ظاهرة الاعتزال انتقلت من الوسط الرياضي إلى الوسط الفني، ثم إلى وسط الكتابة والصحافة، حيث أصبح يطلّ بين الفينة والأخرى كاتب أو صحفي ليعلن اعتزاله الكتابة، أو التوقف عنها لأسباب يذكرها أو لا يذكرها، يكون صادقا فيها أو لا يكون صادقا فيها، لتظل أسئلة النميمة تطارده من زملائه وقرائه، كثروا أو قلّوا، فأوّل سؤال، سؤال المجرّب، هو وقت عودته للكتابة؟، لأنه لا أحد يريد أن يصدّقه، ولأن الكتابة عادة مزمنة، وثاني سؤال مع شيء من الخبث، هل توقف الرجل أم لم يجد ما يكتب؟، والسؤال الثالث البريء لماذا توقف؟ والحقيقة قبل الإجابات عن أسئلة النميمة، فلنعلم أن الظاهرة قديمة، لم تبدأ مع نجوم كرة القدم، ولا مع الفنانين و الفنانات، فالتراث القديم ينقل لنا عشرات الأمثلة من أولئك الذين توقفوا عن التأليف أو تبرؤا من كتاباتهم، لأسباب متعدّدة، لأسباب دينية وسياسية غالبا، منهم الشاعر لبيد بن أبي ربيعة وبعض أئمة فقهاء التابعين، وبعض مجانين الغزل، مرورا ببعض أهل الرأي والكلام والفلسفة، كالطبيب الرازي، وأبو حيان التوحيدي، وصولا إلى من أكرهوا على التوقف وحُرقت كتبهم، مثل ابن رشد وغيره من مشاهد حروب الفرق والنّحل، وذلك أمر آخر، ولكن يُذكر مع من يتوقف بسبب التهديد، ولكننا هنا نتحدّث عن التوقف الاختياري.
في العصر الحديث أصبح اعتزال الكتابة نوعا من التمرّد أو إعلان الموقف، كما فعل الشاعر عبد الرحمن شكري في مصر محتجّا على ظلم شخصي تعرّض له، فقد استعمل كثير من الكتاب والإعلاميين المشهورين التوقف عن الكتابة، لتسجيل موقف أو احتجاج أو لغرض ترويجي أحيانا، ولكن عادوا إلى فعل الكتابة من جديد، مثل: أدونيس أو الشاعر العراقي بلند الحيدري، والكاتب المعروف حسنين هيكل الذي مارس هذه العادة أكثر من مرّة، ريثما أجبرته تطورات الأحداث وغواية الإعلام، ليعود من جديد إلى الكتابة والتحليل الإعلامي، والأديب يوسف زيدان صاحب رواية عزازيل، الذي أعلن توقفه عن كتابة المقال سنة 2013 احتجاجا على تعيين سياسي، وقاطع اتحاد الكتاب المصريين، مع أنه لم يكن يدفع الاشتراكات حسب رئيس الاتحاد !!، وعندنا يتكرر المشهد، الذي أحيانا يكون موقفا سياسيا أو ثقافيا، كما فعل مالك حدّاد صاحب رواية سأهديك غزالة، أو سأهبك غزالة، تعبيرا عن موقفه من الكتابة بالفرنسية بعد الاستقلال الذي كان يعتبرها منفاه، بينما يعلن بعضهم التوقف عن الكتابة كقرار لا تدري هدفه، مما يطرح أسئلة عن هذا السلوك، أولا من حيث مصداقيته، وثانيا من حيث مقاصده، وثالثا من حيث فائدته، خصوصا التوقف عن الكتابة أو اعتزالها، إما أن يكون قرارا يصدر من شخص راشد، وفوق ذلك مثقف ومبدع، في كامل قواه العقلية، مع سبق الإصرار والترصد، وليس نزوة مراهق، أو يكون موقفا يسجله ذات الشخص الراشد، مبني على قناعات، وبواعث حقيقية وخيارات، وليس مجرّد موقف إعلاني، ولذلك سواء كان قرارا أو موقفا، فإنه يملك المصداقية وجديّة التناول عندما :
_ يكون الكاتب صاحب رصيد ثري وطويل، وحيثية قرائية، للدرجة التي يعتبر فيها التوقف عن الكتابة حدثا ثقافيا، يثير ردود الفعل، وحدثا إعلاميا يثير الصدمة، يتضمن قيمة الموقف، أما أن يعلن أي شخص كتب كلمتين أنه توقف، فينظر إلى الأمر أنه شخصي أكثر بكونه حدثا ثقافيا.
_ أن يكون الإعلان فيه مصداقية، وليس مسالة عبثية، كأن يعلن الكاتب التوقف في الصباح، ويكتب في المساء، لأن هذا يسيء للكاتب أو الإعلامي، وتصبح مسألة نرجسية، لا تعني شيئا، وأن يكون التوقف خصوصا في حالة الموقف الفكري أو السياسي مسبّبا، وفي حالة العودة لا بد من تبرير، فقد كتب أبو حيّان التوحيدي رسالة طويلة عريضة، في أسباب توقفه، فحفظت للأجيال حقها في معرفة الموقف والأسباب وبرّأت ذمّة الفيلسوف الفكرية، مما يعطي للموقف تداعياته الفكرية والنقدية، وهذا بغض النظر عن اشتراك المتلقي مع الكاتب في القناعات التي بنيت عليها هذه المواقف، أو عندما توقف مالك حدّاد عن الكتابة كموقف سياسي وإيديولوجي، عبّر من خلاله في مرحلة تاريخية، عن رسالة محّددة، كان لها سياقها التاريخي والإيديولوجي.
_ أن يتم التمييز بين التوقف المؤقت الذي يحمل قيمة احتجاجية أو تسجيل موقف، وبين اعتزال نهائي حقيقي، ينتقد على أساس الكتابة السابقة، وقيم الاعتزال البديلة، وتُحترم فيها البواعث الشخصية، مع اعتبار التوقف عن الكتابة خسارة علمية، لأن الكتابة مثل القراءة، عنوان حضاري في عمومه، الكتابة هنا بالمفهوم الثقافي والمعرفي.
إن موقف أو قرار التوقف عن الكتابة أو اعتزالها، لا يمكن الحكم عليها حكما مطلقا، ولكن تتمايز من كاتب إلى آخر، فقد يكون قرارا ذا مصداقية، له ظروفه الشخصية، أوقد يكون موقفا معبّرا للاحتجاج أو تبليغ رسالة، ولكن التوقف الترويجي أو العبثي الارتجالي فهو يسيء إلى المعلن، لأنه مجرّد موقف نزوي، ينمّ عن حالة نفسية مربكة ومضطربة، أو حالة تُعبّر عن يأس أو إحباط، اختار الكاتب أن يواجهها بنوع من الهروب والانتقام من الكتابة، بسبب عدم النجاح أو التهميش، ولكن في كل الأحوال قد تفيد الكاتب في مراجعة خياراته وأولوياته، وآلياته، بشرط أن يتنازل عن الشجرة ويحاور نفسه على المرآة، ويقيّمها بشكل صحيح، عند قرار التوقف، وفي قرار العودة، وفي حالة العودة فهو مدين للقراء بكفارة حنثه، كما كان شاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة يعود إلى شعر الغزل كلما أقسم عن التوقف، بسبب عاشق أو جارية، فيضطر لقول الشعر ثانية مع تحرير رقبة، كفّارة عن عودته، وكفّارة المعتزلين، الاعتذار للقراء و الأصدقاء عن قرار التوقف بعد العودة أو عن قرار العودة بعد التوقف، وهذا أقلّ اللباقة.
* روائي من الجزائر
َ



