غدا سيطلع النهار/ أبو طالب شبوب *
بواسطة admin بتاريخ 22 فبراير, 2020 في 03:01 مساء | مصنفة في جدل ثقافي | لا تعليقات عدد المشاهدات : 312.

” غدا سيطلع النهار ” هو كتاب للزعيم فرحات عباس، رئيس الحكومة المؤقتة ورئيس أول مجلس شعبي بعد الاستقلال.
والواقع أن تاريخ الرجل فيما قبل الثورة معروف للجميع، ويمكن وصفه على حد قول أخينا فارس بوحجيلة بأنه “رجل التحولات” من إنكار وجود الأمة الجزائرية والمطالب الإندماجية إلى المطالب الإصلاحية والثورية، ومن القطع بعدم فائدة “العنف” كحل مع فرنسا إلى الحديث باسم الثورة الجزائرية ثم رئاسة حكومتها ورئاسة أول مجلس شعبي بعد الاستقلال!
كل هذا في ذمة التاريخ، ويمكن الرجوع إليه لاحقا، لكن ما يهمنا هو كتابه الذي كنتُ قد نشرتُ مقاطع منه سابقا دون تسمية المؤلّف لاعتقادي أن كثيرين سيرفضون مجرد مناقشتها إذا استسلموا للحكم السابق على الكاتب.
لكن مطالعة مستقلة في صفحات الكتاب ستكشف لنا أن كثيرا مما كتبه الرجل مازال منطبقا على واقعنا الحالي، إذ أن القضية المركزية التي ظل يركّز عليها طوال الكتاب هي أن الشعب قد وقع في قبضة الديكتاتورية، وحرم من تقرير مصيره منذ لحظة الاستقلال، وعوض أن تنتهي مهمة جبهة التحرير مع الاستقلال باعتبارها قد أنجزت مهمتها التاريخية فقد وقعت هي الأخرى تحت القبضة الديكتاتورية لتصبح حزبا يُحكَم البلد من خلاله ويجسّد صورة رديئة عن البلد.
يلاحظ فرحات عباس أن معظم القرارات التي اتخذها بومدين وقبله بن بلة قد صادمت التطور الطبيعي للمجتمع الجزائري وأنها أدّت إلى عكس المراد منها، وأن الوضع إذا استمر على حاله فإنه لا يبشّر بالخير.. لكنه مع ذلك يصر على إبقاء مشعل الأمل موقدا.
يتحدث عباس أيضا عن الإسلام، فهو يعتقد أنه مركز الشخصية الجزائرية وأنه أداة فعّالة لتحييد أي خلافات عرقية أو عنصرية، وأنه كان مركز القوة والتمايز مع المستعمر، وأن المسّ به خلال الاستعمار وبعده لم يؤد لتطور المجتمع بل أفقده مناعته الذاتية.
يمرّ الرجل أيضا بماضيه على عجل، والذي نفهمه منه أن نظرته للموضوع برمتها قد كانت براغماتية تماما، فهو في لحظة إنكار وجود الأمة الجزائرية قد كان يطمح لأن يوضع الجزائريون في مصاف الفرنسيين على نفس التصنيف القانوني وبالتالي سيكتسبون حقوقا جديدة ستمكّنهم من تحسين أوضاعهم والتقدم خطوة للأمام، ثم إن انخراطه في العمل البرلماني قد استهدف نفس الغاية أي تحسين ظروف مواطنيه انطلاقا من المؤسسة التشريعية، وحتى رفضه للثورة في بدايتها قد يكون مفهوما باعتبار أنه ربما قدّر بأن “الشباب” الذين أشعلوا الثورة لم يكونوا مستعدين جيدا لها وربما كانوا ليتسببوا في قمع جديد للشعب الجزائري الذي لم يَصْحُ بعد من آلام 8 ماي 1945.
ولاحقا حين اشتد ساعد الثورة كان الرجل ببراغمايته ينخرط فيها وفي ذهنه استعمال جانبها العسكري لدحر الاستعمار الفرنسي لكن مع استبقاء بعض الفرنسين في الجزائر طالما أعلنوا استعدادهم للدخول في هيكل الجزائر المستقلة للاستفادة منهم في الشأن الاقتصادي مستقبلا وأيضا لأن كثيرين منهم كانوا مستعدين فعلا للتجاوب مع الجزائر المستقلة.
إذا تخلينا عن كل حكم مسبق، فكل ما قام به فرحات عباس لم يكن سوى تجسيد للبراغماتية السياسية، أو قل إنه تجسيد لــ”السياسة الواقعية” التي تعتصم بفكرة عدم القعود والحركة ضمن أي هامش متاح في أي ظرف من الظروف.
هل كان فرحات عباس دون مبادئ عطفا على هذه الكلمة؟
لا. فالرجل يؤمن تماما بالحرية السياسية ويؤمن بمركزية الإسلام في الشخصية الجزائرية، ويؤمن عطفا على قناعته الذاتية بأن الجزائر المستقلة يمكنها ان تحتوي الجزائريين وحتى الفرنسين المقيمين في الجزائر طالما التزموا بقوانينها وانظمتها وانخرطوا في مسار تنميتها.. وقبل أن تغضب لهذا الكلام فيجدر التذكير أن اتفاقية إيفيان قد تحدّثت عن شيء مماثل!
لقد درس عباس في المدارس الفرنسية وتخرج منها وذلك سر اقترابه منها ولكن الرجل ظل أيضا شديد الاعتزاز بدينه وحضارته ولعله قد ظن ان الاستقلال بقوة السلاح يعني أن الجزائر وفرنسا قد تساوت كفتاهما وأن النصر الجزائري سيتيح للحاكم الجزائري فتح صفحة جديدة من التعاون مع فرنسا على قاعدة الندية!
هذا كتاب يمكن ان تختلف أو تتفق معه لكن الأكيد أن قراءته متعة كبيرة
شكرا لأخي طارق عبيب لتخليه عن نسخته الشخصية من الكتاب لي.

شكرا كثيرا 

 

/

 

 

* كاتب وصحفي من الجزائر 


شكرا كثير

اترك تعليقا