مقاطع من رواية ” نخب الأولى ” للروائية ليلى عامر
بواسطة admin بتاريخ 11 سبتمبر, 2020 في 01:36 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 156.

استوت أنوثتي، تماما كأحلام أمّي حين تعيدها على مسامعي وهي تطوي العجين بيدها البيضاء المرمريّة، ستكونين أحلى عروسة، سأدّخر لك ما أقدر عليه وأجهّزك كما تشتهي أيّ عروس في مدينتنا، ستكونين ملكة جمال بطولك هذا “ولك يقبرني ها الجمال ما أحلاك” بلهجة سورية مصطنعة وغير متقنة تضحك تلك الضّحكة العاليّة الّتي تشعرنا أنّ الدّنيا بخير وأنّنا نستظلّ تحت سعادتها المؤقّتة.
ما حاجتي لعرس أو جهاز، ما حاجتي أن أكون ملكة وضحكتك غادرتني ولم تعد تلك القصعة تلامس يديك الطّريّتين، كلّ شيء تلاشى بسرعة وانطفأت الحياة منهما، المكان الوحيد الآن بعدك يا أمّي هو المقبرة.
رغم صمتها تعطيك ألف سبب للرّاحة، كلّهم كانوا هناك، وصاروا هنا، كانوا يختلفون حسب كلّ أنواع التّرف في الحياة، هذا التّراب ساوى بينهم، جعلهم كقطعة فريدة مسطّحة من الجماجم الآدميّة المفتوحة بشكل بشع، جهة العينين والأنف والفم وفراغ عميق يسحب التّركيز إلى ما خلف هذه العظام الهشّة، هؤلاء جميعا لهم حكايات وحكايات، لكنّ حكاية أمّي مختلفة، انتُزِعتْ منها الرّوحُ انتزاعا وسيقت إلى هنا رغم تمسّكها بالحياة وحبّها لها، لم تكن لتقبل هذه الرّحلة الإجباريّة نحو مصير كهذا.
نحو نهاية لمسيرة حافلة بين خلافات وحروب خاضتها ضدّ أبي، ضدّ عائلتها وضدّ الأقدار البائسة.
يطلبون منّي الغفران والمسامحة وكأنّني ملاك، أو كأنّ الذّي حدث كان قضاءً وقدرا، أو صدفة في لحظات انفلتت من قبضة روتين حياتنا الذّي اعتدنا عليه.
كأنّها ليست ذاك التّسلسل من الأخطاء السّوداء، عللٌ فيه هو، لم يتوقّف عن ارتكاب معاصيه، لم يتراجع رغم الفضائح الّتي عيّشنا فيها، واصل استهتاره ولهوه ومجونه رغم كلّ الّذين تدخّلوا من أقاربنا، لم تكن النّتيجة الّتي توقّعناها، نحن توقّعنا أن يموت هو إثر حادث مرور، يتسبّب فيه بعد جلسة خمر ساخنة، أو سقوطه من سطح ما في وادٍ ما.
لم نكن نتوقّع أن ندفع نحن ثمن ما جناه من المعاصي، للأسف يا أبي دفعنا الثّمن غاليّا، غاليّا جدّا.
خسرنا كلّ شيء بسبب نخبها الّذي تواصل لسنوات.
يتشاورون الآن ماذا سيفعلون بي؟ مغتصبي سيخرج بعد أيّام بكفالة، ولا أحد سيداري هذه الفضيحة سواه. أخوالي كأنّهم أمام قنبلة دقيقة المعالم ستنفجر في أيّ لحظة.
سمعتهم يتحدّثون:
– هل سنتركها هكذا؟ لا أعتقد أنّه في مصلحتها ولا في مصلحتنا إنجاب الطّفل هنا.
– أقترح عليكم وضعها في مركز إعادة التّربيّة إلى حين وضعها.
خالتي:
– لا لا أنا أقترح تزويجها من ذاك النّذل وهكذا تصحّح الأمور، تحتفظ بالطّفل وتكون متزوّجة أفضل.
دام صمت هائل، أنذر بموافقة جميع الأطراف على اقتراح خالتي، وقع ذلك عليّ كصّدمة كهربائيّة، أربكني، يستعيدون المجرم إليّ، هذه المرّة لينتهك جسدي على مرأى ومسمع العالم، ليعيد تلك الصّورة الّتي تمنع عنّي النّوم منذ أشهر، يا لفظاعة ما اتّفقوا عليه
إلى من سأهرب؟ أنت قاتلي، تقبع هناك جسد بلا روح، وأمّي تحت التّراب تتآكل عظامها الّتي لوّثها صاحبك القاتل، من سيحميني من ذبحي ثانية، أنا المذبوحة بسكّين صدئ؟
خرجت من بيت جدّي كأنّي هاربة أجري بلا هدف، دموعي لم تتوقّف منذ ذلك اليوم.
زفّوا هذا الجسد لرجل سفّاح اغتالني للمرّة الثّانية، تلك اللّيلة المشؤومة، وضعوا أمامي وردا وشايا وبعض العطور، كان البيت متواضعا، يضمّ زوجته وأولاده فيهم من يقاربني في العمر، وفيهم الرّضيع.
يا للهول!
يا لما أصابني وأنت حيّ ترزق!
مرميّة هنا كخردة وسط القذارة، فوضى وعيون ترمقني باحتقار، كأنّ تلك المرأة وحش يتأهّب لافتراسي، تبدو عليها آثار الخيبات والطّعنات، مآسيها على وجهها، حفر الزّمن عليه ندوبا تكشف معارك خاضتها مع هذا الّذي تركها وتتبّع الخمر والنّساء.
أنا لست عدوّة لك، أنا ضحيّة مثلك، ضحيّة تفكير المجتمع الظّالم، أنا طفلة تلاعبت بها الأقدار، سلبتها الأمّ، رمت الأب في مستنقع الإدمان وتخلّي الأقارب، بل هو بيعٌ بالتّقسيط لي ولا أدري كيف سيكون حال اخوتي.
الوحش الّذي أسموه زوجي دخل على جسدي مرتجفا كأنّه تناول شيئا ما، في عينيه ابتسامة نصر في معركة خسرتها منذ البداية، وها هي العائلة تدفعني لفوهة المدفع ليراني العدوّ ويُسقطني قتيلة للمرّة الثّانية، هجم على جسدي النّحيل دون رحمة بعد أن مزّق رحمي قبل أشهر، ها هو يتلاعب بكلّ شيء فيه، يصول ويجول، يشبع رغباته الّتي أباحها له المجتمع وصادق على انتصاره بكلّ قبح.
قُتِلتُ مرّتين، وسأُقتلُ لاحقا وأنا أتفرّج على موتي البطيء، فقط لأنّ والدي فضّل نخب مريم على حياتنا نحن، فضّل أن يهبها كلّ شيء، حتّى أمننا وسلامتنا، وهو يعتقد في داخله أنّه الحبّ.
هل من الحبّ أن تبيعنا أمام عينيها الكاذبتين؟ هل من الحبّ أن تُقتل والدتي بوحشية؟
وهل وهل…؟

اترك تعليقا