الواقعيّة السّوداويّة في مُسلسل “بابور اللّوح ” د/ سامية غشّير
بواسطة admin بتاريخ 6 مايو, 2022 في 03:05 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 329.

تُسهم الدراما التلفزيونيّة في نقل الحمولات الثّقافيّة لأيّ أمّة، وإبراز ملامحَ هوّيتها الوطنيّة (الدّينيّة التّاريخيّة، الفكريّة، والثّقافيّة)، فالشّخصيات التّمثيليّة تصوّر، وتعبّر، وتُبرز لنا ارتباطها الوَثيق بثقافتها، وهوّيتها، والدراما الجزائريّة عملت على تبيين مقوّمات الهوّية الوطنيّة عبر مسلسلات دينيّة، وتاريخيّة واجتماعيّة، وثوريّة تفيضُ بالحسّ الوطنيّ، والبعد الإنسانيّ، والمعاني الأصيلة.

ففنّ الدراما يتمظهر كإحدى الأدوات الإيديولوجيّة انطلاقا من دورها الأساس الهادف إلى نقل ملامح التّجربة الإنسانيّة في أنبل وأصدق صورها، إضافة إلى كونه أقرب الفنون إلى روح الإنسان، ويومياته، وتفاصيله. فمختلف الأشكال الدراميّة التّعبيرّية جوهرها يقوم على التّأثّر بما يحدث في الحياة من مشاكلَ، وقضايا وتحوّلات متلاحقة، فهو ينقل صورة المجتمع الّذي تعيش فيه الشّخصيات التمثيليّة.

لقد ارتبطت الدراما الجزائريّة بالواقع، وغاصت في عمقه، ودهاليزه، وشخّصت شخصياته، وعبٍّرت عن تغيّرات وتناقضات هذا الواقع، الّذي يزداد سوءا، وحلكة، وانهيارا في جميع المجالات، خاصّة على مستوى القيّم الأخلاقيّة، والعلاقات الإنسانيّة، فوجدنا هشاشة كبيرة جدّا على مستوى بناء بعض الأفراد العقليّة، والنّفسيّة، والأخلاقيّة.

بابور اللوح: هشاشة المجتمع، وضحالة القيّم، وعنف السّلطة:

بابور اللّوح مسلسل دراميّ جزائريّ، أنتج عام 2021، وبثّ عبر منصة رقميّة منذ أفريل 2021، ويعرض في شهر رمضان الفضيل عبر قناة الشّروق ثيفي، من إخراج “نصر الدّين السّهيلي”، وبطولة كوكبة من نجوم الدراما في الجزائر: عبد القادر جريو، مصطفى عريبي، فضيلة حشماوي، سهيلة معلّم مُحمّد خسّاني، ياسمين عمّاري، وغيرهم، يُعالج قضايا مهمّة جدّا منها: ظاهرة الهجرة غير الشّرعيّة (الحرقة) تفكّك العلاقات الإنسانيّة، التّهميش الّذي يعاني منه بعض الأشخاص بسبب غياب النفوذ، وعنف السّلطة الرّمزيّ، وظاهرة العُنصرية بسبب سواد البشرة.

بطل المسلسل “حسني” الّذي أدّى دوره الممثل “عبد القادر جريو” يعاني مشاكل نفسيّة وعائليّة، بسبب ظروف اجتماعيّة صعبة جدّا يَعيشها، فهو يعمل بائعا للملابس في سوق شعبي، وتظهر عليه علامات الغضب، والتمرد على الواقع، والتعصب، وهذا ما أثّر على علاقته بزوجته وابنته، وتسوء حالته بعد اكتشاف مرض ابنته بمرض السّرطان الخبيث، أمّا شقيقه فيظهر مشتت الفكر، متعصبا، قلقا، فاشلا في علاقته مع زوجته، وأمه، وابنته، وقد أثّر ذلك عليه، فاختلى بالكاباريه، وعاقر الخمر، ومغنية الملهى كنوع من التعويض.

يعرّي المسلسل بشاعة ما يحدث في قاع المجتمع المقموع، الّذي يعيش على الهامش بعيدا عن الرفاهيّة وحياة البرزخ، حيث ما تزال بعض السّلوكيات تطبع واقع المجتمع الجزائري، فنجد صور القهر الاجتماعي اتّجاه المرأة، والإكراه على الزّواج، والعنف بصوره الجسديّة، والمعنويّة، وتهميش الأبطال، ودفعهم إلى الانتحار، مثلما حدث مع شخصية “مراد”.

هيمنة البطل/ صوت البطل “حسني”:

بطل المسلسل “عبد القادر جريو” سيطر طولا وعرضا على أحداث وتفاصيل المسلسل، مقارنة بالشخصيات الأخرى الرّئيسة والثانوية؛ إذ تمظهرَ في صورة القائد الّذي يقودُ، ويؤثر في مسار الأحداث، وتطوّر الحبكة، كما أنّ المخرج ركّز على إبراز انفعالاته الكثيرة، وصراخه، وعدم اتّزانه نفسيا وعقليا في كثير من الأحايين، وقد أسهمت اللّقطات القريبة في تجسيد ذلك.

نجاح إخراجي، وارتباك على مستوى السّيناريو:

المسلسل جاء موفّقا كثيرا في الإخراج؛ إذ أفلحت كاميرا المخرج “نصر الدّين السهيلي” في تأطير الشّخصيات، والمكان، فكان ينتقل بعدسة الكاميرا ويركّز على اللّقطات القريبة، الّتي تجلي الأبعاد الدراميّة للشّخصيات والمكان، فوجدنا صدقا كبيرا وحرفيّة في نقل الأحداث والوقائع، على الرّغم من بعض الانفعالات غير المبرّرة وشدّة الصُراخ، والغضب المبالغ فيه، إلّا أنّه أفلح في رسم الشّخصيات، وتشكيل المكان الّذي تجلّى قاسيا، صعبا، مأساويا، أثّر في الرُدود السّلبيّة الانفعاليّة للشّخصيات.

ولعلّ ما يعاب على المسلسل بعض الارتباك الّذي لاحظناه في السّيناريو إذ يضيع مرات، ويفتقد إلى الترابط، والمونتاج، وتغيب الحبكة، وتفلت القصّة، فنجد مرات مشاهد متفرّقة، غير متّصلة ببعضها.

من خلال مشاهدتي للحلقات الحادية عشر، يمكنُ القول إنّ مسلسل “بابور اللّوح” قد نجح إلى حدّ بعيد في نقل، وتصوير، وتجسيد واقع جزائريّ مهمّش، ومقموع ومأساويّ في مناطقَ من مدينة وهران، بعيدا عن المركزيّة العاصميّة، وقد وفّق المخرج كثيرا في إدارته الإخراجيّة، رغم بعض الهنات والنقائص في السّيناريو، والّتي نأمل أن تُصحّح في باقي الحلقات.

اترك تعليقا