عربة المجانين لكارلوس ليسكانو:الجسد في مُنتهى حدود الاحتمال / محمد بوزرواطة
بواسطة admin بتاريخ 4 يوليو, 2023 في 03:55 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 447.

كثيرة هي الروايات التي تحدّثت عن “السجن” وعن أنواع التعذيب الذي يتعرّض له مساجين “الرأي” من خلال النزعة “السادية” التي تتلبّسُ الجلَّادين وهم يُمعِنُون في تعذيب ضحاياهم ،لدرجةٍ يغدُو معها “الجسد” ،هشًّا غير قابلِ للمقاومة أو الإحتمال،ما يدعو إلى التعاطف والاشفاق، كما في رواية “شرق المتوسط” لعبد الرحمن مُنيف أو “العريس” للكاتب المغربي صلاح الوديع أو “العَسَف” للكاتب والمناضل الجزائري بشير حاج علي،غير أن رواية “عربة المجانين من “الأورغواي”، للكاتب “كارلوس ليسكانو” (1949-2023)

تُعدُّ سيرة لافتة للإعجاب فقد صدرت عام 2006 وتمَّ ترجمتها إلى العربية عام  2007 من طرف حسين عمر

و التأمل في مسار وحياة صاحبها” كارلوس” الذي ساقته المُصادفات والأقدار أن يكُون كاتباً وهو في أقبية السجون المُعْتمَة في “مونتيفيديو” -عاصمة الأورغواي- فالسنوات الثلاث عشرة التي قضَاها في المُعتقل ، وذاق فيها كل صُنوف القهر والتعذيب الجسدي كالتغطيس في الماء أو الجلوس على قضيب حديدي وهوعَارٍ تماماً،ويداهُ مُقيدتان من الخلف، فيما وَجهه مُغطى بالكامل،كلها أساليب وحشية مألوفة ،تلجأ إليها “الديكتاتوريات العسكرية “، في أمريكا اللاتينية كأداة قمعٍ وتصفية لمناوئيها من المفكرين والأصوات المعارضة،أو اللجُوء إلى طريقة الاختطاف والمُباغتة ،كما حدث للكاتب “كارلوس ليسكانو” الذي أُقتيدَ من منزله يوم السابع والعشرين ماي من سنة 1972 ،بدون رجعة؟ حيث كان يتهيأ لحضور مراسيم الذكرى السادسة عشرة لميلاد شقيقته الوحيدة في البيت، غير أنّه وجد نفسه مُلقى في أقبية السجون الباردة لأكثر من عِقْدٍ من الزمن ، كَابَد من خلالها أهوالَ التعذيب والتشنيع الجسدي ،لكن إرادة القوة والصمود ، جعلت روح “الكاتب” فيه تسمُو على غطرسة “الجلّادين”، محطات متعددة يتوقف عندها “الكاتب” كلحظة خروجه من “المعتقل” يوم 14 مارس 1985، إنّها لحظة شبيهة بخروج طائر من “القفص” إلى النور ، ويبدو أنّ الكاتب ضاقت نفسه ذرعًا، بعد خروجه من السجن ولم يستطع البقاء في الأورغواي، إذْ سرعان ما قرر الذهاب يوم 11 ديسمبر من العام نفسه(1985) إلى استوكهولم (السويد)، لترميم أعطاب الجسد وشروخ الروح التي تركها الجلّادون نُدوبًا غائرة في تلافيف الوجدان و الذاكرة ؟؟ ،سيرة ممتعة يتخِذُ –الرواي- من خلالها طريقة ارتدادية ، تتداخل فيها العديد من المشاهد والصورواللوحات التي أَسْعَف للذاكرة استرجاعَها،بقوة، ولعلَّ المشهد الأكثر ايغالا في النفس و يدمي أحاسيس القاريء،وهو يتابع هذه السيرة الروائية ويجعله في تَماسٍ واحتكاكٍ مباشر مع أحداثها المثيرة، هو مشهد “موت الأم “، وهو داخل السجن، ثم انتحار ا”لأب ” في هذا السياق يقول الكاتب” ماتت أمي في الخامسة والأربعين من عُمرها، سيتوقف عُمرُها إلى الأبد، وسيأتي اليوم الذي سيكونُ عُمري فيه أطول من عُمرها، حيث سأكونُ أكبر سِنّاً منها،ستدفَنُ ولن أكون حاضراً، لن أتمكَّنَ من مرافقة أبي، ولن أتمكّنَ من رؤية أختي لحضور مراسِم الدفن” بمثل هذه اللوعة الانسيابية يروي لنا” كارلوس ليسكانو” فجيعة الفقدان، بدءاً من رحيل الأم الفجائعي،إلى انتحار “الأب” بعدها بعامين حُزناً عليها عام 1978، ثم مغادرة شقيقته الى “بوينس ايرس” بالأرجنتين، حيث تتزوج هناك، ويبدو أنّ احساساً ماَ ، انتَابَ الكاتب ،وأَشْعرَه بِدنُوِّ أجل والده..يقول” لم أشك لحظًة في أنّه سينتحر، ماكنتُ أتساءل حوله، هو متى؟ وأين سيكونُ ذلك؟ وبعد سنواتٍ سأدركُ أنَّ انتحاره هو شهادة حُبٍ لأمي”

عربة المجانين رواية سيريّة رائعة،تفتح أعيُننا على القهر الجسدي الذي عاني من وطأته الكاتب “كارلوس ليسكانو” ، كما تُنبِهنا على أنّ الكتابة –كما في حالة كاتبنا- هي البلْسَم والمُطهِر لأوجاع الروح، و جراحات الجسد ، وهي على نَحْوٍ مَا ، تُشْعِرُنا بأنَّ “الحياة” مُمكنة ولو في أقصى درجاتها قساوةً وظُلمة.

اترك تعليقا