التظافر الأجناسي والانفتاح الدلالي قراءة في نص (جنون) للشاعرة ماجدة الظاهري / جاسم خلف إلياس *
بواسطة admin بتاريخ 8 يونيو, 2020 في 08:08 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 135.

بعيدا عن حدود المفاهيم لكل نوع أدبي، وصيغه التعبيرية، وتراكماته الكتابية، ومسألة نقاء النوع وهتك اشتراطاته الفنية، وتداخل الأنواع … وغيرها من الآليات التي أفرزتها النظريات النقدية، وقريبا من قراءة النص وكشف طرائق تشكيله، والمغامرة في مسارب تدليله، واعتمادا على الذائقة الوجدانية الخالصة، أقول:
افتتحت الشاعرة ماجدة الظاهري نصها المعنون بـ(جنون) بسرد حكائي، تغيّت فيه الذات الشاعرة الارتقاء من التعبير الذاتي إلى الأفق الموضوعي عبر الاقتراب من الواقع؛ بهدف فهم الفعل الإنساني في صراعاته الداخلية. إذ لجأت الشاعرة إلى وعيها بضرورة إثراء نصها بآليات من السرد، وانفتاحه على قدرات أكثر فاعلية عند التلقي. وربما أجد من الضرورة أن تبدأ هذه المقاربة من العتبة الأولى التي لا نريد تكرار واجترار ما نظّر لها النقاد وهي العنوان.
ويبدو لنا أن منطق السرد في هذا النص، قد بدأ من العنوان، العنوان المتكون من صيغتين افتراضيتين: الأولى: مبتدأ حذف خبره، من أجل جذب انتباه القارئ، وإثراء حالة التأمل، وتركيز حالة الترقب لمزيد من الإخبار فيما يتعلق بالذات المجنونة. والثانية: خبر حذف مبتدأه للغاية ذاتها. وهو في الصيغتين يمتلك تعريفا واحدا، يتعلق بالتغيّرات التي تطرأ على الإنسان فتشلّ قدراته العقلية، وتخرجه عن السيطرة على نفسه، وكل ما يتعلق بحياته المعيشة، فتتمظهر أفكاره الشاذة، وسلوكياته المتمردة، في عالمه الخاص به. ولسنا هنا في مقاربة للجنون المحض، لكي نتوسع في أسبابه، وعلاماته، وأنواعه، وإنما تنصبّ مقاربتنا في الجنون الذي تمظهر في هذا النص الشعري، عبر انتقاء الجمل، والدخول في بنية شعرية تتداخل معها بنية سردية من أجل فتح مجالات التعدد الرؤيوي في بناء متن الحكاية:
((تُخرِجُ رأسَها من نافِذَة المُستَشفى))
تستهل الشاعرة ماجدة الظاهري نصها بحدث محوري عبر هذه الجملة السردية، وما سيتفرع عنه من أحداث متخيلة، في لغة شعرية شفيفة مسترسلة وعفوية، وهي تنشّط خبرات القارئ وذاكرته البصرية، إذ تطالعنا شخصية المجنونة بوصفها شخصية محورية، يروي أفعالها سارد عليم، فضلا عما تقوله هي عن ذاتها تلك الشخصية المجنونة. إذ يسعى هذا النص إلى تقديم حكاية قصيرة جدا (شخصية، ومكان، وحبكة، وإقفال … وغيرها) ، عبر توظيف بنى سردية لاحقة متجاورة ومكملة لبنى سردية سابقة. وتجلى هذا منذ السطر الثاني من النص، ونحن نكتشف أن المجنونة قد فشلت في سعيها إلى إخراج رأسها:
((القضبانُ لا تُسْعِفُها))
بهذا الفعل الذي باء بالفشل، تقودنا الشاعرة عبر فعل قصدي وواع قامت به المجنونة، إلى فعل آخر، يتعالق دلاليا مع الفعل الأول، وإن دلّ على شيء فهو يدل على أن:
((لا شيْءَ هُنا يَدُلُّ على الشِفاء
كُلّ العالمِ عليل)).
من هنا تبدأ ملامح الشخصية بالتشكل عبر عوالم وفضاءات الحكي التي بدأت تتناسل مشاهدها، وتتوالد فيها الأحداث. وعلى الرغم من أن الشاعرة عملت على إخفاء قول الذات المجنونة من التمظهر بشكل علني عبر الفعل (قالت)، إلا أن القارئ يتوصل إلى قولها في السطرين الشعريين الرابع الخامس، وهذا الفعل الشعري يبعث في القارئ بهجة التقاط المخبوءات:
((اللعْنَةُ على هذا العالمِ بِأسْرِه)).
ثم تعود الشاعرة على لسان السارد/ الساردة إلى سرد الأحداث التي تلي رؤية المجنونة للعالم، ولعنتها له، فتسرد لنا حدث انطلاق الشتائم، واصفة إياها بالخائبات:
((وتنطلِقُ الشتائِمُ
من النافذة
الشتائِمَ الخائِبات)).
وتصف (اللعناتِ) بـ(المُتَعاقِبات)، وهي ما تزال في حراكها الجنوني:
((لا تُبالي بالقُضبان
لا تُبالي وتُتْعِبُها
تُتعَبُ لكنّها تتشبّث بالقُضبان))
وتخبرنا الشاعرة على الرغم من الحذف الذي أرادت به التكثيف والشاعرية- بأن المجنونة ما زالت تمارس إخراج راسها من القضبان، ولكن دون الوصول إلى مبتغاها. فماذا ستفعل؟ ستواصل بالتأكيد إخبارنا بكل التفاصيل الدقيقة التي شكلت اللحظة الحضورية للمجنونة، وهي في حالتي اللامبالاة من جهة، والتعب من جهة ثانية، فتخبرنا بأنها ما زالت تتشبث بالقضبان. لكن الشاعرة بقصدية واعية أرادت أن تجرنا إلى فضاء أشد درامية من الفضاء السابق، فأرغمت السارد/ الساردة على إخبارنا بانها هدأت، ولكنها اجترحت حدثا جديدا عبر رؤيتها:
((تنظُرُ تلمَحُ في غَبَشٍ رجلاً جاءَ يَعودُ امرأةً أخرى))
سيقوم هذا فعل البصري بنقلنا إلى أحداث تتشاكل فيها الدلالات، وتتلاحق عبر سلسلة من الأفعال المضارعة (تنطلق، تتعب، تتشبث، تنظر، تلمح….) والمقول الشعري هنا ذو طابع سردي، يهيمن عليه ضمير المتكلم، مما يعطينا الضوء الأخضر لعده سردا موضوعيا، وقد أكدت لنا الشاعرة عبر الصوت السردي ورؤيته نوعية هذا السرد، قبل الانتقال إلى السرد الذاتي في المقطع الاخير من النص.
“حبيبَتُهُ التي مثلها تُقيم في نفس المُسْتَشْفى
مُسْتَشْفى المَجانين.. والمجْنونات
المجنوناتُ المُتْعَبات
المجنوناتُ اللاتي أتْعَبَتْهُنَّ الحياة
المجنوناتُ اللاتي جنَّنَتْهُنَّ الحياةُ من حولِهِنّ
تلك الحياة التي تعْمَلُ في مُسْتَشْفى الحياة
لكنّ الحبيبة التي أُدْخِلتْ إلى المسْتَشفى
بَعْدَما أُدْخِلَتْ إلى عالم يَفيضُ بالجُنون
رَفَضت رؤيَتَه
طَرَدْتُهُ”
في خضم هذه التوصيفات المباشرة للمشفى، والمجنونات، والحياة التي يعشنها، والعالم الفائض بالجنون، ندرك عمق المأساة التي تمر بها المرأة التي تودي بها إلى هذا المكان الإقصائي، مركوزاتها المأساوية لحياتها. أمّا ما يخص المجنونة تحديدا، فسوف نتساءل: ماذا ستفعل بعد رؤيتها ذلك الرجل؟
((تَنْظُرُ
تَمْسَحُ شيْئا عنْ عَيْنَيْها
شيْئاً يُشْبِهُ غَيْمَة
تَنْظُرُ كيْ تَرى
فَتَرى الرَجُلَ المَطْرودَ سيجارة))
هكذا هم المجانين يتوهمون الاشياء والأفعال، إذ يتخيلون حدثا غير واقع أبدا، أو أشياء لا وجود لها، وعلى هذا الأساس يبدو أن المجنونة قد تخيّلت ذلك الرجل سيجارة، فأخذت تخاطبه بلبس شعري، وكأن الذات الشاعرة عاشت هذه اللحظة الجنونية، فأخذت تخاطب الرجل على لسان المجنونة، ناسية أو متناسية أن الرجل هو سيجارة:
((ـ هاتِ سيجارة. هاتِ سيجارة
وتُناديهِ: تَعالَ. سأحْضِرُها لك. هاتِ السيجارة)).
في هذين السطرين تتحول الأفعال المضارعة إلى أفعال طلبية (هات، تعال). وينمو التداخل الشعري/ السردي، ويبدو لنا من حوارها تجلي الخبيء أمام إسقاطاته على الذات، فماذا ستفعل هذه المجنونة وهي تعيش النبض المحايث لأفعالها وأسرارها:
((السيجارَةُ الآنَ بيْنَ شَفَتيْها
السيجارَةُ الآنَ تُطْلِقُ جَناحَيْها
تُدخِّنُها بِصَمْتٍ، بِصَمْت
وبِصَمْتٍ ترسم بدخان السيجارَةِ أشياءً لا يفهمها أحَدٌ آخَرَ
وشُخوصاً لا يَعْرِفُها أحَدٌ غيرها
وعَوالِمَ لا تَحْتاجُ إلى مُسْتَشْفى
ومُسْتَشْفى بلا جُنونٍ
وجُنوناً يُطْرَدُ بالمُكْنُسَة)).
في هذا المقطع الشعري نلمس بعدا تصويريا بمزايا سردية عالية، فالصور متلاحقة ومتدفقة تدفق الدفقة الشعورية للذات الشاعرة؛ وهي تصف لنا حال المجنونة عندما وضعت السيجارة بين شفتيها، ثم أخذت تدخن بصمت، وترسم بدخان سيجارتها أشياء لا يفهمها غيرها. إذن هي في عالم الانفعالات والأوهام والرؤى التي تتجاوز نطاق العالم المحسوس؛ كي تصنع عالما خاصا بها:
((ثُمَّ،
نَزَعَتْ عَنْها ثَوْباً يُشْبِهُ قِشْرَة
وكمنْ يَلتَفُّ بِرايَةٍ بَعْدَ فَوْزٍ في سِباقٍ
لفّت جَسَدَها النَحيلَ بِفُسْتانٍ فَضْفاض((
في هذا المقطع السردي/ السينمائي، تصوّر الذات الشاعرة/ الساردة تلك المجنونة بملفوظ شعري، يستغور الباطن، ويكشف القلق الذي ظل يساورها في مجابهة الواقع المؤلم والقاسي، عبر التعرّي مرة، وارتداء الفستان الفضفاض مرة أخرى، ليقودنا إلى مقطع أكثر كشفا لسريرتها ودواخلها عبر فعل تعبيري غير لفظي، تعبر عنه لغة الجسد، إذ تقول الشاعرة على لسان الذات الساردة:
((ثُمَّ،
رفَعَتْ فَوْقَ رَأسِها السابِحِ في دُخانِ السيجارَة يديها
ورَقَصَتْ، رَقَصَتْ، رَقَصَتْ))
وقد كررت الشاعرة هنا الفعل (رقصت) ثلاث مرات، وللتكرار كما هو متعارف عليه وظيفتان مركزيتان: الأولى: التوكيد الحالة الشعورية النفسية واسقاطها على القارئ، والثانية: خلق إيقاع داخلي يبعث في نفس القارئ قيمة جمالية. ثم تقودنا إلى المقطع الأخير، الذي يتشاكل مع المقطع السابق من حيث تكرار جملة (أحببتك):
((ثُمَّ
غَنَّتْ: أنا أحْبَبْتكَ
أحْبَبْتُكَ..
أيُّها المَجْنونُ.. أنا أحْبَبْتُك
أحْبَبْتُكَ حَدَّ الجُنونِ
انْتَظِرْني انْتَظِرْني هُناكَ هُناك
تَحْتَ شَجْرَة الليْلِ
فَفي الليْلِ تَلينُ القُضْبانُ
تَصير القُضْبانُ في يَدَيْنا
من صلصالٍ
نَصْنَعُ مِنْها مركبنا
وأيدينا الأشْرِعَةِ((.
في هذا المقطع يتجلى المعطى الغنائي للنص عبر تمظهر نغمة الانفعال التي أسهمت في التعبير عن الداخل، فضلا عن المعطى الدرامي، بوصفه توترا، ويكون سبباً في إفراز غنى وامتلاء صوتي، وتصويري وتعبيري، على مستوى الشعور والوعي، إذ يفرز على مستوى الحدث وأفعال السرد، سلسلة من المواقف والحالات، وتحدد ضمائر السرد، وتعيينات الزمان والمكان.( مرايا نرسيس د. حاتم الصك، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1999م: 30 ـ31).
وفي ختام هذه القراءة لا بد من القول : بان التعارض بين الغموض والوضوح جاء نتيجة تظافر بنيتين: الشعرية والسردية في انتاج نص، تعرّت فيه الاحاسيس وهي تتجذر في البعد المأساوي للمعيش الإنساني، وتجوهرت المشاعر في أعماق الاستبصار الحدسي، للوصول إلى لذة عفوية حارة، بعيدا عن التصنع والافتعال. وعلى هذا الأساس جاء النص في حالتي الخفاء والتجلي معا.

 

اترك تعليقا