” نبيذها أم دمي ” للشاعر ” ياسين أفريد ” بين التأصيل والاشتغال
بواسطة مسارب بتاريخ 26 يناير, 2012 في 11:55 مساء | مصنفة في حفريات | تعليق واحد عدد المشاهدات : 4733.

منير مزليني / شاعر وقاص

 

.. من بين الكتب الإبداعية الصادرة على نفقة الصندوق الوطني لترقية الفنون والآداب التي أحتفظ بها في مكتبتي المتواضعة وأعتز بقراءتها ،مجموعة ( نبيذها أم دمي ) للشاعر ” ياسين أفريد ” .

وأشد ما يعجبني فيها ويمتعني كقارئ ذلك الانسجام الكبير والتناغم الرائع بين الأصالة والحداثة الذي حققه الشاعر في نصوصه ، فرغم أن الشاعر اختار لنصوصه الشكل الحداثي والنمط الإيقاعي الحديث إلا أن روح الأصالة تسطع منها كالهاجر في كبد السماء ، وهو الأمر الذي طالما دأب عليه رجالات النقد العربي ، وسعى لأجله كبار شعراء العربية !
وكيفما كان طبع أو ذوق أو ثقافة هذا المتلقي القارئ المفترض فإنه بالتأكيد سوف يعجب بهذه النصوص ويستمتع بها إيقاعا ولغة ومعنى !
فحينما أقرأه يحضرني المتنبي وهو جالس في البهو يتسامر مع البياتي ونزار ودرويش وغيرهم في توافق وانسجام بليغين ، فلا يكاد يفرق بينهم زمان أو مكان ..

 
وإن تمكن الشاعر ” ياسين أفريد ” من تحقيق هذا التزاوج المنشود فهذا راجع لأصالته وسعة إطلاعه وصدق احتراقه وشدة حبه للشعر وإخلاصه . فما أجمله  إيقاعا وأصدقه حبا وأصفاه لغة وهو يقول في ( للقلب كل الغرق ) :
<<   ماجت حدائقها
فالضوء يندفق
حمامة الروح ،
            هي البحر ، والغرق
حلت نبيذا
بقحط القلب ،
                طافحة
فأينع الزهر المكلوم ، والعبق  . >>   
هي كلمات رقيقة في معانيها ، قوية في ألفاظها ، طروب في إيقاعها ، تجمع بين الليونة والقوة في آن واحد، محب يحترق ويتكبد لوعة القحط الضارب إلا أن الرجل  مازال واقفا يتحدى في عز وكبرياء :
<<  مدت إلى القلب ريّاها
وأربكها منّي زلال الندى ،
والجمر ، والترق
فهبّ في الكرم توقا
توأما عنب
وأمعن الليلك القمحي يصطفق  >>
إلا أن هذا الرجل الجلد يخفي بداخله طفلا بريئا يبحث عن دفء صدر حنون يأوي إليه ، فيقول :
<<  دنوت كالطفل من بلورها بردا
وعدت لما انتهى الاعصار احترق
أفرطت في الطوق
حتى كدت أطفئه
وتهت في فلها
تاهت بي الطرق  . >>
إنها لغة سلسة ومفخخة ، وإيقاع منساب محكم ، يجتمعان على لوح القصيدة شكلا سرياليا مبهما إلا أنه يعبق بالألوان الزاهية المفرحة ، فإن هرب منك المعنى شدتك تلك الألوان الإيقاعية الزاهية  فيقول :
( هجير )
<<  كالموج مزدحم أنا
بك في هجير المنحنى
عفوا ، فلا تقفي
بمفترق الوداع
إني تعبت
وأتعبت جراحي
علّميني كيف ينخرط الصبيّ
بلجة الأحلام
كيف أضمه
أو أقتفيه ولا أراعي
غجرية الأسرار باحت سرنا
فلمن ترى باحت
ومن ذا في استطاعته قراءة حزنها ؟ >>
تسافر المرأة مع الشاعر حيثما حط رحاله  ، هاجسا يستريح إليه ومرتكزا يبني عليه معناه المحترق ، هي إشارات وضمائر مصرح بها وأخرى مضمرة يتكئ عليها ويهش بها نوازعه وآلامه ..:
<<  منذ ابتدا زمن البكاء
لم أحتمل شبق القبيلة والمساء
لم أحتمل صهد القصيدة في دمي
ضاقت نياط القلب واشتعل البكاء
حجزوا ذكور الخيل
فاختنق الصهيل ، خبا الصليل
وأومأت ،
ورأيتها تفضي لهم :
إني أخاصره …
أعاقره ، وأهجع مثل مريم في هجيره ..
اهتدى بحريقه
أدنو فيدنو ..
ثم نوغل في الغناء . >>
يمضي الشاعر إلى وجهته المحتملة تحفه أسراب الذاكرة المرصعة ، مستفهما أسرارها ومن صلصالها ينحت أوجاع الحاضر ومخاوف الغد .. يلبس قميص يوسف ليأكله الذئب تحت جدع النخلة طفلا يناغي القمر .. فيقول :
<<  أ يوسف
استحلفني دماءك حين اشرأبت
إلى سدرة المنتهى غداة الرحيل
بحلم ذوى وانكسر
وقالت دموع الصحاب كلاما كثيرا
وهزت بجذع النخيل فقام
وهاجت دمامل حزني
                     ورق الحجر
قميصك بين الأيادي
كطفل يناغي شعاع القمر  >>
وفيما ذهب البعض إلى حد القطيعة وفصل الأوصال مع الذاكرة الشعرية يصر الشاعر ” ياسين أفريد ” على مدّ هذه الأوصال إيمانا منه بقضيته ، تاركا للطواويس محافلهم يصارعون الطواحين الخاوية ، ليثبت أن الأنهار لا تخشى البحار وإن لم تقلل من ملوحتها تغذيها .. فجاءت نصوصه مشبعة بالروح العربية الأصيلة على حداثتها  ومستوى تقنياتها العالية ، وثراء لغتها المتواصلة وتفوق صورها المتخيلة ، محققا بذلك تأصيلا ناجحا للحداثة وتزاوجا رائعا بين الأنا والآخر .. : ( آمنت بي .. الفراشات )
<< للطواويس كل المحافل والصولجان
ولنا شعرنا
دعوا الشعر يحفر بين الدماء
                        مسالكه الشائكة
دعوا ياسمين المعاني
يحج إلى صفونا
دعوا هذه الروح كي تستريح
وافسحوا للشذا معبرا
            بين أرواحنا المنهكه
إننا معشر الشعراء
نحب ـ ولا نستحي ـ أن نموت
وفاء لأشلائنا ، للقصيدة
            حتى التهالك والتهلكه .. >>
هي نصوص تأتي متدفقة حارة ، تبدو لك في الوهلة الأولى أنها عفوية منسابة إلا أنها  تخفي اشتغالا كبيرا وجهدا مبذولا على مستوى اللغة والتقنية  ، لا يلمسهما غير الشاعر العارف والقارئ المتذوق  . وهذا هو سر الشاعر ” ياسين أفريد ” في الشعر،  يشتعل دون تكلف  ويبدع دون ملل  .

عنابة في: 28/02/2005

 

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. illa zenen قال:

    من لا يعرفك يجهلك ايها الشاعر العظيم لي الشرف التعرف عليك و العمل معك في متوسطة طب الزرارة

اترك تعليقا