن .. حيرة ” رقيـــة “  و حيرة إبنة ” الدوق بورغونيا ” .. ، وجمالها الفائق يعكس جمال ابنتي القسنطينيـة .. لذا أحببت ماقاله الشاعر ” جون سكيلتون  ” في غموضها :

                           (( إنها زهرة صيفية

                               ناعمة كالباشق

                                       أو كصقر البرج ))

        ” رقيـة ” زهرتنا الصيفية ..

 تنفست شذى التأثيرية في الفن التشكيلي .. معتمدة على التكوين البنائي للكتل اللونية المضيئة .. مستخدمة السكين في بعض مناطق اللوحة بدلا من الريشة للتركيز على مسطحات الضوء وإشعاعه ..

        ناعمة كالباشق ..

عثرت في فن الرأفة على العاطفة المشحونة بحس الإلتزام .. ، سحرتها بورتريهات المجانين التي رسمها الفنان الفرنسي ” تيودور جيريكو ” بواقعيتها فقامت بدراسات عميقة لتعبيرات وجوه الأشخاص .. وقدمت لي نسخة عن لوحة ” طوف الميدوزا” التي توجت بميدالية ذهبية بإعتبارها العمل الرائع والحقيقي والوحيد في بداية القرن التاسع عشر.. ومن عبقرية هذا العمل الفني بلورت فكرة مذكرة تخرجها حيث وفقت في شرح عمق المأساة الذي استعمل فيها ” جيريكو ” التكوين بميل في لوحته .. أي بالذهاب من أسفل ويسار اللوحة إلى أعلى و يمين اللوحة ..

           لقد ولدت وفي فمها فرشاة مرهفة مطعمة بروح الكريستال ، وفي حقول عروقها تركض خيول التأثيرية .. ، لهذا حين بدأت أجنحة الفراشة تكبر فتحت لها نوافذ جواسق الأحلام ووهبتها أشرعة السفر في ربيع الموهبة .. و لا يمكن للنسيان أن يتطاول على ذكرياتها بمتحـف ” النمسا ” يوم تسمرت قرب اللوحة الشخصية للفنان الهولندي “رامبرانت فان راين ” ولم تعرف كيف تتخلص من سحرها .. ولا مـن سحر لوحته الملعونة ” دورية الليل ” المتواجدة بمتحف ” ريكس ” في ” أمستردام ”  وكنت أجد صعوبة كبيرة في اقناعها بضرورة مغادرتنا أروقة متـحف ” المتروبوليتان ” بأمريكا بسبب تورطها في دخول بستان الجمر رفقة الفنــان ” ديجـا “  .. مع مرور الأيام ظننت أن فرشاة ” رقية ” لن تصير سوى نسخة عن فرشاة معلمها  ” رامبرانـدت ” أو مرآة لظل  ” ديجا ” ! .

          قوية كصقر البرج ..

بداخل لوحاتها ظلمة تختزن الضوء .. تدقق النظر في تفاصيل الإنسان وفي حيرته وهو يصارع جاذبية الوجع .. كانت تلتفت بأحاسيسها في كل الاتجاهات كي تثبت أن الكثير من الضوء قد يعمي عيون الحياة ، وأن بعض الظلام نعمة على الألوان المتطلعة إلى أبراج الصقور !! ..

وكم كانت جريئة يوم اختارت بكل قناعة بورتري للفنانة التشكيلية الجزائرية ” باية محي     الدين ”  واحدة من الأسماء المتميزة في الفن التشكيلي ليس في الجزائر والوطن العربي فحسب بل في العالم ، و شاركت به في منافسة كبرى وحققت النجاح الذي كنا ننتظره .. لأنها بكل بساطة اكتشفت مواطن الصدق والدفء والعفوية في دير وجه ابنة ” برج الكيفان ” التي تفننت في نقل سحر التفرد والعجائبية بالرغم من المسحة الساذجة التي تطبع أعمالها والتي كانت محل اهتمام النحات الفرنسي       ” جون بيريساك ” والفنان العالمي ” بابلو بيكاسو “ و ” جورج براك ” أحد أشهر مؤسسي المدرسة التكعيبية.. و أزاحت النقاب عن السر الذي مكن ” بايتنا ” من زعزعة أركان رواق ” ماغت ” الشهير في باريس عام 1947 ونيل إعجاب رائد الحركة السوريالية  الشاعر ” أندريه بروتون “..

         وكنت على يقين بأن ” باية ” التي ترعرعت داخل قصر أحلام ” رقية ” هي الوطن الذي ظل يغرد داخل حنجرة مزاميرها الذهبية مذكرا حدائق فؤادها برائحة عطر تراب الأجداد ،  لهذا لم أقلق بشأن قرارها..

         لم تخذل ” رقية ” ثقتي الكبيرة في رجاحة عقلها وصفاء مرآتها .. لكن ردة فعلك حيرتنا .. وكأنك الملكة الأخيرة التي سيجردها الانقلابيون من تاج نفوذها وصولجان إمبراطورتها  ..

مازالت خطواتك القصيرة بعيدة عن معابد الحقيقة .. لن نرث من جزر اليونان التي تزيد عن ثلاث آلاف جزيرة غير الدخان المتصاعد من مدخنة قطار العمر، و أثلام الحسرة المحفورة على تقاسيمنا البور .. ولن نصير حكاية إغريقية مهما بقينا أوفياء لطقوس حضارتهم ، ولبحور فلسفتهم ولبعض طباعهم وعاداتهم ..

          نعم أحب أن أهتف بحياة من سخرت له جميع معجزات الحياة تعلمت هذا في مدرسة                     ” سوفكليس ” و ارتويت من مطره الفياض في ساحات ابتكاراته الفريدة ، وتحصنت من مكر وخداع الغربة في حضرة صيحته المدوية في سماء مسرحيتــه ” أنتيجون ” : (( كم في الكون من     عجائب .. ولكن ليس هناك أعجب من الإنسان )) .. وأحببت أكثر ” أركليون ” بجوها المنعش وأسواقها والآثار التي تحيط بها ، و الشال اللازوردى يستر رقبة بحرها … و تلعثمت فصاحتي أمام  آثار “نيرون ” ومعاول الفضة التي إستعان بها في حفر قنـاة ” كورينث ” … وكم مرة وقفت أمام      ” بوابة الأسد “  لألتقي بشبح ” السايكلوب ” ذو العين الواحدة .. وبـ ” أوديسيوس ” الذي عصر له العنـب فشرب حتى سكر و استطاع أن يفقأها له .. ، و بـ “بوسسيدون ” الذي أعلن غضبه علينا فتهنا في بحار القوارع وضاعت منا أجلال النجاة .. 

لقينا في سفرنا أهوالا كثيرة .. وقد آن لنا أن نغلق بوابة المنفى لنستنشق أرائج زهور جذورنا وجذور مدينتنا التي أرسلت تستعجل عودتنا .. 

        من حقك أن تودعي سبت و أحد ” أثينا ” والطريق المؤدي إلى دير أمانيك القديمة ، وبستان    الليمون و جارتنا التركية وجارتها البلغارية ، و سيارتك الصغيرة وشبابيك أحلامنا الكبيرة ومقعدي الخشبي و دراجة ” رقية ” و أرجوحة هرتنا ” ليتانا ” ، و دفء ذكرياتنا بغرف بيتنا ، و رائحة عطرك بكل شبر بمدينة ” بيرايوس ” و “ باتراس ” و ” بارغا ” وشارع  ” أدريانو “  وحي ” موناستيراكي ” و المسجد العثماني الوحيد ، و ” سوق البراغيت ” ، وتمثال ” أجاممنون ” ، و ” إلكترا ” ،         و ” قبر الجندي المجهول ” ، و نهري ” الفيوس “  و ” الكرونوس ” و أشجار الزيتون والبلوط والصنوبر ، و الأعمدة المكسورة الملقاة وسط الحشائش ..

        كل تلك الأنتيكات الإغريقية المزيفة ستجعلنا نتذكر المطاعم المفتوحة للهواء الطلق .. وعازفي البيانو.. والهارمونيكا .. و البيونولا المزينة بالأزهار.. و بائعي الورد والقبعات التقليدية .. والسميط ..

       كل شيء سيكون كما وعدتني قبرات ” سيرتا ” .. لا داعي لكل هذا القلق .. ينتظرنا في الضفة الآمنة وطن جميل و فرح كبير و قطار عمر جديد !..

منتصف الشتاء .. وما أن اكتمل هـلال العـودة حتى فتحنا شرفات رؤانا على أنوار بدر            ” سيرتا ” المنير ..

أغلقنا باب قلعة ذكرياتنا بـ” أثينا ” و أخفينا المفتاح بقبو ذاكرة الغربة  ، وامتطينا صهوة غيمة تعرف الطريق إلى دارنا القديمة !..

مضت بنا عربة خيول المساء إلى نقطة تقاطع لهيب صبابتنا بندى عتاب عيونها العسلية ..

” سيرتا ” تحت لمبات الإضاءة أميرة تزين رقبتها بعقد لؤلؤ المطر المكنون ومن كمنجات أناملها ينبعث نور المنار الذي أرشد شراع غيمتنا إلى مرفأ الوصول ..

                   قبلنا أكف الدار، ففاح عبير حناء العودة في كل أرجاء “سيرتا “  ، وتطلعت أفئدتنا إلى أجمل صورة تجمع  ” بابا الشيخ ” بكل شيوخ المدينة فتذكرت وعدي لوصيتهم الملفوفة أمانة في أعنق الجبال التي تسند ظهر جذور جسور الجدود ..

لم تفارق نجوم روحي سماء تاريخ هذه المدينة العصية على مخالب الظلماء وأنياب الجور والإساءة ولم أقصر يوما في وصف شموخ أمجادها وساحات بطولاتها  ومفاخر أسلافها وسموق قلعة كبريائها باللغة التي يفهمها أول من حاول غرس أصفاد الذل و المهانة بمعصميها ..

صرت بحاجة إلى نافذة أكبر حتى أراها أقرب إلي من حبل الوريد .. يطل فضولي على أراضي   ماضيها .. و على مستقبل حاضرها .. و على حواضر فلسفتها .. وعلى شخصية عمرانها .. وعلى مذاهب و مناهج شيوخها .. وعلى أسس مدارسها .. وعلى لهجات أسواقها .. وعلى تراتيل صخرتها وصلوات جسورها.. وعلى عادات ماء وجهها .. و وشوشات شمس جبينها .. و تغاريد شحارير حقول شعرها .. وحفيف أجنحة لغة حكيها .. و على طعم الهناء في خبز نهارها.. و مذاق الألفة في قهوة   أحبتها.. وعبق النرجس في خمائل ميثاقها .. و وقار الزيزفون والنخيل في واحات صبرها.. وجلاء صافات طيبتها .. و نقاء مرايا قلبها ..

        وأحببتك أكثر بين أحضان هذا الإرث الأصيل .. كل شبر ببيتنا الكبير كان يدعونا لفتح صفحة بداية  جديدة وترصيع ناصيتها بيواقيت الوداد و الولاء و الوفاء ..

        حتى ” رقية ” فهمت عمق الرسالة فصارت تلون أجنحة فراشاتها بكل الألوان التي أطلقت سراح  أرواحنا التي كانت معلقة في برازخ المنفى … وراحت تبحث عن كل خيط قرابة يصلنا بالأهل والأحباب والأصدقاء والجيران أي بعهدنا ” لبابا الشيـخ ” .

أظهري حبك لمواويل أزاميلها ، ولمدائح جلنارها و أثامد حسنواتها وصوفية مطرها لا تنعزلي عن شروقها ، ولا تغربي في صمت أحزان وديانها ، ابتسمي لسوابح فجرها ، و لمرادفات الأمل في كتاب فطرتها تبحر بسفينتك إلى موطن التجلي و البزوغ ، كي تثبتين براعة الياسمينة التي اختارت قلب القسنطيني جنة لزهور قلبها ولشموع أحلامها ولفوانيس أمنياتها القادرة على نقش نجوم اسمها برصانة الفضة و أصالة النحاس ..

       جاءتني” سيرتا ” على حصان أبيض متزملة في ملاية من لوعة و اشتياق ، فتحت لها زنابق الحنين أبواب قلعة قلبي ، دخلت من بوابة الوله ، و على شرفات كتفيها تترنح عصافير الضوء ، ومن حدائق وسامتها تنبعث رائحة المطر المخضبة بشذا الورد الجوري ، جلسنا تحت شجرة القمر الوارفة الظلال نعد نجوم التومق على مرأى يعاسيب غدير العسل و الشهد ، و من كنانير خيمة المساء تشع ألحان نورانية ..

وجاءتني عنادل قلبك مخبئة في حناجرها مزامير سلطنات  الهوى و الهيمان .. ولمحت نسرين غيرتك في التفاتاتك نحو بستان كلامي ، وتطلع نحل فضولك لحركات بناني ، و لضحكات بيرال  مبسمي .. 

لاشيء أجمل من امتلاك قلب و روح المدينة التي نحب .. تتحول مربعات الوقت الضيقة إلى رياض سندسية تطل على ” سيرتا ” المتصدرة إيوان الغضارة والنعماء .. و” الحاج أحمد باي ” جزء لا يتجزأ من ماضي ” سيرتا ” الوفية لذاكرة رجالها .. لهذا قررت نفض غبار النسيان عن شريط حياة هذا الباي القسنطيني ذو الأصل ” الكرغلي ” و أعلنت مسابقة أحسن بورتري يجسد شموخ هذا القائد الذي كسر شوكة فرنسا في معركة قسنطينة الأولى  ..

            ائتلق محيا الكراث و الرفيف و النرجس في مروج ” رقية “  ، و التقينا عند حافة نهر الريحان

غيمة من ألوان أخرجنا أصابعنا العشر من جيوب معطف الخيال ورحنا نتصور ملامح الفارس الذي كان قائدا للحرس على قبائل الحراكتة القوية سنة 1809 .. يشهد له بالحزم  والذكاء واللاتسامح في أي تجاوز يقع ببلاده ،  وكل المخطوطات القديمة اتفقت على وصفه بالمقاوم الرافض لخلاخل العبودية ،  المدافع على كبرياء وشموخ  قسنطينة ،  الهازم لغرور المرشال ” كلوزيل” .. المراوغ لرقطاء المرشال ” فالي ” والمنتصر على جحافل الكونت ” دامريمون ” .. والمقاتل لغطرسة الجنرال            ” نقريي ” والدوق  ” دومال ” ..

وقعت حواسي رهينة أحابيل لوحة “رقية ” المعطرة بشربين البهاء .. تحولت إلى نافذة شفافة تطل على قمرة سفينة أمنياتي .. تغلغلت في تفاصيلها الشيقة فاكتشفت “رقية ” أخرى لم ألتق بها من قبل تفاجئني في ممر السباق بإصرارها الغريب على تخطي حدود المستحيل و احتلال كل شبر بقارة الحدس و التمكن من كل طقوس النبوءة لفتح مملكة تقاسيم ” أحمد باي ” و دهاليز أسراره لمنح هذا الكرغلي   و أثير سيفه حق العودة إلى سدرة الضوء ، فحق لفرشاتها ألماس التفرد ولأناملها سفير التفوق .

         أخضعت موضوعها لمتعة الرسم .. فتفجرت في تقنياتها شلالات موهبتها الصافية .. تهجدت في محرابها تصلي على قطعة قماش فيرانية الأبعاد فتوقد وهجها في كل أرجاء اللون الحرجلي              و المرجاني و الزنجفري و البحري و الكحلي و الفستقي و الكبريتي  و الليلكي و السكري وبلمسات سريعة للفرشاة استخدمت إبهامها في أغلب الأحيان معتمدة على كل الروايات التي جمعتها عن فارس قسنطينة ، وامتزجت ألوان أفق اللوحة بألوان أفقنا فتوحد اللون التركوازي و السلموني  و الكرزي ، و الذهبي والخريزي والفضي مع سحر اللون الرملي و الكركدي و اللافندري ، فاندلع نشيد الأرض بدورة دمنا ..

تفننت “رقية ” في ترجمة تعابير رجل كانت مفاتيح باب قسنطينة بيده ، وهاهو اليوم مفتاح ديار ذاكرتها .. دخلناها حتى نعلن ميلاد الضوء في باحات فوانيسها و نقرأ طبقات تاريخها .. طبقة .. طبقة حتى نحافظ على شموخ الصخرة وعلى قسم الجسور ..

اجتمعت كل الصفات التي كملت نظرات رجل ذو مهابة ورصانة وجلال جمعت “رقية” تفاصيل ملامحه من مخزون ذاكرة قسنطينة فجاء كما يقتضي فن البورتريه .

لقد تشابكت الألوان الدافئة وتلاحمت خاصة في المنطقة المحيطة بالعينين والجبهة وزاوية  الأنف .. استخدمت هرتي ” نميرة “  الألوان التي تحمل شحنة تعبيرية متفجرة متأثرة بأسلوب ” فان جوخ ” و ” بول جوجان ” في التباين اللوني الحاد في معالجة المساحة مع التبسيط في رسـم لغـة تعابيـره .. وصهلت خيول الحياة النحاسية في شرايين اللوحة حين نثرت عليها لمعة الدهشة الكريستالية .

اكتملت فصول الرواية التاريخية ببيتنا فتصدر ” الحاج أحمد باي ” بطلعته الكرغلية عرش ملكوت الإعجاب .. تارة يتقاسم مع ابنتي حبات رمل الساعـة الحائطية ، و تارة أخرى تبلغه آخر أخبار البلاد بقسنطينية ركيكة .. عند الهزيع الأخير تسكت ” شهرزاد ” عن الكلام غير مباح .. تنام ” رقية ” وتبقى عيناي ” الحاج أحمد باي ” ساهرتان تترقبان بزوغ فجر أسطورة قديمة في سماء ملحمة الألوان ..

أيقظني رنين أساور الشمس ، و صريف بوابة بستان الهمس وعطر شدو النسيم و الأغراس  فأسعدني ما رأيت  ..” رقية ” تستر جذورها ببرنوس تراب الأجداد ، و تغلف قصائد شعرها الفحمي بمنديل حريري سياني اللون قالت عنه أمي أنه يعود إلى الأميرة ” شارلوت لويز جولييت “          -دو موناكو-  المولودة بمدينة قسنطينة عام 1898، والدة الأمير الشهير  ”راينيه الثالث ”  الذي تنحدر منه العائلة المالكة ، وقد صول إلى أمي عن طريق أحد ورثة عائلة ” الحاج سعيد ” المكلف بالعناية بأملاك هذه العائلة بحي  ” سان جون ” .. وما أن تمكنت فراشات أناملها من كتابة أسفل البورتري الاسم الكامل لأبن ” الحاجة الشريفة ” (( الحاج أحمد بن محمد الشريف بن أحمد القلي )) حتى أدركت أنها فرع أصيـل من صلب جبارة أصيلة ، وهذا ما زادني فخرا واعتزازا بهذه الثمرة الصالحة التي أنستني كروب ساعة العمر التي علاها صدأ المنافي .. وحين غمست تاج تاء بهارها في بحيرة المجد القرمزي .. شعرت بأن ” رقية ” قد قطعت صلتها بشبح ” افيجينيا ” و بأنين أكورديون جارنا المجري الذي ظل عالقا بصلصال ذاكرتها .. وبكل الخيوط التي كانت تشدها نحو سفينة العودة إلى ركح  ” أثينا ” ..

غمرني عباب الفرح  فظننت أنني قد انتقمت من كل جحافل الشتات التي كانت تكسر سيوفي في ساحات الوغى الضروس.. وأنني أخيرا قد نجحت في فقأ عين ” السايكلوب ” وحرق أظافر “ميديا ” الملعونة وألسنة معاجيج الفجائع وزمهرير الشناءة و هبوات النقم .

أسرت بهجة اللوحة كل العيون التي رأتها .. وأثلج صدري خبر اختيار ” رقية ” من بين ستين مشاركا كأفضل رسامة عرفت كيف تصافح عنقاء الماضي وتبشرها بفجر قريب .. وستسافر بجعتي البيضاء إلى ( دزاير) – الجزائر العاصمة –  للمشاركة بلوحتها في احتفالية ” الرسم يتصالح مع مرآة التاريخ  “ ! .

عرفت ” سيرتا ” كيف تمسح آثار جليد الوحشة على ريش السنونو المتعبد في محراب الرجاء  فاتسعت رقاع الضوء في حجرات صدري ، واختنق مارد الليل في كهف عقلي ، وتحرر قلبي من غصص مقابر الدهر، وكسرت ذاكرتي جدران أقبية الذكريات السوداء ، وحلقت بلابل روحي في فضاء القنوع تصدح مع أسراب الغبطة والاستبشار .. وعرفت ” رقية ” كيف تمسك بيد شط النجاة ، و ستتجلل بغلالة القداس ، وستشرق شمسا قسنطينية في سماء ” جزيرة النوارس ” ولن أشعر بالخوف عليها بعد اليوم ، فلا خوف على التي عادت إلى موطن جذورها من بوابة السناء ! .

            على باب المطار … قرأت على صحيفة ملامحها موال طفلة شامخة الجمال ، واثقة  الخطوات ، ومن نبرات نهر صوتها يتغنى الحبق والفل و القرنفل بعذوبة أمواه حياؤها .. قبلت حجلان يدي وحلقت بفرشاتها على متن هودج غيمة من ياسمين ! .

          تسلقت عقارب الساعة هضبة الوقت المؤدية إلى تمام منتصف النهار ، أيقظتني النافذة المشرعة من غفوتي وذكرتني ستائرها المتموجة بموعد عودة السمان الجائع إلى عشه ، وما إن هممت بغلق رتاجها الخشبي، حتى سمعت ناي صوتها وهو ينادي علي ، عجيب أمر هذه الأبوة المشتعلة بأوصالي ، الملهبة لأوتار ربابة الاشتياق و الحنين بمهجتي  ، وكأن المسافة التي تفصل ” البهجة  ” عن ” قسنطينـة ” بحجم المسافة التي تفصل الأرض عن باقي كواكب المجرة الحلزونية .. 

” سيرتا ” في هذا الوقت من السنة ، أميرة أندلسية تدندن أجمل معزوفة باحت بها خلجان روح      ” ابن زيدون ” لـ ” ولادة بنت المستكفي ” أيقونة الفصاحة و الذلاقة و الوجاهة والبهاء     الخالدة ، و كم أحب وصفه لسيف الشعر وهو يقطع رقاب مسافات الهجر! .

لا أذكر أنني اتصلت بكل أصدقائي .. قلت حتى تعود ” رقية ” وأدعوهم جميعا إلى مأدبة إخاء ومصافاة وسمر ، لم أفهم سر وقفتهم كسور أسود عابس الطلعة أمام مدخل الشارع المؤدي إلى دارنا المعروفة ” بمضيافة الشيوخ “ !! ..

استحسنت لجج بحري فكرة  أن ألتقي بسفائن الأحبة قبل عودة ” رقية ” ، وحتى بعد عودتها من رحلة البحث عن رؤية جديدة لمرآتها الصغيرة ! .. لكن ما بالها وجوههم مكفهرة وعيون الجميع غائرة في محاجرها ، وكأن لعنة سنة عامة قد التهمت غلال أراضيهم ومواشي مراعيهم ودكت حجارة ديارهم وشربت كل ما بجوف آبارهم !!.. 

       دحرجت خطواتي حتى أصل إلى أرض ملمتهم لأحمل عن كاهلهم أعباء العسر و الضراء .. هم أهلي الذين عتقوني من عبودية ” أثينا ” .. و الفرقد  الذين أنار طريق عودة مركبة  قمري إلى قبة الشيوخ ..

         فجـأة حلت علينا لعنة النافخة و غضب الراعفة ، و تهاطلت علي سهام جيوش الدروج           و النؤوج ،  فرأيت موكب الموت المباده يتقدم نحوي ، وسمعت انكسار مرايا جسدي على صخرة الفجيعة ، وخروج روحي من بوتقة الروح ، ودخولها في ظلمات معبر المجهول متحررة من ديكتاتورية ظنوني وأباطرة جنوني ، عارية من أوراق أشجار الجنسيات التي تقمصتني وأنا أنبش في مقابر التاريخ بحثا عن البوابات المؤدية إلى مدينة الإنسان المفقود ، وحين حاولت أن أصف وضعية جثتي المستلقية فوق هشيم الملمة نزلت علي صفعة الصرع فأسكتت كل حواسي حتى حاسة النواح  ..

        لعلي لم أمت الموتة التي اختارها لي الموت ، وبقي في ما يثير شهية عشيرة النوائب ، لهذا راحت تجرب عمق أنهار الصلابة و الجلادة والسلوان بقلبي المذبوح ، غير أن أصدقائي لم يفقدوا الأمل في إخراجي من نفق فكرة الموت وسكون الكفن ، و قراءة آية الحياة على صمت جثتي ، حاولت أن أمنعهم ليستريح بالي في هدنة الموت فأنهي ما تبقى من حكاية جسدي حتى لا أعيش عالة كمركب بلا شراع ، منعتني لغة الأيادي و الأصابع و السواعد و حتى لغة الأرجل واختلط ضجيجهم بهزيزهم  واختلطت دموعهم بصياحهم و صراخهم  .. ولم يستسلموا أمام طوفان محنتي ، ظلوا يحاولون الإمساك برأسي الذي اقتلعه غراب الرزيئة و علقه قلادة حول عنقه و طار محلقا نحو مدافن      ” ميديا ” ومن منقاره القبيح  يتدلى منديل ” سيرتا ” المبلل بغيث الغمة تاركا جذع نخلتي مرميا في دعج الخراب …

أغلق الهواء شبابيكه الواسعة فاختنقت معاني الحياة في طسم المأساة ، و خرج الربيع من حدائق صدري وهو يجر خلفه أمتعته الجميلــة ، و صـرت علــى بعد خطوات من خريف محدودب الظهر  مجعد الجنان بارد النظرات يتطلع إلي كما يتطلع الثعلب الجائع إلى فريسته الواهنة ..

حاولت أن أتقرب أكثر من لبؤة الخوف لأعرض عليها كل الأسباب التي جعلتني أبدو أمامها كجندب يفن لم يعد يقوى على إثارة حاسة القفز ، وحاولت أنفاسي المتقطعة الإمساك بخيول أصابعي الهاربة ، وبشعاع أمل توارى خلف أسوار مفاوز السراب ، وحاولت أعمدة حصن ظهري المتصدعة مؤازرة قدماي المرتجفتان حين لوحت لي أشباح طروادة بسناجق بليتها ..

        تهت كما يتيه الطفل الصغير في غابة الغيلان ، وضاعت مني مفاتيح خزائن لساني  وأزاميل بدائل الكلام ، ورؤيتي الهلامية عني داخل محارق الهذيان و تصوري الكبير عن الإنسان في لحظات نزول القرار النافذ من محكمة السماء ،  فهل أنا من ستتكلم عنه الضمائر بعد ساعات بصفتي رجلا لم يعرف كيف يحافظ على ضياء مملكة حضوره فصار يليق به مقام الغياب ، أم أنه هو من صار يقف في بهو رمادي ، سيقدمون له التعازي ، و سيستمعون إلى قصص بئره الموحشة بالساعات ، و سيتعاملون مع غموضه في النهار واختفائه في الليل ، ومع تشوش أمواج أفكاره و تجمد بحيرة صوته  وتجبر رمح  صمته … ، و سيضرم النار في بيادر ذكرياتي ، و سيرسم التفاصيل المتبقية في كتاب حياتي ، وسيطفئ ترنيمة النور بحقول ملامحي ، و سيقنع الجميع بأن تمائم مطرتي وتعاويذ سنابلي وعبق اللوتس          و التوليب بعروق مزامري لم تعد تصلح لشيء .. ، و سيتخلص من أسئلتي الكثيرة وأجوبتي الطويلة ، و سيرمي بكومة عظامي في جوف النهر الحزين ، و سيبيع مدينة كتبي ومقاطعة مخطوطاتي ومفاتيح خرائطي إلى لهيب السعار و لهفة الدخان ،  و سيلحد تاريخ فتوحاتي في مدافن الشتات ، و سيقوى على وصف نافذة خيالي المكسورة ، و نحيب فينيق الأبدية على قبري المنسي ، والشق الصغير في جدار الغفلة ، وثمرة يقيني في بستان المستحيل و الحروب التي أغريتها فتسببت في موت كل أبطالها ،         و ظلي المتجول في أزقة اللاعودة ، و سيتجاهلني وسيتجاهل المشاهد التي تليق بهيبة فرشاتها ! ..

لا أمل بعد هذا اليوم في رجل اقتحم اللصوص مخدع هويته ، وسرق الموت من إكليل اسمه فصوص أحرف الفيروزج التي كانت تجود عليه بأهاليل سماوية وخضراء ، وخسر كل أسطوله في معارك الغدر وكمائن الخداع ، وهاجمت أراضيه أسراب جراد الطاعون ، و لا أحد بعد هذا اليوم سيمد يده لجثة رخوة متعفنة قرعتها قارعة الدهر ..

علي أن أقبل بدور ” بطل اللاجدوى ” ، كما فعل ” سيزيف ” ، أتحمل عضات أنياب  مقاساة أبدية في رقعة أرض تخلت عنها سدرة الرأفة و الرحمة فسقطت من عيون السماء ، أراقب الصخرة وهي تتدحرج نحو الأسفل ليتوجب علي رفعها نحو قمم العذاب مرة أخرى ، وأعاود النزول  إلى   السهل ..

هذا هو الثمن الذي علي أن أدفعه مقابل تصديقي لرسائل حمائم ” سيرتا “ !! ..

وهذا هو هدفهم الذي كان يتربص بي منذ عودتي من منافي ” أثينا “  !! ..

ثقيلة صخرة الخيبة .. وثقيل ميزان الجنون .. صدورهم رحبة .. لكن أنا من لا يريد أن يجرب لدغة جحر الوهم ..

رحت أدحرج كرة أوجاعي بلا انقطاع .. كي لا أسمع غرغرة حلمها البنفسجي .. وكي لا أبدو في نظرها نسخة كاربونية عن ” سيزيف ” المنبوذ ..

 علي أن أتصرف كما يتصرف المجانين .. أمزق بمشرط الأنين مشاهد وجهي .. وألطم بحجارة النشيج  جدران حجرات دموعي .. وأركل بظل السدفة جلابيب ظلي .. و أنحني أمام حذاء التراب لألعق لعاب ذئاب الوحشة الشرسة .. 

        قررت أن أبقى في زنزانة الجنون مع أتعس رجل مجنون أهدهد داخل مهد جرحي المثقوب أوصاب سهم الأذية المسموم ! ..

         مهما قالـوا .. ومهما فعلـوا .. ومهما حاولوا .. 

                مياسين ابتعدت أكثر مما كنت أتصور ..

          سوف أحاول أن أقنعهم أن لا أحد سيقوى على إقناعي بالعودة إلى أبراج عقلي ..   

          أنا رجل تسري بعروقه دماء الهتر ..

وأنا من تخلت عن مراكبه ملائكة الستر ورمت بي في أحضان أبالسة السخم ..

        و أنا الجثة الزرقاء التي ستطفو فوق نهر الكريهة لتطفوا معها تباشير الربيع التي صدقتها ، وخطب الزنابق التي استمعت إليها ، و شبابيك المدينة التي كانت تنتظر عودة ريحي مع فصل الكآبة    و مع جنيات المغيب و فزاعات طيور حقول الذكريات ..

 وأنا الخريطة الممزقة النياط التي تنكرت لها خرائط المدن التي زرتها بحثا عن سيوف التاريخ  و حرابه ودروعه ، و أتراس أبطاله وقرطاس الوصايا السبع وعربة الزمن الأخضر ومفتاح مملكة الخلود ! ..

         ألا يرون بأن حجج جنوني على صواب .. و أنني في نعمة جادت بها ضروع السماء .. وليس من حق أي عقل أن يحرمني من مذاقها المطعم بإكسير النسيان! ..

         لا شأن لأحد بمصير رأسي الذي تحول إلى قلادة بعنق الغراب الذي ط…..ــ ..ـ.. ـار ..

قد يخرج من بين هذا الجمع الغفير صديق وفي لعهد حبل صداقتنا العريق يدمر في رمشة عين بوان مملكة العقل ليلتحق بدائرتي الملعونة فنحترق معا بلهيب رقصة الفرار إلى جنة الجنون؟..

       لا تحزن أيها الرجل المقيد بالأصفاد المسننة .. ولا تنتظر خروج أغصان الماء من صبارة الصحراء اللاحمة  .. يا من حملت جمال طيبته حدبات قسوة الظهر ، لا تحمل طيبتهم كل ذنوب طعنة نجلاء الغدر .. لأن لا أحد بعد اليوم سيعرف كيف سيرضي أنين ناي صدرك المذبوح ، وآهات مندولين جرحك المفتوح  ،  و اعلم أن لا شيء سيشفي نيران غليلك حتى وان خسفت الأرض وخرجت من أرحام النقم ثيران الغيظ  لتنتقم لرحيق ورود دمها المهدور ..

الربيع بائس من غير تفاصيل أشيائها الجميلة ..

وشفاه الألوان لم تتوقف عن الدعاء للونها المفضل .. 

                وسيرتا جلست القرفصاء أمام جدع شجرتك المنزوعة الرأس ..

         من حقك أيها الرجل الواقف على أظافر الجمر أن تسأل عن مصير وصية رأسك المنهوب ، وتبحث على أي أثر قد يقودك إليها .. لعل قناص فرحتي قد نسيها على رفوف حوائط بناية الصرصر أو تحت عجلات عربة الشقاء أو فوق سطوح الهباء أوفي جيوب سترة خيمة الصباح أو داخل “مقهى لحباب” أو بين شقوق مقاعد الانتظار أو في أعماق أنهار دموع الأصدقـاء أو خلف أبواب بيوت الأهـل والخلان و الجيران ..

          صاحت أغربة الشؤم : من حق الرجل المجنـون أن يبحـث عن وصية رأسه حتى في صناديق القمامات ! ..

          وليس من حق أحد أن يحاسبني أو يعاتبني إن استعنت بطقوس المنجمين والعرافين ! ..

                أمرهم غريب ..  لماذا تبهرهم رقصة شجرة جسدي المجوفة ؟.. هل لأنها الرقصة البليغة التي تجسد حرقة بطل سراديب قلاع التاريخ الذي سرقوا منه مفاتيح مملكة الحياة و رموا بجثته المحنطة لأفواه أفاعي الفيافي الجائعة ! ..

        لن يعود رشدي إلى بوصلة عقلي .. ولن أقبل بدولة رأسي مرة أخرى فوق بناية جسدي ! ..

        فشلت مواساتهم في اقتحام أراضي الجرح .. وفشلت بلاسمهم في إسكات عفاريت عنادي ..

        وأرهقني صدى أدعيتهم الشبيه بفحفحة الحشرجة في حلق قتيل ! ..

          مستحيل أن يداوي الطبيب رجلا جسده بـ “سيرتا ” و رأسه بـ “ميديا ! ..

         ولما يبحثون في كتب المحن عن محنة جبارة تهدأ من روع محنتي ؟ .. و هل من الحكمة أن أركع أمامهم لتحن قلوبهم فتخلصني سواعدهم من قضبان هذا اليوم المنحوس ، فتمنحني محبتهم فرصة بداية جديدة أغير بها مجرى نهر قدري ! .. أو تذكرة سفر أهج بها إلى أرض بعيدة لا تحرق صنوبرة فرحي ، ولا تطعمني رغيف رمادي و لا تشربني من كأس الدموع ولا تغصبني على النظر في مرايا غيري لرؤية عاهتي المستديمة ..

        أنا رجل عرف كيف يروض فهود الخيال .. وكيف يترك في غابة الضياع خيط حصى يدله على طريق العودة إلى بيته حين تشتد آجة الظلام .. وقد حان لخيالي أن ينتشلني من براثن الهاوية .. وحان لخيط الحصى أن يعيدني إلى بيتي بـ ” أثينا “ !! ..

صرت لا أريد أن أعرف لماذا تحولت إلى رجل مختلف عن الذي كنته قبل أن تسقط أحلام قاربي في فخ البائقة .. ولم يعد لوجودي أي معنى حين انقطعت صلة المشورة بين تاج رأسي             و صولجان جسدي .. ولم أعد الجزء المهم في أوديسة الحياة .. و أنني مجرد حكاية من الماضي مبتورة الرأس قطعت كل الحدود والمسافات ليأخذ هيكلها العظمي شكل الصورة التي تسلطت عليها ألسنة الأسئلة ، و عيون كاميرات المصورين ، وحبر الجرائد الشاحبة الوجه ، التي لا تقوى على بسالة  اللون الأحمر لكنها تحـب أن تتفـرج على عورات المدفونين تحت جدران النوبات ! .

      لعل وجودي المقعر بحاجة إلى تمارين مكثفة حتى يتأقلم مع وضعي الجديد ، فتستجيب جيوش المقت لثورتي كي أنسف كل جسور الفخار التي كذبت على سنونوات آمالي وعلى ربيع فراشتي البنفسجية ..

      أو لعل الحياة لم تقتلع من حدائق أرواحهم ياسمين فلذات أكبادهم  .. لهذا راحوا يتعجبون من صراخي .. وبكائي .. وعويلي ..

 ألا تستحـق مني  ” رقية ” كـل هـذا الجنــون !..

     ركضت .. ربما سقطت .. و حين نهضت ربما دفعت أعز أصدقائي .. أو لعلي كسرت كل زجاج النوافذ التي خرجت لتشهد ملحمة انتقامي .. أظن أنني قلت مالا يجب أن يقال .. أو ربما لـم أقـل كـل ما كـان يجـب أن يقـال !..

     ركضت كحصان جريح يعلم في قرارة نفسه أنه شارف على الوغول في نفق النهاية المدلهم ..

    تعثرت خطواتي الضريرة بكرات أفكاري الداكنة .. تعبت .. سقطت .. واختنقت سروة الحياة ببستان روحي حين تمددت في عروقي طلقة اغتيالها ! .

     لم أكن أعلم أن مخالب النار المعقوفة تستطيع أن تحول جلد الورود الأملد المبطن بسحر الحرير الزهري إلى لوحة سريالية داكنة متجعدة التفاصيل!.. 

      ألهــذا الحد يغار زبانية الغليل في بلادي من ضحكة الربيع على مبسم الملائكة .. ومن طلة النرجس على ضفاف وديان غبطتها ..

      لم أحذر ” رقية ” من شحناء رقطاء البغضاء ولم أزرع أشواك الشك بحقول سفرها .. سلمتها آية الأمان فسارت في صحبة صافات الرحمان كطفلة صغيرة ترتل قبرات السلام على سجاجيد ألوانها الفاتحة تراتيل الصفاء ، و تسبح في جداول براءتها آلاف السوسنات بحمد هديل اليمام ..

      وظلت قبلتها على خد يدي دافئة تدندن في غيران جرحي المتجبر معزوفتنا الناعمة (( قطتي صغيرة .. اسمها نميرة .. شعرها جميل .. ذيلها طويل .. لعبــ..هـ..ـا يـ…سـ..ـلـ..ـي .. )) ..

      وسمعتهم طيور أنفاسي المذعورة وهم يصفون وجه الطريق المحروق المرمي تحت أقدام وحش الخديعة ، و أصابع الصباح الملتصقة بشرفات المدينة المشلولة .. 

      وسمعهم غزال قلبي المتعب وهم يؤكدون أنه لم يبق من فراشتي الجميلة إلا بعض التفاصيل الصغيرة الغائرة في حرقة الوجع .. 

قيل .. ما ان سقطت طوابق البناية الشاهقة على رأسها حتى انهار سقف القبة الزرقاء وجدران اليوم الثالث ، وتهدمت نبرات مبتغى الطريق الآخر وأنكسر عنفوان المرايا وتطايرت أشرعة النوافذ  وتعثرت الأبواب بأقدام السلالم ونزلت المصاعد وصعدت المكاتب والكراسي والرفوف و الأرائك       و ذابت أساور الفضة والحديد وأكفهر وجه المرمر واختلطت دموع البلوى  بدموع الإسمنت               و الرمل و الجير والماء والدماء فاهتزت الدنيا ليس لأن كل شيء قد تساوى بمرتبة التراب .. بل لأن العلم المبرقش بأزهار ذاكرة الجمر والنار ظل متمسكا بخاصرة عمود كهرباء لم يسقط ‍! .

فتحت “رقية ” أجنحتها المشعة لسحابة بيضاء راحت تسحبها نحو سفرها الأخير عبر ممر الأزل .. ولم تروعها نظرات طائر الموت الأسود .. فجأة توقفت عن السير واستعدت كجندية أقسمت يمين الولاء لعهد الكبرياء لتوديع شموع جسدها ، وماسة قلبها وميموزة  ذاكرتها ومن درع شجاعتها تتدلى نياشين حور العين ..

 لم تجزع من النبال المدببة التي اخترقت أسوار واحة نخلتها .. ولم تهلع حين رأت جذورها مرمية فوق بقايا ساقيها ، ولم تفزع ربابة أصابعها من تمزق ترانيم أوتارها .. بقيت ” رقية ” نصف مستيقظة .. تصلها ألحان خرير ماء رقراق يسري بالقرب من بحيرة دمها ، واستأنست برسالة الشمس لشرفات الضوء وبدبيب نمل الوقت وبحفيف أوراق أجندة الصباح وبصرير قلم الضباب وبحسيس نار الفضول و بهزيز ريح الوداع  وبمصمصة شفاه الهواء و برائحة دخان الأخبار وبأصوات المارة         و بضوضاء الشوارع والأرصفة ، وأبواق السيارات والحافلات و المحطات المجاورة .. لكن ما أن أطفأ الطائر الأسود كل أنوار الممر حتى ارتعشت جلاجل ربيعها ، وبكى تاج صباها الموشى باللؤلؤ ، وعين الهر والزركون والزمرد والكهرمان وظلت أمنية ” أحمد باي ” ممسكة بخيوط يديها .. وبجذوات اللوحة التي تحولت إلى حفنة من رماد .. 

حدث كل شيء بسرعة .. لم تصدق “رقية ” أن ذاكرة السماء تحتفظ بشريط حكايتها القصيرة ،    و بشراع زورق أحلامها الكبيرة ، وببعض التفاصيل الجميلـة عن خفايا الملاك وخصال الطفلة    الأميرة .. 

خرجت روح ” رقية ” من قصة جسدها الفاني مكفنة في غلالة النقاوة .. ومتجللة برداء الطهارة  ودخلت مستقرها الأخير بديار البرزخ ومن جبينها يشع وهج خريدة الشهيدات ..

لملمت حوريات المطر جمشت دماليج عمرها ونثرتها في أحضان وادي الرمال .. فسرت رعشة الخشوع في عروق جنيات الجسور المعلقة ..

في اليوم السابع .. مشيت في جنازة الفراشة كما كانت تتمنى .. بطلا شامخا كأبطال الضوء بأفنية لوحاتها ، سامقا كالحرف الأخير من أسمها ، ومكابرا كأمواج الكبرياء ببحار فرشها ..

ردموا التراب على خطبة الميدوزة وعلى تغاريد الزمزريق ، وأحكموا القفل على قصائد الغاردوشكا وعلى أزجال كروان الحياة ..

 دفنت ” سيرتا ” وجهها الباهت في صدري المحموم وأجهشت بالبكاء المر!..     

آه يا فراشتي القسنطينية ” مر الموكب ، فيا لفداحة الثمن ! ” .

يا أمها ماذا تبقى لنا غير آثار حذاء أحلامها على بلاط غرفتها ؟ ، وما الذي علينا فعله حتى     لا تدوس أقدام فيلة المتاهة على آخر نخلة متشبثة بتربة العمر ؟ ..

لم تعد ترياقات ” سيرتا ” تقوى على تخدير زئير الأسد الجريح .. ولم تعد ألواح جثتي تتحمل النوم على مسامير كوابيس الليل ..

لملمت سنابـل الكتابـة المبللة بدموع حبري وأحرقت رمانة الحنين التي لم تفي بوعدها لقاطرة عودتي من هاجرة الغربة ..

أوصدت كل الأبواب التي فتحتها ” سيرتا ” لجحافل مستعمرة أوجاعي .. 

وصكت قسوتي بوابة قلبي في وجه قلب ” سيرتا ” …

تسرعت فجرحتها .. وتسرعت حين نسيت الجرح الذي سببته لها .. 

ليتها تعرف كم أحببت شرشف التراب الذي تغطت به مياسين روحي .. والشجيرة الصغيرة التي جلست بالقرب منها لتخفف عنها وحشة القبر ..

 طأطأت ” سيرتا ” رأسها حين سمعت رنين أجراس الوداع .. ولم تفلح حاسة الأبوة في تحديد موضع قلب التراب حتى أتمكن من حضن تخت فراشتي البهية  ..

        وداعا يا دير الضوء  .. ودعاااااا ياحلم الربيع القرمزي .. وداعااااا يابستان الغاردينيا و الكرز ..

     وداعا يااااااااااااا  ” رقـ….ـيـ….ـ…ـة ” ..

شرعت ” أثينـا ” بوابة قلعة المنفى لفينكس مذبوحا  بخنجر النائبة ..

طوقني مسرح ” ديونيسيوس ” بذراعيه فشممت في حضنه عبق ” أيرس سيلادون “        Iris Céladon- – عطر” رقية ” المفضل .. واحتار الجريح المنكسر الخاطر كيف يفك أغلال سحر زهرة السوسن المهيبة مع القلب الرتنجي وسلاسل أريج المسك وأصفاد نوتة البانشولي العميقة وقيود شذى الألديهايد الصابونية المغلقة بالهيل والبغموت ..

 لم أتحمل لهيب نيران لهفتي الكبيرة لرؤية آثار مهرة الأميرة على رمل الذكريات ..

كنسمة رشيقة كانت تتسلل شقوق الحجارة القديمة .. فتنساق أحصنة الوقت خلف رحيق صوتها العذب وهي تردد سمفونية ” يانيس ريتسوس ” الربيعية .. (( نمد أيادينا للشمس .. نمد أيادينا   ونغني .. الصوت يصفر .. نعم إنه يصفر في أوردة العشب  و الصخر .. نثمن أننا حيينا من أجل   اللقاء )) . 

        وكنت أراقب يعاسيب الندى وهي تحاول إغراء كرز شفتيها كلما نزلت الشمس لتصلي في حقول جديلتها .. وكان يسبقني إلى سواقي حضنها قمر الدهشة وهو يرتدي بذلته الفضية .. و كانت مثل زهرة برية شديدة الإحساس / بيا / .. تسرق من الفرقد عمامته المخروطية .. ومن الرمان حلاوته القرمزية .. ومن الجلنار حمرته الأرجوانية ، ومن الصوان شرارته الخرافية .. ومن ” ريتسوس ” بحته السحرية .. كي تحرر خيول أنفاسي من أصفاد مستطيل الانتظار المر !!..

تذكرني شكيمة المدرجات العملاقة بشكيمة رجل كنت أشبهه تمام الشبه .. كان يقطن قلب أجمل مدينة شيدتها سواعد قسنطينة .. وكانت صريمته تشعرني بالقوة  كلما عبثت ” أثينا ” بأوراق تينة   أيامي .. كانت يده الخضراء تزرع مشاتل أشرعة اليقين في تربة مراكبي ، وطاحونة صبره تسكت مساغب أبطن الأدهر ، و سدود رويته تروي ظمأ أقياظ الغربة ..

جلست في مقدمة الصف.. جلـس بالقـرب مني عراف القرن الرابع قبل الميلاد .. تناول خريطة كفي تغلغل في تضاريسها الغامضة ، وحين صعد قمة جبل جرحي فجر ملحمة قلبه بقرون عظيمة لوعل نوبي !..

بمرجة أعماقي يبست أفنان صفصافة المعاني التي كانت تحارب مع سيفي المكسور فكرة الفناء الحالكة ، وذبلت العشبة السحرية التي كانت تخدر عصب ذاكرة الكمود ..

راح طيفها الغامق يسحبني من سلاسل لوعتي نحو زنزانة الوحدة ، فتجبر ليل جثتي المتورطة في لمة اليأس و الكلس والوهن والهوان .. وتسرب من حفر ساقي المهيض رمل الكلالة ودود اللغب  ونمل السقم ..

 في الهزيع الأخير كانت تمسكني صغيرتي من عنق كمنجة أيامي المبتورة الأصابع لتأخذني إلى فسحة لوحاتها الأسطورية .. تارة تتحول إلى فراشة سيلادونية تنثر مع نسائم ” سوفكليس ” لآلىء البحار السبع في سماء مسرحية ” أوديب في كولونا “.. و تارة أخرى توقظ النار في المشاعل التي تكون دائرة حول الجوقة وهي تهتف معهـم : (( الطيـور الجريحـة تختبئ كـي تمـوت !!)).

فجأة توقف موكب فصل الزنابق ليشرب من بحيرة دموعي المالحة فشممت رائحة الخريف المنبعثة من هارمونيكا أنفاسي ..

أسندت ظهر زيتونتي المتعبة إلى ظهر المقعد الذي كانت تفضله عن باقي المقاعد وتوغلت في أسرار دورات أرحاء الحياة أنتظر خروجها من قمقم الخيال ..

طال انتظاري ولم أتلق أي رد من ” رقية “ !! ..

مرت من أمامي أحصنة الشتاء السوداء تجر عربة بيضاء فوقفت لأسلم على قساوة الثلج ثم عدت إلى مكاني عسى قلبها يحن فتخرج من بوتقة الخيال .. أو ترد على رسائل هذياني ..

خسرت أشياء كثيرة حين رحنا نشرب أنا وليل الصيف من نفس الكأس .. وكلانا كنا لا نريد أن ننسى .. كلانا كنا نركض خلف قطار التراجيديا  لنظفر بدور البطولة المطلقة !! ..

وما أن رأيت تقاسيم جرحي في مرآة الدخان حتى توقفت عن الجلوس مع وحش الليل ..

مضى شهران بعمر ألفين عام ..

بدأ ريش أجنحة الشجرة يتساقط ..

بدأ جذع الذاكرة يتآكــل ..

لم أعد أذكر الطريق إلى المسرح الإغريقي ..

سألني الطبيب إن كنت أشعر بألم لأنني نسيت اسم فراشتي الصغيرة !..

بكيت لأن الطبيب كتب لي على مسكن لأنسى أنني نسيت اسمها !..

في اليوم الأخير من الأسبوع الثالث من ذلك الشهر الغامض .. كانت السنة عبارة عن نعش ثقيل تسلط على كتفاي ..

تصورت أن روحي أقرب إلي من حبل الوريد و لن تسبق جسدي الخائن إلى الحفرة المظلمة .. وأنه من السهل جدا التحدث مع الموت فوق ربوة الحياة .. وقراءة كتاب الحكمة على مدينة الأموات .. وكم هو صعب أن نصدق بعد فوات الأوان أننا نموت على يد من نحبهم !!..

خيرني النسيان بين الموت على يد آخر هدية اقتنيتها لـ ” رقية ” أو على يد براثن مبضع العلبة النحاسية .. !!

تركت ليدي اليمنى الخائفة حرية الاختيار ..

حاولت أن أخفي الخبر على ثيران قلبي المكابرة .. !!

مالت زيتونتي على رقبة الليل بعدها توسدت ركبتي الظلام الدامس ..

أطفأ مركبي المنهك شمعته الأخيرة ..

الممر ضيق .. والأبدية خرافة بسبعة أرواح !!..

أغلقت ” أثينا ” نافذة فمي المفتوحة بشال الباشمينا الأبيض الناعم !! ..        

لم يصدق الطبيب أنني أنا من فتحت بوابة الممر الضيق !!..

ولم تصدق طواحين الغربة أن ” وادي الرمال “  قد غرق في دموع ” سيرتا “ !! .

  /

  * قاصة من الجزائر  

اترك تعليقا