ماريو دي أنداردي – جمالية الشر الأكبر في ماكونايما … بقلم / محمد عاطف بريكي*
بواسطة مسارب بتاريخ 13 فبراير, 2012 في 10:02 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2145.

 

أعتبر ماريو دي أندرادي بصمة وراثية في شريان الأدب البرازيلي لا بل في عموم جسد الثقافة البرازيلية خلال القرن العشرين بسبب جرأة طرحه اللا مهادن لمعنى التفكير الفني السائد ،كما عد ثائرا شرسا بسبب دفاعه المستميت عن أطروحاته الأدبية مما جعله يرتقى إلى مصاف رواد الحداثة مع بداية القرن المنصرم.

المفكر ماريو دي أنداردي

ولد ماريو دي أندرادي و هو أحد المفكرين الذي افتتح بهم القرن الماضي تقويمه العددي. شاعر و موسيقي و باحث ، كاتب روائي بمدينة ساو باولو سنة 1893 و سرعان ما فرض الرجل أسلوبه الحداثي و فرضه على أشكال الفن التقليدية السائدة آنذاك.

شارك و هو ابن التاسعة و العشرين (29) في فعاليات أسبوع الفن الحديث الذي نظمته بلدية سابو باولو و احتضنه مسرحها و كان جنبا الى جنب مع فنانين كبار أمثال: مالفاتي أنيتا،دي كالالكانتي،هيطور فيلا لوبوس،وأوزوالد دي أنداردي. طريقته المختلفة في التفكير و إبداعه المتميز جعل منه في نظر الرأي العام رجلا”ثائرا” و بذلك وصم بدايات جيل الحداثة في البرازيل.

كان ماريو متفردا بين معاصريه من الكتاب و الروائيين عندما طرح مشروعا ضخما استهدف إحياء الثقافة البرازيلية بكل محمولاتها و جذورها و ساعده في أخذ زمام المشروع على عاتقه فكرة و تجسيدا انضباطه و منهجيته المفرطة إذ كان يستغرق كل وقته في البحث و التمحيص في مجالات الأدب و الفلكلور و النبش في الموروثات التي ضلت على سليقتها تتداول بين العامة و قد اكتسب الرجل حسه النقدي من رغبته اللامحدودة في إعادة إبراز خصوصيات الفن البرازيلي و جعله مستقل و محسوس.

و بقي كذلك الى غاية سنة 1928 حين إجتاحت الرجل رغبة متأصلة للكتابة دفعته لخلوة مستمرة دامت أسبوعا ظل خلاله يكتب بنهم منقطع النضير و كان يدرك حينها أن لهذا الزخم المفاجئ و الرغبة الملحة شيء ما جعله يخرج عن صمته المستغرق في البحث و التنقيب بل كان ذلك ربما هو الدافع و الأثر الذي حرك فيه المقدرة على البوح، و لما تصرّم الأسبوع وجد كومة الأوراق التي كتبها تستقيم فوق مكتبه رواية كاملة المعالم تدور حكايتها حول مغامرات بطل رمز به الى وطنه البرازيل.

جمع فصول أولى روايات ماريو دي أندرادي الصادرة العام 1928 و التي أطلق عليها عنوان مثير هو “ماكونايما”Macaunaima شخصية رئيسية واحدة عدت الرواية ذات النفس الحداثي من روائع ـ ليس الأدب ـ بل الثقافة البرازيلية ككل.

  كتب ماريو رواياته في قالب من السخرية و النقد اللاذع و إعتمد في طرح وقائعها على المحمول الميثولوجي لبلاده البرازيل فلا غرو أن تدور أحداث روايته على ضفاف نهر الأمازون لكن الكاتب عاد بنا الى الوراء كثيرا عندما أوعز بطولة الرواية الى شخصية أطلق عليها إسم “ماكونايما و التي يعني تفسيرها “الشر الأكبر” ينتمي  بطل الرواية الى قبيلة هندية قديمة من منطقة الأمازون و كذلك تبدو البيئة البدائية للحكاية مستقاة من الفلكلور البرازيلي الصرف المتجذر في سكان الأرض الأصليين الذي نعني بهم الهنود الحمر و بذلك أسس ماريو من خلال روايته للغة أدبية برازيلية صرفة .

 و من خلال بطل الرواية المحرك الأساسي لأحداثها يستقرأ الكاتب على مدى صفحات الحكاية  و يوضح لنا في الأساس طريقة تفكير و سلوكيات شعب ما زال في طور البدائية تتمثل هويته في مزيج بين الثقافات المتوحشة في أصلها الكوني المتجذر في التاريخ القديم و كل ما يتعلق بالميثولوجيا و الأساطير و تتخذ هذه المرجعيات الثقافية أوجه عدة على مدى التاريخ فهي جيدة  و سيئة، بريئة و كسولة، و أحيانا كاذبة.لكن إذا كانت شخصية ماريو دي أندرادي بصفة “البطل المضاد” فإن سيرورة بنيته المورفولوجية على النقيض تماما من ردود أفعاله فقد شهد نموا جسديا متسارعا و كانت هذه إرادة الكاتب و رغبته في عرض ثم تفجير الجانب الطفولي ـ البدائي اساسا الكامن في كل ذات متطورة و ربما عنى بشخصيته تلك النزعة البدائية و الشريرة- المتناقضة، حقيقة كل ذات متحضرة بالمفهوم الحضاري الحالي .


*محمد عاطف بريكي / شاعر و مترجم من الجزائر

mohamedatefb@yahoo.fr

 

اترك تعليقا