تهريب جثامين موبوءة / قصة قصيرة / روابح الحاج *
بواسطة admin بتاريخ 26 سبتمبر, 2020 في 06:50 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 86.

لا أحد من أبناء حي ” الزّرّيعة” المشهور ” بِبُوقُوتَا ” عند الباعة المتجوّلين وسائقي سيارات الطاكسي و الباص يرغب في رؤية عناصر الأمن ، للعداوة البغيضة التي نشأت بينهما بحسبما يُروى بسبب خلافات سياسية قديمة ، لم يتمكن من طيّ حقدها صفحات ميثاق السّلم والمصالحة الوطنية فاستمرّت الكراهيّة التي توارثتها الأجيال جيلا بعد جيل لاسيما في ثورات الكرامة ، كاحتجاجات العطش والتزوّد بالكهرباء وقنوات الصّرف الصّحّي وعنف التّرحيلات القصريّة من سكناتهم القصديرية ، وكذا المداهمات الفجئيّة لأوكار الحب السّريع، والاستفزازات اليومية في حرب شوارع مع عصابات و أباطرة المخدّرات وتجّار المشروبات الكحولية .

ولكنّهم حين وصلوا في ذلك الصّباح من شهر شباط حاصروا منزل المدعو ” الكريك” فأثاروا حافظة السّكان و من بينهم أطفالهم الذين رشقوهم بالحجارة.

فلم يجدوا من يخاطبوه غير إمام المسجد و الذي روى كلّ الحوار على مسامع الجيران في وليمة صُلح مساء ذلك اليوم ببيت الموقّر بينهم الشّيخ ” حسن ” .

حينها علموا أنّهم جاؤوا في طلب ” الكريك” السّفّاح الشّهير الذي يحمل ملف مُثْقل بجرائم القتل البشعة وعمليات السّطو والابتزاز التي جعلت من حياته كلّها يوميات غريبة قضى أغلبها بسجون ” الكاتراسيّة ” كسجن “سركاجي” و”لومبيز” الذي فرّ منه برفقة ألف ومئتي سجين في حادثة مثيرة للجدل فعاش بعدها متنكّرا ينتحل شخصيات كثيرة حتى ذهب إلى الأسطورة بين جماهير الحَكَايا .

ولكنّ الغريب في الأمر أن كلّ من يعرفوه من الحضور تعجّبوا كثيرا في الأمر لأنّهم كانوا على يقين من أن المطلوب قد قضى بجائحة “كورونا” منذ أزيد من سبع سنوات .

وبعد “كُسكسي” فاخر بلحم الضأن وخضار الموسم احتسى الشيخ ” حسن” رشفات ساخنة من كأس شايه و تفحّص وجوههم المكدودة في الفراغ ولم يستعجلهم بالانصراف و ما أذن للامام بتلاوة فاتحة الكتاب .

و لأنّهم كانوا يتوقّعونه بأنّه سيُدلي بِدَلْوِهِ تركوا خلافاتهم وتحالفاتهم إلى حين .

وقف الشيخ و أوصد باب الغرفة و قال :

لديّ معلومات أن اسمه سيُعمّم على كلّ الحواجز ونقاط التّفتيش؟

يا لهم من أغبياء !

تاجر القمح و البارود ” بن لابدة ” أو” بن لادن” الثاني كما كانوا يلقبّونه كان يتوقّع منه أن يطالبهم بجمع مال في ذمّته لِديّةِ أحد من غير أهله تفرّق دمُه بين العروش في نزاع حرث مطيرة خريف هذا العام فقاطعه بسخرية :

يا شيخ :ألم تخبرك مصادرك فيما هو مطلوب هذا الميّت الحي ؟ و ضحك ههههههه .

لم يتعجّل الشّيخ في إجابته وتبسّم و أمر غلمان السّقاية بصبّ مزيد من الشاي في كؤوس الخصوم ، وبمرحه المعتاد ردّ عليه :

كل ما في الأمر و ببساطة أن ” الكريك” متّهم بتهريب جثامين ضحايا جائحة “كورونا” حتى لا تكون أجسادهم ملكا للبلدية وضحك هههههههههههه .

ثم خاض معهم في أمر جمع مال الدّيّة وانتهى الخلاف وتصالحوا وكلّف “الشيخ” الإمام بتلاوة فاتحة الكتاب وتفرقوا على أدعية كثيرة رفعوا لها أكفّ أيديهم بتضرّع ، وبعد خروجهم سار ” الشيخ ” في رواق بيته الفسيح وشباط الإحباط يرافق ظلّه وقطط كثيرة تموء بمنزله العامر بالقهوة والرّغيف ونساء الأجرة ومريدي الطّريقة ” الدّرقاوية” من أتباع ” سي أحمد الأمين” نجل المُفَدّى ” موسى بن سي الحسن الدّرقاوي ” المتصوّف الذي جاء من دمياط مصر لمشاركة إخوانه الجزائريين في جهاد المقاومات الشعبية .

وبينما هو يتحرّك بخطوات مثقلة شعر بِمَغَصٍ فضيع يعصر جوف معدته و ألم حاد يوشك أن يفتت كبده و رئتيه وبصعوبة أنفاس متعسّرة وصل إلى المغسل تقيّأ ما ببطنه ثم تعنّت وكابر حتى أعاد رفع هامته شامخة و ببطولة رفع رأسه وانتصب يبحلق في المرآة .

وكمصاب بـ” متلازمة” الوجوه تأمّل وجوهه الكثيرة حتى يختار أيّا منها يكون هذه الليلة .

أهو ذاك الخديج الذي لفظته إلى الحياة رحم امرأة أفناها جوع مسغبة “عشرين” فأكل حبلها السّري حتى يستمر !

أم ذاك الشاب المعطوب بِزَنْدِ يده اليمنى المدْماة والتي بلا خنصرها وبنصرها وسبّابتها التي بترتها وطارت بها الشظية ” النازية ” فظلت تتلو تشهيدها حتى ماتت مع إخوانها من الأصابع في حروب لا تعنيها مع جيوش فرنسا !

أم هو ذاك الناجي الأخير من أبناء جيله من ثلاث طواعين أولها ” تيفيس” الأربعينيات وثانيها “كوليرا” بدايات الاستقلال وآخرها “كورونا” الذي فرّ منه وهو في غيبوبة بغرفة إنعاش موصدة لا يكاد يتذكر منها غير مخلّفات صحيّة إلى الآن وهلوسات حُمّاها الصّاهدة وروائح الموت وجرعات عقار “الكلوروكين” ومصطافون من البشر مع حورياتهم كمخلوقات جاؤوا من الفضاء يتمايلون على سريره لتزويده بأكسجين التنفس وأمصال نجاة وأقراص أدوية مُرّة تسبح في كريات دمه كترياق . وسطح سيارة إسعاف كانت تهتز وهي تُقلّه بسرعة جنونية وسط مدينة ميتة بلا إشارات مرور وقد سكنتها الأشباح و الخفافيش وأشباه بشر “كالزّومبيين “خرجوا للتزوّد بالمؤونة، فخلت مدينة موبؤة بلا خلاص و فيروس “كوفيد 19″ استفحل في مائها و هوائها و أجسادهم .

ولم يبق للسلطات غير غلق كل منافذها وباتت الأرقام و الإحصائيات في تضارب لكثرة الإشاعات والوفيات واستشْرت العدوى كالنّار في الهشيم ولا أحد كان يعلم متى يأتي الفرج كي يتحرك رعب “تموز” المشؤوم الذي زاد من هلعه صفارات الإنذار المدوية وأزيز محركات الجرافات التي كانت تحفر القبور بلا توقف .

تحت ألم نهشات حادة كان ” الشيخ حسن” قد أفرغ من تنظيف طقم الأسنان الطبّية وتركه ينام في إناء التعقيم وشكر في سرّه الطبيب النازح الذي إلتقاه في سوق أسبوعية أيام الحرب الأهلية السورية ، كان يراه دائما مخلّصه الأبدي من آلام وعيوب الدّرد .

انحنى “الشيخ ” واسدل ببنطلونه العربي ” بوهريرة” وقرفص بخزي أمام حقنة شرجيّة تخفّف عنه عضّات أنياب حبات البواسير الملتهبة وحتى يستأنس سرد على نفسه نكتة جنسية و ترك “جحا” عاري العورة وهو يتصبّب عرقا باردا من كل جلده الخشن .

وتحالفت “بروستاتا” لعينة مع كل الأوجاع بعد أن أتى كلّ خبثها على فحولته وشبقه منذ سنين حتى صار بلا فائدة تُرجى منه من نساء الأجرة غير الحُنُوّ عليه وتقبيله كرضيع ومراعاة صحّته ومآسيه أثناء نوباته الحادّة في تأرّقه و اضطجاعه من جواثيم ليلية تهاجمه بلا رحمة .

جلس إلى مرحاضه و تأوّه بشدّة وتبوّل بصعوبة أكثر من نصف لتر من السّوائل و الشوائب الغريبة الممزوجة بدمه وروائح نتنة لِقَيْح وبقايا أدوية تخمّرت بمسالكه البولية كما أنه تغوّط بزحام و همهمات امرأة تلد فصاح بأعلى صوته مما جعل “بنت موح ” وهي امرأة من لحم ولحن خلّفتها العادة في سن يأسها من أعوام غابرة .

وهي من أقدم خليلاته فخرجت من غرفة نومها مهرولة فوجدته ممرّغا في عالم خرائي.

كانت تعرف أن هذا كلّه صار يحدث معه مؤخّرا بسب إغماءات صرع إلا أن برودة جسده التي تحسّستها أوحت لها أنه لم يعد على قيد الحياة فرأته مختلفا مصفرّا وبدت عيناه وشفتاه جافّتان تماما من كلّ روح وظهر كلّ شيء منه تالفا و لم يعد قادرا على استمراره و لو للحظة إضافية من عمره الذي بلغ السّابعة فوق القرن .

حملته بصعوبة و ألقت به فوق ماء ” البينوار” المعطّر بالكولونيا و”هلامات الجال والصابون وتركته يطفو كملوك ” الكوتشينة “

إلاّ أن برودة الماء الثّجّاج المتدفّقة من صنبور المرشّة أنعشت شيئا من وعيه فصمد من جديد وراحت تَعْدُكُهُ ” بمساجات ” حانية فاستفاق و قال لها : إنني أحبك كثيرا وطبع على جبينها قبلة ملتهبة !

كان قرْع دفّ “لخوان” يتسلّل إلى سمعه حاميا وقصيد ” ياحسراه يا الدّنيا ضاقت لرواح فزّوا رفايقي وبقيت انا وحدي… ”

تخرج من حلقة ديوانهم إليه فلا يجد من نفسه غير راقص وسط حضرتهم فيصُكّ برجليه دفقات الماء ورعشة “حال” تعتريه فتزفّه درويشا مخمورا بسائل عطر ” الزوّاي ” الأخضر مشبع البطن بعصيدة ” مح لوعال ” فصار وقته وهو مستلق في ” البينوار” خارج المدارات .

سار … وسار في لاوعيه بفلوات وفيافي صحراء ” الجلفة” يرعى شويهاته وأمراء خليجيون من حوله جاؤوا لصيد طائر “الحبّار” وشيّ كبده لإنعاش رغباتهم الجنسية المكبوتة وهمّ بعبث الأعراب فأفسدوا عليه خلوته واستباحوا حرمة خيامه إلى أن نصره صديقه “الكريك” فقتل أميرهم اللّواطي الذي تفرّق دمه بين الجماعات المسلّحة مما أثار زوبعة دبلوماسية بين الدولة الجزائرية و الدولة الخليجية .

و قد كان أوّل لقاء جمع الشيخ حسن و المدعو ” الكريك ببيت ”بنت موح” بماخور تركي بمدينة ”زنينة” أحرقت كل ذكرياته سنوات الصّحوة الإسلامية.

فلا طالما لعب الشيخ” حسن ” و “الكريك” الورق ببيتها و تسامرا كثيرا في بيوت أخرى و قد جاء “الكريك” إلى أمجاد العثمانيين كـ” انكشاري” إكسيري . غَنِمَ الذّهب والكنوز فانتحل شخصية تاجر ذهب و كـ “كازانوفا” قتل حينها احدى عشر مومسا حرقا وشنقا وإذابة في “أسيد الكبريت” وقد كشفت جثّة الضحية الأخيرة التي أقام عليها جدار كلّ شفرة خيوطه العنكبوتية ليُجَزّ به في سجون كثيرة بالجمهورية كان آخرها الذي فرّ منه .

وبعد تجلّي السّلم وأفول سنوات الدّم والنّار أواه الشيخ ” حسن ” بِحَيّه كإرهابي تائب ثم اختفى ولم يلتقه إلا في عام “كورونا ” فاستعان به لتهريبه من غرفة الموت حتى لا يَلْق حتفه بِعارٍ كما كانوا يعتقدون فيدفن بعيدا عن تربة أجداده وهو يرغبها جثة كريمة بنعشها وكفنها المخضّب” بخمسات” حناء نساء عشيرته وجسد مُسجّى بعنبر وروائح مسك أهل الجنة وجنازة تليق بمقامه كسيّد صالح تُتْلى على روحه سور قرآنية أناء الليل وأطراف النهار طيلة أيام عزائه و وفود من القبائل المعزية تستحضر مناقبه و مآثره و يرثيه فطاحلة شعراء الصّحراء في معلّقة شعر ملحون يخلّدها ناي حزين في مواعيد تجمّعاتهم في “الوعدات” و”الاطعام ” .

وكميثاق شرف فعلها معه صديقه “الكريك” للمرّة الثانية و الذي اختصّ في تهريب جثامين من عيار الشيخ “حسن” أربك بها أرقام السلطة في تصريحاتها الرّسمية .

”الكريك” الذي استعان ب “ريزو ” من المشكّكين في حقيقة الوباء ، و بلباس “الكوسموس” انتحل شخصيات عديدة “الطبيب ، سائق سيارة الإسعاف ، الطّاهي ، حارس الأمن ،رئيس مصلحة الجثث ..” وقد نجح في تهريب الشيخ الميّت الحي رفقة عشيقان سرّيان ممرّض كهل وطبيبة شابّة حامل في شهرها الثاني .

لكن ما رواه الشيخ على “بنت موح” في ليلته الأخيرة أكّد أن ” الكريك” قد لقيَ حتفه بضواحي مدينة  ”سيدي خالد” بعد أن نجح في دفن العشيقين بقبر واحد بجوار تربة ” سعيّد ” عشيق “حيزية” لإيمانه الكبير بقصص الحب الخالدة .

و مع الخيوط الأولى لفجر صباح جديد ذوى الشيخ “حسن” بعد سقوطه من بوراق معراجه فشهق شهقته الأخيرة بلا رجعة .

بعد أربعينية الشيخ “حسن” أعاد شاب هاوٍ من مدينة “الإدريسية ” متخصّص في برمجيات الألعاب الالكترونية الحياة إلى الصديقين الشيخ ” حسن ” و “الكريك ” فزرعهما على ساحات قتال لعبة  ” PGUB” فصارا مقاتلان عربيان شرسان يقاتلان على أرض الأنترنت.

/

 * قاص من الجزائر

اترك تعليقا