معتقــل الشّوق/ قصة قصيرة / طلحة محمد *
بواسطة مسارب بتاريخ 9 مايو, 2016 في 11:35 صباح | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1902.

هذا شيء مضحـــك هذا الذي يجري في البلاد وكالـــة الأنبـــاء التّونسيـــــة تتغزّل وتقول الشّعب هو السّيد !!! المضحك ليس في استغباء الشّعب…… المضحك حال السيّاسييــــن والأحزاب هذا ما قاله  الشيـــــخ العجوز الذي كان يحتسي قهوة الصّباح في مقهى “كليوباترا” في مدينة سوســـــــة السّاحرة وهو يقرأ الجريدة التّونسيــــة ويتنهَّد أيّما تنهد في غيظ أمره عن أحوال البلاد والعباد , أردت بغيرتي على الشّقيقة تونس أن أريح مزاجه ويا ليتني ما فعلت .

قلت يا عـــم تونس بخيــــر لا تقلق هي تسيـــر إلى برّالأمـــان ليست إلاّ فترة عابــــرة كَأَلَمِ المخــاض قال :أنتم تقولون هذا لأنّكم بخيــــر وفي أحسن حال  قلت نحن !!!  من تقصد ! قال الجزائريّــــــــــون فعرفت أنّه إستطاع تمييــــزي من لهجتي فسكتُّ وتجاهلتـــــه  لكنّه ظـــلّ في سخطـــــه وعنفوانيّتـــة الشّديدة  اللاّمتناهيّـــة وأكمل حديثه عن الواقع المرير آنذاك , للأسف الشّديـــــد ما تشهده بلادنـــا من ممارسات وسلوكات داخل هذه المجالس المنتخبة والجمعيات …….إلخ من كلام السياسيّين المخضرمين.

وبينما كنت منشغلا في إحتساء كوب الشّاي أحدِّث نفسي هذا معارض مجنون لا   هذا ظابط  سامي في الأمن الدّاخلي  متقاعد أو ماشابه ذلك وكلّما رفعت رأسي وقعت عيني في عينيــــــه وكأنِّي به يلقي اللّوم علي لكل ما يجري حوله ,  لم أُعِـــــرْه إهتماما كبيرا لأنّي أعرف حجم المعاناة الشّديدة التي تحرق قلبـــه وألم فقدان الحريّــــة والإستقلاليـّـــة وظللت ماكثا أُصاحب أرقيلتي أراقب المارّة من بعيد وأتامّل فسحة وجمال المكان .

لم أرد الخروج من المقهى  وملامح وجهي كلّها علامات إستفهام ظاهرة للعيان مما يحمله ذلك الشّيخ في  قلبــــه المنكسر كان شديـــــد الأناقـــــة والوسامـــة لولا الشّيب الذي اعترا لحيتـــــه وشعــــره معا,كان ينفث دخان الأرقيلة بحقد وكأنّـــه يخرج كلّ السّموم المدسوسة بداخلـــه و كان كلّ من يدخل يسلّم عليــه بلفظ عالسلامة “عمّي كريم” أدركت حينهـا بل تيّقنت كل اليقين أنّ مِخيَالِي لم يساعدني على تصوّر حقيقته .

فَهَمَمْتُ أن أصاحبه برغبة فضولي لا أكثر  و خوف غريب عن البلاد لكنّه سبقني إلى ذلك وجاء وجلس معي وقال مبتسما كلامك صحيح يا بني سينقشـــع الغبار يوما ما ونسير إلى برّ الأمان .

حينها سألتــه من  تكون  ضحك وقال أنا “تونـــس” أنا “حشّــــاد”  أنا  ”بورقيبـــة” أنا  ….أنا ……قــــلت في نفســــي  ”أف”…… مازال غامضا ضحك مرّة أخرى وقال أنا إبـــن عاصمة الأوراس أنا جزائــــــــري الأصل وجرّتني الظّروف إلى جزائري الثانيّــــة نظرت إليه بدهشة وفرحٍ معا وتيقّنت أن فيه كلّ صفات النّقاء العرقي والصّفاء المثالي  للمنطقة  التي حملت ثقل الثورة المجيدة .

سألته كيف لرجل عاشر تلك البلاد أن يتركـــها دونما إحساس ولا حنيــــن أجابني حينها آه ذلك زمن قد ولّى هي الثورة هو الوطن هو التّفــــاني في العمل المسلّح عندما كنت ظابطا في جيش التـــّحريرالوطني  إبّان الثّورة التّحريرية الكبرى  كنت متواجدا في الحدود الشّرقية للبلاد “ساقيـــة سيدي يوسف ” التي كانت تعتبر قاعدة خلفيّة للعلاج وإستقبال المعطوبين ما جعل الإستعمار الفرنسي يلجأ الى العقاب الجماعي وذلك بظرب القرية الحدوديّة الصّغيرة حينها إنقسم الجيش إلى قسمين  قسم بقي داخل التّراب الوطني والقسم الثاني خرج عبر الحدود إلى الشقيقة تونس الذي كان أغلبه من المصابين والجرحى  وقد كنـــت  أحدهم بسبب إصابـــة بليغـــة في الكتف عَبَرْتُ إلى مدينة ” الكاف” التونسيـــّة لأحظى بالقليــــل من الإسعافات الأوليــــّة من فرقة الهلال الأحمر التونسي الذين كانوا بصدد العبور إلى الجزائر لمساعدة الجرحى المجاهدين والمعطوبين هناك ثمّ نُقِلْتُ بعدها إلى مستشفى حكومي في العاصمة” تونس”  هناك تلقّيـــــت العلاج لمدّة فاقت الشهر كانت أيّاما عصيبة لم يصاحبني فيها غير مذياع صغير يئنُّ من قصف الصّواريخ والطّائرات في كلّ نشرة أخبار أكملت علاجي وفي جوفي دعوات لهذا البلد العظيم الذي حمل على عاتقه مسؤولية الأخوّة ووحدة القضيـــّة العربيـــّة ,حالت الظّروف والإستعمار دون عودتي إلى البلد الأم إلاّ أني لم أحزن كثيـــرا بقدر ما أفرح حين أسمع تكبير المجاهدين و زغاريد النساء  بالنصر تلو الآخــــر حتى توّج كلّ هذا بالإستقلال ست سنوات وأنا  أناصر إخوتي بأضعف الإيمــــان أَنَّبَنِي ظميري كثيرا حتى رأيت علــــم الجزائر يرفرف عاليا حينها أدركت أن هناك من قام بالواجب بدلا عنّي كان يدميني الألـــــم حدّ الموت حين أتذكر أمي زوجتي و أبنائي ………..سَكَتَ لبرهة   ثم  نظر إليّ نظرة مغايرة  ثم قال دعك من هذا حدّثني أنت عن نفسك في الحقيقة لم أجد ما أقول فأنا شاب في مقتبل العمر لم أعرف في الحياة إلّا القليــــل القليــــل أَحَسَّ أنه أحرجني تبســـــّم وقال  لقد ذكرتني بشاب من الوسط الجزائري روى لي قصته المحزنة وقعت عليّ كحدود فاصلة بين الحقيقة والخيال والحلم أيضا .

صدعني ذلك الشاب باللـــّوم الذّاتي و المرارة القاسيّة لحبه الضّائع إبـــنة عاصمة التّيطري التي عشقها بجنون , السّمراء التي تنحدر من عائلـــــة عريقة أبٌ تذهب أصوله إلى الكراغلــــة وأمٌ بربريــــــّة , كان ذلك الشّاب يعمل في مؤسســــّة عموميّــــــة يحمل على أكتافه حِمْلَـــهُ وحِمْلَ عائلته التي يكبرها والتي نصّبه القدر وليّــــا عليها مذ اثني عشر  عاما , بالإضافة إلى دراسته الجامعيّة التي أراد أن يرضي غروره بها وكذا أحلام أمّــــه المتعلّقــــة به أيّـــما تعلّــــق .

وفي يوم من أيّــــام الشّــتاء الباردة كان كعادته منهمكا في عمله يضع على مكتبـــه الكثير من الأوراق المبعثرة بسبب العمل الكبير الذي كُلّف به آنذاك  بسبب توظـــــيف العمّال مركّزا على جهاز الحاسوب المهتريء أمامه وهو يحمل له  كل الحقد وكأنـــه جلاّده .

في تلك الأثناء دخلت فتاة في مقتبل العمر بإبتسامة تمثيليــــّة وكلام جميل وكأنها تعرفه منذ أزمان ردّ عليها ببرودة أعصاب قبل أن يرفــــع رأسه وتقع عيناه في عيناها البنيّتان المملوءتان بالأمل وينتبـــــه لبذلتها البنيّة أيضا التي كانت تناسب شكلها وتزيدها أناقــــــة وهيبــــــة . جلست وهي تتكلم وتضحك مرّة تلو الأخرى تروي قصّة مجيئـــها من أجل المسابقة بالتّفصيل أجابها وهو يضحك وقد أضْفَت السّرور إلى قلبــــه لا علينا إعطني الملف .

كانت تعطيه أوراقها المبعثرة الواحدة تلو الأخرى وهي تلفحـــه بنظرات ثاقبة أزالت حقده المعهود لجميع النّساء وبقايا العلاقات العابرة أيــــام الدّراسة وإنتصر على نفســـه وظنّ أنــــها من ستكون إلى جانبــــه لتصون مصالحه وقلبـــه معا .

إنصرفت وهي تقول البرد شديد هنا ناولــــها معطفه مجاملة وتقرّبا إليها رفظت وهي تضحك دون أن تعي أنــّها قد رمت بِرِمَاحِهَا كلّها لتتركــــه صريع الوحدة والحب .

رحلت وتركتـــه في حيرة وتساؤل شديديــــن هل هو الحب أم ماذا ؟ خَلَصَت أغلب إجتماعات اللِّجان الروحيـــّة القلب والعقل معا أنـــّه مجرّد إعجاب لا أكثر . وعقب الضّجة الكبيرة التي طالت عددا من الموظّفين هناك  بسبب بعض المشاكل الروتينيــّة وقف على حافّة الكلمات القاسيّة لإصدقائـــــه من العمّال وظل كعادتــــه بوجه عبوس تطفو عليه إستفهامات أبديـّــــة تترجم عدم خبرتــــه بالحيـــاة أو بالأحرى سذاجتـــه نتيجة الإنكسارات والإنهزمـــات.

مـــرّ يومه ككلّ يوم متعبا مخلصا في عمله  يُفْضِي أمره إلى ربـــّه على أمل ترقيتــه ’ ذاك كان حال أغلب زملائه . مالبث أن وضع رأسه على وسادتــــه أَفِلَت كلّ القصص مع وقـــع أميرة توّجت نفسها دون إنتخاب أو تزكيـــّة تعرف الطريق دون بوصلة تمتطي فرس الشّجاعة والشباب حتى لا  يوقفها الزّمن عند بوابـــة الهزيمة ولو اقتضى الأمــر لامتطت حصان طروادة الذي لا يتعب ولا يموت .

ظلّ غاطّا في أحلامـــه مع الطّفلة ذات العينين الواسعتين تَجُرُّهُ إلى ذلك الزّقاق الضيــّق في عتمة اللّيل ليستيقظ على ضياع جنونه على دروب الكون العتيقـــة وشغف الحياة لا يجد كابوسه الذي آلمـــه ليلاً وزاده جنوناً في النّـــهار ’ لم يتعب نفســـه كثيرا في البحث عمّن رحل وظلّ يردد في نفسه تغمره الحيرة الشّديدة سيأتي يومٌ ما …..لا بدّ من ذلك .

ذهب إلى عمله ككلّ يوم وبينما هو داخل من البوابة الكبيرة أوقفه أحد زملائه لقد اتّصلت بك فتاة وقالت أنّــــها من زميلاتك في الجامعة لم يفكّر كثيرا لأنــّـه لم يعرف غيرها في تلك الأيّام واتّصل بها مباشرة ردّت عليه كعادتها بضحكتها المجنونة سلام مريم حينها قال لا لا  أنا ذلك الموظف من المؤسسة التي كنت بصدد………..قالت نعـــم نعـــم عرفتك مرحبا وكأنّـــها كانت تنتظر سماع صوته مــذ فارقتـــه كانت الكلمات تخرج بتلقائيــــّة مثاليّــــة تزور قلبيهما تارة وتدقّ نواقيس الموعد تارة أخرى لم يلبثوا إلا أيّام حتى كان الموعد الأوّل في الجامعة , كان الفرح يعتريهما وكلّ من حولهم يرتئي قرانهما في القريب العاجل بسبب الإنسجام الباهر البادي عليهما وفي جوّ رومنسي تحيطه الحريّة التامة دون معالم  حدودية كسرت كل القواعد والإختيارات أمام السّـــــر الخفي الذي يعبران به دون جواز سفر إلى عوالــــم غير محسوسة من السّعادة والأحلام إلى أن أيقضهما عَاِشقُهَا الذي نَسَتْه كما تدّعي مَـــرّأمامهما  بسيّارة فاخرة يرميها بنظرات حاقدة ويرميه بنظرات إزدراء و إحتقار حينها أحسّ بالإهانة فسألها ونهرها إلى أن قالت نعم كنت أعرفه وقد أنتهى كل شيء …أنت كل شيء بالنسبة لي الأن  ومع تساقط عبراتها صدّقها ولم يكترث لكلّ هذا.

عـَـــمّ صمت رهيب يخنــــق الأنفاس مَــــرَّ الوقت بسرعـــة وبدت عليهما روح الإستمرارية التي تنفي تماما كلّ الاحاسيس البغيضة وتقدّس الخضوع التّام لقداســــة الحب لأن كلاّ منهما وببساطة يرى الآخر بعينه لا بعين الآخريــــن إفترقا ذلك اليوم بلحظات وداع جنونيّة إختار لها وردة وفضّلت هي القبلــــة .

وفي موعد الغرام الثّاني في نفس المكان الذي اعتادهما ظِلُّ شجرة التّوت العطشة إلاّ بكلامهما العذب كانا يتبادلان المزاح والقبلات بكل حب حتى حدث مالم يكن في الحسبان فرقــــة الأمن الجامعي تصل وتقول أنتما في فعل مخـــلٍّ بالحياء , ظهر الخوف جليّا عليهما بسبب العرف والتقاليد وإلتزام أهل المنطقة وكذا نظرات الطلاّب يرمونهم بكلمات وألفاظ سوقيــــّة ,سُلِّمُوا بعدها إلى الشّرطة و بعد التّحقيق المطوّل إتّضح أنها متورّطة في قضيّــــة سياسيـــّة خطيرة تعود أحداثها لإنتخابات العهدة الرّابعـــة حين سجّلتها  كاميرات المراقبة في ” اودا” بالجزائر العاصمة  ممثّلـــة الحركة المعارِضة المسمّاة “بركات”  أما هو فأطلقوا سراحه لكونه طالب جامعي وموظف بسيط لا أكثر.

عاد إلى بيتـــه وهو يحمل مسؤوليـــّة عشيقته التي تكبره يتمتم ويحدّث نفسه أنا من عائلة بسيطة أنا لا أقوى على كلّ هذا هي متورّطة في قضيّــــة سياسيــّة هي  خائنة هي ……. هي لا تخصُّني وبدون أدنى تفكير قرّر أن يستيقظ من هذا الكابوس , كتب على حائطه في الفيسبوك :هي لا تعلم أنه ينتظر منها كلمة ……..وهو لا يعلم أنـــها تنتظر منه البدء كتبت هي بدورها : نيّتي صافيـــة وهذا يكفيني

كلّ هذا يا بني ليس إلاّ تجربة من تجارب الحياة …. وها أنا أوصي تجنّب كلمة فشل في حياتك إلاّ في أمرين فلا مفرّ منهما  خاصّة في الجزائر السّياســـة والحب ليسوا إلا عدويــّن لدوديـــن.

 وقبل  أن أودّعك هي وصيّتي لك وبعد هذا العمر الطويل الذي لم تَسُقْنِي فيه الأقدار إلى وطني الأم

لو مررت على مقابـــرالشّهداء بلِّغهم سلامي ….

 

َ

َ

* قاص من الجزائر 

َ

َ

اترك تعليقا