محمد جعفر الكاتب الذي تورط بمقتلِ بطلته / سارة النمس *
بواسطة مسارب بتاريخ 23 يونيو, 2015 في 09:52 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1086.

 

محمّد جعفر كاتبٌ لا يستمتعُ بكتابةِ الرواية إذ يعترفُ على لسانِ أحدَ شخصياتهِ: “و هل يستمتعُ الإنسان عندما يُضطَهدُ في موطنِه و يطردُ باتجاهِ المنفى؟ و من يداوي جراحه بصبّ المزيدِ من الملحِ عليها؟ وهل يستمتعُ كاتبٌ وهو يعرّي نفسَه و يشرّحُ هّمَهُ و يفضحُ أناه؟” ترى أيّ همومِه كان يشرّح في روايةِ هذيان نواقيس القيامة الصادرة عن دار ضفاف و اختلاف و أيّ الأسرارِ كانَ يفضح؟ يجدُ القارئُ نفسَه شاهدًا في مسرحِ جريمةٍ كاملة في حضرةِ بطلةٍ فاتنة، ممّددةٍ و عاريةٍ على الأريكة في حالةِ موت، تحاصرهُ ستُ نواقيسٍ تمثّل ست شخصياتٍ مذكّرة: رشيد الأزعر، بومدين العربي، منصور بن عيّاد، فوزي العيّاشي، موّحد جابر و العزيز بوسنّة.

المُخلّص:
ستعثرُ أيّها القارئ كما عثرَ الراوي (الكاتبُ المغمور) على رسالةٍ من مجهول مرفقة بمخطوطِ رواية، دعكَ من المخطوط الآن الذي سنتناقش بشأنِه لاحقًا و لنعد إلى مضمونِ الرسالة، يتحدّثُ المرسلُ عن نفسِه، يصفُ ما هو عليه ثمّ يصفُ غرفتَه و مزاجهُ و للحظةٍ ما يخيّلُ إليك أنّ المرسلَ ليسَ يصفُ سوى الكاتب محمد جعفر نفسِه الذي رأيتَ صورتَه على ظهرِ الغلاف و هذا لن يكونَ الشبهَ الوحيد لأنّ شبحَ الكاتب سيظهرُ من حينٍ لآخر في الرواية و يتركُ لكَ أثره، المرسلُ المجهول يخبرُ الراوي أنّه يعرفُه جيّدًا من خلالِ وصفٍ دقيقٍ للمرسل إليه و ذكر بعض معارفِه، يخبرهُ في الرسالة أنّه يتنازلُ لهُ عن المخطوط و عن أيةِ عائداتٍ مادية أو معنوية كانت علّ الكاتب المغمور (المرسل إليه) يستفيد من هذهِ الهبة و يحصدُ شهرةً بينما يفتحُ قضيةً في رواية أغلقتها المحاكم و تجنّبَ خوضها الرأي العام، بعد ذلك يبررُ اختيارهُ له بهذهِ الجملة: “إن كنتُ أحبكَ فلأنّه يجمعنا حبُ الأدب نفسه و الرواية على وجهِ الخصوص. و عندما ينهي الرسالةَ، يوقعُها بكلمةِ: مخلّصك.

مريم:
تعرّف على بطلةِ الرواية “مريم” و عندما تنتهِي من ذلك ستتساءل: هل ثمّة مريم حقيقية؟ ربما مازالت حيّة و اختارَ الكاتب قتلَها على الورق و ربما كانت امرأة تمتلكُ من الفتنةِ أكثر ممّا يحتملُه الرجال ليسمحوا لها بالبقاءِ حيةً. مريم أنثى سحرت كلّ شخصيةٍ قابلتها، تارةً تظهرُ في ثوبِ المرأةِ الجادّة، الصعبة، التي لا تمنحُ نفسَها إلاّ بقرارِ رغبتِها و تارةً تظهرُ في ثوبِ المرأةِ اللعوب، الشبقة، الخائنة، لا تكتفي برجلٍ واحد ما إن تخبو شهوتها معه حتى تتركَه لتمضي مع رجلٍ آخر، مريم هي الضحية التي يُعثرُ عليها قتيلةً في شقتِها بحي 100 مسكن بولايةِ مستغانم، يتمُ الاعتداء عليها اغتصابًا مرتين، مرّة قبلَ قتلِها و مرّةً بعده.

موّحد جابر (م/ج):
لا تبدو صدفةً أن تكون الحروف الأولى من اسمِ شخصيةِ موّحد جابر (المرسِل و كاتب المخطوط و أحد عشاق مريم و المتّهم الأول بقتلِها) هي نفسُها حروف كاتب هذهِ الرواية محمد جعفر، بل ما أكثر من ذلك هو أنّ اسم محمّد على وزنِ موّحد بميمٍ محذوفةٍ عوّضتها الواو، بوسع أيّ قارئ ملاحظة هذهِ الصدفة و قد لا يستطيع منعَ نفسِه عن اتهامِ كاتبِ الرواية بأنّه متورطٌ بها إلى حدٍ كبير إن لم يكن متورطًا بالقضية أي بمقتلِ مريم فالقارئ متطفلٌ بفطرتِه بصفتِه قارئًا و لأنّ الكاتب تركَ لهُ أدلةً توقظ خلايا الفضول في رأسه، تجعلهُ يرغبُ بمعرفةِ إلى أيّ مدى كانت الأحداث الواردة حقيقية أم خيالية، كلّ هذهِ تساؤلات قد يجيب عنها محمّد جعفر و قد لا يجيب.

الأسلحة التي استخدمَها محمد جعفر أثناءَ كتابتِه الرواية:
قد لا تكون فكرة الرواية جديدة سواء في الأعمال التي طرحت من قبل أو القضية نفسِها في واقعِ القارئ المعتاد على سماعها و قراءتها حول مقتلِ امرأةٍ فاتنة يحبُها أكثر من رجل و يُتهمّ بقتلِها أكثر من عشيق لذا كان يعقلُ للروايةِ أن تكون أكثر إثارةً لو كانت غامضة و محبكة بما يكفي بقضيةٍ صادمة و تفاصيلٍ مروّعة تستولي على دهشةِ القارئ. الأسلحة التي استخدمها الكاتب تتمثّل في اللغة السردية المناسبة للنص الروائي فهو يعتقل القارئ منذ لحظةِ القراءةِ الأولى بالتصويرِ الجيّد للشخصياتِ و الأحداث، يروي أحداثه بصوتٍ واحدٍ (ضمير الغائب) و الذي يتمثل في راوٍ عليم يتحدّث عن دواخل الشخصيات متنقلاً بينَ النواقيس و متوسعًا في الحديث عن حيواتهم السابقة معتمدًا الغوص السيكولوجي و دراسةِ ماضي الشخصية ليفسّر للقارئ ما هيَ عليهِ الآن، الوصف الدقيق هو سلاحٌ آخر يجيدُ محمد جعفر استخدامه إذ يصفُ الشخصيةَ جسدًا، مزاجاً، لباسًا و ذهنًا. الجرأة هي ثالث سلاح استعملَه محمد جعفر، مرّة أثناء انتقادهِ المنظومة الأمنية ثمّ أثناء تطرّقه إلى طابوه الجنس، لم يجد محمد جعفر حرجًا في وصفِ جسدِ الأنثى، سرد مشهد العادة السرية، الاغتصاب أو ممارسة الحب غير أنّ النصوص الإباحية لا تبدو مقحمة و زائدة بل كتبت ضمن السياق الروائي لتوّضح معالم الشخصية إن اعتمدنا وجهة نظر فرويدية باعتبار أنّ التوازن الجنسي يساهم في التوازن النفسي و أيّ خلل في الأوّل يؤدي إلى خلل في الثاني. أمّا المقالات من جريدةِ مورستاغا كانت بمثابةِ حلقات تربطُ الفصول ببعضها و تكمّل فراغات الأحداث.

هذيانٌ أم أضغاثُ أحلام؟
ما يجعلك تطرحُ ذلك السؤال حول إن كانت الرواية هذيانًا كما عنونَها الكاتب أم مجرد أضغاثُ أحلام” هو اقتحام والدةُ الكاتب غرفته و قولها الجملة نفسها التي كانت تقولها والدةُ شخصية موّحد جابر لابنِها: “و اللهِ لا أدري ما حاجتك إلى كل هذا؟ ألا تزالُ تصرّ على هبلك و باقٍ إلى هذا الوقتِ تكتب؟ يبدو أنّ هذهِ الأوراق ستتلفُ بصرك و سيصيبكَ العمى ذاتَ يوم.” 

 

 

 

* قاصة وكاتبة من الجزائر 

 

َ

اترك تعليقا