ملف * .. مسارب تحتفي بالروائي الحبيب السائح
لن نقول شيئا في هذا المقام…لن نزايد على القارئ حسبنا أن نشتغل في هدوء وبما نملك من إمكانات محدودة هذه المهمة التي نذرنا لها أنفسنا منذ أن أسسنا ” مسارب ” لقد أخترنا في هذه المرة أن نحتفي بالروائي والقاص الحبيب السائح دعونا فئة من النقاد والكتاب لتناول جوانب معينة من منجزه الروائي والقصصي كل من الزاوية التي يريدها أو تلك التي تثير حسه النقدي فكان هذا الملف …
——————————————————————–
تيمة الموت في ” الموت بالتقسيط ” للقاص والروائي الحبيب السائح
قراءة في ” محيط النص”
* قلولي بن ساعد (قاص وناقد من الجزائر )
إن القارىء المتمرس بأشكال القول السردي المتعددة تعدد زوايا النظر إلى مختلف حساسيات الكتابة السردية في السياق العربي إذما قدر له أن يطلع على بعض الأعمال القصصية والروائية للروائي الحبيب السائح خاصة منها الأخيرة أي تلك التي تنتمي سياقيا إلى مرحلة ما بعد صدمة ” زمن النمرود ” باكورة أعماله الروائية التي صودرت من المكتبات وجلبت له متاعب جمة سيقف بلاشك على ثراء هذه التجربة واختراقها الشكلي والبنائي لآليات التشاكل المعماري المكرور المتاشابه الذي درجت عليه أكثر من تجربة وهي تعيد إنتاج قراءة الواقع والراهن والذاتي والموضوعي والهامشي والعرضي بأدوات فنية ولغوية سيطرت عليها المحاكاة الساذجة للواقع المعلب في صور وكليشيهيات جاهزة ولم تترك مسافة فاصلة بين المتخيل والواقعي بين الممكن واللاممكن بين ماحدث بحرفيته وما يمكن حدوثه لتتولى المخيلة الإبداعية تشذيبه وصهره في بوتقة الفن الإبداعي حدث ذلك مثلا في بعض النماذج من الأدب السبعيني الذي كان السائح أحد ممثليه عندما التبس الإيديولوجي بالإبداعي والجمالي البحت لدى فئة من الكتاب والساردين حاولوا التناغم مع خطاب إيديولوجي ساد فترت السبعينيات هو الخطاب الإبداعي المعبأ بالأثر الإيديولوجي الماركسي مما مهد لولادة نصوص سردية نصوص يمكن تسمية بعضها بسبب تضحيتها بالجمالي الإبداعي لحساب الدعاية الإيديولوجية ” نصوص المديح الحزبية ” مثلما حدث أيضا لا حقا مع أدب الأزمة الأمنية التي عرفتها جزائر التسعينيات من القرن المنصرم أو ” أدب المحنة ” مثلما يسميه الحبيب السائح مما إضطره لمراجعة كل خيارته في الكتابة السردية والعودة إلى أحضان اللغة لعلها ترمم بعض ما كسرته الإيديولوجيا والإمتلاء بالآخرين أو لغة اللغة كما يقر بذلك كل من تناول منجره السردي القصصي منه والروائي في تحولاته الجديدة واحتفاءه بالعنصر اللغوي كرافد أساسي من الدارسين والنقاد على غرار السعيد بوطاجين وأمنة بالعلى ومحمد تحريشي ومخلوف عامر والزيواني أحمد الصديق ومرابطي صليحة وبوشوشة بوجمعة وعبد الحفيظ بن جلولي ومحمد الأمين السعيدي ” بوصفها كما تستنتج ذلك الباحثة مرابطي صليحة وهي تتصدى لمسألة حوارية اللغة في رواية ” تاماسخت دم النسيان ” صورة عدولية غير مألوفة فبدت هي الموضوع وهي الهدف الأساسي للسارد”(01) لاسيما بعد صدور روايته ” ذاك الحنين ” التي تمثل في رأينا لحظة القطيعة مع الكتابة الروائية والسردية الواقعية المنخرطة في الهم الإيديولوجي الإشتراكي التي كان السائح أحد ممثليه كما ذكرنا لدرجة أن تجربته الجديدة في كثافتها اللغوية وانفجارها الدلالي والمجازي وانفتاحها على مكونات الموت والشوق والعوالم الصوفية والروحية والغرائبية في بعدها الأنتروبولوجي البحت وهو ما تؤكد عليه الدكتورة آمنة بالعلى حين تعلن بوضوح ” أن السائح كان واعيا كل الوعي بمزالق المحنة وأثرها في الكتابة فأجهد نفسه في بداية التسعينيات في “ذاك الحنين” لكي يؤول أحداث الواقع إلى وقائع تخييلية فكتب رواية “تامسخت دم النسيان ” ليجيب عن سؤال تم طرحه بخصوص علاقة الأدب بالمجتمع وهو كيف يشتغل الخطاب الروائي على الخطاب الإجتماعي من خلال إستراتيجية التشكيل ” (02) إلى الدرجة التي جعلت هذه التجربة تحدث فجوة عميقة في التلقي لدى القراء وباعدت بينهم وبين التواصل مع السارد أعني هنا الحبيب السائح على صعيد القراءة كلحظة اكتشاف ورصد ومعاينة للمحمول الإبداعي المنتج لقيم جمالية يتوجه بها إلى قارئ بسيط لاحول له ولا قوة ولم يمتلئ بعد بغبار المعنى ولا بنداء الأقاصي وفيض اللغة أو “العدول الأسلوبي ” بتعبير السعيد بوطاجين وآثار الرموز الفكرية والتاريخية والقيم المرجعية في الفلسفة والفقه واللغة والتصوف أجبرت هؤلاء النقاد والباحثين على البحث عن آليات جديدة غير سياقية للقبض على المفاصل الأساسية لهذه التجربة نسبيا لإضاءتها وإعادة إنتاج معرفة نقدية بها وقراءتنا هنا طبعا ليس من أولوياتها أبدا الإلمام بمكونات هذه التجربة لأننا نعتقد أن عملا كهذا موكول لفريق من الباحثين ولا يمكن لأي كان مهما بلغ من عمق الثقافة والخبرة بالكتابة النقدية أن يقوم به لوحده مثلما أنها تتطلب أيضا صبرا طويلا وتأملا عميق الغوروالمدى .. بل إننا سنكتفي فقط في هذه المحاورة النقدية برصد ومعاينة تشكل تيمة الموت كما تحضر في مجموعته القصصية ” الموت بالتقسيط ” ويبدوا أن هذه التيمة ظلت ولا زالت تلازم السائح في أغلب نصوصه القصصية والروائية بدليل أنه أصدر رواية جديدة عن دار العين بالقاهرة بعنوان “الموت في وهران ” إن تيمة الموت في هذه المجموعة القصصية لا تطفوا على سطح النص بشكل عائم كما قد يتصور البعض بل إنها تشكل جزءا من البنية الموضوعاتية للنص فهي” رحم الموضوع ونواته السيكولوجية التي يرتد إليها والتيمة إذن موغلة في الإمتداد في باطن المؤلف “(03) بالنظر إلى سيطرة عامل المحنة على المخيال الثقافي والإبداعي لهذا المبدع وتفاعلات نصوصه القصصية والسردية عموما مع الرموز والمرجعيات التي يتعامل معها بمرونة وخصوصية تأخذ أبعادا متعددة بين ثنايا نصوص مجموعته القصصية “الموت بالتقسيط ” موضوع هذه المحاورة النقدية ” كعنصر مهيمن ” من حيث أن التيمة أية تيمة بصرف النظر عن إحالتها بتعبير باختين ” يمكن أن تتواجد حتى في أبسط شكل لغوي في النص وهو الكلمة لأن الكلمة في حد ذاتها ذات طبيعة حوارية وجدالية تثير بتواجدها مجموعة من التساؤلات ” (04)بإعتبارها ” عنصرا مهيمنا ” و” العنصر المهيمن يعرفه رومان ياكبسون بوصفه ” العنصر المحوري في العمل الفني الذي ينظم ويحدد العناصر الأخرى ويدخل عليها التحولات الدلالية فهو الذي يضمن تماسك البنية الفنية للنص وتلاحمها ” (05) ولأجل هذا نعتقد أن بعض تحولات المجتمع الفارقة تتطلب تحولا آخر على مستوى اللغة في التعامل مع التيمات والموضوعات الأشد إرتباطا بالذات الإنسانية وهو ما كان السائح على إحاطة به من أجل صياغة والتعبير عن الإحساس بالمحنة التي هيمنت على الجزء الأكبر من نصوصنا السردية القصصية منها والروائية وإتسمت لدى البعض بالتسجيلية المفرطة بينما تعامل معها البعض الآخر كمعطى إبداعي ولعلنا نجدها هنا في هذه المجموعة معالجة بنوع من الخصوصية والفرادة المتمثلة أساسا في ترك مسافة فاصلة بين المتخيل والواقعي بين الممكن واللاممكن بين المادة القصصية و” أدوات عرض المادة المضمونية ” بتعبير السعيد بن كراد وهي كما ترى الدكتورة آمنة بالعلى “إسترتيجية بدأها السائح في ذاك الحنين وتامسخت حتى غدت موضوعا فاللغة وإن كانت نثرية فهي ليست لغة واصفة للحدث بل تقول نفسها فهي الممثل والموضوع والمؤول ” (06) وهو الأمر الذي نبه إليه االدكتور السعيد بوطاجين في كتابه ” السرد ووهم المرجع” حين تحدث عما سماه ي تجربة السائح السردية ” بالعدول الأسلوبي ” إشتقاقا لمصطلح ” العدول ” الوارد في نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني كمعادل موضوعي لما تسميه كريستيفا ” بالإنزياح ” إنزياح لغة السائح السردية عن عنف الواقع وهيمنة الحدث وعليه نعتقد أن هذا بالضبط ما يميز السائح ويجعله متفردا في التعامل مع تيماته وموضوعاته فتحضر تيمة الموت في هذه المجموعة القصصية كجزء من البنية الفنية والدلالية للنص وليس كموضوع خارجي عائم يطفوا فوق سطح النص بل على العكس من ذلك إن تيمة الموت تعمق الرؤيا الإبداعية والفكرية التي يبلورها النص القصصي عند السائح في سياق هدمه لآليات النقل الفوتوغرافي للواقع وتحولها بفعل ” عقيدة الخرق والتجريب ” والحفر في باطن اللغة إلى آلية مفارقة من آليات الكتابة القصصية التي لا تستكين للسائد والمطلوب ولا تتناغم مع التمثيل السردي الذي درج عليه الوعي القائم الظرفي بالكتابة القصصية في التعامل مع التيمات الطارئة بفعل عنف الواقع واللحظة الجزائرية لحظة تمثل تجربة الموت في ملفوظ ابداعي تبعث على الرعب والخشية في نفس الإنسان وتنبئ بالإحباط وغموض المصير ولهذا فحين نتناول تيمة الموت في هذه المجموعة فنحن نتأملها فقط كما تتمظهر في ” محيط النصوص و النصوص الملحقة ” أو “النصوص المصاحبة “بتعبير جيرار جينيت كالعنوان ” الموت بالتقسيط ” والإستهلال وعناوين النصوص القصصية التي تحملها المجموعة مجتمعة لأن هذه “النصوص الملحقة ” لها علاقة وطيدة بالخطاب القصصي عموما ” كخطاب الشخصيات “أو ” خطاب الأقوال” بالتعبير الأكثر دقة الذي يحدده جيرار جينيت أي الخطاب الذي تقوله هذه الشخوص في حواراتها الداخلية أو الخارجية وفي حديثها عن الموت وكيف تعبر عنه ثم “الخطاب المحمول ” بتعبير جيرار جينيت وهو خطاب داخل النص تحضر فيه تيمة الموت وقدحولها السارد الخارج نصي أي الكاتب من حوار الشخصيات إلى الفضاء السردي وسنكتفي كما أشرنا منذ قليل بتأملها في” محيط النص ” دون ان نتجاوز ذلك إلى “خطاب الشخصيات” و ” الخطاب المحمول ” بتعبير جيرار جينيت لأن ذلك يتطلب العودة الى الإستئناس النظري بالآليات المحددة لمفاهيم وعناصر الشخصية القصصية وهي كثيرة ومتداخلة ويصعب الإحاطة بها مما يبعدنا عن الغاية المحددة لهذا المقال وهي تنهض على تأمل تيمة الموت في هذه النصوص عبر ” محيط النص “
تيمة الموت في ” محيط النص ” :
قد لا يخفى على القارئ المتخصص أن مفهوم ” محيط النص ” كان جيرار جينيت أول من استخدمه ونبه إلى أهميته فقد أفرد له حيزا مهما من كتابه ” تطريسات ” بوصفه المعنى الدال على تجلي ” النصية المتعالية التي تتضمن جامع النص ” (07) ففي غلاف الكتاب يواجهنا عنوان الكتاب ” الموت بالتقسيط ” لماذا ” الموت بالتقسيط ” وليس الموت دفعة واحدة ما معنى هذا وما دلالته وما موقعه من هذه المجموعة غير أن قراءة وجيزة لنصوص المجموعة تكشف لنا أنه العنوان الذي وضعه القاص لاحد النصوص ولذلك تصور أنه يعبر عن أجواء الفضاءات النصية لهذه المجموعة ومحمولاتها التيماتية بالنظر إلى أن تيمة الموت في هذه النصوص تشكل مكونا من مكونات الرؤية الجوهرية التي تميز نصوص أدب المحنة الذي كرس له هذا القاص والروائي كل جهده الابداعي ثم إسم الحبيب السائح بإعتباره مبدع هذه النصوص ومؤلفها وهوبتعبير ياب لنتفالت ” منشئ الأثر الأدبي وهوشخصية لها تاريخ وسيرة وتعيش في عالم البشر عيشة مستقلة عن النص الذي تبدعه وهوشخصية ثابتة في الفترة الزمنية التي فيها ينشئ إبداعه هذا ” (08) السيرة التي تتحدد بما عرف عنه من إنشغال بالكتابة القصصية والروائية في التعبير عن ” المحنة الجزائرية “والتي تأخذ أحيانا شكل الموت التيمة المركزية لنصوص هذه المجموعة القصصية وقد تناولها كتاب عديدون كل حسب رؤيته لها وتمثلها في مخياله كنص إبداعي والتي يرجعها السائح إلى ما يسميه ” بحماقات العقلية الهلالية ” ثم صورة الغلاف وهي من الأعلى صورة يميزها اللون الأسود القاتم فيما من الأسفل تميل إلى اللون الأحمر لون الدم المعادل الموضوعي لتيمة الموت التي تهيمن على الفضاء النصي لهذه النصوص كما سنرى ومما يؤكد ما نزعم هو ذلك التواشج على الصعيد التيماتي بين دلالة العنوان “الموت بالتقسيط ” وثلاثة إستهلالات ” كنصوص محيطة أو ملحقة ” بالمتن إثنان منهما داخليان فيما الثالث فهو خارجي أو ” إستهلال لاحق أو بعدي متأخر “(09) مثلما يسميه عبد الحق بلعابد الأول خصصه السارد الخارج نصي لنصوصه التي وصفها في ” محيط النص ” في البداية بأنها “نصوص غير معلنة ” ما معنى غير معلنة …ما معنى هذا …ما الذي جعلها غير معلنة هل هو الخوف من عسس الكتابة أم من الرقابة الذاتية أو الأخلاقية أم من الرقيب السياسي البوليسي بالنظر لسوابق هذا الأخير معه في ” زمن النمرود ” الرواية المصادرة المسكوت عنها لكن هذه حالة ضمن حالات كثيرة ممكنة لها علاقة بهوس القاص بالكتابة والإعلان عن مواقفه ورؤياه الإبداعية والفكرية ومنها ماهو إيديولوجي يريد أن يتخلص منه القاص إلى غير رجعة وقد فعل ذلك بعد صدمة” زمن النمرود ” الرواية التي كلفته الصمت كثيرا بعدما صودرت من المكتبات وأثارت جدلا واسعا في الأوساط الثقافية والسياسية ومنها ماهو إجتماعي وثقافي يحتاج إلى طرح نظري سوسيو-ثقافي ليس هنا مجاله أما الإستهلال الداخلي فهو الذي يلخصه في القول التالي ” لم يحدث أن دفنت سعيدة أبناءها خشية أن يطلع النهار فكيف أقتلع هذا الألم من قلبي فأعلقه في كبدي ” (10) وبمجرد قراءة سريعة لقصة ” أحزان البيت السعيد ” يتأكد لنا أن هذا الإستهلال المقطعي مأخوذ من هذه القصة وأنه لم يرد لذاته فقط فقد جاء في خدمة الأهداف والغايات التي سطرها القاص لتثبيت علة وجود هذه النصوص وأهمية حضورها في السياق العام لبلورة رؤية إبداعية محددة أثناء لحظة الكتابة الأمر الذي يسمح له بالقول ” على بصيص آخر نجمة واروه التراب لم يحدث أن دفنت المدينة أبناءها خشية أن يطلع النهار فيصبحن قبره بماء معدنها كل سنة عجفاء فكيف يبتسم الربيع لشمسه أنا حبيبته المسكونة غدائدي بمذاق عسلية شبابه الموجوعة بنشيج حلمه فكيف أقتلع من قلبي هذا الألم فأعلقه في كبدي ” (11) ثم عناوين هذه النصوص القصصية “كملحقات مباشرة لمحيط النص”التي تتشكل من “أحزان البيت السعيد – شجر فقد ظله – صديقي الذي غادر – الخوف – رسالة بريدية لم تبعث – يامنة – البهية تتزين لجلادها – قصر العطشان – الموت بالتقسيط – في انتظار عثمان – نوال – يوم في وهران – كمين ” متبوعة بقائمة نصوص الكاتب المنشورة ” القرار- الصعود نحو الأسفل – زمن النمرود – ذاك الحنين – البهية تتزين لجلادها – تماسخت دم النسيان – تلك المحبة ” إذ تبدو دلالة هذه العناوين خاصة في نصوص مثل ” الموت بالتقسيط – الخوف – كمين – صديقي الذي غادر- البهية تتزين لجلادها ” منسجمة مع الأدوار التيماتية لظاهرة الموت التي تهيمن على الفضاء النصوصي في هذه المجموعة وتشكل هذه العناوين بؤرة استقطاب “كعنصر مهيمن ” وما يحيل إليه من دلالات فلفظ ” كمين ” يحيل إلى ظاهرة إكتسحت الحياة العامة وتتمثل في تلك الحواجز المزيفة التي كان يلجأ إليها أمراء القتل لتصفية بعض الرموز العامة والخاصة وكذلك الأمر بالنسبة لملفوظ “الخوف ” الذي جعل منه القاص عنوانا لأحد النصوص كحالة نفسية تنتاب الإنسان ومصدر لانفعالات نفسية تتصل بالخوف من المجهول ينعكس معه قلق ناجم عن ما ينتظره بفعل ضغوط خارجية أفرزتها معطيات سياسية واجتماعية اتسمت بالخوف من الآتي وحالة الرعب وغياب الأمن التي سادت المجتمع الجزائري في تسعينيات القرن المنصرم فألحت على تصدعات المجتمع الداخلية والتباري في إشهار شضاياه وانكساراته وهمومه عبر هذه النصوص كمعطى إبداعي قابل هو أيضا لمزيد من التشضي والقراءة كلحظة تعمل على إضاءة الجوانب الداجية من هذه النصوص القصصية ونصوص أخرى بما يعني من اختبار قدرة القراءة والتلقي النقدي على تفكيك الدلالات الحافة لهذه التيمات للكشف عن آليات تمثلها إبداعيا وهي تنبثق في هذه النصوص بوصفها العتبة الأولى إن لم أقل المهيمنة على ما عداها من تيمات أخرى بما يتعدى الإستخدام الميكانيكي الآلي لهذه التيمات عبر بعض ما كتب من نصوص قصصية وروائية بعضها أقرب إلى الخطاب الإعلامي منه إلى الخطاب الإبداعي كتمثل لما هو حاضر في واقع عيني مرجعي يشكل مادة الكتابة وعنصرها السببي ” المطروح على الطريق ” على رأي الجاحظ وهي تتباين وتختلف من نص لآخر ومن تجربة لأخرى وهو الأمر الطبيعي جدا في كل أنماط الكتابة الإبداعية منذ أن وجدت وأخترقت طبقات الواقع والوجود بالنسبية الممكنة التي تحدد مصائرها وآفاقها المنظورة
إحـــــــالات :
)01) حوارية اللغة في رواية تماسخت دم النسيان -للحبيب السائح – مرابطي صليحة – ص 137 منشورات مخبر تحليل الخطاب بجامعة تيزي وزو ودار الأمل – 2012
)02) مقدمة د آمنة بالعلى لكتاب حوارية اللغة تماسخت دم النسيان لصليحة مرابطي – ص 05
03)التحليل الموضوعاتي للخطاب الشعري كلام المنهج .فعل الكلام – ص 48 د يوسف وغليسي – منشورات دار ريحانة الجزائر
04)حوارية اللغة – مرجع مذكور نقلا عن شعرية دوستوفسكي لميخائل باختين – ص17
05) قضايا الشعرية – رومان ياكبسون – ترجمة محمد الولي ومبارك حمون – ص 61 منشورات دار توبقال الدار البيضاء 1988
06) الرواية الجزائرية من المتماثل إلى المختلف دآمنة بالعلى – ص 200 منشورات دار الأمل الجزائر2007
07)سيميائية العتبات النصية في خطاب الإهداء – أحمد يوسف – مجلة اللغة والأدب والعربي – جامعة الجزائر ص 170 – العدد 15 2001
08)معجم السرديات ص 366– اشراف محمد القاضي تأليف مجموعة من الباحثين – منشورات الرابطة الدولية للناشرين المستقلين
09)” الإستهلال البعدي أو اللاحق ” وأشكال أخرى من الإستهلالات ذكرها وشرحها بالتفصيل عبد الحق بلعابد في كتابه ” عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص بدءا من ص 112 منشورات الإختلاف والدار العربية للعلوم بيروت 2008
10) الموت بالتقسيط – قصص – الحبيب السائح – منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين – ص 07 2003
11) الموت بالتقسيط مرجع مذكورص 11
—————————————————————————————————————————————————————-
العتبات النصية في رواية تلك المحبة للحبيب السائح
(عصفور التل الوهراني يغرد على أسوار قصبات توات)
على سبيل التفريش
* د . الصديق حاج أحمد ( روائي وأستاذ جامعي من الجزائر )
حين يتزين الغلاف بمساحيق الألوان, ويوشّح وجهه الخارجي بتعشيقة اللوحات الفنية, مع ما يمكن أن يضاف إليه من توابل الإخراج الطباعي, فضلا عن ظفر الصيد الذي يكون الروائي قد أجهد نفسه في اختيار العنوان المناسب, مع ما قد يتسببه العنوان من استفزاز جرئ للقارئ, عندها تكون المؤامرة قد اتضحت معالمها مع سبق الإصرار والترصد بين الروائي ودار النشر, قصد محاولة إيقاع القارئ في مصيدة وشراك غواية الافتتان بعنوان النص ومتنه, وبالتالي قراءة الكتاب, ومحاولة شرائه, أو إعارته.
إن الدلالات اللسانية, والإيحائية للعنوان, والملامسة البصرية للصوّر والألوان, ومدى تناسقها مع متن النص, كل ذلك قد يُقدم للقارئ على شكل مقبلات, أو أُردوفات, إن جاز تعريب هذا المصطلح الدخيل, قلت فإن كل ذلك مما قد يفتح شهية القارئ, لتناول وجبة الكتاب.
فكم من متن ثمين مجه القارئ, وانصرف عنه, بسبب عنوانه, وغلافه, وبالمقابل كم من متن هزيل, اقتناه القارئ بسبب عنوانه الغريب والمحبوك, وغلافه الجذاب, مما قد يؤثر على القارئ, ويقتنيه, وينطبق هذا التوصيف, في معارض الكتاب, وأمام ببليوغرافيا المكتبات, إذ ليس بمقدور القارئ الوقت الكافي لمعرفة متن الكتاب, خلال ذلك الوقت الزهيد, إنما يعوّل على العنوان, ومن هنا تكمن أهمية العنوان, والعتبات النصية.
ويصدق هذا القول في أمر العتبات, ما وقع لي شخصيا مع عنوان أحد الروايات, عندما كنت أبحث عن رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح بفهرس المكتبة الجامعية, وإذا بي أصادف عنوانا غريبا لأحد النصوص الروائية اللبنانية, والموسوم بـ” سأنتعل الغبار وأمشي”, للكاتبة والإعلامية اللبنانية مي منسي, مما جعلني, بل أنساني البحث عن مقصدي الأول, وهو البحث عن رواية الطيب الصالح, كما أن الصورة التشكيلية الانطباعية الموضوعة على غلاف الرواية, والتي ترمز إلى أثار أقدام على أرضية بلون رمادي, كل ذلك زاد من تأملاتي التخيلية, مما أوحى لي بأن هناك سرا يجب أن يعرف, ولغزا يجب أن يحل, وما وجدتني في الأخير, إلا أن أقول للنص أنا عبدك, وأنت سيدي, وبالفعل فإن هذا العنوان يستفز القارئ, ويجعله أسيرا لاستكشاف سراديب الغلاف, ومتاهات الغرابة في العنوان.
ويذكر الناقد محمد صابر العبيد, أن التطور الحاصل في تاريخ العنوان جعله بعد سنوات عجاف, يستفيق من غفوته, ويتمرد على إهماله لفترات طويلة, وينهض ثانية من رماده, الذي حجبه عن فاعليته, وأقصاه إلى ليل من النسيان1.
وإن كانت العتبات النصية موجودة, ومحتفى بها في التراث العربي القديم, وأكبر دليل على ذلك ما صنعه القدامى في حرصهم على التطريز, و تباريهم في العناوين المسجوعة, والتي تترك إيقاعا في وقع جرسها الموسيقي, وتأثيرها الدلالي, غير أن التنظير العلمي لها, وإسقاطها على النصوص الأدبية والسردية, لم يأت إلا مع فرنسوا فروري francois fourier, وأندري فونتاناandrie fantana, في كتابيهما عناوين الكتب في القرن الثامن, وكلود دوتشيclaude dutcher, سنة 1973, والمعتب بعنوان الفتاة المتروكة والوحش البشري مبادئ عنونة روائية, وفي نفس السنة أصدر ليو هوك leo hock, كتابه سمة العنوان marque de titre, كما خصص شارل جريفال chares grivel, فصلا خاصا للعنوان في كتابه نتاج الاهتمام الروائي, نهاية بعمل المنظر الكبير لعلم العنونة جيرار جينتgenette , في كتابيه أطراس, وعتبات, حيث أضحى للعتبات النصية, والنصوص الموازية, وكذا التعالي النصي, نظريات تؤسس, وقواعد تضبط, يعمل على مراعاتها الكاتب, وتضعها في الحسبان دور الطبع والنشر.
ونظرا للدور الخطير الذي تلعبه العتبات النصية, والخطب المقدماتية, والمطالع الافتتاحية في تقريب القارئ من النص, بدأت الحركة النقدية في الوطن العربي, ولاسيما في المغرب الشقيق, والجزائر, وسوريا, تلتفت لهذا الخطاب, وتوليه ما يستحقه من الدرس والمباحثة, لكونه يشكلا نصا في حد ذاته.
ومن هذا المنطلق, فإن هذه المداخلة المتواضعة, تروم إلى مقاربة أفق الانتظار لدى القارئ من خلال رؤيته للعنوان لأول وهلة, وكذا دراسة العتبات النصية, أو ما يصطلح عليه بالنصوص الموازية والمصاحبة لرواية تلك المحبة للروائي الجزائري الحبيب السائح, بما فيها من خطاب مقدماتي, ومؤخراتي, وكذا الدلالة الإيحائية والسيميائية لصوّر وألوان الغلاف.
وقبل الخوض في تفاصيل العتبات النصية للرواية المذكورة, يجدر بنا أن نوطئ ولو بإيجاز لمسيرة السرد الروائي الجزائري.
فقد مرّت الكتابة الروائية في الجزائر بعدة مراحل حاسمة, وبالرغم من ولادتها القيصرية عن طريق عبد الحميد بن هدوقة, إلا أن مرحلته شكلت التأسيس والنشأة, بالرغم مما قد يعاب عليها من قلة النضج, وهذا أمر طبيعي, لبلد كالجزائر, عشش وفرّخ فيه الاستعمار الفرنسي لأكثر من قرن ونصف القرن, فكان من الطبيعي أن يسيطر التيار الفرنكفوني على الكتابة والتأليف, وبالمقابل التأخر الحاصل في تجربة الكتابة بالحرف العربي, وتشمل هذه المرحلة فترة الستينيات.
أما المرحلة الثانية فطبعت بطابع الموضة الإيديولوجية, وهذا خلال السبعينيات من القرن الماضي.
بعدها عرفت الكتابة الروائية في الجزائر تحوّلا, بحثت فيه عن ذاتها, وذلك خلال الثمانينيات من القرن الماضي.
أما بالنسبة للعشرية السوداء, فقد انزوت الرواية الجزائرية خلال هذه الفترة, إلى التعبير الكابوسي الظلامي, مع ما تركه الإرهاب من وشم وحفر في الذاكرة الجزائرية.
ومع بداية الألفية الثالثة بدأت الرواية الجزائرية تؤسس لنفسها مرجعية ذاتية, مستمدة من التجربة الإبداعية عند كتابها, حتى غدا للنص الروائي الجزائري مشاريع, يحتفل بها في المشرق, ويحتفى بها في المغرب.
ومن بين الكتّاب الجزائريين الذين بشّروا بميلاد مشروع جديد في الكتابة السردية, يختلف عن كتابات السابقين, ويتفرّد بين الخالفين, إنه الكاتب والروائي الجزائري الحبيب السائح2, هذا الكاتب الذي عقد زواجا شرعيا مع الكتابة مذ أصدر مجموعته القصصية الأولى بدمشق سنة 1979, والموسومة بالقرار, متبوعة بمجموعته القصصية الثانية, والتي طبعها بالجزائر سنة 1981, والمعنونة بالصعود نحو الأسفل, ومع صدور أول نص روائي له, والمعتب بزمن النمرود سنة 1985, هذه الرواية التي سببت له مضايقات شديدة, مما جعله يرحل لتونس, ثم المغرب, ومع ما سببته له من متاعب, أعطته من الشهرة الكثير خارج القطرية.
ومع صدور رواية ذاك الحنين3, حدثت طفرة في الكتابة السردية عند الحبيب السائح, وإن كان النص في بؤرته, وتيمته, وإيقونته, ظلّ مرتبطا بتنميطته السابقة, إلا أن الناقد قد يتلمس بعض الإرهاصات الخاصة بمشروعه المستقبلي.
وبصدور رواية تماسخت دم النسيان4, أضحى جليا عند النقاد, والمتتبعين للحركة السردية الروائية الجزائرية, أن الحبيب السائح يقوم بوضع لبنات حقيقية لتأسيس مشروع روائي جديد, يعتمد فيه على مملكة اللغة, والاحتفاء بها, وكذا التمثيل الجنسي للأشياء, إذ يصعب على من لا يفهم تشكل البناء السردي عند الحبيب السائح, أن يكون له من النفس ما يشجعه على إكمال نصه, ولعله أمر مقصود من الكاتب, لكونه يريد أن يقصي قارئا معينا.
ومع ميلاد رواية تلك المحبة5, يكون المشروع الروائي للحبيب السائح قد اكتمل ونضج, واستوى على سوقه, ومع ما تبعه في روايته الأخيرة زهوة, ليس من جانب مملكته اللغوية فحسب, بل من سلطنته الغرائبية والعجائبية, وإمارته الشعبية المحلية الأسطورية الصوفية.
وفي الآونة الأخيرة, بدأنا نلحظ اهتماما من لدن النقاد الأكاديميين الجزائريين بسرديات الحبيب السائح, كالأستاذ السعيد بوطاجين, والأستاذة آمنة بلعلى, والأستاذ تحريشي, والأستاذ الخير شوار وغيرهم.
قراءة في العتبات النصية لرواية تلك المحبة
وتشمل هذه القراءة ثلاثة جوانب, هي كالتالي:
ـ قراءة في سيميائية الغلاف وصوّره وألوانه.
ـ قراءة في دلالات العنوان, ووجبته اللسانية الدلالية, ووصفته الإيحائية.
ـ قراءة في النصوص الموازية الافتتاحية للنص الروائي.
1 ـ قراءة في سيميائية الغلاف, وصوّره وألوانه:
الغلاف هو الوجه الأول الذي يُنظر إليه, وهو آخر ما يبقى بذاكرة القارئ, وإن كان من تمثيل لمكانة الغلاف من الكتاب, فيمكن تمثيله بمثابة وجه المرأة, ومن ثمّ وجب الاحتفاء به, وإعطائه المكانة اللائقة به, فاختيار الصوّر والألوان, مما يجب على صاحب النص مراعاته, وأن لا يترك لدار النشر والطبع حق التصرف في ذلك, اللّهم إلا إذا كانت بها هيئة مشكلة من الخبراء, الذين لهم معرفة بدلالات الصوّر والألوان.
فالصوّر والألوان, ومع ما يمكن أن تتركه من دلالات حقيقية ومجازية, وانطباعات تأملية وتخيلية, يعوّل عليهما كثيرا, في شد انتباه القارئ, وإيقاعه في غواية الاهتمام بالكتاب.
فالدلالة الإيحائية للرماد ولونه, مثلا في رواية سأنتعل الغبار وأمشي, مرتبطة بالنص, لكون النص مأسوي تراجيدي, يتحدث عن طفلة صغيرة يتيمة مع أخيها الصغير, فقدا والديهما, إبان الحرب اللبنانية, وهجرا إلى ملاجيء الأيتام بالخارج, فذهبت هي لملجأ, وذهب أخوها إلى ملجإ آخر, ولم يبق لها سوى الحزن والرماد.
فتصميم الغلاف في تلك المحبة, يعبر عن صوّر فوتوغرافية واقعية, بعيدة عن الانطباعية, والتجريدية, وإن كان الخبراء يوصون باستعمال التشكيل الانطباعي والتجريدي, لكونهما يفتحان مجالات متعددة من التخيل والتأويل, وهو أمر مفقود في الصوّر الفوتوغرافية, لكونها تُقرأ وتُفهم من أول وهلة, وبالتالي يحرم المتلقي من متعة التخيل والتأويل.
ويمكن مقاربة صوّر الغلاف وألوانه, في عدة معطيات, وهي كالتالي:
ـ المعطى الأول, وهو علية صورة المرأة الأدرارية التارقية, ووضعها في الجانب الأعلى من الغلاف, وفي ذلك دلالة رمزية لمكانة المرأة في المجتمع التارقي,غير أن السؤال الذي يبقى مطروحا, ونعتقد أن الكاتب مسؤول عن الإجابة عليه, وهو أن المرأة التارقية, وإن كانت تمثل جزء بسيطا من المجتمع الأدراري, كما أنها حديثة العهد بأدرار, إذ يرجع أول وجود لها إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي, بفعل الجفاف والمجاعة التي ضربت شمال مالي, حيث هاجرت أعدادا غفيرة من الطوارق نحو رقان, وأدرار, وبرج باجي المختار, وتيمياوين, وتينزاوتين, وتمنراست.
أما صورة المرأة الأدرارية الحقة, فهي صورة المرأة القصورية القروية, ومما يزيد الاعتقاد بتارقية الصورة, هو ذلك اللون الأزرق الداكن المكثف, وهو رمز من رموز الطوارق, وينسب عندهم لنوع من اللباس يسمى الطاري والنيلة.
غير أننا قد نجد تجويزا وترخيصا للكاتب بسبب وضعه لصورة المرأة التارقية دون غيرها, إما لإعجابه بها, وإما لجمالها الفاتن, وهذا أمر لا مشاحنة فيه.
كما أن تكثيف اللون الأزرق الداكن, ومحاولة طمسه لتجليات صورة المرأة الأدراية التي تظهر خلف ضباب أبيض, وكذا أسنانها البيضاء, قد يُفهم منه مدى صعوبة فهم المرأة الأدرارية, والتي تظهر لأول وهلة بسيطة, ويمثل هذا الضباب الأبيض, لكن محاولة إخفائها خلف ذلك اللون الأزرق الداكن المكثف, يفهم منه مدى صعوبة قرأتها وفهما كما قد يتوهم للمرة الأولى.
ـ المعطى الثاني, وهو صورة عرق الرمل الأصفر الذهبي الممتد على عرض الغلاف, ويوحي هذا المشهد للقارئ أن الرمل بنعومته, وصفائه, جزء من تلك المحبة.
ـ المعطى الثالث, وهو صورة المخطوط التراثي, ويرمز للمرجعية العلمية, والدينية, والصوفية للمنطقة الأدرارية, وقد نصص الكاتب عليه باسم المصنف في تضاعيف المتن, وهذا المعطى هو الآخر جزء من تلك المحبة التي وهبها الحبيب السائح لمدينة أدرار.
ومن سيميائية وجه الغلاف كذلك اسم الكاتب الحبيب السائح, الذي وضع في أعلى الغلاف, كما يستشف من سيميائية الغلاف كذلك عنوان الرواية تلك المحبة, الذي كتب بخط غليظ وبارز, بخط الثلث, مع استرسال وسباحة لحروفه, ترمز لانبساط الكاتب, ومحبته لأدرار, وأهلها, هذا وقد لون العنوان تلك المحبة باللون الأصفر, الرامز لاصفرار رمال أدرار الذهبية, وتحته للجهة اليسرى, وضع تجنيس الكتاب, ليشير لجنس الرواية, وقد كان ذلك بخط نسخي أقل بكثير, من حجم خط عنوان الكتاب, وفي نهاية منتصف وجه الغلاف, وبخط أرق, وضع رمز واسم دار النشر.
هذا بالنسبة لوجه الغلاف, أما ظهره, ففيه نصوص موازية أخرى, قد يعوّل عليها في تذليل الصعوبات أمام القارئ, لولوجه عالم النص, فالنص الموازي الأول, هو وضع ترجمة مضغوطة تعرف بالكتاب, ولم تتجاوز ثلاثة أسطر, وهذا أمر مقصود, من الكاتب.
أما النص الموازي الثاني, الذي جاء على ظهر الغلاف, وهو كلمة دار النشر, وقد وضعت في شكل توطئة, وتفريش للنص, وقد وظف عامل التلخيص, والمنهج, والإغراء, والتحبيب, قصد جر القارئ, لافتضاض بكرة المتن, ويظهر أن هذا التقديم, قد وضع من لدن خبير بأمر السرد ومصطلحلته, ضليع بخبر التاريخ وعبقه, ومما جاء فيه ما نصه:” هذه الرواية نص جديد جدا في تيمته, وفي شكله, ومقاربته الفنية, وفي سرديته, التي تماذج بين الموروث والحداثي, لغة ونظما بنفس يلامس الصوفي, ويتداخل مع الغرائبي, بما وفر له من إمكانات الكتابة, التي تجعله رواية مختلفة, وبما بذل فيه من جهد إبداعي من أجل أن تقرأ, وبشكل جمالي, صورة أخرى عن جزائر أخرى, قابعة في التاريخ المنسي, والعمق المجهول, هناك, من خلال صحرائها, وعن غزوها, صحراء أدرار خاصة, وقصورها, وفقاراتها, ونخيلها, في قورارة, وتيديكلت, وتوات, التي عرفت مدينتها المدينة القديمة تمنطيط هجرات من اليهود, والمسيحيين, والمسلمين, جاءوا من من فلسطين, والشرق, والأندلس, والمغرب, وعن حرب المغيلي ضد اليهود, وعن تبشير الآباء البيض, والتنصير, على رأسهم الأب الضابط دو فوكو, وعن التجارب النووية في رقان, صحراء مملكة السر, والماء, والنار, حيث تجليات الخالق التي تزهر تلك المحبة“.
فهذا النص الموازي مهم جدا للقارئ, إذ يتيح له العديد من المقاربات, فهو مقاربة نقدية, بالمفهوم المتداول في عرف النقاد, كما أنه مقاربة أدبية, وفنية, وجمالية, وتاريخية.
فسر أدرار, وسكونها, وماء فقارتها, وقصورها, جزء من تلك المحبة التي يريد الكاتب أن يطلع القارئ عليها, ويقربه منها.
أما اللون الذي وشح به ظهر الغلاف, فهو اللون البني, وفي ذلك دلالة رمزية للون البنايات الطينية والطوبية لقصور وقصبات أدرار.
2ـ قراءة في دلالات العنوان:
لا يمكن للدارس, أن يتفهم دلالة عنوان تلك المحبة, إلا بالرجوع إلى النص الذي صدر قبله, والموسوم بذاك الحنين, ففي النصوص الموازية لذاك الحنين, ولا سيما في الخطاب المقدماتي لهذا النص, يصادفنا ما يشبه التصدير, أو الإهداء, حيث عمد الروائي, إلى التنصيص بقوله:” حنينا, ومحبة”6, وهو بهذا قد بشّر بقرب ميلاد تلك المحبة, كما أن الارتباط في الدلالة اللغوية واللفظية, هو الآخر مرتبط بذاك الحنين, حيث أنتج العنوان سريا وهديا بذاك الحنين كذلك, فالتوصيف الإشاري باسم الإشارة, المرتبط باسم مشار إليه, وإن كان من اختلاف, فهو من جهة التذكير والتأنيث, بين اسمي الإشارة ذاك وتلك, وبين الحنين والمحبة, وكلاهما أمران معنويان قبليان نفسيان, ارتبط أحدهما بمدينة سعيدة, وحنين الروائي إليها, والثاني بمدينة أدرار, ومحبة الروائي إليها.
فالدلالة اللغوية والإيحائية للعنوان, تفهم من سياقه, ويتكون من اسم الإشارة”تلك”, والاسم المشار إليه بعدها”المحبة”, فالعنوان الذي جاء في شكل جملة اسمية, يوحي إلى دلالة مكثفة, ومختزلة للنص, لكن هذه المحبة تظل مبهمة, وغامضة عند القارئ, أهي المحبة بالمفهوم الصوفي, والتي تعني الحب الإلهي, والفناء فيه, أم هي محبة العاشق للمعشوق, غير أن هذا الخبال, والتحيّر لم يبق طويلا, وسوف يزول بمجرد انتباه القارئ لصوّر الغلاف, عندها سوف يفهم, أن المحبة المقصودة من الكاتب, والتي هي في متن الكتاب, فهي لرمال أدرار, وقصورها, ونخيلها, وزواياها الصوفية, ولجمال نسوتها, ومن هنا نستنتج أن الصوّر الموضوعة على وجه الغلاف, كان أمرا مقصودا من الكاتب, لتقريب القارئ من النص, وانفتاحه عليه.
3ـ قراءة في النصوص الموازية الافتتاحية للرواية:
ـ أول نص مصاحب يقابلنا لنص المتن7, هو العنوان المزيّف faux titre , الذي يأتي مباشرة بعد العنوان الحقيقي le titre principale , وموضع هذا الأخير الغلاف الخارجي للكتاب, وكما تقول شادية شقرون, أما العنوان المزيف, فهو في الحقيقة ترديد وتأكيد, وتعزيز للعنوان الحقيقي8.
ـ ثاني نص مصاحب يأتي بعد هذا9, وصفة لأعمال الكاتب, القصصية, والروائية, والمترجمة, موصوفة بتاريخ نشرها, ودور نشرها, لوضع الثقة من لدن الكاتب في القارئ, بالإيحاء له من أن هذا الكاتب متمرس بالكتابة, وقديم العهد والصلة بها.
ـ ثالث نص مصاحب يأتي بعد هذا10, صفحة تشبه الإهداء, كتب في أعلاها وفاء, ووضع بعد هذا نقطتين مقصودتين, لتبئير التخيل لدى المتلقي, أهو هذا الوفاء من الكاتب لأدرار, أم لغيرها, لتترك مساحة كبيرة, ويأتي الكاتب في نهاية الصفحة, ليخبر القارئ, من أن هذا الوفاء المعلن منه, هو لتلك المحبة, ولأدرار وحدها, دون سواها.
ـ رابع نص مصاحب11, هو بيتان للخيام, استشهد بهما الكاتب من رباعياته, ومطلعهما:
يا قلب كم تشقى بهذا الوجود ـ وكل يوم لك فيه هم جديد
والظاهر أن الكاتب يريد أن يضع النص, ضمن المقاربة الفلسفية الوجودية, وبالتالي, وضع القارئ أمام طلاسم فلسفية, لا يفهم مقصديتها, إلا من خلال العبور إلى النص, وهذا أمر مقصود من الكاتب.
ـ خامس نص مصاحب, يأتي في الصفحة الموالية, هو نص مقتبس لأبي حيان التوحيدي, يقول فيه ما نصه:” إياك أن تعاف سماع هذه الأشياء الجارية على السخف, فإنك لو أضربت عنها جملة لنقص فهمك, وتبلد طبعك, ولا يفتق العقل شيء كتصفح أمور الدنيا, ومعرفة خيرها وشرها, وعلانيتها وسرها”, والواضح أن الغرض من هذا التنصيص مقصود من لدن الكاتب, فهو يغريه بالتحذير بالابتعاد عن مج ما يبدو للقارئ سخيفا, وفي ذلك تبطين خفي من الكاتب للقارئ, فالقارئ لم يصل إلى النص بعد, حتى يعافه ويمجه, ولو وُضع هذا الكلام في نهاية النص, لجاز لنا ذلك, ولكنه كما قلت حيلة وضعت من الكاتب للقارئ, ليقوم القارئ بمسآلة نفسه عن هذا السخف, لأن في كلمة السخف, شيء من المحظور والممنوع, كالجنس وغيره, وبالتالي جر القارئ للنص.
ـ سادس نص مصاحب, هو العناوين الفرعية للنص, وقد بلغت 12 عنوانا, ترتبط ارتباطا وثيقا مع العنوان الرئيس, كما أنها خادمة له في انفتاح القارئ على النص, ونظرا لضيق الوقت, فسوف اختار العنوان الفرعي الأول منها, كنموذج للدراسة.
وعنون الفصل الأول من الرواية, بعنوان موسوم بـ ” خطي بشفتيك على صدري صبر النخيل”, فليس من باب الاعتباط تصدير محبة أدرار, التذكير بمكانة النخلة وفضلها على أهل أدرار, لكونها أول شيء يخلق في الوجود, بعد آدم وحواء هذا من جهة, ومن جهة ثانية لأن الأدراريين, والتواتيين في القديم, قد التمسوا من عمتهم النخلة مصادر لاستقرارهم وعيشهم, فمنها تصنع أبواب بيوتهم, ومنها تسقف مساكنهم, ومنها, تخلق نعالهم, ومنها يعيشون ويتقوّتون, وقس على ذلك في كل أمر ضروري في الحياة عندهم, فكان من الطبيعي أن تتصدر محبة أدرار بالنخلة.
واللافت أن المقدمة الافتتاحية للفصل الأول جاءت محبوكة, ومدروسة, ففيها يشم القارئ رائحة تصوف أهل أدرار, حيث يقول الكاتب في مطلع الفصل الأول ما نصه:” استغفر الحق, وارتجي الشفاعة من حبيبه, وابتغي مرضاة الأقطاب, والأولياء, والأئمة, والأوتاد, والحكماء, والصالحين, والصوفية والزهاد, ورجال الرمل والماء, والفقارا, والأعماد, والأحباب والقراء من الأولاد إلى الأحفاد, فإنما أنا للخالق مذعن, وإلى الخلق مركن, وبمرضاة الوالدين الشريفين تمتد لي بساطا من العون أخضر ممعن, وباللغة ملسن, وبالأسماء ممكن, وللمطامع ممهن“.
الهـــوامش:
1ـ جمالية العنوان وفلسفة العنونة ـ محمد صابر العبيد ـ مجلة الأسبوع الأدبي ـ العدد 835 ـ دمشق ـ سوريا ـ 2002 ـ
ص04.
2 ـ ولد سنة 1950 بمنطقة أولاد سيدي عيسى, بنواحي معسكر, ونشأ وشب بمدينة سعيدة, خريج جامعة وهران,اشتغل بالتدريس, والتفتيش التربوي, والصحافة.
3 ـ صدرت بوهران سنة 1997.
4 ـ صدرت سنة 2002, عن طريق دار القصبة بالجزائر.
5 ـ صدرت عن منشورات الديوان الوطني للنشر والإشهار بالجزائر سنة 2002.
6 ـ ذاك الحنين ـ منشورات cmmـ وهران ـ الجزائر ـ ص03.
7 ـ رواية تلك المحبة ـ ص03.
8 ـ سيميائية العنوان ـ شادية شقرون ـ منشورات جامعة بسكرة ـ 2000 ـ ص270.
9 ـ رواية تلك المحبة ـ ص04.
10 ـ المصدر نفسه ـ ص05.
11 ـ المصدر نفسه ـ ص 06
———————————————————————————————————————————-
جماليات بنية الخطاب السردي
في رواية : “تماسخت دم النسيان”
* د. بوشوشة بن جمعة ( جامعة قرطاج تونس )
يمثل “الخطاب”- منذ بداية تداوله في الستينات من القرن العشريـــن و إلى حدّ الآن- سؤالا ذا طـــابع إشكــالي في النقد الأدبي الحديث والمعاصر،حيث تعدّدت في شــأنه التصورات النظرية و المقاربات الإجرائية فتراكمت تبعا لذلك الدلالات التي يفيدها، خاصّة بعد أن شاع استعماله في أكثر من مجال، بسبب أنّه “يمتلك خاصّية موقعه في نقطة اللقاء بين اللسانيات و العلوم الإنسانية”. فكان أن استقطب عديد المجالات و التخصّصات التي شكّلت العلامات الدّالة على سيرورته المفهومية، و منها المجال الأدبي(2).
فقد شكّل الخطاب الأدبي (Discours littéraire ) موضوع “الأدبية” (Lalittéralité)، التي تتجلّى عند رومان جاكوبسون(Roman Jakobson)–أحد أعلام الشعرية- (La poétique)، في جملة الخصائص النوعية التي تميّز العمل الأدبي عن غيره من النصوص غير الأدبية، و التي نصّت عليها النظرية السيمائية للأدب مثلما بلور مقوّماتها الشكلانيون الروس(3). و هي–أي الأدبية- لدى جيرار جينيت (Gérard Genette): “النظرية العامة للأشكال الأدبية”(4). و تفيد تلك الأشكال في تصوّره مجموع الخصائص النوعية التي تكسب العمل الأدبي التفرّد و الخصوصية، و لا يمكن البحث عنها و إدراكها إلاّ من خلال الخطاب. و هو ما يفصح عنه تزيفتان تودوروف (Tzevetan Todorov) في قوله : “ليس العمل الأدبي في ذاته هو موضوع الشعرية، إنّ ما تبحث عنه الشعرية هو خصائص هذا الخطاب الذي هو الخطاب الأدبي” (5).
و قد دعا تزيفتان تودوروف (T. Todorov)- في ذات السياق– إلى ضرورة إدخال مفهوم الخطاب ضمن تحديد الأدب مفهوميا، و من ثم إلى استعمال مصطلح الخطاب بدل الأدب أو العمل الأدبي ” وذلك لاعتبارات عديدة من بينها أن هناك علاقات بين الخطابات سواء كانت أدبية أو غير أدبية، و بحثنا عن خصائص الخطاب سيساعدنا على إبراز ما يميزّه عن غيره، الشيء الذي سيدفع التحليل و النظرية إلى مداهما الأبعد بإقامة شعرية متكاملة و مفتوحة على خطابات عديدة و إنجاز تصنيفات لها”(6). و يتجلّى الخطاب عنصرا مهّما من العناصر السردية التي عليها العمل الروائي – في “الطريقة التي تقدّم بها المادّة الحكائية في الرواية. قد تكون المادة الحكائية واحدة، لكن ما يتغير هو الخطاب في محاولته كتابتها و نظمها “(7).
فالخطاب السردي يقوم أساسا على الحكي (Récit) الذي يتحدّد كتجلّ خطابي، سواء كان هذا الخطاب يوظف اللغة أو غيرها…” (8)، و لذلك فإن حديثنا عن الخطاب السردي ينطلق من النصّ الروائي الذي اخترنا الاشتغال عليه و المتميز بطابعه الحكائي، و هو نصّ : “كما سخت دم النسيان”، للكاتب الجزائري الحبيب السائح.
ثمّ إنّ بنية الخطاب السردي تفيد – في الأصل- المبنى الحكائي الذي قابل توما شفسكي (Tomaschofski) بينه و بين المتن الحكائي في سياق تعريفه للعمل الخكائي (9). و هو ما استثمره تزيفتان تودوروف، ليبيّن أن كلّ حكي ينبني على مكونين أساسيين هما القصّة
(Histoire) و الخطاب (Discours) (10)، و يؤكّد – في ذات السياق – على تلازمهما و تكاملهما في آن، و ذلك “لما بينهما من صلات تتحدّد بواسطتها العلامة الحكائية” (11).
و بناء على ذلك فإن ” الحكي بمعنى الخطاب هو وحده الذي يمكننا دراسته و تحليله تحليلا نصيّا ” (12). و من ثمّ فإن تحليلنا لجماليات بنية الخطاب السردي في رواية : ” ثمّا سخت دم النسيان “، للكاتب الحبيب السائح سيقوم على المكّونات الأساسية الثلاثة للخطاب الروائي : وهي : الزمن، الصيغة، و الرؤية. و هي المكّونات التي يشتغل عليها السرديون بصفة عامة و إن كنّا نلاحظ بعض علامات الاختلاف بينهم فيما يتعلّق بترتيبها و بلورة المفيد من العلاقات القائمة بينها.
الخطاب – العنوان : جمالية التشكيل و بلاغة الدلالة:
يشكل العنوان فاتحة خطاب الرواية، و أولى عتبات النص : حيث يمثل ملفوظ ما قبل الخكي الأول و ما بعد الحكي الأخير.و هو وثيق الصلة بهما و إن بدا في الظاهر مستقلا عنهما، باعتبار ما يتضمنه من مؤشرات جمالية و دلالية، لتستمدّ بلاغتها من الإحالة إليهما إيحاء لا إعلانا و تلميحا لا تصريحا. فقد جاء عنوان هذه الرواية في صيغتين : الأولى رئيسية، مفردة، تحيل إلى المكان : “تماسخت”، و رسمت بخطّ سميك، بينما الثانية فرعية مركبة، كتبت بخطّ رقيق، و هي تحيل إلى الإنسان : دم النسيان، باعتبار أن الدم صنو الكيان والنسيان قرين الإنسان، إذ يستقلّ بذاكرته الخاصة في وجوده، هي ذاكرة النسيان. فصيغت عنوان هذه الرواية تنهضان مؤشّرين دالّين على ابننائها على طرفين يشكلان تقاطبها المركزي، و هما: المكان والإنسان، منهما يتشكل حكيها يتوالد و يتشعب إلى حدّ التوهان، و استنادا إليهما تتأسّس أنساق خطابها : أزمنة تتداعى فيض تشطّ، و صيغا تتداخل إلى حدّ الالتباس، و رؤى تتعدد و تتماسّ إذ تتعالق وتتقاطع مع بعضها البعض. فالمكان المهيمن يبقى وطن / المحنة الجزائر الذي يحمله الكاتب جرحا و وجعا وحلما مرتجى أينما ارتجل غربا إلى وجدة و الرباط أو شرقا إلى تونس بحثا عن مرفإ أمان. فيكون الإنسان ذلك الجزائري الممتحن بفتنة الوطن و مأساته التي تشكل قدره إذ يتهدده الموت الذي صار حاله التباس تلوّن أشكال ممارسته للوجود : خوفا و قلقا و حيرة إزاء القدر الفاجع المترصد، و الذي تختزل الدلالة عليه كلمة ” دم “يسفكه ” الوحش ” رمزا شفيفا للجماعات الإسلامية المسلحة.
كلّ هذا يدلّ على أنّ خطاب العنوان يؤشّر إلى انبناء الرواية على تقاطبات تتنوّع إذ تتعدّد هي : المكان / الإنسان، الذاكرة / النسيان، الذاتي / الجماعي، الواقعي / التاريخي،و الروائي / السيرذاتي. و هي تقاطبات تستمد نظامها من فوضاها، و وحدتها من تشظّيها بفعل استثمار الكاتب لتقنيات التداعي و الحلم و الهذيان و الاستيهام إلى جانب التذكر الذي يشكل مدار خطاب الرواية.
زمن الخطاب و جمالية انساق البنية
يمثل الزمن عنصرا أساسيا في كلّ حكي و لازما له لكي ينجز. ففي ضوئه تنتظم مادة القصّ سواء اتخذت شكل التعاقب أو التداخل، بحكم أنّه يشكل بنية قائمة الذات ضمن العمل الروائي، فضلا عن كونه قد تحول إلى موضوع للرواية و حتى إلى شخصية رئيسية فيها. و هو ما يؤكدّه الآن روب غرييه غريبة (Alain RobbeGrillet) – أحد أعلام الرواية الجديدة و منظريها في قوله : “الزمن أصبح منذ أعمال بروست وكافكا هو الشخصية الرئيسية في الرواية المعاصرة بفضل استعمال العودة إلى الماضي و قطع التسلسل الزمني، و باقي التقنيات الزمنية التي كانت لها مكانة مرموقة في تكوين السرد و بناء معماره”(13).
و قد أكد أهمية الزمن في السرد الروائي و ما يقوم به من دور في تشكيل عوالمه تواتر الكتابات النقدية عنه، ممّا أفرز تنّوعا في المنظورات و المفاهيم بسبب اختلاف المنطلقات النظرية و المناهج الاجرائية في آن(14)، و قد ساعد على ذلك كون الرواية تمثل بؤرة زمنية خصبة المحاور و الإتجاهات التي تبقى مشّرعة دوما على المحتمل من المقاربات تنظيرا و ممارسة.
و يعتبر الشكلانيون الروس من الأوائل الذين نبّهوا إلى أهمية الزمن في الأعمال السردية، حيث أدرجوه في نظرية الأدب، و سعوا إلى وضع بعض التعريفات له من خلال اشتغالهم على عدد من النصوص السردية المختلفة (15)، و ذلك باعتبار تصّورهم أنّ الزمن “مظهر من مظاهر الاختبار يتيح إمكانية الانتقال من الخطاب إلى القصّة (16)، فكان تمييزهم بين زمني القصّة و الخطاب في سياق تقسيمهم العمل الروائي إلى متن و مبنى لكلّ منهما خصائصه النوعية، “فالأول لا بدّ له من زمن و منطق ينظّم الأحداث التي يتضّمنها، أمّا الثاني فلا يأبه لتلك القرائن الزمنية و المنطقية قدر اهتمامه بكيفية عرض الأحداث و تقديمها للقارئ تبعا للنظام الذي ظهرت به في العمل”(17).وكان تنصيصهم على تعدّد أبعاد زمن القصّة مقابل خطيّة زمن الخطاب (18).
و قد استثمر العديد من النقاد المقاربات النظرية و الاجرائية للشكلانيين الروس في تعاملهم مع الظاهرة الزمنية في السرد الروائي، و نخصّ بالذكر منهم : رولان بارط (Roland Bartheo)، و ميشال بوتور(Michel Butour) و تزيفتان تودوروف (Todorov Tzevetan). فالأول تحدث عن الزمن السردي في سياق حديثه عن الكتابة الروائية، سواء في كتابه “درجة الصفر في الكتابة”، و الذي بيّن فيه بأنّ أزمنة الأفعال في شكلها الوجودي و التجريبي لا تؤدي معنى الزمن المعبر عنه في النصّ و إنّما غايتها تكثيف الواقع و تجميعه بواسطة الربط المنطقي”(19)، أو في المدخل الذي وضعه للتحليل البنيوي للسرد، و الذي ضمنه كتابه “شعرية القصّة” (Poétique du récit) (20)، حيث ربط بين المنطق السردي و الزمن السردي، باعتبار توضيح الأول للثاني، و بيّن أنّ الزمنية (la synchronie) ليست سوى قسم بنيوي في الخطاب و أنّ الزمن لا يوجد إلاّ في شكل نسق أو خطاب، مستخلصا في النهاية أنّ الزمن السردي ليس سوى زمن دلالي، أمّا الزمن الحقيقي فهو وهم مرجعي واقعي حسب تعبير يقتبسه عن فلاديمير بروب (Vladimir Propp)(21).
أمّا الثاني ميشال بوتور و على عكس رولان بارط في تناوله إشكالية الزمن في السرد الروائي فإنّه يدافع عن الزمن المرجعي لا الوهمي، مؤكّدا صعوبة عرض أحداث الرواية وفق ترتيب التعاقب “لأنّنا لا نعيش الزمن باعتباره استمرارا إلا في بعض الأحيان و أنّ العادة وحدها هي التي تمنعنا من الانتباه أثناء القراءة إلى التقطّعات و الوقفات و أحيانا القفزات التي تتناوب على السرد.” (22).
و أخيرا نجد تزيفتان تودوروف يصدر في معالجته لقضية الزمن في السرد الروائي عن منجزات الشكلانيين الروس السردية، و التي قسّمت القصة إلى متن و مبنى لكلّ منهما زمن يختلف عن الآخر بسبب التفاوت الحاصل بينهما. فرأى “بأنّ زمن الخطاب يعتبر بمعنى ما زمنا خطيا، بينما زمن الخطاب متعدّد الأبعاد”(23). ثمّ أبرز أنّ العلاقات القائمة بين زمني القصة و الخطاب تنبني على ثلاثة محاور أساسية و هي : “محور النظام ومنه نفهم استحالة التوازن بين الزمنين لاختلاف طبيعتيهما (الأول متعدّد و الثاني أحادي)، و محور المدّة التي قد تتّسع أو قد تتقلّص فينتج عن ذلك مفارقات زمنية ليس من الممكن دائما قياسها كالوقفة و الحذف و المشهد. و أخيرا محور التواتر و يخصّ طريقة الحكي التي يختارها المؤلّف لسرد قصته (السرد المنفرد – السرد المتكرّر – السرد المتواتر).(24)
و قد اعتمد جيرار جينيت (Gérard Genette) ذات هذه المحاور في اشتغاله على زمن السرد الروائي (25).
إنّ كلّ هذه التصوّرات المتداولة في مقاربة الخطاب السردي، و ما يتأسّس عليه من أنساق تفيد في تحقيق إدراك أفضل للعلاقات الزمنية التي تنتظم الخطاب الروائي، يتيح الكشف عن العلامات الزمنية الدالّة فيه، و الوقوف على طبيعة الوظيفة البنيوية التي تضطلع بها في السرد.
و يمكن الحديث عن بنية زمن الخطاب السردي في رواية “تماسخت” بوجه عام استنادا إلى حركتين أساسيين للسرد الروائي من منظور تعامله مع الزمن،و هما : نسق الزمن السردي، و وتيرة الزمن السردي.
نسق الزمن السردي :
إنّ ترتيب الأحداث في هذه الرواية لا يرد في شكل متواليات حكائية تأتي وفق نسق زمني متصاعد يعكس خضوعها إلى نظام التعاقب، و لكنّه ينتظم – على النقيض من ذلك – وفق نظام التداخل بين أنساق الزمن الثلاثة : الماضي – الحاضر – المستقبل، و ذلك بسبب هيمنة السرد الاستذكاري (récitanaleptique)، و استئثاره بالمساحة الأكبر من السرد، مقابل ضمور حضور السرد الاستشرافي (récit proleptique).
و تتجلّى هيمنة السرد الاستذكاري في استثمار الكاتب المكثّف لتقنية التذكّر عبر رجوعات إلى الوراء تقوم بها شخصية عبد الكريم الصائم لماضيها الخاصّ، و تحيلنا من خلالها على أحداث سابقة للحدّ الذي وصلت إليه القصة، “أحداث تخرج عن حاضر النص لترتبط بفترة سابقة عن بداية السرد”(26). و هي تعكس نوعا من احتفاء الكاتب بها باعتبار ما تمثّله من معنى في تاريخ أناه الوجودي و الذي يعمد إلى إعادة بناء مراحل منه تنتمي إلى الطفولة و المراهقة و الكهولة، وترد في أنساق يسمها التداخل و التشظّي، بسبب توالد الذكريات و تداعيها في غير نظام. وهو تاريخ شخصي يتقاطع مع تاريخ الجزائر الحديث و المعاصر، ليكشف عن مدى شعور الذات الساردة بالانكسار لخسرانها رهانات الوجود/و الاستقلال، بسبب خسران الوطن لرهاناته مع التاريخ، ممّا يعلّل اخفاق الكاتب و جيله في تحقيق التطلّعات التي كانوا يحلمون بها في جزائر الاستقلال، و تحوّلها إلى أشكال إحباط تفاقمت في النفوس قبل أن تولّد الانفجار في أكتوبر 1988، و بداية الفتنة الدموية. و هو ما تفصح عنه الذات الساردة في قولها : “تبغي تأثيث ما نهبه الدمار من مملكة أحلامنا الضائعة بتذكارات لا تسفر إلا عن عورة الحماقة”(27).
فالزمن الماضي المستعاد من قبل الذات الساردة يستحوذ بحضوره المهيمن على الحكي، حيث يشكّل منطقه الذي يصدر عنه، و مساره الذي يقوم عليه و مداه الذي ينغلق عليه، باعتبار أنّ هذه الذات الساردة تستعيد تجربة حياتية منقضية في الزمان و تعمد إلى إحيائها عبر فعل الكتابة، متوسّلة في تحقيق ذلك بالذاكرة و فعل التذّكر الذي يعيد تشكيل أحداث نوعين من الماضي، أوّلهما الماضي القريب، و يشكّل بؤرة التجربة المستعادة/و المعيشة في مطلع التسعينات من القرن العشرين، من قبل الذات الساردة. و رغم أنّ هذا الماضي القريب لا يتجاوز بضعة أشهر تشكّل مدى الاستذكار و زمن المغامرة الذي لجأت أثناءه هذه الذات إلى المغرب ثمّ إلى تونس بحثا عن ملجأ آمن يقيها خطر الفتنة الذي يترصّدها في وطن / المحنة، فقد كان غنيّا بالأحداث و التجارب و المواقف و الرؤى التي تتولّى هذه الذات عرضها، بعضها يتعلّق بفواجع الدم المراق، التي غيبّت شاعر و هران، و رئيس الحكومة و مدير التلفزيون و غيرهم كثير من أبناء الجزائر، و بعضها الآخر يرسم مناخات و طقوس وجود، شهدتها مدن وجدة و الرباط بالمغرب، و تونس و بنزرت بتونس، تاقت من خلالها هذه الذات إلى النسيان، و تحقيق بدايات جديدة تشّكل أفق وجود أكثر إشراقا و عنفوانا، إلاّ أنّها تخفق في ذلك، إذ تنغلق عليها الدائرة لتجد نفسها تعود مجدّدا إلى وطن/المحنة لتواجه قدرها المترصّد، على إثر ارتحالات كرّست داخلها الإحساس بخسران رهانات الوجود، بعد أن خسرت رهانها على الوطن . أمّا الماضي البعيد فيتجلّى في شكل ومضات تتخلّل المقاطع الدالّة على الماضي القريب، إذ تتداخل معها لتكملها دلاليا، باعتبار تقاطعها معها في الإشارة إلى الإخفاق و الدم و انغلاق الأفق. و هي العلامات الدالّة المقترنة بثورات القرامطة والزنج مشرقا، و بممالك العرب و المسلمين في الأندلس مغربا، بسبب الجاه و السلطة.
وقائع تاريخ دموي بين الإخوة/الأعداء تمتدّ في الزمان و المكان لنجد رجع صداها يتردّد في جزائر التسعينات من القرن العشرين، بعد أن أخفق الاستقلال في تحقيق التطلّعات و خسر الوطن/الجزائر رهانه مع التاريخ.و هو ما يعلّل رؤية الذات الساردة المتشائمة للتاريخ العربي الاسلامي منذ سقوط غرناطة – بل منذ البدء – و إلى الأزمان الحديثة. و هو التاريخ الذي يبقى في نظرها مقترنا بالخسران. تقول :” اذكر لي موسما واحدا خرجنا فيه منذ خمسة قرون بالورد و الأغاني من أقصى ترابنا إلى أدنى مائنا و من بدء زماننا إلى نهاية توهاننا”(28).
أمّا السرد الاستشرافي فتختزله فاتحة الرواية الموسومةبرؤيا،التي تجسّد الحلم/الكابوس الذي يلون العجيب معالمه، و الفاجعة مناخاته، حيث يتراءى للذات الساردةوجودها مع شخص في غابة، قبل أن تباغت بكائن له جثة بغل و رأس إنسان، تكتشف من ملامحه أنّه ابن عمّ لها، يعمد إلى التهديد ثمّ إلى الرمي بقذيفة مدفع لم تصب منهما مقتلا. يلقيانه مجدّدا و قد أنهكه الجهد قتهاوى. تلتفت الذات الساردة باحثة عن مرافقها فلا تعثر له على أثر و قد انتهىإليها صياح الديكة في تماسخت.
فقد مثّلت هذه الرؤيا الكابوسية نوعا من الاستباق الزمني، جعل من هذا الاستشراف توطئة “لأحداث لاحقة يجري الإعداد لسردها من طرف الراوي، فتكون غايتها في هذه الحالة هي حمل القارئ على توّقع حادث ما أو التكهن بمستقبل إحدى الشخصيات “(29). و يطلق جيرار جينيت على هذا النوع من السرد الاستشرافي تسمية” الاستشراف الخارجي”(30)، و الذي يبقى “الغرض منه التطّلع إلى ما هو متوّقع أو محتمل الحدوث في العالم المحكي”(31).
فهذه الرؤيا التي تعرض الفتنة بين الأقارب و تفوح منها رائحة الموت و الخراب، تؤشّر إلى ما ستكون عليه عوالم المتن الحكائي لرواية “تماسخت” من استشراء مناخات الرعب و القتل و الدمار، و التي حوّلت واقع حزائر التسعينات إلى كابوس ثقيل لا يزال يسم حياة الجزائريين في الزمن الحاضر، و تجسّده شخصية كريم في الرواية، حيث يمثّل ماضيا قريبا يثقل عليها في حاضرها الذي يتّخذ شكل الانتظار “و التطلّعات غير المؤكّدة، التي يكون تحقّقها مستقبلا أمرا مشكوكا فيه”(32)، وهو ما يجعل من مستقبلها أفقا غائما لا علامات دالّة على هويته.
فانفتاح رواية “تماسخت” برؤيا/كابوس و انغلاقها على “يقظة”، ينهض مؤشّرا دالاّ على عوالم الفاجعة و المأساة، ممّا يجعل حكيها امتدادا لذلك الذي مهّدت له الفاتحة “رؤيا”،و المنتمي إلى اللامعقول في زمن جزائري تحوّل فيه المعقول إلى لامعقول و هذا الأخير إلى معقول بفعل التباس حدود الأشياء و ضبابية الرؤية، بعد أن صار الموت هاجسا متمكنّا من النفوس التي تمارس أشكال وجودها على إيقاعه الجنائزي، مّما أضفى على مناخات الرواية أجواء قاتمة يلوّنها المصير الفاجع باعتبار إمعان “الوحش” في جرائم قتله للأبرياء. وهو الوحش الذي رمز إليه الكاتب في الفاتحة/الرؤيا بذلك الكائن الأسطوري الذي يتّخذ شكل بغل و رأس إنسان.
و قد مثّل حكي الذات الساردة عن تجربة ارتحالها من الجزائر إلى كلّ من المغرب و تونس نشدانا للأمان من الخطر المحدق بها، نموذجا دالاّ على هذا الواقع/الكابوس، ممّا بعلّل تمنّيه “أن يوجد في زمان غير هذا العصر، في بلد غير هذا الوطن أو أن يكون قد ولد قبل الطوفان، فيعيش و يقبض تحت الماء أو بقي جزئيا سابحا في الفضاء”(33). و هو ما كرّس حضور الحلم تقنية استثمرها الكاتب ليعبّر بها عن موقفه الرافض للحاضر الجزائري/الكابوس و المتطلّع إلى واقع بديل أفضل، فضلا عن استثماره لطقوس الحضرة التي تعبّر عن هذا التوق إلى التحرّر من إسار المكان و الزمان بغية “استشعار نشوة العبور خلاصا من ثقل الجسم و ضغط الزمان و أسر المكان و توه الامتداد إلى فضاء مهوم يمثل له الحضرة قطعة نعيم، المريديون بدفوفهم و لدانا ثم بأباريق ينشدون سلاما و يسقون عسلا و خمورا و النساء لآلئ انتضدن أبكارا منتظرات أخذهن جزاء “(34). و هكذا يغدو الحلم بديلا للواقع، حيث يشكّل طقوس وجود يعزّ تحقّقها في الواقع بسبب اقترانه بطقوس الموت.
و يعكس نسق الزمن السردي الذي هيمن عليه السرد الاستذكاري مقابل ضمور السرد الاستشرافي، مدى عمق المفارقة بين زمن الخطاب الذي يبقى مقترنا بالحاضر، و زمن القصة المستعاد، ممّا جعل نظام السرد ينبني على التداخل إلى حدّ التشعّب، و على التشظّي إلى حدّ التتويه، فتكون الفوضى مدار نظامه و مداه. نسقان سرديان أضفيا نوعا من الحركة، و التنويع على الخطاب الروائي، و إن تفاوتت المساحة التي شغلها كلّ منهما في السرد.
و يستتبع تحليل هذين النسقين للحركة الزمنية المتّصلة بنظام الأحداث في رواية “تماسخت”، تحليل النسق الزمني للسرد بالتركيز على وتيرته في حال سرعتها كما في حال بطئها.
وتيرة الزمن السردي
تتميز الوتيرة الزمنية لعرض الأحداث في رواية “تماسخت”، باستثمار الكاتب في صياغة مظهريها الأساسيين : السرعة و البطؤ، ما يطلق عليه جيرار جينيت تسمية : “الأشكال الأساسية للحركة السردية”(35). و هي تقنيات : الخلاصة (lerésumé) و الحذف أو الإسقاط (l’ellipse)، في حال تسريع السرد، حيث يضمر الخطاب مقابل امتداد القصة، و المشهد (scène) و الوقفة الوصفية في حال تعطيل السرد، حيث تضمر القصة و يتسع الخطاب.
فالسرد التلخيصي (récit sommaire)، الذي يكثر تواتره في القصة للربط بين المقاطع السردية، و ملإ بعض الفراغات التي يتركها السرد، يتعالق و السرد الاستذكاري و يتقاطع معه باعتبار ما يقدّمه لنا من إضاءات و معطيات حول ماضي الشخصية و ما ينبني عليه من أحداث، و ذلك في شكل مختزل. و هو ما نمثل له بهذا المقطع من الرواية : ” أدخل السرية ؟ خمسة عشر عاما من عز عمره سيحها تشّيعا سراب من بلاغة أممية مرغية، مهدهدة، بيانا و بديعا، لم يكن فردوسها الموعود سوى رمل متحرك سراب(35).
أمّا الحذف “فيؤشّر على الثغرات الواقعة في التسلسل الزمني و يتميز بإسقاط مرحلة كاملة من زمن القصة و لذلك فهو يعتبر مجرّد تسريع للسرد “(36). و هو متواتر الحضور شأن السرد التلخيصي باعتبار تقاطعه معه في السرد. وهو ما نمثّل له بهذا المقطع : “منذ أعوام عشرة ؟ قالت له : أيّ صيام للجسد؟ أيّ ختم في البشرة؟…”(37).
و لئن كانت الخلاصة و الحذف يسهمان في تسريع الحركة السردية، فإنّ هذه الأخيرة تصبح بطيئة بسبب استخدام الكاتب لتقنيتي السرد المشهدي(récitscénique)و الوقفة الوصفية. ففي الأولى تتمّ الاستعاضة عن السرد بالمشاهد الحوارية التي تنتفي فيها الأحداث فاسحة المجال للشخصيات كي تتبادل الكلام و في ذلك كشف لطبائعها النفسية و مذاهب سلوكها الاجتماعي و مراتبها الفكرية و الاجتماعية. و هو ما يجسّده هذا المقطع:”
- أنا متعبة، مفرغة، أحسّني مذنبة، أرجوك أن تمنحني طمأنينتي.
- و لحظاتنا ؟ قصيدتك التي أهديتنيها؟
- انسها أو أحرقها.
- نسخة وحيدة بخط يدك.
- لا يهم مجرد عبث.
- ورقتك النقدية ؟ تذكارك عليها؟
- قصّ منها وجه بورقيبة و أتلفها؟
- و القرنفل، و عطرك، و فرحنا المغترب؟
- تلزمني التوبة فلا تعذبني أكثر.
- قلت لك، ما أنت تشقّين لي عودة إلى موتي، مرحبا بدمعة منك إن كانت تحوّل دمي أبيض مثل ياسمين”(38).
أمّا الوقفة الوصفية فتقوم فضلا عن الاستطراد بتحليل نفسية الشخصية، و يتعلّق بسببها زمن القصة. وهو ما يجسّده نمثّل له بهذا المقطع : “فامتدّ أرضا، و نزلت مطرا و لباردو كان الظمأ كله، في قلب تونس لا يضير الحمامتين تتسارقان نقرات القبل و ترقبان حولهما عاليتان، و الشارع تضجه حركة السيارات و الناس في مسير كأنما إلى أنفاق أو كهوف لأن الليل قادم…”(39).
و هكذا فإنّ “كلاّ من الوقفة الوصفية و المشهد يشكّلان استطرادا و توّسعا في زمن الخطاب على حساب زمن القصة. الأولى بسبب أنّ كلّ منظر يمكن ان يصبح لديها مناسبة لتشغيل الأنساق الوصفية و بالتالي إعاقة زمن القصة على الاستمرار و الثاني لأنه يمدّ د الأحداث و يجعلها تتباطأ في سيرها ضدّا على حركة السرد ومناهضة لوتيرته المتسارعة”(40).
إن تحليل جماليات بنية زمن الخطاب السردي و دلالاتها في رواية “تماسخت”، سمح لنا بإبراز قيامها على نمطين من السرد: أولهما الاستذكار الذي يهيمن على الحركة الداخلية للسرد و ثانيهما الاستشراف الذي يمتلك حضورا منحسرا ضمنها، و كلاهما يلعب دورا بارزا في بناء الرواية باعتبار تأثيرهما المباشر و المهمّ في وتيرة السرد في سرعة نسقها كما في بطئه. و قد استثمر الكاتب الحبيب السائح جميع هذه التقنيات السردية التي وسمت البنية الزمنية لخطاب روايته، وفق رؤية و تشكيل يعكسان امتلاكه وعيا عميقا بشروط الكتابة الروائية و أدواتها. وهو وعي يسائل السائد السردي في المجال الروائي قبل أن يعمد إلى اختراقه بخلخلة ثوابته. فالبنية الزمنية لخطاب هذه الرواية تستمدّ اختلافها الدّال من نظام التداخل الذي تحتكم إليه، و من تشظّى أنساقها الذي يعكس وحدتها لا شتاتها، و من منطقها المغاير للسائد، و الذي يدرك اللامعقول معقولا في زمن صار فيه اللاواقع واقعا. وهو ما يجعل الزمن في الرواية يفقد إحتماليته وواقعتيه و يتحوّل من جرّاء ذلك إلى محض مدلولات نصية تتوالى تباعا في الخطاب و تكون ذات طبيعة لفظية بحيث يمكن التقاطها و كشف دلالاتها من خلال الإشارات الزمنية المبثوثة في النص”(41).
و يستدعي تحليلنا لجماليات بنية الخطاب السردي في رواية “تماسخت” أن نقارب مكوّنه الأساسي الثاني بعد الزمن، و هو الصيغة، و ذلك بحكم تعالق هذين المكوّنين و تكامل أدوارهما في تشكيل أنساق الخطاب السردي الجمالية و إغناء أبعادها الدلالية.
صيغة الخطاب و تعدد الأنساق :
تعدّ الصيغة (La mode) – مكوّنا أساسيا من مكوّنات الخطاب – مفهوما إشكاليا، يلازمه الالتباس رغم تعدّد المقاربات النقدية التي رامت وضع تحديد دقيق له. وهو ما يعترف به تودوروف في قوله : “مقولة الصيغة من الطبيعي جدا أن تكون أكثر المقولات تعقيدا”(42). و يعود هذا الالتباس الذي شكّل صفة دالّة على هذا المصطلح إلى عدم اختصاصه بمجال معرفي بعينه، حيث يستخدم في علوم المنطق و اللسان و السيميائيات و العلوم الإنسانية إلى جانب الأدب. و كلّ منها يدّعي امتلاكه له. و باعتبار اشتغالنا على عمل أدبي ينتمي إلى مجال السرد الروائي، فإنّ مقاربة تودوروف النظرية لمفهوم الصيغة تبدو منطلقا مناسبا يتيح لنا تحليل خصائص أنماطها الجمالية مثلما تتجلّى في بنية الخطاب السردي لرواية، “تماسخت”.
فتودوروف يحدّد الصيغة بكونها “الطريقة التي بواسطتها يقدّم لنا الراوي القصة”(43)، ممّا يفيد أنّ أهمية البحث في الصيغة و ما تضطلع به من دور في تشكيل الأنساق البنائية للخطاب الروائي، تكمن في استجلاء ما تقوم عليه من أنماط خطاب، تنتظم تحت نمطين أساسين هما : السرد (la narration) و العرض (lareprésentation)، يرتبطان بالقصة كما بالخطاب، و بالراوي كما بالشخصية الروائية. و يمكن أن يوجها “باعتبارهما خطابين إلى متلق مياشر أو غير مباشر”، و إن كان عنصر التلقي مغيبّا في كل الكتابات السردية التي اتّخذت من الصيغة موضوعا، على اعتبار أنّ متلقّي السرد أو المروي له (lenarrataire) يتمّ الحديث عنه غالبا في إطار الرؤية أو الصوت، و بحسب نوعية العلاقة التي يقيمها المتكلمّ مع خطابه”(44).
و يتميّز الخطاب السردي في رواية “تماسخت” بخصوصيته التي تتمثّل في تعدّد صيغه الخطابية و من ثم تعدّد خطاباته، ممّا يحتّم علينا تحليل خصائص كلّ خطاب على حدة بغية إبراز خصائصه على صعيد التشكيل و الرؤية و إن كنّا ندرك تداخل هذه الخطابات فيما بينها داخل أنساق الخطاب و ذلك بأشكال مختلفة و متنوّعة، تتجلّى في صيغ ثلاث رئيسية هي: صيغ الخطاب المسرود (Discoursnarrative)،و الخطاب المعروض (Discours représenté)،و الخطاب المنقول (Discours rapporté).
فالخطاب المسرود “هو الخطاب الذي يرسله المتكلّم وهو على مسافة ممّا يقوله و يتحدّث إلى مروي له سواء كان هذا المتلقّي مباشرا (شخصية) أو إلى المروي له في الخطاب الروائي بكامله” (45). و هو خطاب متواتر في هذه الرواية إذ يشغل مساحة مهمّة في خطابها السردي.و يتجلّى حضوره في نمطين هما : الخطاب المسرود الذاتي، و الخطاب المسرود غير المباشر. فالأول يتجلّى:” عندما يتحدّث المتكلّم عن ذاته و إليهما عن أشياء تمّّت في الماضي ، أي أنّ هناك مسافة بينه وبين ما يتحدّث عنه.”(46). و تظهر أهمية صيغة هذا الخطاب في رواية “تماسخت”في انفتاحها عليه في الفاتحة “رؤيا”التي تصوغ ملفوظها الذات الساردة ، تقول : “وجدتني أسير مع شخص لا أعرفه داخل غابة لما وقفنا على بغل يحتضر، فطلبت إلى مرافقي أن يجهز عليه، فتردد قليلا ثم أخرج مسدسه، و إذا بالبغل ينهض برأس رجل من معارفي يقول لي : أنت كريم بن محمد ابن عمي و تريد أن تقتلني..” (47) : ثم في انغلاقها – أي الرواية – عليه في الخاتمة:”يقظة”، من خلال قول السارد/ الشخصية الروائية/:
“كم أنا محبط يا وجه جميلة،
كم هي فادحة في قلبي الخيبة يا بسمة شهلة، مقهى سعيدة وحده الغاصّ، و مسجد الغفران ينتظر آذانه الأخير، و قد نامت الرباط بفرح ليلها على غربتي، و اقتاتت تونس من حزني و تشرّبت من وحدتي، و إذ عدت لموتي فزعت وهران.
أمي لا تجد من الملإ من تتلو عليه من زمن رعبها ما تعسر من سفر الدم.
و في ذاكرتي صوت يزرعني بين رقان و تماسخت نوحا لنشيج دم النسيان(48).
إن صيغة الخطاب المسرود الذاتي و هي تشدّ طرفي الرواية : الفاتحة / رؤيا، و الخاتمة / يقظة، تقوم بتأطير حكيها و إرباك ميثاقها إذ يداخله ميثاق السيرة الذاتية الذي تؤشّر إليه عديد العلامات المبثوثة داخل المتن الحكائي، ممّا يوحي بوجود أشكال تعالق/وتقاطع عديدة بين كريم الشخصية الروائية و الذات الكاتبة، سنخصّها بالتحليل في عنصر لاحق من هذا البحث.
و ترفد هذا الخطاب المسرود الذاتي رجوعات إلى الوراء تقوم بها شخصية كريم الذات الساردة من خلال اشتغالها المكثّف على الذاكرة و ما تنبني عليه من مرجعيات متنوّعة يتداخل فيها الفردي و الجماعي، المحلي و العالمي، الواقعي و الأسطوري، التراثي و التاريخي.
غير أنّ هذا الخطاب المسرود الذاتي يتداخل و آخر مسرود غير مباشر، تعمد الذات الساردة إلى صياغته باستخدام ضمير الغائب. و هو ما نمثّل له بهذا المقطع : “يرى وهران هي المتراجعة في قلبه خيطا من دم لجميلة. حضرته سطوة الوحش و سما في شارع عميروش زواوية من الزيت الحرّ، رفعنا نخبهاقبّلتني و في أذني و شوشت : حبّيت فيك العرب، فتنكّدتها : عاوديها لي بالبربرية. فهمست له أصواتا خاثرة عسلا”(49).
أمّا صيغة الخطاب المعروض، فتقوم على ثلاثة أنماط من الخطاب. أوّلها صيغة الخطاب المعروض المباشر، “.و هي التي نجد فيها المتكلّم يتكلّم مباشرة إلى متلقّ مباشر و يتبادلان الكلام بينهما دون تدخل الراوي” (50). و يمكن أن نمثّل لهذا النمط من الخطاب بهذا المقطع :
- “من أين أنت ؟
- من وهران
- يعجبوني الوهرانية في تلقائيتهم و جرأتهم. هكذا، في السماء يخطفوها.
- وهران كاهنة و أنت جنّية. امرأة من دخان بلون عزلتي، وهران بدء ضلالتي، و أنت فضائي و آخرتي في هذه النهاية، أعطيني يدك الثانية أشدّ على غربتي فيك”(51).
أمّا ثانيها فصيغة الخطاب المعروض غير المباشر. وهي “أقل مباشرة من المعروض المباشر، لأنّنا نجد فيه مصاحبات الخطاب المعروض (Para-discours) التي تظهر لنا من خلال تدخّلات الراوي قبل العرض أو من خلاله أو بعده، و فيه نجد المتكلّم يتحدّث إلى آخر، و الراوي من خلال تدخلاته يؤشّر للمتلقي غير المباشر”(52). و يجسّد مثل هذا الخطاب هذا المقطع الذي نورده على سبيل المثال : “مثلي، مثلك، لا شيء، يحس منتظرا في أفقه، في كلّ زاوية، في أي شارع، في كلّ اللحظات الطويلة الممتدة بين البيت و بين مواقع العمل غير الغدر.”(53).
و أخيرا نجد صيغة الخطاب المعروض الذاتي “.وهي نظير صيغة الخطاب المسرود الذاتي، إلاّ أنّ هناك فروقات بينهما تتمّ على صعيد الزمن. فإذا كنّا في المسرود الذاتي أمام متكلّم يحاور ذاته عن أشياء تمّت في الماضي، فإننّا هنا نجده يتحدّث إلى ذاته عن فعل يعيشه وقت إنجاز الكلام” (54). وهو ما يمثّله هذا المقطع : “و لكن ما الذي بقي غير الكلام في هذا الخراب و لو أنّ امتهانه وظيفة صار من أشدّ ما يشقي الضمير و يوحل الموقف و يعفّر الكرامة و يسبّب الموت الرخيص و يثير المناخات و المآتم(55).
و يمثل الخطاب المنقول النمط الثالث من صيغة الخطاب السردي في رواية “تماسخت دم النسيان”،حيث يتجلّى في صيغتين تتداخلان وصيغ الخطابات السابقة المسرودة منها و المعروضة على حدّ السواء. و هما: صيغة الخطاب المنقول المباشر، و صيغة الخطاب المنقول غير المباشر. ففي الأولى يختلط سرد الراوي بسرد الشخصية لأنّ المتكلّم لا يقوم فقط بإخبار متلقّيه بشيء عن طريق السرد أو العرض، و لكنّه أيضا ينقل كلام غيره سردا أو عرضا، و من خلال هذا النمط نصبح أمام متكلّم ثان ينقل عن متكلّم أوّل”(56). و يمثّل هذا المقطع نموذجا دالاّ على هذا النمط من الخطاب المنقول المباشر : “و بالرغم ما فتئ أن ردّد : الرصاصة كلمة و العكس خرافة صدق عمر إذ تنبّأ : أبيعكم مقالة بمسدس و كتابا بكلاشينكوف”(57).
أمّا في الثانية فيتولّى السارد نقل كلام الشخصية بصفة غير مباشرة، كما يدلّ على ذلك هذا المقطع : “قال له بحرها ذات مرة إنه لم يخنها أبدا يوما”(58).
إنّ تحليل بنية صيغة الخطاب في رواية : “تماسخت دم النسيان”، سمح لنا باكتشاف تعدّد أنماطها و من ثمّ تعدّد خطاباتها التي تراوحت بين المسرود و المعروض و المنقول،و احتواء كلّ منها على أنماطه الخاصّة التي تتميّز بسماتها المفيدة.غير أنّ صيغة الخطاب المسرود تبدو مهيمنة، باعتبار قيامها بتأطير كلّ التبدّلات الصيغية التي تضافرت على إغناء الخطاب السردي و تحديد نوعيته وما تتفرّد به من خصائص جمالية على صعيد البنية الحكائية. و هي صيغ خطاب تنتظم وفق نسق التداخل الذي يجعلها تتقاطع مع بعضها البعض في مجرى الحكي، من خلال أشكال التتابع والتضمين و النتاوب، و التي تنهض علامات دالّة على تكاملها. و هكذا فإنّ تعدّد أنماط الصيغة في الخطاب السردي في “تماسخت دم النسيان”، يمثّل أحد المظاهر الدّالة على خصوصيته.
- 4 صيغة الخطاب بين الخطاب الروائي و الخطاب السيرذاتي
ينفتح الخطاب الروائي لنصّ : “تماسخت” على أكثر من خطاب، فيكون تبعا لذلك ملتقى خطابات : التاريخ الذي يحيل إلى زمن تجربة الذات الساردة المستعاد، و الذي تشير عديد العلامات المبثوثة في النص إلى أنّه مطلع التسعينات، زمن بداية محنة الوطن / الجزائر و إنسانه، وإن كانت الرجوعات إلى الوراء تعود به إلى أزمنة تلعب دورا في إغناء أنساقه و تنويعها، بعضها يقترن بحرب التحرير و بعهد الرئيس هوارى بومدين،و بعضها الآخر يوغل في زمن بني العباس وما جدّ فيه من توارث للقرامطة و الزنج، و ما شهده من مصائر فاجعة لأعلام من المتصوّفة كالحلّاج، مرورا بالزمن الأندلسي و ما آلت إليه مصائر العرب والمسلمين من فتن انتهت إلى ضياع الأندلس … و الشعر الذي يلون الخطاب بالذاتية و الشاعرية، فيضفي عليه طابع إيقاع الفاجعة والمأساة، فتكون الخمرة – سبيل سلوان – حاضرة من خلال استثمار الذات الساردة لمقاطع نواسية(59)، و تصير المرأة / موضوع عشق و جنس سبيل تناس لمناخات الحاضر المأزوم الذي ضخمّ إحساس تلك الذات بالوحشة و الغربة و الضياع، و قد غامت الرؤية و غاب الأفق(60)، وصار الوطن الحال المتلبسة العشقية إلى المدى(61). و التصوف الذي يحضر شذرات حكي تستعيد المصائر الفاجعة التي انتهى إليها عدد من أعلامه كالحلّاج. و هي مصائر يعيد الكاتب إنتاجها بغية إضفاء طابع المفارقة عليها بتحويل دلالتها من السلب إلى الإيجاب، و من الانكسار/ العدم إلى الانتصار/الوجود و البعث:” كان – أي الحلاّج- خلال صلبه، كلّما قطع مفصل من مفاصله تبسّم”(62).
غير أنّ الخطاب السيرذاتي يبدو المهيمن في تداخله مع الخطاب الروائي في نصّ” تماسخت”، و ذلك مقارنة بالعلاقات القائمة بين هذا الأخير و الخطابات الآنفة الذكر، و باعتبار كثرة العلامات المبثوثة في الرواية و الدّالة على التقاطع بين شخصية كريم الروائية و الذات الكاتبة. فالانتماء إلى الغرب الجزائري وهران و تحديدا مدينة سعيدة يمثّل تماثل الموطن و الجذور، كما يشكّل احتراف الكتابة عامّة و الرواية خاصّة مدار تلاقيهما و من ثمّة التباس علاقتهما،حيث يتمّ حديث الروائي عن الرواية و هي تنجز أو بالأحرى تنكتب، و حديثه كاتبا عن ماهية الكتابة التي يمارسها و مداها، في قوله:” نحن حين نكتب نوصل المديّة إلى العظم” (63). و يتجاوز الاشتراك بينهما المرتبة الأدبية ليشمل المرتبة الاجتماعية ممثّلة في مهنة الصحافة، و الانتماء الإيديولوجي إلى اليسار المعارض للسلطة و المطارد من قبلها. و هو ما يفصح عنه كريم في قوله:” محترف حرف، متابع بسبب جنون حلمه”(64). و يشكّل الفرار من الموطن وترك الوطن بالسفر إلى المغرب فتونس قبل العودة مجدّدا إلى الوطن/ الجزائر و الاختفاء في أحد أنحائه علامة تلاق أخرى تنضاف إلى السابق من علامات لتثبت عمق تداخل الميثاق الروائي و الميثاق السير ذاتي في هذه الرواية. ففعل الكتابة في هذه الرواية يبدو مقترنا بفاجعة الموت في حال الاستجابة للكتابة كما في حال الامتناع عنها، ممّا يعلّل اختيار الكاتب أن يكون موته نتيجة الاستجابة للكتابة و ليس العكس، بسبب أنّ سيرورة الكتابة اقترنت بالدم المسفوك عبر التاريخ : “قلت : هل نسلك يوما ممّرا لا يعبّده دم. فقال : “سنظلّ نسير فلا نبلغ نهاية الطريق التي يشقّها دمنا”(65). و هو الدم الذي صيّر وجوده فجائع لا متناهية، و حمله على ترك الوطن حفاظا على كيانه المهدّد، يقول:”خرجت خائفا أنا ؟ بقيت أنت لأنك لست على هشاشة وحدتي. تحرس دم أبيك ؟ من أنساني أنا دم أختي و أخي و ألم أبي و فجائع أمي و تشردي و انصهاري. لم يكن لي حسابك ذاته مع اليأس تصفية و تلك حالي المدمرة. يائسا باغضا ساخطا و كافرا بدين الجماهير الجديد فرية النعيم الموعود”(66).
و يتجلّى استثمار الكاتب لمكّونات عديدة من سيرته الذاتية شكّلت مدارات حكي روايته، في إعادة صياغته لمراحل مختلفة من تاريخ أناه الوجودي، بعضها يستعيد صورا شتّى من الطفولة حيث يعرض وضع أمه له، فختانه في صيفه الرابع، ثمّ ما كان من تعلّقه بمعلّمته الفرنسية سوزان، و ما جدّ من معارك المقاليع بينه و بين أنداده من أطفال الحي.كلّ هذا و يتواتر ذكر الأم و تذكّرها في كامل مسار الرواية، إلى حدّ يتحّول معه فعل التذكّر هذا إلى نوع من اللازمة الإيقاعية التي تكشف البعد الدرامي للشخصية. وهو تذكّر يقترن بتذكّر بيتهم الريفي. و مقابل هيمنة حضور الأم المكّثف يضمر حديث الذات الساردة عن الأب ، حيث تختزل شكل وجوده ونهايته في هذا المقطع : “قد نصحني الوالد مرّة : التاجر فاجر. المسكين أبي عاش و ليا من غير كرامات وكانت أرضه شحت و حيلته كمّت فقضى غمّا”(67)، في حين يتعلقّ بعضها الآخر بجوانب من المراهقة يلوّنها العاطفي، ومن الشباب تكشف عن بعض مناخاته و طقوس ممارسة الوجود “زمن الخوذات و الليكس، القمنة و القعدات طويل الرقبة و الأنيزات”(68).
و تبقى استعادة الذات الساردة لوقائع محنتها مطلع التسعينات و ما كان من رحيلها عن الوطن إلى المغرب فتونس طلبا للأمن وقد صار وجودها مستهدفا و مهدّدا، هي الحكي المركزي و الإطار الذي يحوي سائر ذكرياتها الأخرى المتّصلة بمراحل حياتها السابقة منذ الطفولة إلى الكهولة. وتتأكّد مرجعية هذه التجربة /المحنة التي تشكّل القصة الإطار /و مدار حكي هذه الرواية، من خلال الفضاءات المعلنة في كلّ من الجزائر و المغرب و تونس، و التي تمتلك وجودها الحقيقي، و كذلك من خلال الشخصيات التي تعمد هذه الذات الساردة إلى ذكرها و تتميز هي الأخرى بحقيقة وجودها الواقعي أسماء وألقابا و أدوارا اجتماعية و ثقافية.
5- الرؤية السردية و تعدد الأصوات
تعدّ الرؤية السردية/أو وجهه النظر (Point de vue) المكوّن الثالث الذي يسهم – إلى جانب الزمن و الصيغة – في تشكيل أنساق الخطاب السردي و بلورة جماليات بنيته. و قد مثّلت – و لا تزال- إحدى القضايا الأساسية التي شغلت كتّاب الرواية و نقّادها على حدّ سواء، ممّا يعلّل كثرة الجدل حولها، و من ثمّ تعدّد المقاربات المفهومية لها، و تشعبها، بسبب اختلاف المرجعيات المعرفية التي يشكّل في ضوئها هؤلاء تصّوراتهم النظرية لها، على الصعيدين الإبداعي و النقدي في آن(69).
فقد اكتنف هذا المصطلح نوع من الغموض و الالتباس، باعتبار تعدّد الدلالات المتّصلة به، إلاّ أنّ ذلك، لا يحول دون التأكيد على أنّ مدار “الرؤية” في مجال النقد الروائي يتمثّل في تلك “العلاقة بين المؤلّف و الراوي و موضوع الرواية”(70).و هي العلاقة التي يمثّل فيها موضع السارد/و صوته محور الرواية، إذ “بدون سارد لا توجد رواية”(71)،كما أنّه بدونه” سيبقى الخطاب السردي في “حالة احتمال”، و لن يتحوّل لحقيقة مادمنا لا نستطيع تصوّر حكاية بدون سارد”(72).
غير أنّ ما يجدر الإلماع إليه – في هذا السياق – هو أنّ “السارد” ليس أبدا الكاتب، و لكنّه دور مخلوق و متبنّ من طرف الكاتب. شخصية من خيال مسخ فيها الكاتب”(73). فيكون تبعا لذلك تلك الشخصية التي يتوسّل بها المؤلّف لتشكيل عالمه الحكائي.
و تتميّز بنية الخطاب السردي لرواية :”تماسخت دم النسيان”، بقيامها على نوعين من الرؤية السردية، تتجاوران و تتداخلان وتتراوحان داخل أنساق الخطاب : أولاهما الرؤية من الخلف و ينجزها راو كلاسيكي عليم، يعكس انفصال الكاتب عن شخصياته “ليس من أجل رؤيتها من الخارج، رؤية حركاتها و الاستماع إلى أقوالها، و لكن من أجل أن نعتبر رؤيته موضوعية و مباشرة لحياة شخصياته النفسية”(74). و يصوغ حكيه بضمير الغائب من خلال تركيزه على الشخصية المركزية للرواية. و هي شخصية كريم. و نمثّل لهذا النوع من الرؤية السردية، بهذا المقطع :” وجد نفسه في العراء يعسوبا، كأنّ حركة المنتظرين المحمومة لا تشمله،و في الظهر برودة تجتاحه إلى قفاه، و في مشّمة وقف متلمّسا ذاته في فراغ من حوله يمتدّ بلا نهاية”(75).
أما ثانيتهما فهي الرؤية مع التي تهيمن على الخطاب السردي. و هي نفس رؤية الشخصية المركزية، “وهاته الشخصية” مركزية “ليس لأنها ترى في المركز، و لكن فقط لأننا من خلالها نرى الشخصيات الأخرى، و معها نعيش الأحداث المروية”(76).
و تأخذ هذه الرؤية التي تصوغها شخصية كريم المركزية بعدا ذاتيا، حيث يعرض فيها العالم التخييلي من منظور ذاتي داخلي، و ذلك باعتبار أنّ شخصية كريم تمثل البؤرة السردية الأساسية من بداية الخطاب إلى نهايته. و هي لا تقدم لنا منظورها من الداخل فقط و لكن خلال تمركزها على ذاتها. فكانت موضوع التبئير (la focalisation) و السرد معا و كذلك ذات كليهما في آن، مما يعلّل هيمنة الحكي الداخلي، الذي تتولىّ شخصية كريم نظمه، عبر استخدامها ضمير المتكلّم المفرد “أنا”، بالأساس، و نمثّل له بهذا المقطع : “… البارحة رأيت أمي، غير أني لم أعد أذكر بيتنا، ربما ضللته كصراط، أما النجوم فلم تكن في السماء فتحندست عني المسالك. دخلت البيوت التي جميعا سكناها، فلا أحد فيها غير برنوس أبي اتخذ في كل غرفة لون صوف كانت لأغنام توحّشت فنبتت لها أنياب بفعل ما تهجنّت من الماعز و من الذئاب أو الكلاب البرية”(77)، كما بعمد إلى استخدام ضمير المتكلّم الجمع : “نحن“، ليؤكّد على تفاعل الأنا/و الآخر، الذاتي/و الجماعي، يقول:”حياتنا نعيشها بخياراتنا و حين نساوم عليها لا يبقى لنا سوى المواجهة:”(78)، و ذلك إلى جانب استخدامه ضمير المخاطب” أنت“، في صوغه لمقاطع الحوار الداخلي ممّا يكثف البعد الذاتي للخطاب السردي / عامّة و الرؤية السردية خاصّة، كما في قوله : ” و كم هاجت رغبتك أجتاح فيها ثغور جسدها، و طوح حصونها المرابطة فيها دون شرف دم الخطيئة المقدّس.فقدّمت عيناها مراسم الإجلال لنظراتك النشوى بمذاق دم التفاحة .. ثم أغمضت لك لسريان ألم اللدغة لذة الاختراق”(79).
و تتداخل هذه الضمائر السردية: أنا / نحن / أنت في مقاطع كثيرة لتكشف أنّ الناظم و المبئرّ للسرد واحد : هو كريم، و أنّ ما يتغيّر هو السرد و التبئير. و هو ما نمثّل له بهذا المقطع :”إنها تخجلني، كلّما بحثت عنك لأراك من خلالي عكستني بوجه كالح و ملامح منهزمة، فتضحك مني هازئا و لا تأخذك شفقة بي …”(80).
و أنتجت هاتان الرؤيتان السرديتان : “من الخلف”، و “مع”، نوعين من الخطاب السردي : خارجي للأولى، و داخلي للثانية، يتجاوران ويتناوبان، و يتداخلان، لكون الشخصية المركزية التي تمارس التبئير والسرد هي المحور الأساسي للقصّة. فشخصية كريم تمارس الكتابة، وبالأساس الرواية، و من خلالها نتعرف على جوانب مهمّة من قصة حياتها، سواء عندما تركّز على ذاتها أو على محيطها، باعتبار تفاعل هذين العنصرين في عملية الكتابة و تكاملهما.
و قد أسهم هذا التعدّد في الرؤيات و الأصوات السردية إلى حدّ كبير في جعل الحكي يقدّم لنا من الداخل، كما أنّه أضفى على بنية الخطاب السردي لهذه الرواية قيمة جمالية.
تتميّز بنية الخطاب السردي لرواية “تماسخت دم النسيان”، للكاتب الحبيب السائح بطابعها الحداثي الذي تجلّى في تعدّد الأزمنة و تداخل أنساقها و إن كانت الهيمنة للزمن الاستذكاري بسبب اشتغال الكاتب على فعل التذكّر في استعادة مراحل من تاريخ أناه الوجودي الذي يتعالق و أناه الجماعي لتاريخ الجزائر الحديث و المعاصر، ممّا كشف عن تعالق الميثاقين الروائي/التخييلي، و السيرذاتي/المرجعي و تفاعلهما في تشكيل عوالم الحكي. كما يكّرس تعدّد صيغ الخطاب و تنوّع أنساقها هذا الطابع الحداثي، حيث أنتج تنوّع الصيغ خطابات متعدّدة يتقاطع فيها الذاتي و الموضوعي، الروائي و التاريخي، المتخيّل والمرجعي، الواقعي و العجائبي، الشعري و الصوفي. و هي خطابات أغنت بنية خطاب هذه الرواية جماليا و دلاليا و شكّلت تنويعات له. وقد تجلّت في ثلاثة أنماط من الصيغة هي: الخطاب المسرود و الخطاب المعروض والخطاب المنقول، مع هيمنة للخطاب المسرود الذاتي باعتبار اشتغال الكاتب المكثّف على الذاكرة فضلا عن كون الذات تشكّل موضوع التبئير و السرد في آن. و قد وسم التعدّد و التداخل الرؤية السردية التي انبنت على نوع من المراوحة بين الرؤية من الخلف، و الرؤية مع، و إن هيمنت هذه الأخيرة فبسبب هيمنة شخصية كريم،التي تمارس التبئير والسرد معا، فضلا عن تشكيلها الموضوع الأساسي لكل منهما.
كلّ هذا، يكشف أن جماليات بنية الخطاب السردي لرواية “تماسخت”، لا تتأسّس على منطق التعاقب و إنما على منطق يستمدّ نظامه من فوضاه السردية، علامة دالّة على فوضى جزائر التسعينات و قد سادتها أجواء الفتنة و مناخات المحنة.
—————————————————————————————————————————————————————
الحبيب السّائح: «النمرود» الجزائري يحلم بالدولة الحديثة
* السعيد خطيبي (كاتب واعلامي من الجزائر)
البحث عن الأضواء والشّهرة ليس من أولويات الحبيب السائح. رغم زخم تجربته الأدبية ومسيرته الشخصية، يفضّل مواصلة العيش بعيداً عن صخب الصالونات الأدبية في الجزائر العاصمة. بعدما عانى من الرقابة ومنعت قيادات حزب «جبهة التحرير الوطني» أولى رواياته «زمن النمرود» خلال الثمانينيات، ما زال صاحب «القرار» قادراً على التأسيس لحساسية مغايرة والخروج عن القوالب المتعارف عليها في الرواية الجزائرية المعاصرة… حساسية تكرّست أخيراً مع روايته الجديدة «زهوة» (2011). في روايات الحبيب السائح، تطغى الأسئلة على الأجوبة. المؤلف يرى نفسه معنياً بما يدور حوله من متغيّرات يومية. لكنه يتجنّب الخطابات المباشرة، وحصر وظيفة الكتابة في المؤانسة. يخبرنا بأن إتمام روايته الأخيرة مثلاً، أخذ منه جهداً لا يقل عن أربع سنوات، بالنظر إلى تركيزه على التجديد اللغوي والبحث القاموسي في الكتابة السردية.
قناعة يراهن عليها منذ نحو عشرين سنة، خصوصاً بعد منع روايته الأولى من التداول في المكتبات: «يعود ذلك إلى تجربتي المريرة مع رواية «زمن النمرود» التي مثّلت لحظة قطيعتي مع الكتابة «الملتزمة». التجأت بعدها إلى دائرة صمتي معيداً صياغة أسئلتي حول الكتابة. وجاءت بعدها «ذاك الحنين» لتعلن بداية مشروعي اللاحق الذي بنيته على نفي القارئ، بما هو رقيب على البلاغة وعلى طرائق السرد». ألزم المؤلف نفسه خيارين: إما كتابة رواية أدبية أو لا شيء. ألغى تماماً شريحة القراء الباحثين فقط عن لذّة النصّ، مركّزاً جهده على الكتابة العالمة في بلد يشهد تراجعاً مستمرّاً لمستوى التعليم، وتزايد نسب الأميّة بالمعنيين المباشر والمجازي.
التجربة المريرة التي يتحدث عنها السائح تعود إلى عام 1985، مباشرة بعد صدور باكورته «زمن النمرود». هنا، بلغ ذروة الجرأة في تعرية السلوكيات القبَلية والابتزازية التي تنتهجها سياسة الحزب الواحد، وممارستها القائمة على التزوير لدى كل استحقاق، واعتمادها النفاق السياسي والأحادية وقمع الرأي الآخر. يومذاك، تعرّض الروائي الجزائري لسلسلة من الضغوط: «كان هناك مسؤول لا يهمّني الآن ذكر اسمه لأنه صار من الأموات، يشغل منصباً في السلم التراتبي القيادي لجهاز الحزب. وإذا به يرفع تقريراً إلى وزارة الثقافة، فأمرت بسحب الرواية من المكتبات وإعدام نسخها. وقبل ذلك، أمرَ بعقد اجتماع طارئ للمجلس الشعبي الولائي الذي قرر إصدار تعليمات إلى الأمن المحلي بهدف سحب النسخ. وفوق كل هذا، تم تأليب الرأي العام المحلي ضدي شخصياً». هذه الواقعة تركت آثاراً نفسية كبيرة على المتحدث الذي فضّل بعدها الانعزال سنوات. وكان لا بدّ من الانتظار 12 عاماً كي نشهد عودته برواية ثانية بعنوان «ذاك الحنين» (1997)، حملت بذور مشروعه الروائي الذي اتضحت ملامحه مع رواية «تماسخت» (2002).
المعروف أن الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية، نشأت على يد عبد الحميد بن هدوقة (1925 ــــ 1996)، صاحب «ريح الجنوب» (1971)، تلاه الطاهر وطار في «اللاز» (1974). وبقدر ما يعود لهذا الجيل فضل التأسيس، يعاب عليه الاستسلام لمنطق الرقابة الذاتية، وتمايله حسب آراء الحزب الواحد وأهوائه، علماً بأنّ الاسمين الروائيين المذكورين شغلا مناصب سياسية في جهاز الحزب. ووجب انتظار وصول جيل جديد ثان ـــــ ممثلاً بالراحل عمار بلحسن وبالحبيب السائح وغيرهما ـــــ كي تستعيد الرواية الجزائرية جرأتها، وتتحرّر من المكبوتات والتراكمات السياسية. لكن هذا الجيل لم يستطع مقاومة التحولات والاضطرابات التي شهدتها البلاد، خصوصاً في مطلع التسعينيات حين دخلت الجزائر في حمّام الدم الذي كلّفها مئتي ألف ضحية.
فشل الكثير من الكتّاب في التعامل مع تلك المرحلة. وسارع بعضهم إلى التأريخ لها في نصوص استعجالية، اختصرت الوقائع في الصراع الثنائي بين السلطة والجماعات الإسلامية، متناسية طرح الأسئلة الأهم، حول جوهر الصراع، والإقرار بفشل النخبة وانسحابها المبكر من المواجهة تزامناً مع تصاعد مدّ الجماعات الدينية. انتظر الحبيب السائح نحو عشر سنوات بعد نهاية الكابوس كي يصدر روايته «مذنبون، لون دمهم في كفي» (2009) التي تحوم حول حقبة التسعينيات: «كتبت الرواية شهادةً على أمرين: أولهما؛ سياسة اللاعقاب التي انتهجت تجاه من أجرموا في حق الجزائر. ثانيهما تطبيق شعار «المصالحة والوئام» من دون اعتراف مسبق بالذنب، فهما جرمان آخران في حق الذاكرة الجماعية».
مثله مثل الكثير من المثقفين الجزائريين، لم يتقبل السائح فرضية اللاعقاب التي أقرتها الحكومة في التعامل مع المجرمين، من خلال العفو عنهم من دون محاسبة أو مساءلة. سياسة فرضها الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة مباشرة بعد وصوله إلى السلطة في الجزائر عام 1999. مساءلات الحبيب السائح للراهن وللماضي تتواصل في روايته الجديدة «زهوة»، حيث يجد البطل يوسف نفسه محاطاً بحاضر مفخخ بالمتناقضات، يعيش بين يوتوبيا الماضي وأمل تجاوز عقد الحاضر.
«زهوة» تعكس صورة مصغّرة عن جزائر واحدة ومتعددة في آن معاً. جزائر ترفض أن تغيّر ملمحها الكئيب، وتصمد في وجه رياح التغيير التي عبرت تونس ومصر، حيث أشعلت فتيل ثورتين شعبيتين تابعهما الحبيب السائح بكل ما حملتاه من بهجة وخيبة أمل. يقول:«الشيء الذي يتهدد انتفاضتي تونس ومصر أن تدخلا في فخّ الابتذال. هناك قوى محلية وإقليمية وعالمية لا تريد أن تنجح التجربتان وتشكّلا نموذجاً لبناء ديموقراطية بإرادة القوة الحية التي فجّرت الانتفاضتين». ويضيف: «ما أتمناه أن تستوعب المعارضة اليمنية والسورية، الدرس الليبي وأن تواصلا العمل سلمياً».
عاش الحبيب السائح تجربة ثرية بين التدريس في الثانوية والجامعة. ورافق الكثير من أهم الأسماء الثقافية في الجزائر، على غرار الراحل بختي بن عودة الذي أسهم معه في تنشيط «النادي الأدبي» في جريدة «الجمهورية» خلال الثمانينيات، والطاهر وطار الذي شاركه تأسيس الجمعية الثقافية «الجاحظية». كما ترجم بعض أعمال الروائي رشيد ميموني، والشاعر جمال عمراني إلى العربية، واهتمّ بنحو خاص، بمبدعي الغرب الجزائري الشباب الذين منحهم فرصة للظهور والتعبير عن أنفسهم من خلال تأسيس «مهرجان القصة القصيرة» في سعيدة. وبفضل كل ذلك ربّما، يبقى متمسكاً بالحقّ في الحلم…
على رغم تعقّد الوضع في بلد المليون ونصف المليون شهيد، وتضاؤل فرص حصول التغيير، على الأقل في المدى المنظور، فإنّ السائح يبقى يحمل الرجاء نفسه الذي يرافقه منذ استقلال البلد (1962): «إن الحلم لا يزال قائماً، كما كان عند بداية الاستقلال: أن نعيش في بلدنا مواطنين، ونبنيه بتصوراتنا عن الدولة الحديثة».
—————————————————————————————————————————————————————-
قراءة في رواية ” زهوة ” للحبيب السايح
* فاطمة بريهوم ( قاصة من الجزائر)
فطمأنه:”إن لم يكن ذلك حصل بالحسّ فقد وقع بالمعنى.ولعلّ فيما رأيت نصيبا من حقيقتك الأخرى.”فتعجّب له:كأنّك كنت معي!” ومثل يوسف لا نعرف هل قرأنا حسّا أو معنى هذه الرواية؟ فما يبقى معنا كأنّه أوّل ماحدث أوأنّه لم يحدث إذ لا نصدّق كلّ تلك الأحراش من الدهشة، والمباهج في رواية واحدة هي”زهوة”فالسايح يأخذ بأيدينا إلى الأقاصي البعيدة للمكان والزمان ليعيدنا لمنابع الحكاية، ويرمّم ما حدث في الحياة من تصدّعات، محاولا أن يعمّر ما فيها من خراب.
هليمكنلروايةأنترجّناوتعيدناإلىمنابعناالأولى؟لتقولصمتحاجتناإلىسكونالدعاءيطهّرهكلّالصخبالذيشوّشأرواحنا؟
قطعا كتب قليلةتفعل..وهي كتب سلالةالأدبالإنسانيالخالصالذيينشد التعبيرعنالانسانوحيرتهالأبديّةمحاولا الحفاظ على كينونته بعيدا عن كلّ الضوابط التي يحاول النقد أن يقلّم بها أظافر الأدب من تنظيرات يجب ان تلتزم بها الكتابة؛فالسايح نفسه في حديث له يؤكد أنه في عمل دؤوب واجتهاد لتجاوز ما كتب قبلا ،ابتدأت معه فكرتها وهو يتسمّع إلى تلك التهليلات هناك في أقاصي الحكاية الأصلية حيث الصفاء:”كل يوم زهوة،واليوم اكثر.ازه يا قلبي”..
منأوّلكلماتهاتهزّنا لغةهذهالروايةإذتزيحعنّاشيئافشيئاالنظاماللّغويّالذياعتدناهفيأدبنايقاربلغةالصحافةالوظيفيّةغالبا..فهيلغةيختلّفيهاتراتبعناصر الجملة :”واستدار عنه ففتح النافذة على سماء غمر ضياؤها شجراللوز المزهر نوارا أبيض...فاستنشق هواء محملا بمزيج من طيب الخضرة موجه تيار خفيف…”ص86 و
لعلّ القارئ الذي تعوّد على احتمالات متشابهة مكرّرة لتراكيب اللّغة وسهولة القراءة لا يستسيغ هذا المستوى المغاير والمخلخل للذائقة،ولكنّ هذا يجعلنا نتساءل بعيدا عما فرضه النمط الذي تكرسّه وسائل إعلامية ومؤسسات أكاديميّة:ما الأدب إن لم يكن تشكيلا جديدا على كلّ مستويات القراءة يرمي إليه الكتّاب و القرّاء ؟؟ ويدفعنا إلى الإقرار بأنّنا فقط تعوّدنا لغة”ميديا “وذوقها فصار سهلا علينا أن نهرب من لذة القراءة الواعية إلى القراءة السريعة،متهمين الأدب مبرّئين كسلَنا.
و كما تُربكك اللّغة في “زهوة”كذلك يفعل تعدّد مسوتويات خطابها بين الصوفيّ والمحكيّ،و الواقعيّ -التحليليّ ، والشعريّ فكأنّ السّايح أكثر من كاتب صاحب أسلوب أوحد ووحيد يحدّد مسبقا ما سيؤول إليه النّص من أوّل كلمة،فبحسب ما أتاح المقام والحد يث يتلوّن الكلام الذي يُغيّر الروائيّ كلّ مرّة خط كتابته لنَمِيزَه ونتعمّق في كنهه، ولا نعجز أن نفهم ذلك إذ نقرأ أنّ السايح المشتغل على لغة القرآن، والحديث، والكتب التراثيّة كما أكّد في أحد حوارته يريد عن وعي إعادة الأدب إلى مقامه الأزلي :الإمتاع والتطهير.
منطلقا من هدأة تلك الخلوة في إحدى “زوايا “منطقة توات يفتحنا السايح على كلّ الأسئلة التي نتوارثها من أجيال بشريّةعن الحب والجنس والعادات والصراعات تماما كما تتطلّبُ الحياة في تلك المنطقة البعيدة هناك حيث سادت حضارة راسخة الوجود لقرون، لا نتعب أن نفهم أنّها ملجأ لكلّ حائر خذلته هذه المدنيّة بعنفها.فهل ندرك أنّنا نمتلك ما نقدر أن نواجه به ذلك إذ نستمسِكُ بالأمانة:”أمانة أبائكم،بما فيها مفتاح الخزانة…”ص342
تماما كما اهتدى”عبد النور ” وهو يفرّ من حياة صاخبة بفسادها بعد فقد زوجته وابنه الذي كان جنينا في رحمها من طرف جماعات متطرّفة لعلّه يفيئ إلى سلام تَعرّفَه رُغم “عقلانية ثابتة في تفكيره اكتسبها من مساره الدراسيّ ومن تحصيل قراءاته وتجاربه وتأملاته،ظلّ يقيم له توازنا نفسيّا حفظ به موضعا في روحه بمثابة أرض براح…”ص315 ،وهو يعود إلى نداءات دمه النقيّ ليفتحنا على مشابك الحياة وعمقها بخيرها وشرّها من خلال الصراع الأبديّ بينهما من خلال قصة حب بسيطة يكون عَرّابَها, كأنما ليعطي حياة أخرى بانتصار الحب والحكمة، ويرسم لنا مُحدّدات حياة فاضلة لا ينعدم فيها الشّر لأنّه وجه آخر للحياة إذ يموت بالإقتيات على نفسه والمحبة تغمر الدنيا ؛ فنَتنَحّى بعيدا إلى شفافية المشاعر بعيدا عن دموية هذا العالم الذي تُسيّره نوازع السيطرة فتسرق من إنسانيته ليس إلاّ.
مع عبد النورنعود إلى تفاصيل ما عاش كحكاية لا نثق فيما بعد صفحات هل هي صلب الرواية؟ لأنّ لكلّ شخصية في “زهوة” حكايتها ولعلّ هذا ما يجعلنا كل مرة نفتح بابا لنتعمّق في تفاصيل حكاية مع يوسف وجرح الأبوة، فلُقياه بأخته لأبيه “إدريس” الذي لا نتأكّد مطلقا هل هو بشر سويّ، أم مَلك علَّم النّاس الصبر،والتغلب،على الرغبةوالفتنة، فلننصت لما قاله رضوان مريده وربيبه:”كان سيّدي ملتزما في كلّ شيئ،مثابرا على بعث الحياة حيثما وصلت قدماه…”ص82
ولرضوان حكاية تتنامى في الهندسة المتشعّبة التي سطّرها الكاتب باقتدار إذ أنّنا كما في الفانتازيات الرائقة للآداب القديمة لا نشعر بتلك الشعرة التي تلج بنا من فسحة لأخرى تشرِّع عيون الدهشة والإستغراق، ولربيعةأيضا حكاية مُترعة بالحيرة والسؤال إذ تغالب شره سلطانة للسيطرة، وتبييض ما اختفى من ماضيها وبؤسها وهي تحكم خِناق زوجها لتُسيِّر قبضَتُها الزاويةَ. وتتشابك الأسرار إذ نفك لغزها مع السبعاويّ ضابط التفتيش، الذي يَهتِكُ ما أخفته سنين، وهو يدخل بنا إلى التَعفّنات التي استغلّها غيلان الفساد :”هي سلاحي الوحيد لاستعادة أرض والدي من أشخاص استولوا على أغلب أجزائها بعد موت والدتي مدّعين،في ظلمة فوضى البلاد…”ص340
لا تتوقف الدهشة إذ أتوقف هنا، فمازال الكثير من الحكايات والخفاياالتي تسترها الحُجبُ في “زهوة”.
لذلك سأؤكد لقد استطاعت”زهوة” وبجدارة أن تعيدنا مع ذاكرة الأستاذ إلى أعماق حكاية بدأت بالحب،واللقيا، وقداجتثّت تفاصيلَها أيادٍ آثمة سلبت الحياة عذوبتها التي وقفنا عليها هناك بين الأشجار التي غرسها سيدي إدريس والساقية التي تبعث كلّ ما هو حيّ.وسأقول فيها ما قلته للأستاذ الحبيب السايح لما أنهيتها أوّل مرة:
“في الأول اندهشت.. وبعد ذلك في جلستي اعتدلت لأفهم نظامها اللّغويّ المتفرّدَوهندسة الحكاية فيها ..ثم سُحرت بعوالمها الفاتنة، ومن صدق شخصياتها بكيتُ لاسيما في تلك اللحظات التي يختلون فيها لصفائهم ..لأتأكّد عند تمامها أنّها رواية من دم نقيّ..”
——————————————————————————————————————————————————————-
دعـــوة إلى” زهوة “
* د . مخلوف عامر (ناقد واستاذ جامعي من الجزائر)
“زهوة ” هو العنوان الذي اختاره “الحبيب السائح ” لروايته الأخيرة، بعدما كانت تجربته الروائية الأولى مع “زمن المرود” عام 1985، قد جلبت إليه كثيرا من المتاعب والمشاق. كانت – يومها – قد أحدثت ضجة أثارها الذين لا يقرأون. ولكنه ألحَّ – وبإرادة فولاذية – ألا يستسلم لمنطق الجهل والحسد، فأصدر روايات أخرى : ( ذاك الحنين، تماسخت، تلك المحبة، مذنبون ) وقبل هذا كله، كان بدأ بكتابة القصة القصيرة فصدرت له أربع مجموعات هي
القرار، الصعود نحو الأسفل، البهية تتزيَّن لجلّادها، الموت بالتقسيط).
ولقد وجدتُه في كل ما يكتب، حريصا على التميُّز، على التجديد، على أن يكون هو. لا يستصغر مبتدئا يدبُّ نحو النضج، ولا يهاب كبيرا صنعت منه الشهرة صنما، هو هكذا يسلك طريقه واثقا من نفسه، مطمئنا إلى تجربته.
وفي هذه الرواية، يثبت – مرة أخرى – بأنه هو، لغة وفكرا وأسلوبا.
زهْو العنْونَة :
اهتمت الدراسات النقدية المعاصر بالعنوان. لأنه خارج عن المتن داخل فيه. كذلك الأمر بالنسبة للعناوين الفرعية والمقدمات والذيول وكلمة الناشر والصور وغيرها من الحواشي التي تحيط بالمتن ويصطلح على تسميتها بـ” المُناص”.
ولم يكن هذا الاهتمام من باب التّرف الفكري أو الأدبي، بل لأن ما يحيط بالنص لاشك له تأثيره في المتلقي. فأما العنوان فلعله ألصق من غيره بالمتن من حيث إنه يحمل دلالة بها ينفتح النص وقد يشكّل نقطة الانطلاق فهو (( شبكة دلالية يفتتح بها النص ويؤسس لنقطة الانطلاق الطبيعية فيه. والعنوان بوعي من الكاتب يهدف إلى تبئير انتباه المتلقي على اعتبار أنه تسمية مصاحبة للعمل الأدبي، مؤشرة عليه))([1])
ويضيف ” شعيب حليفي” معتبرا العنوان (( ممثلا لسلطة النص وواجهته الإعلامية التي تمارس على المتلقي إكراها أدبيا. كما أنه الجزء الدال من النص الذي يؤشر على معنى ما فضلا عن كونه وسيلة للكشف عن طبيعة النص والمساهمة في فك غموضه )).([2])
ولكن إذا كان هذا صحيحا، فهل يصدق على أي عنوان ؟ أم أن العنوان الناجح الذي يوضع بوعي من الكاتب هو الذي تتوفر فيه هذه المواصفات؟
يبدو أن الأمر يتعلق بما ينبغي أن يكون. وهو إن صحَّ على المستوى النظري، إلا أن كاتبا ما قد يخونه الوعي بهذه الضرورة حين الممارسة. وقد يُنهي نصَّه ليختار بعد ذلك عنوانا إشهاريا لا يتعدى الواجهة الإعلامية ولا يمارس على المتلقي أي إكراه. وبدل أن يكون وسيلة للكشف قد يصبح عامل تضليل وتشويه، فما كل كاتب بمقدوره أن يشدَّ هذا لخيط الحريري المتين من بداية النص إلى نهايته، إذْ من المفروض أن يكون العنوان هذا الخيط الذي لا يفلت لا من الكاتب ولا من المتلقي.
فإلى أي مدى تتحقق هذه المواصفات في “زهوة ” العنوان؟
جاء في القاموس المحيط (( و(الزهو )) المنظر الحسن والنبات الناضر ونَوْر النبت وزهره وإشراقه كالزُّهُوّ والزهاء والباطل والكذب والاستخفاف كالازدهاء وهزُّ الريح النبات غِبَّ الندى والبُسْرُ الملوَّن كالزهُوِّ والكِبَرُ والتيهُ والفخر…))([1]).
وقال حافظ إبراهيم في معنى الكِبر:
فصحتُ يا قوم كاد الزهو يقتلني وداخلتني حال لستُ أدريها
إذا ما اقتصرنا على معاني الحسن والجمال الواردة في القاموس المحيط، فإننا لا نعدم ذلك فيما يصف الكاتب من أثاث في الغرفة أو في المقام أو في الجنان، وإذا ما أخذنا معنى الكِبر وعلوّ الشأن فإن، ذلك يتجسد في شخصيات بعينها كـ” سيدي إدريس وعبد النور ويوسف ورضوان وربيعة والجوهر ” وإذا أردنا الباطل والكذب والاستخفاف “فلعل أحسن ما يُصوره شخصيات مثل: “سلطانة وسحنون وسعدان وفرحان وحمدون الحسير ” ناهيك عن المستعمِر الفرنسي والأصوليين الإرهابيين.
لكن “زهوة” مفردة بهذا الاشتقاق، قد لا نعثر عليها في القواميس القديمة وإن هي استعملت اسم علم منذ القديم، عِلْما بأنها لا تخالف الميزان الصرفي كقولنا ” كبا كبوة” و”غفا غفوة “، مما يعني أن الكاتب قصد إلى ذلك قصدا.
ثم إنها كلمة شائعة على ألسنة العامة مرتبطة بالفرح والزهو كقولهم: زهو الخاطر ” وكما في المثَل” زهو الدنيا
لا تبدْلَه بشْقاء” أو “زهو الدنيا غير مع لبنات واذا خْطاوْا ذاك البر يتسمَّى خالي”…الخ.
تَرِد الكلمة “زهوة” أو ما يتصل بمعناها فعلا أو مصدرا في عشرة مواضع من الرواية فيما أحصيْت. وهي كالتالي :
(( زاهي المشاعر)) ص:13 ، فقرة ،3
“ازداد إشراق عينيها زهواً” ص28. فقرة 3.
“تتفرقع زهواً على بشرتها” ص 60. فقرة 3.
“أغبط فراشة ربيع على زهوها” ص 159. فقرة 4.
المدينة،آه، كم ستزهو شوارعها ،ص: ،195 فقرة 1
“..حزن رضوان كيف يتحول زهواً” ص 232. فقرة 3.
“..مزهوا بأحلامه حائما” ص 308. فقرة 4.
((كل يوم زهوة، واليوم أكثر.اِزْهَ يا قلبي)) ،ص:313 فقرة 2 مكررة
“.. منهل الحب والزهو” ص313. فقرة 2
“غيمة مزهوة” ص 314. فقرة 1.
فأماالإشارة الأولى فمجرد ملاطفة أخلاقية تقديرية متأدّبة، وأما الثانية فتعبير عن فرحة وسط المنتشين بالطبل والبارود في الزاوية، فتحيل على نوع من الزهْو الروحي تُكرِّسه الشعائر الدينية والطقوس.
تقابلنا هذه الكلمة “زهوة” وقد تمازجت حروفها وتناوبت رسما ونطقا، ذكورة وأنوثة، لتجد امتدادها فيما أدناها: لوحة ” بيكاسو” وهي تحمل صورا آدمية أشبه بظلال أو أشباح، يختلط فيها الذكور بالإناث وتذهب في كل الاتجاهات، وتبدو كأنها عارية أحيانا وأنصاف عارية أحيانا أخرى. والشمس تجلو ألوانها فتبدو مختلفة ربما كاختلافها في الحياة حد التناقض.
رُسمت “زهوة” العنوان، بخط أكبر. حيث ينتصب حرف الزاي كالقضيب رسما ونطقا وكأنه الذَّكَر يعلن عن نفسه منذ البداية، بينما تختفي تاء التأنيث نطقا لكنها تظهر كتابة ويزيد الثقب في أنوثتها بخلاف “الزاي”، وتعلوها نقطتان كأنهما عينان ترقبان كل من ينظر إليها. في حين يبقى ضمير الغائب “هو” يتوسط الحرفيْن فيما قد يوهِم بسيطرة ذكورية كتابة ونطقا، لكنْ تنهض الكلمة في مجموعها بالأنوثة كتابة ونطقا. وكأن التاء لم تعد “مربوطة”، أو كأن الذكر والأنثى يحكمهما رباط واحد لا فكاك منه إن في الواقع (مثال: ربيعة وعبد اللطبف) أو في المُخيِّلة (مثال: عبدالنور وخوْلة). ما يفسِّر جوهر الحياة برَّانية كانت أو جوَّانية، عفيفة أو ماجنة، فلا وجود لها في غياب المرأة ولا طَعْم.
فأما إيرادها مفردة نكرة، فقد يوحي بأنها زهوة واحدة في العمر كلِّه، قامت وانقضت. أو أنها واحدة من زهوات كثيرات. ولعل من أهم الفرضيات أن التنكير فيها يؤدي وظيفة تبئير انتباه المتلقي، وظيفة تشدُّه إلى التعرُّف عليها بحيث لا يتحقق له ذلك إلا إذا اطَّلع على النص. النص بهذا المعنى سيكون امتدادا للعنوان، وكلما تدرَّج المتلقي في القراءة كلما تكشَّفت له أسرار هذه الزهوة، وهكذا يصبح المتن أحسن تعريف، أوْفى من التعريف بـ”ال” أو بالإضافة. هنا يشكِّل العنوان مؤشرا يصاحب العمل الأدبي ويكون وُضع بوعي من الكاتب حقا. ولذلك فهو يغري ويثير الفضول.
ولا نكاد نغادر العنوان حتى تطالعنا افتتاحية وضعت قبل المتن على النحو التالي :
(( أما أنا وقدري فلا نتكلم للحاضر، ولا نتكلم لزمن اللازمن أيضا.))
نيتشه. هكذا تكلم زرادشت
اعتاد الكُتاب أن يلجأوا إلى تثبيت الافتتاحيات، وقد يحصل ذلك من باب التقليد لا غير، فهل كان الأمر كذلك بالنسبة لهذه العبارة التي اختارها الكاتب؟
إننا حين نتأملها، نلفي أن الكاتب ما أوردها إلا لأنه يتبنَّاها، وإلاّ ما الذي يجعله يختار هذه العبارة / الفكرة دون سواها؟. إن “الأنا” والقدَر منفصلان أو متمايزان في الواقع، إذ قد يغيب “الأنا” ولكن القدر دائم مستمر يطال أيّا كان. غير أن القدَر- ها هنا- قد يتخذ دلالة أخرى مصاحبة لممارسة الكتابة، بل هي الكتابة ذاتها، وكأن الكاتب يقول: هاأنذا وقد قُدِّر لي أن أكتب، وهو قدَر يجعله يختلف عن الإنسان العادي سواء لحظة الكتابة أو من خلال الأثر الذي يتركه. وكلامه ليس للحاضر، لأن الأمر عندما يتعلق بالإبداع فإنه – لا شك – يلتقط من الواقع / الحاضر، ولكنه يعلو على الزمان والمكان ليصلح لكل زمان ومكان. بينما لغة الحاضر هي من الخطاب المؤقت العابر، قد يكون سياسيا أو اجتماعيا أو ما شابه وتنطفئ جذوته بمجرد انطفاء دواعيه.
لذلك يصح أن يقول “أنا وقدري” أي أنا وكتابتي. إذ لا فرق بينهما في هذه الحالة، إنهما يلتحمان ويتَّحدان كي يتكلَّما لغة واحدة يكون فيها الحاضر مرتكزا ولكنها تَسْرح في الماضي وتمتد نحو أفق مستقبلي لا حدود له.
ولا ينبغي أن نتوهَّم بأن الكلام المقصود يحدث خارج الزمن، لأن القسم الثاني من العبارة يأتي في شكل استدراك يرفع الوهْم: ((ولا نتكلم لزمن اللازمن أيضا )). نفي الكلام لِلاَّزمن، ما هو إلا تأكيد على الارتباط بالزمن، أو بعبارة أبسط، إن كلامَه لا يحدث خارج الزمن الإنساني، لا يدور في فلك الغيبي الماورائي المجهول، إنه كلام من الحياة ولأجل الحياة ولذلك يسعى لأن يكون متميزا مختلفا، يرقى بالمألوف إلى درجة اللامألوف لعله يفتكُّ سر الخلود ويمتد امتداد الحياة التي لا تقاس بعمْره الجسدي القصير والذي يفنى كما يفنى الحاضر.
إذا فُهمت الافتتاحية على هذا النحو فسنجد صداها في قول الكاتب ((أأنسلُّ منك مثل شعاع؟ أم أنسلخ عنك كظل؟ في كلتا الحاليْن سأتركك مادة تتفسَّخ يستعيدها التراب))([1]). إنها روح الكاتب تخاطب جسدا آيلا – لا محالة – إلى الزوال. وكأنها في الوقت ذاته روح الكاتب تخاطب اللاكاتب، أو اللحظة الفاصلة بين العادي وغير العادي، بين “الحبيب السائح” الذي يعيش حاضره كأي إنسان، وبين انغماسه في المكتوب لحظة الإبداع حيث لا مفر من الانسلال أو الانسلاخ. ربما هذا ما كان يُعبَّر عنه في الدراسات التقليدية بصدق العاطفة لو لم يُلبسوها ثوبا أخلاقيا لا علاقة له بالظاهرة الأدبية.
لا يمكنني أن أدَّعي بأن هذا ما قصد إليه الكاتب فعلا. إذ العلاقة بين الكاتب والقارئ مبنية على اللاَّيقين. فلا الكاتب، وهو يكتب، يتوقع نوايا القارئ. ولا القارئ يستطيع أن يتأكَّد من مقاصد الكاتب([2]). من هنا ينفتح النص الناجح على تعدد القراءات، كما يُفترض في المتلقي أن يتحرَّر من أسْر الانغلاق لينصت إلى ما تمليه طبيعة النص
ولا خلاف في استثمار منجزات المدارس النقدية المعاصرة إلى أقصى حد. فقد أضحت ضرورة ملحَّة، إنما لابد من مراعاة خصوصية اللغة وظلال الكلمات التي قد لا تطالها الجداول والرسومات والإحصاءات وقد أصبحت لدى كثيرين قوالب جاهزة يسقطونها على سائر النصوص مهما اختلفت وتمايزت.
إنما يبقى أنه إذا كانت الكتابة الروائية الجديدة تهدم البنية التقليدية لتخلق بنيتها الخاصة بخلخلة التسلسل الزمني، حيث تتداخل السوابق واللواحق وتتعدَّد الأصوات وتتبادل المواقع، وتتنوَّع وظائف السارد وتختلف مستويات السرد، وينهض النص على أرضية من التناص يمتح فيها من شتى المعارف، منها ما هو معلن وأكثرها خفي، فإن النص ذاك، ينادي - حتما – قارئا من نوع جديد، لا يركن إلى النمط الأدبي المألوف عجـزا واستسهالا. بل لا بد له من حد أدنى من الجهد إذا كان يبتغي متعة وفائدة. وإلا لن نبرح دائرة تراشق عقيـم (( لِمَ تقول ما لا يُفهم ؟ ولِمَ لا تفهم ما يُقال ؟)) تبريرا لعجز أحد الطرفيْن أو كليْهما.
زهْو التأثيث :
(( وضع عبد النور، خلال هجعته الأخيرة في الخلوة، القلم والسجل السابع عشر جانبا. وأسند ظهره إلى الجدار، منتظرا عودة رضوان. فعاودته لسعات سقمه أشد وخزا في أقصى مفصل من جسده)).([1])
هكذا تبدأ الكتابة بطريقة تقليدية يُهيْمن فيها ضمير الغائب وتتوالى الأفعال الماضية، وحيث الراوي هو الكاتب والمروي له هو القارئ. وصفة التقليدي لا تتضمن أي معنى انتقاصي. إذ مادامت الرواية “جامع أجناس” فمن باب أوْلى أن تحتضن ما كان من أصلها وصُلبها وهو هذا الأسلوب المعهود في الرواية الكلاسيكية إلى جانب ما ابتُكر لاحقا. خاصة وأن الكاتب لا يلبث أن ينسحب ليفسح في المجال للشخصية تتحدث عن نفسها وعن غيرها بما يمكن أن نمثِّل له على النحو التالي :
|
الراوي |
المروي له |
المروي عنه |
|
الكاتب |
القارئ |
عبد النور |
|
عبد النور |
القارئ |
رضوان |
|
عبد النور |
القارئ |
خولة |
|
يوسف |
رضوان |
الفطور والوالد شعيْب |
اللافت للنظر أنه في تأثيثه البيت الروائي يعمد ” الحبيب السائح” إلى التركيز والتكثيف بحيث يراكم نحو خمسة وعشرين اسما علما في ثلاث عشرة صفحة. ومن هذه الأسماء من سيرحل معنا عبر النص ومنها من نتركه أو يتركنا بلا أثر يُذكر. هي مقدمة تمنح القارئ الأدوات الأولية والإشارات التي من شأنها أن تدله على الطريق وكأنه يهبه حصانا ويقول له “لك الرسن وعليك الاتجاه معا.”
لعل هذه القدرة على التكثيف أن يكون ” الحبيب السائح” قد ورثها من تجربته في كتابة القصة القصيرة، وقد يصلح دليلا على “حسن التخلص” أو الانتقال السلس من نوع سردي إلى آخر، بما لا يلغي سابق الخبرة بقدر ما يستثمرها
فالحديث يخصَّ “عبد النور” أولا، وليس “عبد الله “، وهو اسم لم يوضع اعتباطا، وهو في خلوة، ومن أين يأتي النور لمن كان في غرفة قد تكون أشبه بكهف أو مغارة أو غار. ولكن فيما معنى مقولة “جلال الدين الرومي ” “إذا أفاضت السماء بالنور فلا يرى النور إلا من كان بعيْنيْه نور“. إنه يتزوَّد بالكتب دوما، وبين يديْه سِجلُّه السابع عشر يقرأ أو يُدوِّن فيه بعضا مما يشع عليه هذا النور.
في هذا الوضْع يتماهى الكاتب مع شخصيته إذ كلاهما في خلوة، وما الخلوة – في هذه الحال- سوى لحظة الكتابة حين يكون الكاتب هو هو. يخترق جدران الغرفة ينسلّ من جسده أو ينسلخ عنه ليمارس زهْو التخييل في فضاء أرحب. حينها يتلاشى كل شيء مادي مما حوله، أو يرقُّ ليسرح في عالم هو منه وليس منه في آن. ولا سبيل لديْه سوى المناجاة يسكبها حبرا على وَرَق. إنها الخلوة التي ينقطع فيها المبدع إلى ذاته، يصغي إلى ضميره لحظة الإبداع، لحظة تصوُّفية يبرّرها بقوله:
((إني، لِما ظهر في البلاد من شر نخر القلوب وبما فشا من فساد لطّخ الضمائر فتوارى الصلاح وتزعزع الإيمان، قد اعتزلتُ دولة أولي أمركم المستظهرين على العباد بالظلم والهوان. وتركتُ مجالس الافتراء وذر الرماد. وهجرت أي مشيخة لبست ثوب الورع فوق لحمها المكمود بالفجور. وأغلقت باب قلبي عن كل طمع. ودخلت في طريق الحقيقة لأفلت من رجس هذا الزمان.))([1])
لا مانع في حال التماهي – إذا كان صحيحا - أن نستنجد بمربع “غريماس” لتقريب الصورة أكثر فتكون على النحو التالي:
عبد النور السجل17
الكاتب زهْوة
كما يمكن التعبير عنها بمعادلة تقرأ في اتجاهيْن متعاكسيْن.
عبد النور ————– السجل17 ————– الكاتب ——— زهوة
إن القارئ/ الناقد لا يجد متعة فيما يقرأ إلا إذا حقَّق مستوى ما من الفهْم، حتى لو كان في فهْمِه شيء من التوهُّم. لأن طبيعة القراءة تكاد تكون إنتاجا آخر للنص انطلاقا من الأدوات التي يقدمها النص لهذا الإنتاج.
جاءت المقدمة التأثيثية مُثقلة بالأسماء، وكان بإمكان الكاتب أن يترك الأسماء التي لا حضور لها فاعلا في المتن. فهل كان ذكرها مجرد نزوة عابرة، وهي البداية التي ينصبُّ فيها جهد الكاتب؟ أم أن “عبد النور” في خلوته يستحضر شريطا من الحياة ماضيا، يعاني آلاما، ويشعر أنه يخطو نحو القبر ولم يبقَ أمامه إلا أن يزهو باسترجاع المقام والأحبة أجدادا وآباء وأحفادا ؟ لعلها زهْوته، خلاصة حياته.
وإذْ هو يسترجع حقبة من الماضي، يفضِّل أن ينبه القارئ إلى أنها حالة تذكُّر فيورد ما يشير إلى ذلك ومنها قوْله: (( تركها له تذكارا، تذكَّر له، استذكر غافيا، سرح ذهني، نطق كأنما لنفسه، ناطقا بما في قناعته، فطوى به التذكار إليْها، فاستعاد لها، فرجَّه تذكار لحظة، يفلت على نزر من تذكار…الخ )).
تتناثر مثل هذه العبارات على طول المتْن لتنبِّه القارئ إلى أنها حالة تذكُّر، وكأن الكاتب يشك في قدرة القارئ على التمييز بين أزمنة السرد، ولعله يشعر بكثرتها أيضا فيحرص على ألا يكررها بالصيغة نفسها، يسنده في ذلك رصيده اللغوي في القدرة على التنويع، وإن كان جهدا – فيما أرى – لا لزوم له.
زهْو الرحلة:
((نترادف. لك الرسْن. وعليَّ الاتجاه.))([1])، هكذا تختتم ما أسميته المقدمة التأثيثية، لتبدأ الرحلة. استعماله “نترادف”. فعل مضارع في صيغة الجمع ولكنهما اثنان. لا مجال لمناقشة كيف أن اللغة العربية تخلَّت عن هذه السهولة ليستقلَّ المثنى كما استقلَّ التأنيث ليعذِّب أحسن المُدرِّسين في تصريفه.
رّدَفّ غيْره، إذا تبعه أو ركب خلفه. ومنها الأرداف لأنها تتبع صاحبها من خلف، ونترادف استعمال شائع لدى العامة ويعني أن يعتليَ اثنان دابة واحدة، وهو من صميم العربية ، قال البحتري :
أُمسي زميلا للظلام وأغتدي رِدْفا على كفَلِ الصباح الأشهب
توظيفه الفعل “نترادف” في الرواية نهاية للمقدمة وبداية لرحلة يمثل مفتاحا للقراءة، ومرتكزا للكاتب يسمح له بإدارة حوار ثنائي، ولأنهما اثنان، متقاربان في الركوب إلى درجة أن الواحد منهما يحضن الآخر، فهو حوار مهموس، أقرب إلى المناجاة([2]) منه إلى الجهر. لذلك لا تعترض الكاتب عقبة عند الانتقال من الهمس إلى المناجاة. فحينما يتوقف الحوار الثنائي ، لا يتوقف سيْل الكتابة.
· ولأنهما اثنان أيضا، أحدهما يشد الرسن والآخر يحدِّد الاتجاه، فهو صوت الكاتب الذي بدأ واحدا ليصبح اثنيْن. أحدهما له الرسن/ القلم، بما يوحي به الرسن من قدرة على التحكم وما يوحي به القلم من حكمة، والثاني عليه الاتجاه في التفكير والتدبير. ثم يمتدّ هذا لخيط ليجمع لا حقا عددا من الأصوات قد تختلف أو تتناقض، ولكنها في النهاية تلتئم أدبيا – وتتناغم في “عقد فريد” جوهرته الوسطى “عبد النور”.
تعدد الأصوات مقولة “باختين“، يحاول كثير من الدارسين أن يستظلوا بها للهروب من شمس الأيديولوجيا الحارقة، وما هو أيديولوجي في أذهانهم ينحصر – أساسا – فيما له صلة بالاشتراكية والشيوعية، فيتحدثون عن تعدد الأصوات والخطابات إن على مستوى السرد أو الحوار. ولكنهم ينسوْن أو يتناسْون أن “باختين” هو القائل أيضا: ((إن كل الأدلة خاضعة لمقاييس التقييم الإيديولوجي(…) يتطابق مجال الأيديولوجيا مع مجال الأدلة. ويتوافقان بشكل متبادل. إن لكل ما هو إيديولوجي قيمة دلائلية (سيميائية.) فحيثما كان الدليل كانت الإيديولوجيا أيضا)).([3] )
الحصان، يصبح المكان الذي يعوِّض غرفة تركناها في المقدمة، لكنه مكان متحرِّك، وهو حيوان سبيبُه يثير في نفس الراكب حنينا إلى من يحب، والراكب – بدوْره – يقرأ فلسفة في صبره وتحَمْحُمه. إنه لا يصف الحصان من أجل الوصف، بل يستنطقه ليعبِّر عن قيم إنسانية، ربما أحسَّ “عنترة ” بمثلها يوما لماّ قال:
فازورّ من وقْـع القنا بلبانه وشكا إليَّ بعبرة وتحمحـم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلِّمي
ما بين بداية الرحلة والوصول إلى المقام، كان لا بد من كلام، السفر متعب والطريق طويل، يتحاور الرديفان، وإذا صمتَ أحدُهما أو كلاهما فلا صمتَ مع صرير القلم، تتواصل الكتابة تستنطق الحجر والشجر وتناجي الحصان و تخاطب الإنسان من حيث هو إنسان.
ومثلما يُنبِّهُنا الكاتب إلى بداية الرحلة، يعلن عن الوجهة فالوصول (( لنأوي إلى المقام))([1])، ثم في الصفحة الموالية ((في جلابة صوفية ذات لوِن بني وشاش، أبيض نظيف، وقف الفتى في الباب الخارجي لحجرة مجللة بالصمت أجلى عتمتَها بالكاد نور قنديل. وأحنى لهما إكبارا: ” أنتُما في المزار “.))([2])
ولكن لا تنتهي رحلة إلا لتبدأ أخرى، رحلة في المقام، بما يوحي به من مهابة وقدسية بالنسبة لمن طلب الطهارة والنقاء، فأمّا من أخذه الطمع فليس بالنسبة له سوى مطية لتحقيق مآرب زائفة زائلة.
هكذا يحضر “سعدان” و “فرحان” إلى المقام، يحملان الرشوة ويسعى كل منهما إلى تحصيل منصب في الولاية أو في الوزارة. رؤيتهما محدودة بحدود الطمع الذي سَكَنهما منذ الطفولة.
في حين يرى “يوسف” ما لا يراه غيره، لا مسافة لديْه بين الحُلم واليقظة، يلتقي الشيخ ذا المهابة والجلال، ويحضر بين صفَّيْن متقابليْن سبعة مقابل سبعة، يستمع ويُسْمع، وتسحبه فاتنة آسرة إلى مشهد يأمله كل حي يحب الحياة.
هنا تتعدد الأصوات والصوت واحد، صوت الكاتب الذي يلملم الشتات بحيلة إبداعية، كل يقرأ من سجل بين يديْه، وهم أربعة عشر بالإضافة إلى يوسف والشيخ، وكل يقول كلاما متميزا عن الآخر، ولكنهم يلتقون جميعا في واقع الأمر في “زهوْة” في كتابة السجل السابع عشر، يلتقون في كتابة الرواية.
ولكن ليست زهْوا كلها الحياة. إذْ عندما تقابلك صورة سلطانة منذ ولادتها اللاشرعية من أمّ مجرمة نشأت في الزيف وتربَّت على الخداع، حتى موتها ببشاعة تبرّر مكرها. هي من النماذج البشرية كـ “العايب” أو “حمدون الحسير”، يمثلون من تُشفق عليهم أحيانا ولكنك تكرههم، وتودُّ لو كانت النماذج البشرية كلها من أمثال: “سيدي إدريس ” أو “عزيزة” أو”يوسف” أو عبد النور” أو “خولة ” أو “ربيعة أو “الجوهر” أو “رضوان” أو “بثينة” أو حتى من الذين لا حول لهم ولا قوَّة كـ” بهيجة ” أو “عجيلة ” من الذين – في عز الغبن يمارسون حقهم الطبيعي في ممارسة الجنس الذي لولاه ما كانوا ولا كُنَّا.
من الميْل اللاشعوري إلى الزهو وحب الحياة، أن تُحْصي شخصيات الرواية الخيِّر منها والشرير، ستجد الخير غاليا، وحين تغيب عنك كل الشخصيات أو تنساها سيبقى “عبد النور” يُشعُّ عليْك بنوره، كما ستلاحقك صورة “يوسف” وسورته أيضا. ولكنه “يوسف ” الذي إذا راودته فاتنة لا يمانع. إنه ليس “يوسف” النبي، بل الإنسان.
هي رحلة يقودك فيها ” الحبيب السائح” إلى أن تعيش مشاهد لم تشاهدْها، يقودك إلى أن تتدَّبر أثاث الغرفة، وتخرج منها لتمطي صهوة الجواد/ الخيال، وأن تمارس الجنس النقي حد الانتصاب، وأن تعطي المزار حقه من القداسة والوقار، وأن تشهد في النهاية، بأنك جُلْت في عالم ما كُنتَ لتعرفَه لولا جمال التصوير.
زهْو الوصف.. زهْو اللغة :
يمثل الوصف في الكتابة عادة لحظة توقف، منه نوع يظهر مستقلا عن الحكاية، يؤتى به للإيهام بواقعية ما يُحكى أو لإضفاء مسحة من الجمالية من شأنها أن تزيد من درجة التشويق والتمتُّع. يهدف الكاتب من خلاله إلى ضرب من التنويع الجمالي يرفع الملل عن القارئ، مثل الرقعة الأرجوانية التي كان يلجأ إليها بعض الأدباء الانجليز في الماضي.
ومن الوصف ما يبدو من صلب التجربة الذاتية والحسية للشخصية، يُحدث تأثيرا انفعاليا لأنه جزء من النسيج العام ويضيف دلالة لما يُحكى أو يعمق دلالة ما. وهذا النوع هو الغالب في “زهْوة” ويمكن أن نمثل له بالنموذج التالي:
((وتولى إلى يمينه. فانشدَّ عنه إلى المتاع- حتى الزربية المبثوثة ذات العمق الأسود المخلل برقوم حمراء غالبة متقنة التوزيع حسب موتيفات هي أشكال هندسية من أنصاف مربعات ومعيّنات متقابلة كأن الفراغات ما بين أطرافها معابر ومداخل لخيام أو ديار مترامية في سهل ليبدو المربع الأكثر صغرا في مركزها هو نواة الحياة ومن حوله الخطوط الحمراء المعقوفة شبيهة بالصلبان والمتقاطعة بلا نهاية والملتفة على بعضها في حركة ثنائية كما لذكر وأنثى مقترنيْن وهنا وهناك أشكال أخرى كما أعمدة فقرية نخرة دالة على فناء ضمها كلَّها محيط مغلق من خطين متوازييْن متداخليْن في انكسار مسنن بزوايا قائمة سياجا للزمن بقبضته السرمدية. على أطرافها وسائد مخملية من لونها ذاته.))([1])
هي الزربية التي نفترشها أو نتغطى بها أو نراها يوميا مُعَلقة أو مسندة إلى جدار، لكنها مألوفة لا نرى فيها ما يراه الكاتب، فهو يلاحق تفاصيل رسومها التي لم توضع اعتباطا بقدر ما تحيل على ذاكرة منسية، فصفة المبثوثة تستدعي من القرآن – حتما – “وزرابي مبثوثة “في سورة ” الغاشية” مشهد من مشاهد أهل الجنة ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ، ِلسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، ّلا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً، فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِيهَا سُرُر مَّرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ..))
ففي هذه الفقرة، ومن غير حاجة إلى مقارنة ولا إلى تشبيه صريح، لا شك تشتغل خلفية القارئ – إذا كانت قرآنية – لتستكمل المشهد ، وإذا أهل المقام كأهل الجنة.
والمربعات والمعيّنات تحيل على الخيام أو الديار، على مجتمع هو في فترة تاريخية مجتمع ريفي. وربما في الصلبان إشارة إلى حقبة من التاريخ كانت حاضرة في ذهن مَنْ وضع تلك الرسوم. حتى المربع الأصغر كأنه نواة الحياة وكأن الحركة الثنائية اقتران ذكر وأنثى. هي زربية متحركة، متحدثة، تدبّ فيها الحياة، أو على الأصح، الكاتب يزرع فيها الحياة. نراها نحن أثاثا جامدا لا روح فيها، بينما يراها هو بروح العين التي نسجتها ورقمتها، إن الزربية التي يراها هو، ممتدة امتداد التاريخ، نراها نحن دوما مَطْوية على نفسها وعلى التاريخ. إنها اللغة التي ترقى بالمألوف إلى درجة اللامألوف. من الكلام العادي إلى الإنشاء الأدبي. الأول، يفصح عن معناه مباشرة بلا حاجز، بينما الخطاب الأدبي ثخن يقدم ذاته قبل الوصول إلى دلالاته. أو كما يقول عبد السلام المسدي: (( إن الحدث الألسني “العادي” هو خطاب شفّاف نرى من خلاله معناه، ولا نكاد نراه هو في ذاته، فهو منفذ بلّوري لا يقوم حاجزا أمام أشعة البصر، بينما يتميّز عنه الخطاب الأدبي بكونه ثخنا غير شفّاف، يستوقفك هو نفسه قبل أن يمكّنك من عبوره واختراقه، فهو حاجز بلّوري طُلي صورا ونقوشا وألوانا فصدّ أشعة البصر أن تتجاوزه ))[1].
لوصف الغرفة لغته، وللمقام لغته بما تحمله من شُحَن الهيْبة والوقار، كما للحصان وللجنان وللحب والشبق.
يشعر القارئ، بل يلمس وكأن الكاتب – وهو يصوِّر هذه المشاهد – يتعارك مع اللغة، يجتهد من أجل “ترويض العاصية “([2]).
وتبقى هذه الأشرطة المُصوَّرة باللغة شاهدة على أنه استطاع أن يُطوِّعها إلى حد أنك تترك الرواية وهي لا تغادر ذاكرتك. إنه الرسم بالكلمات. فلا وصف إذا لم تكن اللغة مطواعة، مشحونـة بحضور الذات الكاتبة، في حالة من التوحُّد الصوفي التخييلي يسمح بإفراغ المخزون اللغوي في مستويات متفاوتة من التصوير.
ظاهرة أخرى تستوقفنا لدى “الحبيب السائح “، تتمثل في سعْيه الدؤوب إلى توظيف الشائع في الاستعمال العامي وهو أصلا من الفصيح. يدل ذلك كما تدل قدرته على الوصف على مخزون لغوي يحضر لديْه حين ممارسته الكتابة. فما أكثر الكلمات التي نسيناها أو نتوهَّم أنها عامية، تأخذ موقعها في السياق بما تستحق من أصل ثابت نحوا وصرفا. أو هي ممّا درج الناس على استعمله ولا يمانعُ في استعماله، كما لم يستنكف العرب قديما عن التعامل مع الدخيل، والقرآن خير شاهد على ما أدرجته العربية في قاموسها من الدخيل. ثم إنه من طبيعة الإبداع أن يبتكر ويرسِّخ ويكرِّس، خاصة إذا ما انفتحت المنظومة التربوية لتحتضن الإبداع. ومن هذه الألفاظ:
((رسن، نترادف، النسيب، سحّمت، رقوم، صينية، بقراج، الصاك، البورابح، الحفاظ، بدعية، تريكو، الكانون، زنقاتها، القطيفة، البنَّة، قرعة الكحل، البقالات، المزاود، الكنبوش، الشاش، الكرُّوش، الخرطال، بيجامة، سربيتة، المعكَّرة، خمشت، تُعوْعش، الضحْوية، العشوية، قميجة، الضحْوية، العشْوية..الخ)).
تركيب :
· ينبني منطق السرد في هذه الرواية بأنْ يبدأ الكاتب راويا ثم لا يلبث أن ينسحب ليوزّع صوته على أصوات متعددة، يُلمْلم شتات الشخصيات المختلفة وخطاباتها المتناقضة. ينطلق من النهاية إلى البداية وبالعكس. يجعل الحاضر متَّكأ ومن المكان المتخيَّل اللامكان، ومن خلال تداخل الأزمنة يسرح في زمن آخر لكنه ليس زمن اللازمن.
· إن الحديث -هنا – يخص الخطاب الأدبي الذي يستوقفنا في ذاته قبل النفاذ إلى معناه، لأنَّ به مشاهد وألوانا ونقوشا وصورا تخفي دلالته. إنه يتميز عن الخطاب العادي بأن هذا الأخير يفصح عن دلالته بلا التواء، يتقدم معناه إلى الواجهة. وإذا كانت الإيديولوجيا محجوبة في العمل الأدبي فذلك لا يعني أنها غير موجودة. وكما قيل: (( إن أكثر الأعمال إيديولوجية ما كانت إيديولوجيته أخفى)).( [1] )
· في “زهوة“ لغة تصف أدق التفاصيل وتبحث عن أصعب المُسميات. وترسم لوحات فنية ترتسم باللغة، حين تغيب عنَّا اللغة. فترتقي بالمألوف إلى اللامألوف. يمكن للقارئ أن يتمتع بجمال الوصف، أن يكتشف الزربية من جديد والحصان من جديد، وأن يعيش هيْبة المزار في عوالم من التخييل.
· “زهوة“، هي الكاتب لحظة الكتابة مما يصلح مرجعا للمُنظِّرين، وقد نتعلَّم فيها الفصيح مما نتوهَّمه من العامي؛ لأن فيها موقفا عمليا من اللغة العربية، هو أقوى وأصدق من الخطب السياسية الجوفاء ومن المراسيم الصماء التي تدَّعي التأسيس للغة وطنية رسمية.
· وهي أيضا اختبار للمتلقي– إذا كانت لديْه قدرة على القراءة وإعادة القراءة – ليدرك بأن الكتابة الروائية الجديدة تشترط مؤهِّلات لا بد أن تتوفر فيمن أراد أن يحصِّل فائدة ومتعة. وليقدِّر جهدا ليس خافيا، بذله “الحبيب السائح” في هذا العمل الأدبي.
ولكن، في كل الأحوال، ومرة أخرى، (( إذا أفاضت السماء نورا، فلا يرى النور إلا من بعيْنيْه نور)).
ملاحظة : للموضوع مراجع وإحالات ، نعتذر للكاتب وللقراء عن عدم اخراجها لأسباب فنية متعلقة بتصمصم الموقع
كلمة في حف الروائي الجزائري الحبيب السائح
د . غزلان هاشمي
* أستاذة جامعية من الجزائر
استطاع الحبيب السائح أن يؤسس منظورا روائيا مغايرا ،وذلك بالخروج من راهنية اللغة إلى راهنية الأحداث تمثلا واختلاقا متجاوزا حدود الرقابة
المعيارية والسياسية على حد السواء،ولربما أولى رواياته”زمن النمرود” التي منعت من التداول خلال الثمانينات تأكيد للممارسة الاختراقية على مستوى اللغة وعلى مستوى الوعي والمكرسة لزمن الإرباك والبحث عن تموضعات سيونصية جديدة،إذ سعى فيها إلى فضح السلوكيات المبنية على أحادية الرؤية والتسلط وقمع المغاير وكبح الاختلاف التي تميزت بها سياسة الحزب الواحد.وقد تحدث الكاتب في إحدى حواراته الصحفية عما سببته هذه الرواية من تأزم حيث قال:“كتبت لما يسمى جماهير وكانت خيبتي فظيعة يوم تنكرت لي تلك الجماهير لأن الآلة السياسية الأحادية، عند صدور رواية ‘زمن النمرود’ في عام 1985، هيّجتها ضدي فكان عليّ أن أهجر مدينتي مدة قبل أن أعود إليها مكللا بتاج ‘الفضيحة’؛ لأن ‘زمن النمرود’ صارت عورة للغتها الجريئة التي وضعتُها بالعربي الفصيح ثم أنزلتها إلى التركيب الدارج وليس إلى الدارجة“.
لقد تحرر الحبيب السائح من تراكمات الوعي السياسي وأيديولوجيا الإقصاء،ليقدم طرحا جريئا بعيدا عن سياسة المحاباة وثقافة المطابقة والنظرة التبريرية المنتهجة من قبل بعض المثقفين آنذاك، ليبقى مساره تأكيدا لهذه النظرة الرافضة لكل تموضع سلطوي يحتكر الحقائق ويؤدلجها ويضفي عليه منظوره الخاص،فـ”الموت في وهران” محاولة لكشف المضمر والمسكوت عنه من أجل الوقوف على راهنية الإرهاب ومسبباته وآثاره المخلخلة للنسيج الاجتماعي،ولكون الإرهاب كما يعرفه عب السلام بنعبد العالي: حرب مع المجهول:فالعدو هنا لا يرى ولا يعرف،قد يتفاوض معه وقد يحاور،إلا أنه يظل مجهولا،وهي حرب لا تستهدف إلا ذاتها:فغالبا ما تنتهي العمليات التي تنطوي عليها دون تحقيق مطالب ولا وصول إلى غاية”،فإنه يبرر الكتابة حوله في إحدى حواراته الصحفية بقوله:
“كنا وقتها نعتبر أن الجزائر كان مخططا لها أن تفكك. فطرح علينا سؤال “من يقتل من؟”. أزعم أن كثيرا ممن كتبوا عن الظاهرة فعلوا ذلك تحت تأثيره، إني أخص التجربة الجزائرية. وبالعودة إلى ظروف محنة الجزائر، يمكن ملاحظة أن المسألة لم تعرف التدويل، ومن ثمة اعتبرت ذات بعد داخلي. (من يدري ما الذي كان سيحصل لو أن تجربة الجزائر مع العنف تأخرت إلى هذا الوقت؟) وعليه نظر إليها الكاتب بصفتها واقعا يوميا وقد كنا نعيشه كذلك.
إن ما يحدث اليوم يكاد يكون مبتذلا، أو هو من درجة العنف والتداخل القوية لا يسمح للكاتب بأن يقترب من موضوعه أو هو، الآن، كما كانت تجربتي مع رواية “تماسخت” يأخذ مسافة للتأمل. لا أعرف”.
وأما عن اللغة فهي تنحو نحو تشكيل معيار جمالي مغاير ثورة على السائد والمألوف،إذ يراهن الكاتب على لغة مفارقة للإدراك وللموجود الأدبي،و يطالب بضرورة التحرر من الثقل التطابقي الذي تفرضه السياقات المهيمنة على الوعي الأدبي،لذلك فكل من رواية “تلك المحبة”ورواية”تماسخت” تمثيل لهذا التغاير الذي تفرضه لغة الخطاب المتحررة من أيديولوجيا الإقصاء أو التي تحاول أن تقدم اعتبارات جمالية وموضوعاتية بعيدة عن السائد والمألوف. لتكون “المذنبون” ثمرة تلاقي الروايتين “تماسخت”و”ذاك الحنين” معتمدا تيمة الخرق والاختلاف هادفا إلى مشروع كتابة وهذا ما جعله يقدم تشكيلات روائية متنوعة متداركا سمة التنوع التي تتسم بها الأذواق العامة .
ولربما خاتمة رؤاه السياسية والثقافية…تتضح في تأكيده على ضرورة الحوارية واحترام التعدد المفضي إلى خلق تنويعات ثقافية أو سياسية أو اجتماعية بعيدة عن سمة التحيز أو التأله والإقصاء،أو على خلق جيل تداولي يتأسس على مفاهيم التعايش والاختلاف،لكن بالمقابل مؤسس على مرجعية متينة ،ذلك ما جعله يكتب في “أربعون مليون سؤال”:”من واجبنا التاريخي أن نفسح المجال إليه كي يتخللنا،أن نتطع به،فهو الذي يرفدنا إلى نهاية مأموريتنا المحددة بخطة الطريق التي يرسمها الزمن للبشرية بشكل تعاقبي وتداولي..جيل يتولى شؤون مصيره بالتنويعات التي يدخلها على الثوابت فيغذي جذورها بما يضفيه عليها من اجتهاده وجهده واستفاداته من الموروثات الإنسانية ليكون في صميم العصر،بما يفرضه من تأهيل وذكاء ومبادرة وكفاءة في إدارة الحوار وفك شيفرات المحاور لصيانة السيادة،لأن مطامع المحاورين معنا،من مركز القوة،لم تعد تحدها أي ضوابط أخلاقية”.
————————————————————————————————————————————————————-
غرائبية السرد والتشكيل اللغوي في رواية ” زهوة ” للحبيب السايح
* محمد الأمين سعيدي ( شاعر وناقد من الجزائر )
- 1 -
يحدثُ أنْ يُثير عمل أدبي جدلا بين متلقيه، وهذا ضروري من حيث أنَّ الكتابة هي إعادة إنتاج لدائرة التلقي، وسعي حثيث إلى إثراء الذائقة وتجديد الوعي الجمالي عند القارئ. والمتوقع أنْ يُبنى هذا الجدل على أسس معرفية. وأن يقوم على مساءلاتٍ حقيقية تروم الاقتراب من العمل بقناعات مختلفة ومرجعيات متعددة. لأن الكتابة الإبداعية دائما ما تكون فعلا استفزازيا “يحرض الذات ضد الآخر، وهي في الوقت ذاته تحريض للآخر ضد الذات”، ومع هذا هي تحريض عارف، وواع. والواجب أن يواجهها تحريض من المستوى نفسه أو يقاربه إذا أردنا إنتاج مجتمع معرفي يستثمر الأدب والثقافة في بناء منظومته الحضارية.
بهذه الرؤيا نفضل الدخول إلى قراءة رواية “زهوة” للحبيب السائح؛ الصادرة عن دار الحكمة. وهو دخول من هامش النص، من خارجه، إلى مركزه؛ أي من فضاء تلقيه إلى بنيته اللغوية وسماته الأدبية. وهذا الدخول اقتضاه السياق الذي قرأنا فيه الرواية واطلعنا على بعض ما كتب عنها في الجرائد بالخصوص. فبدل أن نجد حوارا بين نص مشاكس، أو هكذا نراه، وبين متلق يمارس حقه كقارئ، وجدنا قراءات تسعى، بشكل غريب، إلى إلصاق فشل القارئ بالنص، وتبتغي إعادة إنتاج السؤال القديم الذي طرح على أبي تمام: “لماذا لا تقول ما يفهم”، وكأننا من جديد أمام متلق ضيق الأفق، يبحث عن الفهم، مع ضروريته، قبل بحثه عن الجمالية، ولو أنه قصد هذه الأخيرة لكان الفهم من تحصيلاتها. كما أننا أمام قارئ، عادي ومثقف، يستنكر اشتغال صاحب الرواية على اللغة، ويرد هذه الأخيرة إلى غموض وإلى علو مستواها، وكأن في هذا دعوة أخرى لإنزال النص إلى القارئ، وإخضاع لغة الأدب المتعالية لليومي والمبتذل من الكلام، مع العلم أنه من اللازم – كما يرى صاحب كتاب “نظرية الأدب” – “تفريق اللغة الأدبية عن الاستعمالات المتعددة للغة اليومية”، لأنها لغةٌ لا تقف عند الإيصال والإخبار فحسب، وإنما تتعمد تشكيل فضاء أدبي باذخ ومختلف، وغامض بالقدر الذي يستدعيه مضمونه، وتحاول من خلاله إخراج القارئ من معلومه الواضح، والسطحي أحيانا، وإدخاله إلى مجهول النص وإلى عوالمه المتعددة.
- 2 -
تأخذ رواية “زهوة” على عاتقها تشكيل ملامح جديدة للغة، تختلف عن ملامح رواية “مذنبون: لون دمهم في كفي” التي صدرت قبلها، وتبرز سعي صاحبها إلى الملاءمة بين أسلوبه وبين موضوع روايته، جاعلا طرائق القول مناسبة لمضمونه ولمسار الحكاية، منطلقا من أساس بلاغي قديم ينص على أن يراعى للمعنى الشريف لفظ شريف. وهذا نفسه ما عرف به القزويني بلاغة الكلام من حيث هي “مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته”، مقسما إياه، أي مقتضى الحال، على مختلف مقامات الكلام المتفاوتة والموزعة بين التنكير والتعريف، الإطلاق والتقييد، التقديم والتأخير، الذكر والحذف… إلخ. وفي “زهوة” هناك مطابقة للكلام، وللسرد أيضا، لباطنية معينة، تنظر إلى الأشياء وإلى العالم من منطلق تأملي، يحفر عميقا في الذات المفتونة بالشر افتتانها بالخير، والتائقة للفضيلة توقها للرذيلة. كما يبحث في العلائق الظاهرة والخفية بين المدركات. وقد استدعى هذا النوع من الاشتغال من الكاتب الاتكاء على مفهومي “الحال” و«المقام”؛ باعتبار الأول دخولا في خصوصية لحظة ما تفلت من قيود الزمان والمكان، وتتصل بزمكانية اللذة والنشوة، سواء في الحال الروحاني، أو في حال بشري، غالبا ما يكون مرتبطا بمقام الأنثى وبمقام البحث عن الأب، كما سنوضح، لاحقا. وهو أيضا حال يستدعي خصوصية لغوية وتعبيرية معينة. وباعتبار الثاني -أي المقام- ارتباطا بمكان ما ضمن رقعة جغرافية محاطة بشيء من القداسة أو بشيء من ظاهرها فقط، وهو أيضا مقام يتموضع ضمن جغرافيا السرد، ويتصل بخارطة غير واضحة الحدود في المخيال، وفي عالم اللغة.
- 3 -
وحتى نكمل الكلام عن لغة الرواية، نأتي بشاهد من كتاب: “السيميائية وفلسفة اللغة” لأمبرتو إيكو، يقول فيه: “يقدم السياق الذي له وظيفة جمالية دائما استعاراته على أنها (بكر). وذلك لأنه يجبرنا على أن نراها بطريقة جديدة ولأنه يتصرف في قدر كبير من الإحالات بين مختلف مستويات النص مما يجيز دائما تأويلا جديدا للعبارة المستعملة (والتي لا تعمل أبدا بصفة منفردة بل تتفاعل دائما مع جانب ما جديد للنص)، ومن ناحية أخرى فإنه من خصوصيات السياقات ذات الوظيفة الجمالية أن تنتج متعالقات موضوعية لها وظيفة استعارية مفتوحة جدا”.
لقد جئنا بهذا الشاهد للتدليل على ظاهرتين متحققتين داخل رواية “زهوة”: السياقات الجمالية، والاستعارات البكر. وتنشأ الأولى من جمالية اللغة ذاتها ومن غرائبية المشهد السردي المحاط بالوصف الدقيق والتصوير الخلاق، وذلك غالبا ما نستشعره في اللقاءات الحميمية التي تشمل بعض شخوص الرواية (يوسف/بهيجة، يوسف/ربيعة أخته، رضوان/كوثر، ربيعة/ عبد اللطيف، عبد النور/خولة، عبد النور/عالية، إدريس/عزيزة… إلخ) وهي لقاءات معطرة بالعشق ومشتعلة بمقام الأنثى. ونجدها أيضا في مقام المصاحبة التي تنشعب بين الأبوة والصداقة والأستاذية، وهي ما يستحضره الشخوص من الذاكرة عن علاقتهم بإدريس، ويعبر به كل واحد منهم عن شوقه إليه وسعادته بقربه.
وتنشأ الثانية، أي الاستعارات البكر، وهي منبع كل جمالية على مستوى الجملة، من اشتغال الكاتب على مقامات الكلام المذكورة آنفا (التقديم والتأخير، الذكر والحذف، الإطلاق والتقييد…)، وأيضا على تصوير لا يخلو من الشعرية يلون به قرميد الحكاية. وليست الاستعارة هنا بمعناها الضيق، بل هي كل إنتاج للغة من منطلق تخييلي مجازي، وفي حال الرواية، من مشاهد سردية غرائبية. وسنبين أنواع هذا الاشتغال في مايلي:
أ- اللعب على الاحتمالات التي تأتي بها الجملة في العربية تقديما وتأخيرا، حذفا وزيادة، تطويلا وتقصيرا، نفيا وتأكيدا، تجاوزا واستدراكا… إلخ. من هنا تتشكل الفوارق بين لغة الرواية باعتبارها تروم الأدبية، وما دون ذلك من لغة الصحافي أو اليومي. كما تحقق استعارتها البكر، من خلال لعبها على محوري الاختيار والتركيب. ولنأخذ مثالا: “نزعت من فؤادي شوكة الندم على دنياي الزائلة وغرزتها في كفي قهرا لمطامعي”، ولنبرز خصوصية هذه الجملة وبهاءها الأدبيين، سنقترح بعض الاحتمالات أو الاختيارات الممكنة التي كان باستطاعة الكاتب توظيفها لكنه تحاشاها لخفوتها وافتقارها إلى الجمالية اللازمة وإلى الاستعارة البكر: “نزعت من فؤادي شوكة الندم على دنياي: 1- نزعت من فؤادي الندم على دنياي. 2- نزعت من فؤادي حب الدنيا. 3- اعتزلت دنياي الزائلة ولم أندم. 4 – لم أعد نادما على دنياي. 5 – اعتزلت دنياي. 6 – زهدت في هذه الدنيا”.
ولا ريب في أن مقارنة هذه الاختيارات الممكنة في التركيب بعضها ببعض، يظهر أن التركيب الذي شكله الكاتب واختاره من بين عديد الاحتمالات هو الأنسب والأكثر أدبية، وهو يمثل -من منظور أمبرتو إيكو- استعارة بكرا. والكلام نفسه يقال عن بقية الجملة: “وغرزتها في كفي قهرا لمطامعي”؛ لأنها هي الأخرى تتميز بتصوير استعاري وتركيب لغوي فريدين. وإذا قارنا بين الجملتين، أي بين نزع شوكة الندم من الفؤاد وبين غرزها في الكف، نلاحظ الدلالة وقد أخذت تتوسع وتحتمل أنواع التأويلات الممكنة في باب الإعراض عن الدنيا والزهد فيها.
وإلى مثال غيره: “وإلى ممر آخر متفرع مسوّى بالطف الأصفر المدكوك، خرج بهما…”، في هذا المثال سنركز على دور التقديم والتأخير في صنع الجمالية، وفي إعطاء اللغة قوتها وتأثيرها الحقيقيين. فبعد تقديم الجار والمجرور وما تبعه من لواحق اقتضاها الوصف، جاء الفعل متأخرا ومساهما في صنع الدلالة الخفية التي تروم تنبيهنا إلى الممر وصفاته أكثر من الإشارة إلى فعل الخروج. وكأنه يحاكي باللغة ما تقوم به عين “الكاميرا” حين تركز على شيء وتهمل ما دونه لإرسال رسالة خفية. وفي هذا المقطع كان الاهتمام بالممر أكثر من الخروج؛ لأن رضوان كان يعرفهما على المكان الذي يجهلانه، ممثلا في المقام الذي عكف إدريس على صيانته وتجديد أثاثه.
ب- تتشكل من السياق الجمالي والاستعارات البكر المشاهد السردية ذات المسحة الغرائبية، والتي عادة ما ترتبط بالخلوة أو بالمقام أو بالعلم ممثلا في الكتاب. وتنتج هذه الغرائبية بسبب من رؤيا باطنية جوانية عميقة، يتصف بها بعض الشخوص الذين نالوا الحظوة عند إدريس؛ سواء عن طريق الصداقة أو الأستاذية أو الأبوة، كما ذكرنا سابقا. وجميع هؤلاء يدخلون في أحوال تأملية؛ إن بلقاء بين بعضهم، أو في خلود إلى وحدة الذات. وأغلبهم على نصيب من العلم يسمح له بالتدبر، وبامتطاء لام السؤال (يوسف: الطب، عبد النور: التاريخ، عبد اللطيف: الفلسفة، جعفر: البحث عن الكتب النادرة). كما يذكرنا كلام هؤلاء الشخوص بقولة “فيكو” أن “البشر يعلمون كيف يتحدثون مثل الأبطال لأنهم كانوا يعرفون كيف يتحدثون مثل البشر”. ولأن شخوص الرواية يفيضون بالحكمة والتأمل، كانت اللغة تظهر في أعلى مستوياتها وأبهى تجلياتها. ومن هنا منشأ الغرائبية أو العجائبية في الحكي والطرح على حد سواء. مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن لغة الشخوص الآخرين المهمشين جاءت على حسب مستواهم وطريقة تفكيرهم ونواياهم (فرحان وسعدان، الحسير، باكور، سلطانه، السبعاوي). ونورد هنا مشهدا من الرواية يفيض بالحكمة والعمق لندلل على ما ذهبنا إليه: “وكان إذ مد يده إلى مشكاة نحاسية، من بقايا أثاث مكتبة والده، مصوغة من تزايين الفوانيس العتيقة فلمسها، بزغ له سطوع كأنه من شمس أو من قمر، لا هو في ليل ولا في نهار. كشف له عن سبعين ظلا يمشون على سطح زيت الشجرة الوبيض الصافي. فهتف له من بينهم صوت جده حسن: “أولياء ينتظرون عودتك.” فرأى نفسه خلع نعله. فانفتح له إليهم مسرى ملئ ضبابا أبيض سرعان ما جلا عن امرأة ائتزرت أكاليل حلقية من الياسمين نطقت له: “عبد النور حبيبي، سأكون رفيقتك في رحلتك”.
ولنختم حديثنا عن لغة الرواية لابد من الإشارة إلى أن هذه الاشتغالات جميعا جاءت منظومة حتى بدت كأنها سبكت سبكا واحدا وأفرغت إفراغا واحدا، كما قال الجاحظ. ولا ريب في أن مرد هذا إلى وعي الكاتب بمفهوم النظم كما عرفه الجرجاني بقوله: “واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك، أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك، وهذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس”.
من النظم انطلقت الرواية إذن. ومنه سعت إلى أن تكون لحمة واحدة، من حيث ارتباط أجزائها ببعضها، والتحامها تحقيقا للوحدة وتجنبا للتفكك. وهذا، لأن المطلوب من الروائي أنْ ينجح في جعل عمله خطابا مثلما نجح في جعله نصا منتهيا له بداية ونهاية، أي أن يكون له تحقق فكري مثلما كان له تحقق لساني.
- 4 -
مثلما تنبع الغرائبية من خصوصية الموضوع ومن الحفر في اللغة وتأثيث ملامحها، تنبع كذلك من الرواية التي ابتدأت بنهايتها، وانطلقت دائرة إلى أحداثها، عائدة على بدء؛ وكأن ما حدث لا يسرده الراوي نفسه، وإنما ينساب من ذاكرة الرواية ذاتها، والتي يرمز انتهاؤها بآخرها بتمامها وانغلاقها؛ بحيث لا نذهب إلى تأويل النهايات -كالمعتاد- بل نرد آخرها من حيث التسلسل في أرقام الكتاب على أولها، ولكننا نذهب إلى تأويل البدايات المتأخرة. وعلى رغم هذه الخصوصية، استطاع الكاتب بذكاء أن يخدع القارئ، حيث ينسيه أن الرواية هي على سبيل “فلاش باك” داخلي، وأن ما يتوهم أنه يحدث -لتوه- أثناء القراءة حدث في ماضي الحكاية وانتهى.
ولكي يتحقق التدوير – على شاكلة القصيدة تماما – كان لابد من وجود قرائن في البداية وفي النهاية، وهي التي تربط بداية الرواية المتأخرة من حيث بلوغ القارئ إليها، بنهايتها التي يصلها القارئ أول ما يبدأ بقراءة الصفحات الأولى من الرواية، ومن هاته القرائن نكتفي بذكر بعضها هنا:
1 – ورد في الصفحة 6 ذكر كتاب بجانب عبد النور يتحدث عن الحياة المشتركة للعرب المسيحيين والمسلمين في الشام كله، أحضره له جعفر في آخر زيارة له. بينما نجد في الصفحة321 شيئا مختلفا، إذ أن جعفر يعد عبد النور أنه سيرجع له من رحلته القادمة بكتاب نادر عن الحياة التي يتقاسمها الجيران من عرب الشام مسيحييه ومسلميه.
2 – ورد في الصفحة 10 حديث عن رحلة عبد اللطيف وربيعة إلى توات، حيث “سبحا في فيض أهازيج أصحاب الطبل والبارود المنتشين في الساحة الرملية ورددا معهم يدا في يد لازمة العشق”، بينما نجد في الصفحة 313 أمنية عبد اللطيف بأن يترافق مع ربيعة إلى وهران، “بحقيبة واحدة لسفرية شهر بين تاغيت وتيميمون وتمنطيط…”.
3 – ورد في الصفحة 8 ذكر تلقي هدية عينية للمقام من الوناس من منتوج أرض أبيه، بينما نجد ظهور الوناس في الفصل الأخير هو من أجل الحصول على عقد ملكية أرض والده الذي كانت تحتفظ به سلطانة وسلمه السبعاوي إليه بعد وفاتها.
والحق أن هناك قرائن أخرى تربط أول الرواية بأحداثها المتتالية، وتساهم في تحقق “الفلاش باك” بإتقان شديد وفنية عالية. ومن أهمها ظهور يوسف في البداية أنه طبيب متزوج بينما يوحي التقدم في الرواية أنه لا يزال يدرس. ومنها أيضا معرفة المكان الذي دفنت فيه خوله، بينما كان هذا هو ما أرق عبد النور على امتداد الحكاية العامرة بحزنه وبحسرة يوسف وشوقه إلى أب لم يره. ومن هذا الاشتغال على التدوير يتشكل مفهوم للرواية من حيث أنها “ملتقى الأزمنة في حواريتها وتقاطعاتها وتواليها (الحاضر، الماضي، المستقبل). وبالتالي فإن الميزة الجوهرية للعمل الروائي هي التقايس والتفاعل في الزمن وضمنه. ومعنى أن الرواية ملتقى الأزمنة أنها تعرض أحداثها المرتبطة غالبا بزمن السرد أو بزمن واقعي معين، بشكل يتوالى سواء عن طريق السرد المتراتب الذي تؤدي بدايته إلى نهايته، أو عن طريق السرد المعتمد على “الفلاش باك” وعلى تقنيات سردية تعرض الزمن بشكل مختلف.
- 5 -
قلنا بداية إن لغة الرواية تصدر من اتكاء على مفهومي الحال والمقام. وهي أيضا تصدر من علاقتها بالمكان، الذي يحمل مختلف أنواع العاطفة التي يكنها الإنسان له. وقد أشار السعيد بوطاجين إلى هذه الخصوصية التي اشتملتْ عليها “زهوة”، وجعلتها رواية المكان بامتياز، موضحا ذلك في مقال في “الجزائر نيوز”: “أما ما خطط له السائح في روايته الأخيرة فيتمثل في توطين المكان ومنحه بطاقة ثبوتية تضبط انتماءه وجنسيته وزاده ومكوناته، لذلك جاء دالا ومنسجما مع الشخصيات، أي أنه يشبهها في الملامح ويبرز أقوالها وحركاتها”.
إن ما تحدث عنه السعيد بوطاجين هو في صميم الرواية، إذ أن المكان في الرواية يستمد جميع خصوصياته من خصوصية أصحابها والمرتبطين به بشكل من الأشكال. وقد أعطى الحبيب السائح للمكان الاهتمام نفسه الذي منحه للشخصيات، وأحاطه بالوصف ذاته، أو أكثر، الذي أحاطها به. ولا ريب في أن الرواية أخذت تميزها من اهتمامها بالمكان مثلما أخذته من ولعها باللغة والاشتغال عليها، لأن “العمل الأدبي حين يفتقد المكانية فهو يفقد خصوصيته وبالتالي أصالته”.
لقد ارتبطت مصائر شخوص عديدة في الرواية بالمكان، وبالتحديد بالمقام الذي قام على صيانته إدريس خارجا من حياته مع زوجته عزيزة، ومن حياة الناس، تاركا خلفه جنينا أوصى بتسميته ورحل. وقد جعل -هذا الأمر بالذات- يوسف فيما بعد، يشق رحلة بحثه عن الأب التي تبدأ من المقام وتنتهي فيه، بتعرفه على شخص والده الكريم، لكن بذكراه وطيب ما خلفه وراءه بعد موته، ولقائه بأخت له منه، وبأحبة يكنون له الخير والحب وينتظرون قدومه منذ سنوات. وكأن هناك إشارة ضمنية إلى أن الأبوة مرتبطة بالمكان أيضا، المكان العامر بالمحبة والأحباب والدافئ، دفء حضن الأب. ولعل ما ذهبنا إليه هنا يبرره ما ورد على لسان كهل في الحضرة: “فنطق كهل آخر، من الجهة المقابلة، عميق الصوت: “إلى حفيدنا إدريس المحفوظ بعناية إلهنا الجميل. لأصلك الذي يضرب جذرا في تربة أجدادك، فإنه سيبلغ قلبك نداء فلا تقعد. واترك لهم دنياهم وأحزانها. فلا مسرة لك خارج مملكة عقلك وأرضك”.
واضحة أهمية المكان إذ ربطه مباشرة بالأصل، أو بتعبير أصح، جعل أصله مرتبطا بتربة الأجداد، ومحصنا بها، ومنه يأتي نداء القلب، وتأتي المسرة من مملكة العقل والأرض. فمن هذا النص نفهم فلسفة الماكن في الرواية، بأنها نابعة من إيمان عميق بأن الحفاظ على الأصل/السلالة لا يتأتى إلا بالحفاظ على الأرض، أي على المكان.
ومن هنا نفهم أيضا، كيف توارث الأجداد على ترك المقام في عهدة شخص من السلالة الصافية، ممثلا بإدريس العلاوي، ثم بابن عمه عبد النور العلاوي الذي ترك له الوصاية على شؤون المقام وشؤون ساكنيه ورائديه. وقد ارتبط المكان في الرواية بالعلم، وبطلب المعرفة والتفكر في شؤون العالم. فليس من العشوائي وجود خزانة تحتوي على أمهات الكتب ونوادرها، وارتباط أبناء الفضيل بالعلم، وكأن هناك رسالة ضمنية أخرى تؤكد أن الأصل لا يرفع إلا بالعلم، وأن لا خير في مكان لا كتاب فيه ولا أهل كتاب.
- 6 -
رواية “زهوة” باب مفتوح على لغة تشربت فلسفة القول العربي، جاعلة لكل مقام مقالا، ولكل شخصية ما يتلاءم مع مستواها من الكلام. فليس ما ينطق به يوسف هو كما ينطق به الحسير. ولا ما يقوله عبد النور هو كما يقوله السبعاوي. وهي بهذا -أي الرواية- تنبع من عمق البيانية العربية وبلاغتها اللازمين للانطلاق في تجارب أدبية بقدر ما تبحث عن المغايرة والاختلاف تعرف جيدا كيف تستثمر ماضيها الأدبي والإبداعي وخصوصيات لغتها في التعبير لتفتح آفاقا جديدة للأدب والفكر والثقافة.
للموضوع إحالات
———————————
* مسارب ( ملف بمشاركة مجموعة من الكتاب والنقاد )







