انعكاس الوعي الذاتي عبر اشتغال ” الميتاروائي ” في رواية (مذكراتٌ من وطنٍ آخر) لأحمد طيباوي – د/ صورية غجاتي*
بواسطة مسارب بتاريخ 25 أغسطس, 2015 في 04:44 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1535.

 

 

مذكّراتٌ من وطنٍ آخر ” هي الرواية الثالثة للكاتب أحمد طيباوي بعد روايته الأولى ” المقام العالي ” الحاصلة على قصَب السّبق في منافسات جائزة علي معاشي الوطنية (2011)، ثمّ روايته الثانية ” موتٌ ناعم ” المُتوّجة بالمرتبة الثالثة في إطار جائزة الطيّب صالح العالمية (2014).                                    

“مذكّراتٌ من وطنٍ آخر ” هي روايةُ بوحٍ واعترافْ لغايةِ تطهّرٍ وتوبةٍ واغتسال من خطايا؛ تُحيلُنا إلى الدلالة الأولى أوّل وحدةٍ لغوية شكّلت صيغة العنوان وهي (مذكّرات)، وتتجلى الدلالةُ الثانية واضحة في الفاتحة النصية للرواية «ماذا عساهُ يخطُّ هذا القلمُ البائسُ بعد كلّ الذي كان من صاحِبه ؟ ليسَ أكثر من حروفٍ ترقصُ على إيقاع النّدم..»(الرواية/ص11).

توجّهَ مسارُ هذه الرواية/ المذكّرات في خطّين متوازيين ارتبطا بزمانين متباعدين:حاضرٌ وماضي.انطلق الخطّ الأوّل من الحاضر ليرصد لنا مسار حكاية الراوي ” علاوة درّاز” مع ” ابتسام ” زوجته وحبيبة صديقه/ غريمه الذي اختطفها منه بعد غيابه/ سقوطه.وتوجّه الخطّ الثاني نحو الماضي ليُعيد لنا تفاصيل تلك العلاقة المعقّدة والمتشابكة بين الراوي نفسه ” علاوة درّاز ” وصديق طفولته وعمره/ غريمه ” مصطفى عبد الباقي ” في نسيج سردي يغلب عليه طابع ” التداعيات ” والمناجاة النفسية التي كان بطلها ” الأنا الأعلى ” أو صوت ضمير البطل/ الراوي حين يطلب صديقه منه كتابة سيرة حياته لغايةٍ لا تكاد تتضح للقارئ؛ فقد يكون مقصده من هذا الطلب تقديم فرصةٍ لصديقه وغريمه في الآن نفسه للاعتراف بالخطأ ومن ثمّ الاغتسال منه حرصا عليه، ولا شك في هذه النية وذاك المقصد وهو صديق طفولته وتوأم روحه الذي آمنه على عائلته (أخته وأمه) بعد سفره إلى فرنسا.كما قد يكون مقصده هو الانتقام من هذا الصديق الذي خان الأمانة، وجعله يواجه نفسه في المرآة ورؤية الجانب الشرير منه، فيعلو صوت تأنيب الضمير في نفسه ويعيش بقية حياته على ضربات جلد الذات بعد الاعتراف بالذنب.يسير الحكي متّخذا أسلوب التناوب وشكل التوازي بين الخطّ السردي الأول والخطّ السردي الثاني، يتقاربان حينا ويتباعدان أحيانا أخرى ليلتقيا عند نقطةٍ واحدة في النهاية التي شاءت إرادةُ الراوي أن تبقى معلّقة تتخللها الكثير من الأسئلة بالرغم من أنّ البطل/ الراوي “علاوة دراز ” قد حقّق غايته المنشودة وهي الشعور ببعض الراحة النفسية بعد طلاقه من ” ابتسام ” حبيبة صديقه، وتحقيقه لرغبة هذا الأخير بأن يكتب عنه..أن يُدوّن سيرتَه أو سيرةَ سقوطه.

تخلّلت هذه المذكّرات إدانةٌ للواقع/ الحاضر، وإدانةٌ للتاريخ الجزائري الذي عرّضه للمساءلة، كما خلخل الكثير من المسلّمات التي توارثناها في السياسة والاجتماع والتاريخ وحتى الدّين.. وتسبّبت في انشطار ذواتنا ودخولنا في أزمة صراع مع الواقع والمثال، ماهو كائن وما يجب أن يكون عبر نموذج شخصية “مصطفى عبد الباقي” الرافض للواقع والحالم بواقع أفضل منه:«قلتَ لي إنّ هناكَ معادلات في الدّين يجب إعادة تركيبها حتى نحصل على الحلّ المطلوب..وإلاّ بقيتْ معادلات مستحيلة »(الرواية/ ص27).«وتساءلتَ دائماً: هل علينا احترام جميع الصّور؟ !»(الرواية/ ص28).ظّفت هذه الرواية محكيات متعدّدة وخطابات مختلفة دخلت تلقائيا في نسيج هذا البوح السردي، منها السياسي، والاقتصادي، والتاريخي، والديني، والصحفي، والتداعيات النفسية، واليوميات..وقد بدا الخطاب التاريخيّ بارزاً عبر حكاية المجاهدة ” فطيمة عبد السلام ” الوجه الحقيقي للثورة الجزائرية الذي واجه الزيف والتحريف، وعكَس هذا الخطاب رؤية السارد للتاريخ المشوبة بالشّك والريبة ولّد لديه تساؤلات أدخلته أزمة وحدة واغتراب:«لا أدري لماذا كانت نهايات أغلب أبطال هذا الوطن فجائعية، أو غير مفهومة..غير متوقّعة.. كريم بلقاسم..عبّان رمضان..مصالي الحاج..هواري بومدين..العقيد عميروش..العقيد شعباني..والآخرون » (الرواية/ ص124).استوجب هذا الحضور للخطاب التاريخي/ السياسي استدعاء أسماء شخصيات من تيارات وطنية مختلفة، وفتحٌ لملفّاتٍ مسكوت عنها:مجاهدو الربع ساعة الأخير..الوطن المستباح..المثقف المسكون بالغربة والاغتراب والمتجرّع لمرارة التهميش والتشظي والانشطار في شخصيته…إلخ.

الرؤية السردية:

كان الراوي المُشارك في القصّة والعليم بكلّ شيء، سيّداً للعالم السردي في هذه الرواية.وحدَه كان يمتلكُ مفاتيحه وأسرارَه، ويحملُ وعيَ الكاتبِ إلى القارئ؛ فقد سيطر الصوتُ الواحد في هذا النصّ الروائي بالرغم من أنه يمتلك كلّ مقوّماتِ الرواية البوليفونية.غير أنّ الكاتب ولغايةٍ ما فضّل فسح المجال لصوتٍ واحد وإقصاء، أو لعلّه تأجيلٌ مؤقت لدور الصّوتين الشريكين في القصّة  وهما ” مصطفى عبد الباقي ” و ” ابتسام “.كما علّق حسم النهاية وتركَ القارئ يُواجه سلسلة من الأسئلة رغم أنه أشار أكثر من مرّة وعلى لسان الراوي/ البطل ” علاوة درّاز ” أنّ مشكلته هي البداية وأما النهايةُ فهي محسومةٌ سلَفاً « مجرّد بدايات، بحث مُضنٍ عن مجرّد بداية..النهايةُ محدّدة سلفاً/ ومآلُ القصّة معروف لكن البدايةَ تُرهقني»(الرواية/ ص71).فهل تراه يُريد لهذه الرواية/ المذكرات أن تكون حلقة أو جزء من ثلاثية، يُمكن للصديق/ الخصم ” مصطفى عبد الباقي ” أن يروي لنا جزءها الثاني، وتتولى همزة الوصل بينهما ” ابتسام ” رواية الجزء الثالث؟ خاصّة أنّ الراوي قد لمّح لنا في أكثر من موضع في الرواية إلى ما وصفه “بعدم اكتمال التمثال السردي ” وهيأ أذهاننا ضمنياً إلى إمكانية تدخّل الطرفان المشاركان في الحكاية في تشييد معماره واكتمال كيانه كما هو واضح في المقطعين الآتيين:«..وسأعيدُ لكَ التمثالَ أو ما نُحتَ منه، ولك الحكمُ لي أو عليّ، وربما أغرتكَ فيه بواكير عظمةٍ بدأ يمتلئ بها فأحببتَ أن تُكملهُ ..فهو في النهايةِ تاريخُكَ..تاريخُ سقوطك غير المدوّن إلى النهاية» (الرواية/ ص190).«أرى نفسي قد كفّرتُ عن بعض ذنوبي، ومحوتُ في خضمّ هذا الاعتراف الطويل بعض نكساتي ..أما هي فلها أن تفعلَ ما يبدو لها صحيحاً فيما يتعلّق بك..لا أدري كيف يُمكنها أن تفعلَ ذلكَ ، وبأيّ وسيلةٍ ومتى.لا أريد أن أحمّل خاطري وعقلي أكثر مما حمّلتُهما حتى يومي هذا..»(الرواية/ ص191).

الميتاروائي والانفتاح على السّرد المابعد- حداثي:

انفتحت رواية ” مذكّرات من وطنٍ آخر ” على السّرد المابعد حداثي كما تجلى في التجربة الروائية الأنجلو – أمريكية، وذلك بتوظيفها لآلية من أهمّ آلياته وهي (الميتاروائي/ Métafiction) مُتمثّلةً في ما أسماه الناقد المغربي ” سعيد يقطين ” بـ (حضور بنية الخطاب النقدي)(1) في الرواية.

والميتاروائي آليةٌ مرتبطة بعملية إنتاج الخطاب الروائي، تُعرّفه ” باتريسيا ووو/Patricia Waugh) بأنّه:« عمليةُ وعيٍ بالخطاب الروائي أثناء إنتاجه، ففي الوقت الذي يُبدع الكاتبُ عالماً متخيّلاً، يُقدّم إفادات وتصريحات حول إبداع ذلك العالم المُتخيّل»(2).ومن ثمّ فالميتاروائي من وجهة نظر ” باتريسيا ووو ” هو «كتابة رواية تُلفت نظر القارئ منهجياً وعن وعيٍ ذاتي كامل لحالتها بوصفها صناعة بشرية، من أجل أن تطرح قضايا عن العلاقة بين الحقيقة والخيال»(3).وغير بعيدٍ عن هذا الفهم للميتاروائي، تُحدّده ” ليندا هتشيون ” بقولها:«روايةٌ عن رواية؛ أي الرواية التي تتضمّنُ تعليقاً على سردها وهويتها اللغوية.أو ابتداع رواية وكتابة تقرير عن ابتداع تلك الرواية في آن واحد»(4).وقد وظّف ” ماك كافري ” هذا المصطلح للإشارة إلى «نمط الرواية التي تتفحّص بناءها الذاتي، أو التي تُعلّق على أو تتأمّل أشكال ولغة الروايات السابقة»(5).أما ” مارك كيوري ” فيحدّد في عبارة وجيزة ودقيقة مفهومه للميتاروائي بقوله:«نوعٌ من الكتابةِ تُموضِع نفسها على الحافة بين الرواية والنقد»(6).

اتّفق النقاد على جملة من الخصائص والملامح العامة التي وسمت الكتابة الميتاروائية ، يُمكن اختصارها في النقاط الآتي (7):                                                                                                 

  فحص الأنظمة الروائية

-        دمج جوانب النظرية والنّقد.    

-         خلق سيرة ذاتية لكُتّاب متخيّلين.     

-        انتهاك الكاتب للمستويات السردية من خلال:

-        التطفّل بالتعليق على الكتابة.

-         توريط نفسه مع الشخصية الروائية.                                                                      

وسنسعى فيما سيأتي إلى رصد تجليات الميتاروائي – عبر بعض هذه الخصائص – في الرواية المدروسة.

1/ فحص الأنظمة الروائية:

 ويتمّ ذلك بتضمين الخطاب الروائي تعليقات نقدية هدفها تعرية مستويات اللغة، والحكي، والبداية والنهاية، وغيرها..عبر ما أسماه ” اومندسن ” بـ (السّارد المتطفّل) الذي ينعكس وعيُه الذاتي في النصّ من خلال تلك التعليقات، والتسبّب في مقاطعة خطّ القصّة بانعكاسات على عملية صناعة التخييل.فتدخّل السّارد يُمكن أن يكون أحد العوامل التي تُشكّل مستوىً سردياً جديداً، مما يوهم القارئ بأنه يقرأ عن أحداث حقيقية وأناس واقعيين(8).والمتفحّص لخطاب الميتارواية في ” مذكرات من وطن آخر ” يلاحظ مدى إصرار السارد على مناقشة عنصر اللغة، وكذلك هاجس البداية؛ فغالباً ما تعمد النصوص الميتاروائية إلى مناقشة مستوى اللغة في الخطاب السردي وتُظهر دورها بوصفها ناقل الروايات الأدبية، والوسيط بيننا وبين العالم، كما أنها تُلفت انتباهنا إلى دور الكلمات في خلق عوالم روائية وعوالم خارج النصوص الأدبية. ومن الأمثلة التي توضّح ذلك: « هل ستُعينني لغتي الكليلة على جمع شتاتي المنثور على قارعة الحيرة والوفاء المستحيل؟»(ص/11).    

 - «ها أنا أجرّب أن أنحتَ من الحروف تمثالاً سردياً يمتلئ بعظمةٍ كتلك التي كانت لكَ ساعات سقوطك التي توالت بلا نهاية..ما أضعف الحرف، ما أضعف الكلمات، وما أضعفني أمامك.                          

 لِم أردتَ توريطي، لمَ أردتَ أن توقعني في فخّك الأخير؟(..) عرفتَ أني أحبّ الكتابة والسّرد، وأعشق أن أقصّ حياة الآخرين..فأهديتني هذه الهدية المسمومة وقلتَ عندما زرتُك آخر مرّة:ربّما تحبّ أن تكتب عنّي..يُعجبني أسلوبك»(الرواية/ص11، 12).                                                                      

- «قد تُتيح الكتابةُ شجاعةً ما، في لحظةٍ ما..فيُنحتُ التمثالُ السردي الذي يمتلئ بعظمةٍ كتلك التي كانت لك ساعات سقوطك التي توالت بلا نهاية. وقد أقف بعدها على كتف التمثال مدّعياً موهبةَ النحت والصّقل والتشكيل، ويُصفّق أولئك الذين لن يروا في حياتك سوى حلقة في مسلسلِ ضياعهم (..)وقد تكون رواية ناجحة تلك التي أجاهد عبثاً أن أعثر لها عن بداية واعدة.. »(الرواية/ ص12).                                 – «خذلتني الذاكرة واللّغة معاً في مواجهة البداية»(الرواية/ ص13).                                            

- «أما لغتي فأصابها الهُزال»(الرواية/ ص16).                                                                     -

«مازال في تاريخ سقوطكَ فصولٌ وفصول، لكن حروفي هزلت ولحقت بها عوارض الوهن، ولغتي أصابها التيه والضياع لأني فقدتُ معالم الطريق إليك..ما عاد بمقدوري أن أصنع منها شيئاً، لقد فقدتْ كلّ كلماتي خصوبتها ولم يعد لها أن تُنجب أيّ معنى يُبهرك أو حتّى يُرضيك» (الرواية/ ص190).                          

- «أين المعاني المحمولة على ظهر الكلام، وأين الجُمل والتراكيب، وأين أين..؟ هل خانني كلّ أولئك ولمصلحة من؟ !  أين ذُخر وذخيرة مئات الساعات من المطالعة والاجتهاد في الكتابة القصصية ؟ وأين الموهبة التي ظننتُ أنها حظيت باعترافٍ لا تراجع عنه؟ لقد خانت الفارسَ الفرسُ ولا ريب، فهو كليلُ السعي لا يقدرُ على التقدّم كما يعزّ عليه الانكفاء»(الرواية/ ص15).                                                   

 لقد ناقش السّارد عبر التعليقات السابقة موضوع اللغة الروائية ودورها الفاعل والجوهري في تشييد المعمار الحكائي، ويُحيلنا التعليق الأخير منها إلى خاصية أخرى من خصائص الخطاب الميتاروائي وهي:

2/ الكاتب يُورّط نفسه مع الشخصية الروائية:

يقول ” أومندسن “:« إنّ تطفّل السارد قد يكون شخصياً حين يُشير إلى فِعل الكتابة أو إلى حياة الكاتب الحقيقية »(9).تتمّ هذه الخاصية بتسريب بعض المعلومات عن حياة الكاتب، كما هو واضحٌ في التعليق السابق الذي تعرض فيه الراوي ” علاوة دراز ” إلى مسألة اللغة ،متطرقاً بالموازاة إلى موضوع الجوائز الأدبية أو ما أشار إليه ضمنياً بعبارة (الاعتراف الذي لا تراجع عنه)،متسائلا عن الموهبة التي جعلتهُ جديرا بمثل هذا الاعتراف.ولعلّ هذا التدخّل/ التساؤل الذي يُخفي همّاً إبداعياً هو همّ الاستمرارية في الكتابة بعد التتويج، وإحساس الكاتب بالمسؤولية أمام قارئه، يدفعنا إلى استحضار شخصية الكاتب ” أحمد طيباوي ” الذي سبق وأن حظي بمثل هذا الاعتراف بموهبته من قبل.ويزداد هذا الحضور لشخص الكاتب تجلياً في أذهاننا عندما نقرأ المقطع السردي الآتي: «لا لن أستسلم.قلتَ لي تلك المرّة يجب أن تكتُبني رواية تحضى بتقدير القُرّاء والنّقاد، ورحتَ تُحفّزني على كتابتكَ، على تدوينك، على إعادة نحتِكَ..وتقول: إن نجحتَ ستكونُ هذه جائزتُك الثانية، ولن يقول أحدٌ إنّها ضربة حظّ إبداعي أو تصادُف أهواء»(الرواية/ص 13).                   

إنّ الحديث عن جائزة ثانية يفرض على القارئ أن يستحضر شخصية الكاتب نفسه ” أحمد طيباوي ” الذي نال أول جائزة عن أوّل عمل روائي في مسيرته الإبداعية وهو ” المقام العالي “، هذه الرواية التي نالت قصبَ السّبق في منافسات جائزة علي معاشي الوطنية سنة 2011.ولو أنّ هذه الرواية المدروسة قد كُتبت بعد ” موت ناعم “، لكان الحديثُ الآن عن تتويجٍ افتراضي ثالث بعد تتويج هذه الأخيرة بجائزة الطيّب صالح العالمية سنة 2014…ومن ذا يحق له بعدُ أن يقول إنّها ضربةُ حظ أو تصادف أهواء يا أحمد طيباوي؟؟.

يُواصل الكاتب توريط نفسه (عن وعي طبعاً) مع الشخصية الروائية عندما يعمد إلى تشريح روايات أخرى، وهو ملمحٌ آخر من ملامح الميتاروائي يظهرُ في المقطع الآتي الذي تحضر فيه – ضمنيا وتلميحاً – صورة الكاتب وروايته الأولى ” المقام العالي ” المتوّجة بجائزة علي معاشي الأدبية للشباب، كما هو واضح في المثال الآتي:«اعتقدتُ أنّ الروايات الكبيرة  والناجحة، والأطول عمراً، لا تكون إلاّ بقصّةٍ كبيرة عن حدثٍ كبير بأبطال خارقين..كتبتُ رواية شبه تراجيدية لعائلة تعيش في العاصمة يؤولُ مصيرُ أبطالها جميعاً إلى نهايات مفجعة، وبثثتُ في ثنايا صفحات طافحة بالكآبة.بعد الانتهاء منها أدركتُ أنها بداية غير موفّقة أبداً، لكنها منحتني فضاءً أدفنُ فيه ماضيّ الثقيل، وأدركتني راحةٌ عظيمة..ربما أثبتّ لنفسي أنّي لستُ الأكثر توجّعاً ونزيفاً في هذا الوطن.(..) بعد ذلك احترفت تلكَ الرواية مُطاردتي كي تُذكّرني بذلك الزمن الذي أكرهُ أن أستعيده.وزاد من حيرتي أنها حظيت بجائزة..وسام خيانة..وسام عذاب.يُناقش بعض زملاء الهمّ الأدبي مافيها، بينما لا يحقّ لي أن أمتدحها ..أن أُثني عليّ، على علاّوة المُبدع »(الرواية/ ص139).يحضر في هذا المثال كما في الأمثلة السابقة شخص الكاتب متلبّساً بشخصية ” علاوة دراز ” الراوي، كما نجده في أحيان أخرى متلبّساً بالشخصية الثانية في الرواية وهي شخصية “مصطفى عبد الباقي”، عندما أشار الراوي إلى تلك المقالة الهامة التي كتبها صديقه عن علاقة النفط بالديمقراطية في قوله: «مصطفى عبد الباقي الذي كتبَ يوماً في إحدى الجرائد اللندنية عن علاقة النّفط بالديمقراطية وأثار به تعليقات لاحصر لها من الجزائر والدول العربية…»(الرواية/ ص76).نعم إنه ” أحمد طيباوي ” الذي كتبَ سنة 2010في العدد 4699 جريدة القدس مقالا هاما بعنوان (النفط والديمقراطية..الثنائية المستحيلة).

3/ توريط القارئ/ الناقد وجعلُه على وعي بحضوره:

أشار السارد أكثر من مرة إلى أهمية النقد ودوره في إعطاء الشرعية لروايته.وقد حضرت هذه الإشارةُ بطريقتين:مُتجلية ومتوارية، أو صريحة وضمنية ، كما يجتهد في دعوة الناقد إلى فحص روايته عبر أسلوبين أيضاً:فمرّةً يصرّح بحاجته إليه ويؤكّد دوره الفاعل في عملية اكتمال دورة حياة الإبداع، ومرة أخرى يستفّزه استفزازاً إيجابياً عن طريق الجهر بهامشيته لضمان تدخّله.ومن الأمثلة  التي نُدلّل بها على الأسلوب الأوّل، اخترنا ما يلي:

-  «في مواجهةِ الكتابة لا توجد حالةٌ وسطى..إمّا فتحٌ عظيم وإمّا مأزقٌ كبير.ومُشكلتي أني لا أعرفُ أين أنا..في أيّ زمنٍ أنزلق..على أعتابِ لحظةِ خِصب، أم في عزّ مواسم القحط»(الرواية/ص129).

«أمضي في الشّارع وحيداً إلاّ من هواجسي، أفكّر منذ أيّام في أنّه يُعوزني من يُسعفني بقراءة ما دوّنتُه حتى الآن من تاريخ سقوطك.أحتاجُ إلى عين أخرى أنظرُ بها إليك»(الرواية/ ص127).            

أمّا الشّاهد القادم فهو دليلٌ قاطعٌ على إستراتيجية السارد الذكية في تحفيز الناقد/ القارئ للإقبال على قراءة روايته، باستفزازه عن طريق التصريح بهامشيته وتحسيسه بلا جدوى دوره في حياة الإبداع؛ حيث يقول:«كتبتُ ما كتبتُ لكَ وحدكَ، لا ناقد أرضى به إلاك.وسأعيدُ لكَ التمثال أو ما نُحتَ منه، ولكَ الحُكم لي أو عليّ»(الرواية/ ص190).                                                                                         

إنّ هاجس الاستمرارية والخوف من الفشل بعد التتويج وبعد الاعتراف بالموهبة، ثمّ الشعور بالمسؤولية أمام القارئ قد سكنا روح الكاتب الذي وجدَ في ” الميتاروائي ” آلية مساعِدة للتعبير عن هذا الهمّ الإبداعي الذي يسكنه، ولا شكّ أنه يسكن كلّ كاتبٍ يحترم قلمه وقُرّاءه.                                

 كانت هذه تجليات الميتاروائي عبر بعض خصائصه في رواية ” مذكرات من وطن آخر “، جعل هذه الرواية تفتح أبوابها بوعيٍ وحذرٍ لرياح السّرد المابعد- حداثي.

 

ملاحظة: للموضوع مراجع

 

َ

* أستاذة محاضرة بكلية الآداب واللّغات – جامعة قسنطينة 1

 

َ

 

اترك تعليقا