ابن عربي الفيلسوف المستكشف / د زهير الخويلدي*
بواسطة admin بتاريخ 29 مارس, 2019 في 08:42 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 43.

“كل سفينة لا تجيئُها ريحُها منها فهي فقيرة”

 – ابن عربي

يتميز الفيلسوف ابن عربي المولود في مرسية بالأندلس سنة  ميلادي1164والمتوفي في دمشق عام 1240 ميلادي عن غيره من الحكماء بالتعمق في البحث والتبحر في العلوم وفي امتلاك اللغة الرمزية والنباهة الفكرية والحدس الاشراقي واستخدام للمسلكية المنطقية والتجربة العيانية والتأويل المجازي.

لقد مر المتصوف الأكبر بتونس وأقام فيها مرتين لمدة زمنية مهمة وترك الكثير من المؤلفات والمراسلات والأقوال من أبرزها الفتوحات المكية وفصوص الحكم وترجمان الأشواق وشجرة الكون وكتاب اليقين.

لقد زار مختلف المدن والعواصم العربية بداية بغرناطة وفاس وتونس والقاهرة وبغداد ومكة والطائف وحلب ودمشق والتقى بكبار المتصوفة والحكماء مثل السهروردي وجلال الدين الرومي وذكر المؤرخون لقاء مفترض جرى شبابه بينه والفيلسوف الكبير ابن رشد وحدوث مناقشة بينهما عن منهج الحقيقة ورؤية الكون ولكنه انتهي إلى العزوف عن طريق البرهان والتجربة واتبع مسلك الكشف والإلهام والإشراق.

لقد تأثر بفيثاغورس وأمبيدوكلس وأفلاطون وحكماء الفرس والبلاد الهند ولكنه واصل العمل الذي قام به حكماء الاشراق في الفلسفة الإسلامية والذي انطلق مع الفارابي وابن سينا وأسس التصوف الفلسفي مع الحلاج. إن الإسهامات التي قدمها ابن عربي للفلسفة الإسلامية كبيرة وحاسمة في فترة تراجع وجمود ويمكن أن نذكر منها بحثه الدؤوب عن التعدد والاختلاف والكثرة في المستوى المنهجي وعلى الصعيد الأحكام والمعايير. لقد فتح ابن عربي العديد من المغاليق وأنار المسالك المظلمة ومكن العقل الخاص بنا من اقتحام المجهول والإبحار في دنيا العشق والتكلم بلغة الأكوان ومخالطة الطبقات العالية من الحكمة الشرقية والددر العلمية.

علاوة على ذلك اهتم بملكة الخيال ومنحها قدرات هامة  في المجال المعرفي والأبعاد الأنطولوجية لم تكن معروفة عند فلاسفة الإغريق وأبعد عنها شبهات التحريف وارتكاب الأوهام وأكد على الابتكار والإبداع.

من جهة أخرى أعطى اللغة المكانة اللائقة بها في تعريف الإنسان وفي العمل التأويلي الذي قام به في علاقة بالوجود وضمن الاشتغال على النصوص واعتبر الكون نصا كبيرا وحروفه ترمز إلى الحقائق.

اللافت للنظر هو تأكيده على فضيلة المحبة بين الناس وأهمية التسامح بين المذاهب والأديان ودعوته نحو التحرر من الجزئي واستهداف المطلق والتركيز على النقاط المشتركة بين العقائد والكليات العملية الخلقية.

لقد ارتقت الحكمة في الثقافة الخاصة بنا مع ابن عربي إلى مراتب عليا وتغلبت على العراقيل التي كان يمثلها الفقهاء وتجرأت على البحث في مناطق محرمة وتحدث عن أمور متروكة وجوانب مطموسة وأماطت اللثام عن الكنوز المدفونة تحت ركام الموروث البالي وعبرت عنها بلغة جميلة وأسلوب رشيق.

من هذا المنطلق يستحق ابن عربي الكثير من التكريم والتبجيل والاحتفال ولا يقابل بالإهمال والنسيان والتجاهل وحكمته العظمى التي ترجمت إلى العديدة من لغات العالم وحفظها التاريخ خير مدافع عليه.

أليس هو القائل: “الزمان مكان سائل والمكان زمان متجمد”؟ وألم يصرح أيضا: “الطريق إلى الحقيقة تتعدد بتعدد السالكين؟ وهل سبقه في الريادة أحد حينما قال ” المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه”؟

/

* باحث زمفكر من تونس 

اترك تعليقا