الصحراء /رحلة إلى الهقار/ إبراهيم مشارة *
بواسطة admin بتاريخ 28 سبتمبر, 2018 في 05:26 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 56.

من يذهب إلى الصحراء مرة يعاوده الحنين بالرجوع مرة أخرى فالأشياء المقفرة في السطح هي أشياء غنية في العمق.
إ.م
قال الخسين ونحن نستعد لمغادرة مدينة تمنراست بسيارته رباعية الدفع سنصل إلى الأسكرام بعد ست ساعات وسيكون لك ما تشاهده.
الحسين رجل من الطوارق يلفظ الحاء خاء مكتهل في الخمسين ملثم بلباس الطوارق الأزرق عادة فهذا اللون هو تعويذة ضد السحر كما أنه يبث السكينة في نفس صاحبه وفي نفس الناظر إليه ،هادئ ودود ككل رجال الطوارق بسيط تغشاه السكينة يحرص على أداء الصلاة في وقتها لا يعرف القلق سبيلا إليه سألته : كم لك من الأولاد ؟ 

- من هذه المرأة عشرة ،عندكم في الشمال هذا كثير الرزق على الله.
هو رفيقي في هذه الرحلة الصحراوية إلى إحدى أعلى قمم الهقار “الأسكرام” حيث قررت أن أبيت هناك وأشاهد غروب وشروق الشمس الذي قيل إنه شاعري جميل ولا مثيل له على وجه الأرض.
تزودنا بالطعام ،الماء ،الشاي والحطب وتلك ضروريات السفر في الصحراء.
حين تغادر المدينة يكون ذاك الجبل الصخري المسمى “البيك” هو آخر حارس للمدينة وآخر ما يودعك وأول ما يستقبلك إذا عدت من قمم الهقار، جبل صخري آخر عملاق يحف بالمدينة من الجهة الأخرى “أدريان” ويسمونه الرجل النائم فهو حقا يشبه رجلا نائما مفتوح الفم ، حين تكون في المدينة وتنظر باتجاه الشمال تبدو القمم الثلاث وهي أعلى قمم الهقار التاهات أتاكور ،إلامان والأسكرام كأنها ثلاثة رهبان يتأملون وهم حارسوا الصحراء والمدينة. ! 
ما إن أوغلنا في براري الهقار حتى انقطعت صلتنا بالحضارة فلا طريق معبد ولا هاتف ولا عمود نور أرض ممتدة وأودية جافة وصخور بركانية تتخذ أشكالا عجيبة قال الحسين انظر تلك الصخرة اسمها “أدودا” أي السبابة ألا ترى أنها تشبه الأصبع ؟ لكل صخرة منتصبة القامة شكل عجيب واسم وأسطورة فالطوارق شعب السحر والأساطير بامتياز حتى المقابر عجيبة الشكل وأعجب منه قبر ملكتهم تينهنان في “أبالسة” تلك التي وقفت على قبرها الفارغ متعجبا فقد اكتشفه الفرنسيون ونقلو جثتها بعيدا ثم أردف الحسين هناك إلى الأعلى في تلك القمة قبر سيدة تدعى “مدام جالوزي” هلكت هناك وتم دفنها في تلك القمة المعزولة مر على خاطري للتو قول امرئ القيس وقد أوشك على الهلاك: 
أجارتا إنا غريبان هاهنا: وكل غريب للغريب نسيب 
الجو في الهقار معتدل فلا حرارة كبيرة عكس مايتصوره الناس فمدينة تمنراست ترتفع عن سطح البحر بأكثرمن 1300مترا والطريق إلى الأسكرام غير معبد نمر بالصخور والأودية وبقايا الرماد البركاني فالبراكين كانت ناشطة منذ ملايين السنين ثم خمدت في الطريق إلى تلك القمة لا تنفع إلا سيارة الدفع الرباعي والماء والشاي والطعام والدليل إذا ضللت طريقك هلكت وأهم شيء العلامات . تقدم الصحراء أفضل درس للإنسان فالمظاهر خادعة والغنى في العمق وسلاح الإنسان في متاهة الحياة قوته الداخلية إيمانه، ثقته بالله وبنفسه، الصبر ، الإصرار عدم الاهتمام بالبهارج والرتوش وكما أن السائر في الصحراء لا بد له من علامات يهتدي بها فكذلك في الحياة علامات يهتدي بها الإنسان في مشوار العمر وإذا أضاعها كان نصيبه الضياع. 
في منتصف الطريق أشجار باسقة وادي عذب وبرك جميلة تسبح فيها الأسماك” أفيلال” توقفنا أعد الحسين الشاي تغدينا وعادة مايكون الغداء لحم جمل “حاشي” كما يسمى مشوي على النار ثم الشاي وللشاي طقوسه وألوانه ومذاقه وطرق تحضيره فهو لذيذ جدا ومنعش استرحنا، في تلك البرك العذبة رأيت شيخا فرنسيا ربما يعبث بالماء كأنه طفل صغير وهو في حالة نشوة.
أتعبنا الطريق الوعر بين الصخور والغبار و بدأنا في الصعود الأخير إلى القمة حين أشرفنا على الأسكرام رأينا سيارات أفواج السياح والكل فرح بالوصول حجزنا غرفة للمبيت وأسرعت أصعد إلى القمة عبر ممر ضيق مهترئ صاعد متعب حين وصلت إلى القمة وهي على ارتفاع 2780مترا كان منظر الصحراء فريدا الجبال تحني رؤوسها لنا والمدى الضارب إلى الحمرة لا نهائي السكون يخيم على الصحراء والشمس بدت كأنها اقتربت منا ومدت ذراعيها-أشعتها- وأخذتنا بالأحضان. ! 
وحين الغروب كانت القمة تضيق بالسياح من كل لون ومن كل جنس والكل منتش فرح سيشاهد غروبا لا مثيل له على وجه الأرض ،هكذا يقال ! 
السماء لازوردية اللون والشمس مسفرة تستعد للغروب تلعب معنا لعبة “الغميضة ” يختفي قرصها كله أو بعضه وراء قمم الجبال وأشعتها تتراقص بجنون بين الشقوق يبدو قرصها كبيرا تنزلق رويدا رويدا وتتجرد من أشعتها كأنها محارب إغريقي نزع سرباله وألقى سلاحه قد جميل وبشرة ناعمة ونظرة مغرية بدأ اللون اللازوردي يتنوع في اللون بين الأزرق الكحلي والفيروزي والفاتح والشمس كرة من التبر سبكها جواهرجي ماهر في مصهرالكون تنزلق بهدوء وتغيب تتعدد الألوان في الأفق بين لون الذهب، اللون الوردي واللون الأرجواني وعلى أعلى قمم الهقار “التاهات أتاكور” و”إلامان” وقمم الهقارالأخرى تختلط تلك الألوان السماوية بلون الصخر البني فيزداد المنظر غرائبية وإدهاشا حين غابت الشمس صفق الجميع لها وعبر الجميع بلغات شتى عن روعة المنظر قال أحدهم منذ أيام جاء سائح ياباني وحين كان يتأمل الغروب جثا على ركبتيه وبكى تعبيرا عن دهشته.منذ وصلت إلى الأسكرام وأنا أحس بصداع خفيف نبهني الطوارق إلى ذلك وذلك راجع لنقص الأكسجين.
القمم دائما تتعب توجع الدماغ الرجولة والشهامة والجوهر قمم مثل قمم الجبال من يصعد إليها يدفع من عرقه وصحته وفكره وروحه لكنه يأبى النزول يعاف المستنقعات والحضيض .
في العشاء وكان تقليديا جدا بدائيا جدا كان إلى جنبنا فوج من السياح الفرنسيين يأكل طعاما تقليديا مع الأدلاء من الطوارق وسط مرح وحبور .
الليل في الأسكرام أحد أروع ما في الطبيعة وقد شدني أكثر مما شدني الغروب الرياح تولول والسماء تكاثرك بنجومها فهي في غير هذا المكان تبدو مقبرة لا نهائية الأبعاد أما هنا فهي تموج حركة شهاب مخترق للفضاء نجم يبدو أنه يلمع أكثر مما يجب فلن ترى الطريق اللبني في مكان في العالم كما تراه في الأسكرام فبياضه أشد من اللبن وحتى أنني صدقت تلك المقولة التي تقول أن الأمريكيين فكروا في بناء مرصد فلكي هنا وفوق ذلك السكون والظلام الحالك أمامك والأشباح تلك الصخور التي تشاهدها نهارا أحجارا تراها أشباحا في الليل ، هنا هيأ شارل دو فوكو ديره الذي اتخذه للتأمل دخلت إلى الدير حيث عاش الرجل قارئا وعابدا متأملا متخلصا من أدران المدنية –لولا أن للرجل نزعة استعمارية تبشيريه- لكنه رجل حاذق متأمل عرف أين يظفر بالسكينة والرؤية الصافية .دير بسيط مضاء بالشموع مكان أبسط للصلوات ،رف فيه كتب منها معجم أعده هو فرنسي طرقي غير أن الرجل مات مقتولا لكن ديره استمر واليوم فيه رهبان أحدهم إسباني يتكلم العربية استضافنا في الدير بشاي وبسكويت وأحاديث مجاملة حين أدينا زيارة وداع للديرسأله أحدهم :ألا تفكر في العودة إلى بلدك؟ رد بصوت حازم :هذا بلدي أيضا فأنا هنا في أفضل مكان في الدنيا أتأمل جمال الخالق ،أعيش بالسكينة وأعبد الله.ونحن نترك الأسكرام بعد مشاهدة شروق الشمس الذي لم يكن في جمال الغروب ولكنه شاعري وجميل كذلك.
من نفس الطريق عدنا الصحراء مدى واسع لا نهائي الصخور تماثيل فنية صامدة أشجار السدر منثورة هنا وهناك وقطيع من الجمال يرعي يرفع رؤوسه يتأملنا ثم ينصرف عنا غير مبال . ليس من الغريب أن تشاهد حيوان الأروي أو غزالا نافرا شاردا يتسلق المرتفعات الصخرية ،وقد قال لي أحد الطوارق إذا صادفنا الغزالة أمامنا جرينا وراءها بالسيارة فتفر وتجري بسرعة ثم تتوقف تماما نمسك بها نعطيها تشرب ثم نذبحها.
الصيد غير المشروع اليوم والمضر بالطبيعة هو إقدام بعضهم على الصيد بالأسلحة وإبادة عدد لا يستهان به في رحلة واحدة من الغزلان والأروية وهو فوق الحاجة في الاستهلاك هذه جريمة من جرائم الإنسان.
انحرف الحسين في طريق العودة ناحية” أزرنن ” فهو يملك زوجة أخرى هناك لم نجدها مررنا بقطع صخرية لا نهائية العدد مكتوب عليها بالتيفناغ ورسوم بسيطة لحيوانات منثورة في كل مكان ومن السهل سرقة بعضها ، استرحنا شربنا الشاي وقفلنا راجعين إلى تمنراست حيث استقبلنا جبل “البيك” مرحبا كالعادة.
في الطريق مابرحت أذني موسيقى الطوارق إيقاع عذب يدفعك إلى الإحساس بالنشوة تغمض عينيك تحرك رأسك جيئة وذهابا أو ربما بدنك بشكل صغير تجاوبا مع روعة الإيقاع تلك الموسيقى المنبعثة من آلات تقليدية الصنع الكلمات شعرية بامتياز تتغنى بالصحراء بالهقار بالإنسان الملثم في صبره في كدحه بالمرأة، بالحب وقد قرأت مرة أن أحد المستشفيات النفسية والعصبية في ألمانيا يعالج مرضاه بهذه الموسيقى وللطوارق أسمارهم الليلية يختلطون رجالا ونساء فيتناغم الجمال جمال الصحراء وجمال الإنسان وجمال الإيقاع.
في الطريق إلى عين صالح طريق آخر وطويل عبر أرض “الحمادة” تستقبلك 
واحات عين صالح وهي أجمل ما في الصحراء هنا تبدو الصحراء كأنها بحر أصفر والكثبان موجه والنخيل الباسقة صواري خضراء وقد توقفت في مرفئها الماء الزلال والطيبة والبشر والأخذ بالأحضان وفناجين الشاي والدعة . 
الصحراء هي اليأس والواحات هي الأمل الصحراء هي الجحيم والواحات هي المطهر .
الصحراء هي الدرس البليغ الذي يتلقاه الإنسان من لدن الحياة من يذهب إلى الصحراء مرة يعاوده الحنين بالرجوع مرة أخرى فالأشياء المقفرة سطحيا هي أشياء غنية في العمق.
ترى لماذا كان الأنبياء أبناء الصحراء ؟ ولماذا يهيم بها الشعراء والكتاب والفنانون والفلاسفة؟ 
لعلها الفطرة أو لعلها التلقائية لعلها الحميمية أو لعلها النظرة العميقة بلا رتوش ولا مساحيق لعله التخلص من أمراض الحضارة وأدران التمدن يتكفن الذاهب الى الصحراء برمالها ويموت موت رمزيا لإنسان أتخمته الحضارة وسرطنته المدنية ونهش قلبه القلق والوحشة والإحساس بالغربة فصلب على عقارب الساعة بفائض قيمتها ويولد هناك كائنا طبيعيا فطريا ينام على الرمل ولا يرى في ذلك إخلالا بآداب النوم ويضع فمه في ضرع الناقة ولا يرى في ذلك نقيصة لحقت به ويعانق الآخر المختلف ولا يرى فيه دونية .
تبدو الصحراء جميلة في أعيننا تهيأ لنا ساعات خلوة مع النفس وتحرر من الحضارة ومن المنعكسات الشرطية التي صنعتها لنا حياة الرقمنة والحوسبة والصورالثلاثية الأبعاد وشبكات التواصل الاجتماعي تلك العوالم الافتراضية التي صنعت لنا دنيا من الوهم وعالما 
جديدا من الخرافات التقنية سيضاعف من أعبائنا وسيكون الثمن باهضا.
انتعل خفّك
وادعس رملا
لم تطأه قدم أيّ عبد..
أيقظ روحك..
تذوّق ينابيع
لم تحم حولها أيّة فراشه..
انصب خيمتك في الآفاق الممتدة..
حيث لم يترك فينيقيّ أثرا له..
حيث لم تحلم أية نعامة بإخفاء بيضها ..
إذا أردت أن تغدو حرّا
مثل صقر يحلّق في السماوات ..
الوجود معلّق بأجنحته و..العدم ..
الحياة و..الموت ..
………………………..
شاعر الطوارق محمدين خواد

 

 

/

 

 

 

* شاعر وقاص من الجزائر 

اترك تعليقا