رواية الغريب من الرواية إلى الفيلم / د كريمة ناوي *
بواسطة مسارب بتاريخ 21 مايو, 2016 في 10:37 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 3032.

الحديث عن – آلبير كامو- لا يمكن أن يكون بمعزل عن الجزائر، البلد الذي ولد فيه وأبدع فيه أجمل أعماله الأدبية.
ومن هنا فإن المكان يلعب دوراً مهماً وبارزاً في حياة الإنسان. إنه يرتبط به ويسكنه ويصبح مع الأيام جزءاً لا يتجزأ من كيانه. والبحث في النصوص الإبداعية الكثيرة يعيد إلى هذا الارتباط الوثيق بين الساكن والمسكون، فهو يتحول إلى حالة يعيشها، ويكون الأمر أكثر أهمية مع الإنسان/الفنان.
لأن الفنان يهمه المكان بدرجة كبيرة، لأنه ليس فقط الحيز الذي يعيش فيه، بل هو أيضاً الملهم الأول له والذي يمنحه القدرة على الإبداع.

ومما لا شك فيه أن الكاتب أكثر ارتباطاً بالمكان من غيره، لأنه يشكل بالنسبة إليه حالة إبداعية وليس مجرد مكان قد يسكنه أو يمتلكه. وعلاقة الكاتب تحديداً بالمكان الأول أو المدينة الأولى، علاقة خاصة ومميزة. وكما يقول بعضهم «علاقة الكاتب بمدينته، بالمدينة الأولى، علاقة خاصة استثنائية في آن واحد، إذ مهما ابتعد لابد أن يعود إليها، وهذه العودة تتمثل بأشكال عديدة. إنها المنبع الذي يمتد في أعماقه ويمنحه باستمرار مادة للكتابة والذكرى، ويبدو أن المدينة الحلم كلما ابتعدت جغرافياً أصبحت أقرب إلى الكاتب»(1). فهل كان –كامو- مثله مثل كل الكتّاب مرتبطاً بمدينته الأولى، وهل كان في روحه بعض الحنين لمدينة اسمها –الجزائر – تصادف أن كانت مدينته الأولى؟

لقد عاش – كامو – في الجزائر لا يمكننا أن ننكر أنه أحبه ولكن على طريقته.وربما كان من حق أي كاتب أن يحب المكان الذي يريد وعلى الطريقة التي يريد أيضاً، دون أن نملك حق مصادرة هذا الحق منه. لكننا نملك هذا الحق إذا تعلق الأمر بقضية تحرير شعب من الاستعمار حاول وبكل الطرق أن يلغي وجوده ويمحو أثره. وإذا دققنا قليلاً في – كامو – فإننا ندرك أنه كاتب لم يهتم بروح الأشياء، لأنه كان مأخوذاً دوماً بعبثية الأشياء ولا جدواها. فحتى – باريس – يصفها على لسان بطله – ميرسو – بأنها مدينة قذرة، والناس فيها جلدهم أبيض. مما يؤكد أن الكاتب عاش منفياً داخل نفسه، ولم يتمكن حتى من حب بلده الذي حمل جنسيته طوال حياته، ودافع عن وجوده الاستعماري.

إن الإبداع لا يعيش خارج المكان. ومنه يغدو هذا المكان بطلاً من أبطال العمل الإبداعي، كما أنه قد يغدو أكثر في عمل الفنان من أجمل المناظر حتى وإن كان يفتقد إلى الجمالية في حقيقته. وكم هي كثيرة تلك الأماكن التي عشقناها فقط من خلال أعين الذين كتبوا عنها، لأنها شكلت جمالاً امتزج بعيونهم فنقلوه إلينا وظل خالداً بأذهاننا. وكم هي أيضاً كثيرة تلك الأماكن التي اكتشفنا حين رأيناها أنها لم تكن جميلة إلا في أعين الذين أحبوها وارتبطوا بها، فرددنا بيننا وبين أنفسنا:ألا ما أكذب الشعراء والكتّاب.
ولعل هذا يوصلنا إلى ارتباط الفنان عموماً بالمكان، فليس المكان في نظره مجرد منظر طبيعي جميل، بل هو شيء من روحه سرى فيه… شيء من قلبه قد انبثق فيه… ولكن القارئ لا يرى إلا ما يريد أن يرى، ولذلك قد تصدمه الرؤية الحقيقية للمكان.
وبالحديث عن المكان، فإن الرواية الجزائرية قد كان لها نصيب من الاهتمام بهذا الحيز من خلال مجموعة من الأعمال الروائية لكتّاب جزائريين وغير جزائريين تناولوا المدن الجزائرية. فلا أحد ينسى مدينة – تلمسان- التي خلدها الروائي – محمد ديب – في ثلاثيته (الدار الكبيرة والحريق والنول)، ولا صحراء الجزائر في رواية – مالك حداد – (سأهبك غزالة)، ولا مدينة تيميمون في رواية – رشيد بوجدرة – (تيميمون الحمراء) ولا مدينة قسنطينة في رواية – أحلام مستغانمي- (ذاكرة الجسد)، ولا أحد ينسى أيضاً مدينة الجزائر في رواية – آلبير كامو -(الغريب).

كثيرون هم الكتّاب الذين عاشوا بأماكن شكلت بالنسبة إليهم عالماً روائياً مميزاً، أماكن سكنت قلوبهم ومنحوها وجدهم وحروفهم لتظل خالدة. وكثيرون أيضاً عاشوا بأماكن لكنهم لم يمنحوها شيئاً، ولم تكن بالنسبة إليهم أكثر من مكان.

كامو.. وروايته الغريب
صدرت رواية – الغريب – كما ترجمت عام 1943. وشدت إليها النقاد والباحثين انطلاقاً من الموضوع الذي طرحته.
رواية – الغريب – أشهر ما كتب – كامو – رواية تحمل الكثير من المعاني رغم افتقادها للعواطف بحسب الدارسين لها. 

تقع الرواية في جزأين. يحوي الجزء الأول ستة فصول ويحوي الجزء الثاني خمسة فصول

تقوم الرواية على شخصية محورية ممثلة في البطل الذي يروي أحداثها – ميرسو – شاب في الثلاثينيات من العمر لا أحد له إلا والدته.
تبدأ الرواية من النهاية، من لحظة الموت، موت والدة – ميرسو – فيقول – ميرسو -: «ماتت أمي اليوم. وربما أمس لا أدري. لقد تلقيت من الملجأ الذي تقيم فيه برقية هذا نصها: أمكم توفيت. الدفن غداً. أخلص تعازينا. ولم أستطع أن أفهم شيئاً.. ربما قد تكون توفيت أمس»(2). ومن هنا تبدأ أحداث رواية الأحاسيس الجامدة كما وصفها جل الدارسين. وبهذا الخبر المفاجئ الذي يتلقاه – ميرسو – من الملجأ حيث كان قد وضع والدته لأنه لم يكن يمتلك لا الوقت ولا المال للاهتمام بها.

وهكذا يشرع – ميرسو – في رواية الأحداث التي بدأت بتفكيره في أن يستقل صباحاً الأتوبيس إلى – مارينجو – حيث هو الملجأ. و- مارينجو – بلدة قرب الجزائر العاصمة يستغرق الوصول إليها بالحافلة قرابة الساعتين. وإذا كان من المفروض أن والدته قد توفيت فإنه لم يشعر بأي نوع من الحزن، بل لا يظهر عليه حتى التأثر لهذا الموت المفاجئ، إذ يتوقف في الطريق ليتناول طعامه كما هي عادته كلما زار والدته في الملجأ «ركبت الأتوبيس في الثانية وكان الجو حاراً شديد القيظ. وكنت قد تناولت الطعام عند سيلست كما هي العادة. وكان جميع من في المطعم متألمين لمصابي… وكنت مذهولاً بعض الشيء لأنه كان ينبغي أن أذهب إلى عمانويل لأستعير منه رباط عنق أسود وشارة للحداد أضعها فوق ذراعي»(3). فهو لم يشعر بأهمية لما أصابه حتى إنه نام طوال الطريق إلى –مارينجو- وحين وصوله تحدث مع المدير ثم يتذكر أنه طوال السنة الماضية لم يزر والدته ولا لمرة واحدة»، وربما كان هذا هو السبب في أني لم أذهب لزيارتها في خلال العام الأخير ولو مرة. وهناك سبب آخر، هو أن هذا كان سيضيع مني يوم الأحد بالإضافة إلى الجهد الذي أبذله في السفر بالأتوبيس وشراء تذكرتين، وساعتان تضيعان في الطريق»(4). ولهذه الأسباب يذكر – ميرسو – أنه لم يفكر في زيارة أمه.

إن العلاقة بينهما مفصومة منذ البداية فلا غرابة إذا تواصلت تلك المشاعر الباردة وتلك اللامبالاة. فهو لم يشأ أن يراها للمرة الأخيرة حين وصل إلى غرفة حفظ الجثث، حيث كان يحتفظ بجثة والدته «.. قال لي وهو يتلعثم: لقد غطيناها، ولكن يجب أن أفك المسامير لكي تراها. وتقدم نحو التابوت ولكني منعته. فسألني: ألا تريد أن تراها؟ فقلت: لا. وتوقف وشعرت بالضيق لأني أحسست بأنه لم يكن ينبغي أن أقول ذلك»(5). لكنه لم يتدارك الأمر ولم ير والدته، بل يتواصل شعور اللامبالاة والعودة إلى عاداته التي يحب فحين يعرض عليه البواب القهوة لا ينسى أن يصفها بقوله: «وحينئذ عرض أن يحضر لي قدحاً من قهوة ممزوجة باللبن. ولما كنت أحب كثيراً القهوة الممزوجة باللبن فقد وافقت. وبعد قليل عاد ومعه صينية وشربت القهوة وشعرت برغبة في تدخين سيجارة، ولكني ترددت لأني لم أكن أدري إذا كنت أستطيع أن أفعل ذلك أمام أمي. وفكرت قليلاً، ووجدت أنه ليس في الأمر ما يهم. وقدمت سيجارة للبواب وأخذنا ندخن معاً»(6). ويتواصل شعور – ميرسو – فهو وأمام جثة والدته مازال يستمتع بالأشياء وطعمها وخاصة القهوة «كنت متعباً وقادني البواب إلى غرفته، حيث استطعت أن أغتسل. ثم تناولت قهوة الصباح ممزوجة باللبن. وكانت لذيذة جداً. ولما خرجت كان ضوء الصباح قد غمر الكون ورأيت التلال التي تفصل مارينجو عن البحر وكانت السماء تملؤها ألوان حمراء…. وكان يبدو أن هذه بشائر يوم لطيف… وشعرت بأن سروري سيكون عظيماً إذا أنا خرجت لأتنزه غير أن وجود أمي منعني من ذلك»(7).

إنه مفتون بوصف المناظر الجميلة من طبيعة وبيوت وهواء والتي تحف بها مارينجو وكأنه لا يحمل أمه في التابوت. وتنتهي مغامرته بدفن أمه وعودته إلى العاصمة دون أن يظهر لنا حزنه أو ألمه «كما أذكر ابتهاجي حينما عاد بي الأتوبيس إلى مدينة الجزائر، حيث استقبلتني أنوارها الساطعة وقد استحوذت عليّ حينئذ فكرة واحدة: هي أن أذهب لأنام اثنتي عشرة ساعة»(8).

وهكذا عاد – ميرسو- إلى ممارسة حياته اليومية وكأن شيئاً لم يحدث. عاد ليستأنف ما كان يقوم به قبل موت والدته. فقد استيقظ صباحاً بعد دفنه لأمه بالأمس ليذهب إلى الشاطئ ويسبح ويداعب الفتاة التي كان معجبا بهاً «… وبينما أنا أحاول أن أفعل ذلك إذ لمست يدي نهدي ماري وكنت لا أزال في الماء.. وملت برأسي إلى الخلف ووضعته فوق بطنها كما لو كنت أداعبها.. فتبعتها وأمسكت بها وأحطت خصرها بيدي وأخذنا نسبح معاً.. وحينئذ سألتها: هل تريدين أن تأتي معي إلى السينما في المساء؟»(9). وحتى حين تتفاجأ بموت والدته يحاول أن يبرر لها بأنه ليس ذنبه أن أمه قد توفيت بالأمس. وبعد عودتهما من السينما ترافقه إلى بيته ويقضيان الليلة معاً. ليكتشف بعد نهاية الأحد وهو يوم عطلته «وخطر في ذهني حينئذ أن هذا يوم أحد متعب، وأن أمي قد تم دفنها، وأني سأستأنف عملي غداً، وأن شيئاً لم يتغير»(10). إنها قمة عبثية الحياة التي لا تتوقف سواء كان الحزن كبيراً أم لم يكن أصلاً.

يعود – ميرسو – إلى روتين أيامه بين عمله بالمكتب والذهاب إلى السينما ورؤية – ماري – ولا شيء يتغير في مشاعره. إنها مشاعر مبهمة، وهو لا يعرف إن كانت موجودة أصلاً، وهل تعني شيئاً. وحين سألته –ماري- إذا كان يحبها أجاب «وبعد فترة من الوقت سألتني عما إذا كنت أحبها. فقلت لها إن هذا ليس مهماً ولكن يبدو أني لا أشعر نحوها بحب»(11). إنه يعيش الحياة دون أن يدري إذا كان يعيش وما معنى حياته. وحين سأله مديره عما إذا كان ينوي تغيير حياته أجاب «وحينئذ سألني عما إذا كنت غير راغب في تغيير حياتي. فقلت له إن الإنسان لا يغير حياته مطلقاً، وإن جميع أنواع الحياة تتساوى على أية حال»(12). وحين سألته – ماري – إذا كان يرغب بالزواج منها أجابها «فقلت لها إن هذا شيء لا يهم وإننا نستطيع أن نتزوج إذا شاءت»(13).

لا يحدث شيء جديد في حياة – ميرسو – غير لقائه بجاريه – سالامانو -العجوز و-ريمون- الذي يتردد على منزله ويشاركه رحلته على الشاطئ. الرحلة التي يرتكب فيها لجريمة بسبب الشمس. الشمس التي يكرهها والتي يتكرر الحديث عنها في الرواية «كانت أشعة الشمس تسقط في اتجاه رأسي على الرمال وكان بريقها لا يكاد يحتمل»(14). «وكانت الشمس قاسية وكانت أشعتها الملتهبة تنكسر على الرمال وعلى البحر»(15). لقد انضم –ميرسو- إلى –ريمون- وصديقه في جولة على الشاطئ. وكان –ريمون- قد أخبره عن مشادة وقعت بينه وبين شاب عربي كان –ريمون- على علاقة بأخته. وقد لحق به الشاب ورفيقه إلى الشاطئ. لم يكن في نيته أن يطلق النار، كما راوده إحساس بأنه يمكن إطلاق النار أو عدم إطلاقها وكان ضد ذلك حين طلب منه -ريمون- أن يفعل «.. وأردفت قائلاً: ولكن إذا لم يخرج مديته، فليس من حقك أن تطلق النار.. وراودني حينئذ إحساس بأنه من الممكن إطلاق النار كما أنه من الممكن عدم إطلاقه»(16).
لقد ذهب في جولة انتهت بارتكابه لجريمة قتل. فقد أعطاه –ريمون- المسدس واحتفظ به في جيبه. عاد –ريمون – إلى بيت صديقه. أما هو فقد عاد إلى الشاطئ وهناك التقى بالشاب العربي الذي وقعت بينه وبين صديقه -ريمون -المشادة. كانت الشمس قاسية جداً إذ يصفها بقوله «ولكن الحرارة كانت مؤلمة إلى درجة أنه كان من المستحيل معها أن أظل بلا حراك تحت أشعة الشمس المتساقطة كالمطر من السماء»(17). ويواصل «وخيل إليّ أن كل هذه الحرارة تتكئ عليّ وتعترض طريقي»(18). وبسبب هذه الشمس الحارقة، تهيأ له السكين الذي كان يحمله العربي عند النبع وكأنه سيف يلمع مما جعله يفقد السيطرة على أعصابه ويخرج المسدس«وتوتر كياني كله. وتقلصت يدي على المسدس. واستجاب الزناد للضغط ولمست إصبعي بطن المسدس المصقول. وارتفع صوت جاف وحاد في الوقت نفسه. وبدأت معه المأساة وأزحت العرق والشمس. وفهمت أني دمرت توازن اليوم والسكون الرائع للبلاج الذي كنت سعيداً فيه. وحينئذ أطلقت أربع رصاصات أخرى على الجسد المسجى الذي خمدت أنفاسه فنفذت فيه من غير أن يبدي حراكاً. وكأنما كانت هذه الرصاصات أربع دقات قصيرة طرقت بها باب التعاسة والشؤم»(19).

حدثت الجريمة التي لم تكن متوقعة. حدثت صدفة كما قال –ميرسو- لأنه لم يكن في نيته ان يرتكب الجريمة التي لا علاقة له بها إلا من خلال صديقه -ريمون- الذي خبره يوماً أن صديقته تخونه وأنه عليه أن يجد الدليل على خيانتها له.

قبض عليه مباشرة بعد ارتكابه للجريمة، وزج به في السجن وقد طلبت المحكمة منه أن يطلب محامياً وإلا ستكلف المحكمة محامياً بمتابعة قضيته. لكنه كان يؤكد أن قضيته بسيطة جداً ولا تستدعي وجود محام. وعين له بعد ذلك محامياً.لم يكن الأمر مهماً بالنسبة إليه فقد ظل يهتم بتفاصيل لا تعنيه كاهتمامه بلباس المحامي والقاضي وغيرها من الأمور التي لا تهم.

وجد – ميرسو – نفسه متهماً في قضايا لا علاقة لها بجريمته، فقد اهتمت المحكمة بسلوكاته أكثر من اهتمامها بارتكاب الجريمة وهو ما جعله يستغرب الأمر. يقول: «وعلم المحققون من البحث الذي قاموا به في بلدة مارينجو أني أظهرت عدم مبالاة يوم دفنت أمي… وقلت إني كنت أحب أمي من غير شك ولكن هذا لا يهم. وكل الأشخاص العاقلين يتمنون إن كثيراً أو قليلًا موت هؤلاء الذين يحبونهم. وهنا قاطعني المحامي وبدا عليه اضطراب شديد… غير أني أوضحت له أن من طبعي أن حاجاتي الجسمانية تعرقل كثيراً مشاعري. وفي اليوم الذي دفنت فيه أمي كنت متعباً جداً، وكان النوم يسيطر عليّ إلى درجة أني لم أنتبه إلى ما كان يحدث والشيء الذي أستطيع أن أؤكده هو أني كنت أفضل ألا تموت أمي»(20). إن المحامي لم يستطع أن يفهم مشاعر موكله التي بدت له غريبة لأنه لم يستطع أن يكبح جماح رغباته الطبيعية يوم وفاة والدته.

كان يشعر برغبة في أن يستبقيه معه وأن يضمه لكنه لم يستطع ذلك «وكنت أود أن أستبقيه لكي أقول له إني في حاجة إلى عطفه، ليس لكي يدافع عني بطريقة أفضل ولكن لأن هذا شيء طبيعي… وكانت لديّ رغبة في أن أؤكد له أن يمثل غيري من الناس بالتأكيد مثل غيري من الناس. ولكني أدركت في قرارة نفسي أن كل هذا لن يجدي كثيراً..»(21).

ويستمر – ميرسو – في سجنه واستجوابه عن إطلاقه الرصاصات الأربع بعد الرصاصة الأولى التي قتلت الشاب العربي. ولم يجد إجابة لأنه لم يكن يعرف.ويستمر المحقق في استجوابه عن ديانته ويخبره – ميرسو – أنه لا يؤمن بشيء. أو أنه لم يفكر في هذا. يعود المحقق ليخبره بأن حتى الذين يدعون أنهم لا يؤمنون بالله هم يؤمنون به وأنه عليه أن يسلم أمره لله.

يتواصل حبسه وقد جعلت أفكاره المحقق يستغرب تصرفاته وأنه للمرة الأولى يصادف شخصاً غير نادم على ارتكابه لجريمته. وحين يسأله فيما إذا كان يشعر بالندم يجيب –ميرسو- بأنه لا يشعر بالندم ولكن ببعض المضايقة.

يستجوب كل الذين عرفوه كصديقه ريمون – و-ماري- وسالامانو- وحتى صديق أمه في الملجأ ومدير الملجأ والبواب، وقد شهد كل عمال الملجأ بغرابة تصرفاته وأنه لم يكن يزور أمه في الملجأ وأنه رفض فتح الصندوق ليلقي عليها النظرة الأخيرة وأنه ذهب مع صديقته إلى السينما في اليوم الموالي لدفن والدته ونام معها. وقد استغربت المحكمة كل تصرفاته وبدا لها شخصاً غريباً.

تواصلت محاكمة –ميرسو- بعدها وتواصل سجنه. لكن الغريب أن كل التحقيقات معه وكل المحاولات لجعله يشعر بالندم لم تغير في موقفه شيئاً. لقد أصبح كل شيء بالنسبة إليه عادياً «بدأ يساورني هذا الإحساس المضحك وهو أني –أصبحت جزءاً من العائلة»(22). فطوال أحد عشر شهراً التي كان يحقق معه فيها لم تؤثر فيه وجعلته يشعر أنه صار جزءاً من عائلة المحققين والقضاة والمحامين. لقد تحولت قضيته إلى قضية ملأت بها الصحف يومياتها خاصة أنها كانت في فصل الصيف، هكذا أخبره الصحفي الذي قدم من –باريس- ليغطي خبراً يشبه خبره وقد أضيفت قضيته إلى الصحافة فقط للترفيه لا لأهميتها. 
وخلال هذه الفترة، زارته –ماري- مرة واحدة مؤكدة له أنه سيخرج وأنهما سيتزوجان بلا شك. لكنه لم يشعر بغربة في السجن، بل كان يشعر وكأنه في بيته ولكن حياته قد توقفت. إن الشيء الوحيد الذي كان يزعجه كيف يمضي الوقت.واستطاع أن يجد حلاً لذلك عن طريق الذكريات. فقد قرر أن يستعيد كل ما كان في غرفته حين كان طليقاً. وأقنع نفسه بذلك «وأدركت حينئذ أنه إذا عاش رجل يوماً واحداً في العالم الطليق، فإنه بعد ذلك يستطيع أن يعيش في السجن من غير صعوبة مئة عام، وأن يستعيد فيه من الذكريات ما يتيح له التغلب على مشاعر الضيق والتبرم، وهذا يعتبر ميزة إلى حد ما»(23).

هكذا وجد -ميرسو- حلولاً لتمضية الوقت وللنوم وللسجائر الممنوعة فقط لكي يعوّد نفسه على جو السجن الجديد، مع أنه كان يزعجه لـمَ لا يسمح له مثلاً بأن يحصل على السجائر مادام ذلك لا يضر بأحد، وعرف بعدها أن ذلك جزء من العقاب. تواصلت أيامه المتشابهة وقد عثر على قصاصة ورق تحوي قصة فقرأها.إنها تطرح مشكلة سوء فهم بين أم وابنتها تسببتا في قتل ابنها دون أن تعرف بأنه ابنها. وهكذا استطاع من خلالها أن يمضي الوقت بتذكرها وتخيلها. (هي رواية كامو التي كتبها لاحقاً بعنوان سوء فهم).

وانطلاقاًً من هذا الوضع فقد تساوت كل الأشياء عنه. فقد الزمن معناه ولم يعد يفرق بين الأيام لأنها صورة واحدة عن بعضها. ومرت أيامه بين الزنزانة وجلسات المحكمة. دون أن يتغير شيء في شهادة الشهود الذين أكدوا كلهم غرابة تصرفاته. ولم يعلق على شيء فقد كان يعتقد بصدقهم في كل ما قالوه لكنه يؤكد أنه يحب أمه وأنه تمنى لو أنها لم تمت. تتلاشى غرابة – ميرسو – قليلاً حين رأى صديقه – سيلست – صاحب المطعم حين جاء ليدلي بشهادته. فقد شعر برغبة في احتضانه «ولكنها كانت أول مرة في حياتي أشعر فيها بالرغبة في أن أعانق رجلاً..»(24). وهكذا حاول الشهود وخاصة منهم -ماري- و-ريمون- و-سالامانو- أن يؤكدوا أن -ميرسو- رجل طيب وأنه وضع أمه في الملجأ فقط لأنه لم يجد ما يقوله لها ولكي يجنبها الملل. لكن أحداً لم يستمع إليهم وأكد المدعي العام «سادتي المحلفين. غداة اليوم الذي ماتت فيه أمه، ذهب هذا السيد للاستحمام. وبدأ علاقة غير مشروعة. ذهب لكي يضحك أمام فيلم هزلي. وليس لديّ ما أقوله أكثر من هذا»(25).

تأكد للمحكمة خلال فترة الاستجواب أن –ميرسو- ذا سلوك شاذ وغريب. وظل يؤكد أنه ارتكب جريمته بمحض الصدفة وأنه لا يربطه بالشاب العربي أية علاقة. وكان يشعر بسعادة، والآخرون يتكلمون عنه رغم استغرابه من أن الحديث كان عنه أكثر منه عن الجريمة «إن الإنسان يجد متعة حينما يستمع إلى الناس وهم يتحدثون عنه، حتى إن كان يجلس على مقاعد المتهمين. وفي خلال مناقشات المدعي العام والمحامي الذي يترافع عني تبين أنهما تكلما كثيراً عني وربما كان حديثهما عني أكثر من حديثهما عن جريمتي»(26). ومن خلال كل الجلسات تأكد للمحكمة أنه ارتكب جريمته متعمداً وأنه لا يمكن أن يكون قد خطط لذلك.وأنه لم يشعر بلحظة ندم واحدة طوال كل هذه الفترة، وأن كل المحاولات في جعله يتراجع أو يندم لم تُـجْد نفعاً. لقد كان مقتنعاً بأن كل ما قيل عنه صحيح، وقد حاول أن يقنع المدعي العام «وقد أردت أن أبذل محاولة لكي أشرح له بطريقة عادية، بل بالأحرى بطريقة ودية أنه لم يكن في استطاعتي مطلقاً أن أندم على أي شيء فقد كنت دوماً مأخوذاً بما سوف يحدث.. بما سوف يحدث اليوم أو غداً..»(27).إن المدعي العام توصل إلى أن هذا الشخص ليس غريباً فقط، بل «وقال إنه في الواقع ليس عندي روح، أو أي شعور إنساني، أي مبدأ من المبادئ الخلقية التي تحرس نفوس الناس»(28). وقد اعترف المدعي العام أنه غير ملام في ذلك لأنهم لا يمكن أن يمنحوه ما لم يستطع أن يحصل عليه. وأن مثل هذا الرجل وصمة في جبين المجتمع ويجب أن تأخذ العدالة مجراها.

يرفض-ميرسو- ولأكثر من ثلاث مرات استقبال الكاهن الذي جيء به إليه لكي يعترف. وأكد أنه لم يؤمن بشيء اسمه إله طوال حياته، وأنه لا يملك شيئاً ليقوله.ولم يبق أمامه إلا انتظار الحكم الذي سينطق في حقه بعد كل هذه الجلسات وتلك التحقيقات، والتي أكدت كلها غرابة هذا الكائن الذي بلا روح والذي يجب أن يطهر المجتمع من أمثاله.

وأخيراً، تأكدت التهمة على-ميرسو-، وقد كانت التهمة متعلقة بغرابة تصرفاته أكثر من جريمة القتل التي ارتكبها. وهكذا كان لا بد من الحكم «أحسست بالصمت يسود القاعة وبهذا الشعور الغريب الذي ساورني حينما لمحت الصحفي الشاب يحول عينيه عني. ولم أنظر في اتجاه ماري، فلم يكن ثمة وقت لذلك، لأن رئيس الجلسة قال في صوت غريب إن رأسي سيقطع في ميدان عام باسم الشعب الفرنسي وبدا لي أني فهمت المشاعر التي قرأتها في عيون الجميع وأعتقد أنها كانت تنطوي على الاحترام»(29).

لقد حكم عليه بالإعدام ولم ير من الذين حوله إلا الاحترام على حد ما شعر به «وكان الحراس في غاية الرقة والوداعة معي. ووضع المحامي يده على معصمي.ولم أعد أفكر في شيء. ولكن الرئيس سألني عما إذا كنت أريد أن أقول شيئاً. وفكرت قليلاً ثم قلت: لا»(30). لكن الذي حدث بعد ذلك أن-ميرسو- الإنسان الضعيف قد استيقظ في داخله بعد معرفته بأن رأسه سيقطع في ميدان عام.

إنه الخوف الذي يشعر به أي إنسان مقبل على الموت أيّاً كان نوع هذا الموت:هل هناك ما يمكن أن يخيف الإنسان من شيء قادم نحوه ليأخذ أغلى ما عنده:حياته؟

ويفكر في الذين مروا بهذه التجربة. تجربة الإعدام. هل تمكن أحدهم من تغيير مصيره؟ «.. وأن المصادفة أو الحظ قد غيرا مجرى الأمور ولو مرة واحدة؟ إن هذا كان يكفيني على أي حال»(31). لكنه لم يفكر في هذه الاحتمالات، بل ما كان يشغله هو البحث عن طريقة ما يمكنها أن تخلصه مما ينتظره «.. ولكن الذي كان يشغل بالي هو البحث عن وسيلة للفرار. عن وثبة تنقلني عبر الطريق الذي رسم لي. عن رحلة إلى الجنون تهيئ لي جميع فرص الأمل. وبطبيعة الحال لم يكن ثمة أمل إلا في أن تزهق روحي في أحد أركان الشوارع وأنا أجري هارباً بإحدى الرصاصات التي تنطلق حينئذ نحوي. ولكن بعد التفكير في كل الاحتمالات وجدت أنه محظور عليّ الحصول على هذا الترف، وأن المقصلة هي التي ستأخذ أجلي»(32).

يستسلم –ميرسو- أثناء هذه الفترة التي تلت تأكيد حكم الإعدام فيه إلى مجموعة من الأفكار. يتعلق بعضها بالقوانين والنظم والقرارات. ويؤكد على أن أبشع ما يمكن أن يتعرض له الإنسان عقوبة الإعدام «فكيف لم أستطع أن أدرك أنه لا يوجد شيء أخطر وأكثر أهمية من تنفيذ حكم الإعدام وأنه في الوقت نفسه أكثر الأشياء إثارة لفضول الإنسان، ولو قدر لي أن أخرج من هذا السجن لذهبت أتفرج علىتنفيذ جميع أحكام الإعدام»(33). غير أنه يدرك أن هذه الأمنية لا يمكن أن تتحقق ليجد نفسه خارج الأسوار والحراس. ويعتقد أن الإنسان يأمل دوماً، بل ويتوهم. فقد توهم هو يوماً وتمنى لو أنه يصدر قانوناً يمنح المحكوم عليه بالإعدام فرصة ولو بنسبة واحد في الألف، لأن الأمور قد تتغير ساعتها. لكنه عاد لاستئناف الأيام المتبقية على تنفيذ الحكم. وقد كانت أياماً صعب عليه تحملها لأنها لا تحمل إلا التعاسة والخوف والانتظار. ولا شك أنه ليس هناك أصعب من أن ينتظر الإنسان تنفيذ حكم الإعدام فيه.

وهنا تظهر مشاعر – ميرسو – التي حاول طوال الوقت الماضي أن يخفيها «.. وكان أصعب شيء هو انتظار هذه الساعة المريبة التي كنت أعرف أنهم سيقومون فيها بعمليتهم المعهودة. وحينما كان الليل ينتصف كنت أنتظر وأرتقب وكلي آذان مرهفة وأستطيع القول مع ذلك إني كنت حسن الحظ في خلال كل تلك الفترة لأني لم أسمع أية خطوة تقترب من زنزانتي. إن أمي كانت تقول في كثير من الأحيان إن الإنسان لا يكون مطلقاً تعيساً مئة في المئة وقد تحققت من ذلك في سجني حينما كانت السماء تتلون وحينما كان يبزغ نهار جديد في زنزانتي. ومع أن أقل حركة كانت تجعلني أندفع نحو الباب ومع أني كنت أنصت إلى أي صوت وأذني ملتصقة بالخشب واستحوذ عليّ الهلع إلى حد أني كنت أسمع صوت تنفسي فلم يكن في كل ذلك ما ينم عن التعاسة المطلقة لأني في آخر المطاف كنت أجدني حياً أرزق وأني كسبت أربعاً وعشرين ساعة جديدة»(34). إنها مشاعر الضعف والقلق الذي يعيشه الإنسان المعرض لموقف كهذا. مشاعر التمسك بالأمل وبالحياة ولو بربح أربع وعشرين ساعة إضافية. إنه الأمل في يوم آخر.

يحاول-ميرسو- أن يتمسك بالحياة إلى آخر لحظة مفكراً في الاستئناف وأنه قد يحصل على العفو. ولكنه يتأكد أن ذلك لن يحصل أبداً وأنه لم يبق له إلا وقت قليل. ومرة أخرى يأتيه ويحدثه هذه المرة. ويسأل عن سبب الزيارة لأنها جاءت في توقيت غريب بعد الحكم عليه. ولكنه لا يستمع إلى ما يقوله له الكاهن، ويصر على أنه ليس في حاجة إلى دعائه «فأراد أن يتكلم معي مرة أخرى عن اللهو لكني تقدمت نحوه وحاولت أن أفهمه أنه لم يعد أمامي سوى وقت قليل أريد أن أضيعه مع الله..»(35). هي المكابرة في اللحظة الأخيرة التي يصر عليها بعد أن صار موته مؤكداً. فلا شيء عنده يبوح به أو يندم عليه بعد أن صار الموت أقرب إليه من كل شيء.

إنها النهاية التي باتت أكيدة. وهنا يؤكد – ميرسو – حقيقة الحياة التي ليس لها معنى مادام الموت سيختمها «وخلال كل الحياة التي لا معنى لها التي عشتها كانت تصعد نحوي نسمات غامضة عبر سنين لم تأت بعد، وكانت هذه النسمات تجعل كل شيء يبدو متساوياً في نظري خلال السنين التي عشتها والتي لم تكن أكثر واقعية من السنين السالفة الذكر. وماذا يهمني من موت الآخرين ومن حب الأم، وماذا تهم الحياة التي يختارها الإنسان والمصير الذي يريده إذا كان هناك قدر واحد يختارني أنا نفسي ومعي ملايين الملايين من الناس الذين غمرهم هذا القدر بالميزات…. وماذا يهم إن اتهم إنسان بالقتل أن يعدم لأنه لم يذرف الدمع في جنازة أمه؟.. وماذا يهم إذا أعطت ماري اليوم شفتيها لميرسو جديد؟..»(36).

إنه عبث الحياة برأي -ميرسو- مادام كل شيء بلا معنى. ومادام كل الناس مذنبين وكلهم سيموتون. كانت هذه صرخات –ميرسو- الأخيرة في وجه القسيس وفي وجه الحياة. شعر بعدها بأنه تطهر من كل شروره ولم يبق أمامه إلا شيء واحد، «.. ولكي ينتهي كل شيء على ما يرام ولكي لا أشعر بكثير من الوحدة لم يعد أمامي إلا أن أتمنى أن يحضر متفرجون كثيرون يوم تنفيذ الحكم بإعدامي وأن يستقبلوني بصيحات الكراهية»(37).

هكذا كانت نهاية – ميرسو – ونهاية رواية – الغريب – لآلبير كامو، الرواية التي أثارت الكثير من التساؤلات مست حتى – كامو – الإنسان – ومدى إيمانه.

إن رواية- الغريب –التي شكلت ردود الأفعال المستنكرة لسلوكات بطلها ، هي أكثر تعبير عن واقع الإنسان اليوم بعد أن فقد الكثير من الجمال والكثير من المشاعر.فهل هي الحرب التي كانت من دوافع ظهور ذاك النوع من الأدب المعروف بالعبث أم هي طبيعة الإنسان أن يقتل كل الأشياء الجميلة في عالمه ويستمتع بخرابه؟ إن الغريب لم يعد غريباً في زمننا الحاضر.

اقتبست رواية – الغريب – إلى السينما على يد المخرج الإيطالي – لوتشيانو فيسكونتي- الذي انتقل إلى – الجزائر – العاصمة حيث عاش – كامو- لتصوير الفيلم. وليس جديداً على السينما الإيطالية ارتباطها بالجزائر ، فقد أخرج جيلو بونتيكورفو – فيلم – معركة الجزائر- عن نص للمجاهد الجزائري – ياسف سعدي.

وقبل الحديث عن الفيلم لا بد من إلقاء الضوء على بعض ملامح مخرج الفيلم، كونه يشكل قطباً من أقطاب السينما الإيطالية، ومن أكثر المخرجين ارتباطاً بفن الأدب.

انتقلت رواية – الغريب – إلى السينما إذن على يد المخرج الإيطالي الكبير -لوتشيانو فيسكونتي- عام1967 أي بعد وفاة – آلبير كامو- بسنوات قليلة. وكان قد رُشح الكثير من المخرجين لهذا الفيلم كالمخرج -لوسي- ووقع الاتفاق أخيراً على-فيسكونتي.

ليس جديداً على – فيسكونتي- الاهتمام بالنصوص الأدبية على اختلاف أنواعها، ولكنه ظهر في فيلم – الغريب- بعيداً إلى حد ما عما تعود عليه في أفلامه الأخرى. فالمعروف عن هذا المخرج أن «أفلامه ترتبط مباشرة بالجو السياسي لإيطاليا بعد الحرب»(38). فجاء فيلم – الغريب – بعيداً عن هذا الجو. إنه فيلم عن رواية لكاتب ليس من السهل ترجمة أفكاره إلى صور تتحرك على الشاشة.

يبدأ الفيلم كما بدأت الرواية بحدث غير عادي يستقبله – ميرسو – أو -ماستروياني – في برقية تصل من الملجأ حيث وضع أمه لإخباره بموتها. وقد ظهرت المشاهد الأولى إذ تم تصويرها ببيت الروائي- آلبير كامو- بحي – بلكور – بالعاصمة الجزائرية. يتلقى الخبر بشعور عادي لا حزن فيه ولا تحسر، ومن هنا يبدأ الفيلم وتبدأ حكاية – ميرسو – إذ يظهر في صورة رجل لامبالٍ، بارد المشاعر لا يهتز للحادث الأليم. لم يذرف دمعاً ولم يلق نظرته الأخيرة على والدته أثناء تواجده بالملجأ, حيث ذهب لدفنها. يركض صباحاً خلف – الأتوبيس – ليقله إلى- مارينجو – حيث جثمان والدته. وبعد الدفن يعود مباشرة إلى بيته ليدخن ويأكل. وهو ما شكل نظرة الارتياب والغرابة للمحيطين به. ولم يكتف بهذا فقد التقى بـ -ماري- أو – آنا كارينا – في الفيلم والتي كان معجباً بها، لترافقه إلى السينما في اليوم الثاني من عودته بعد دفن أمه ومرافقتها له إلى بيته وقضاء الليلة معاً.

وبعد فترة يرتكب – ميرسو – جريمة قتل في حق جزائري إثر صدام بينهما وقد لعبت شمس –الجزائر-دوراً مهماً في كونها أصبحت بطلاً ثانياً في الفيلم بعد أن أكد المتهم أن الشمس هي التي جعلته يفقد سيطرته ويطلق الرصاصات الأربع على الجزائري.

يقف – ميرسو – بعد ذلك في قاعة المحكمة وتأخذ قضيته بعداً آخر، إذ تركز المحكمة على سلوكاته التي رأتها منافية لقيم المجتمع بعد أن شهد عمال الملجأ وغيرهم بهذه السلوكات يوم دفن والدته. وتحكم المحكمة عليه بالإعدام. وفي انتظار تنفيذ هذا الحكم يتحدث – ميرسو – عن بعض القضايا التي تتعلق كلها بوجوده الإنساني والغاية منه وعقوبة الإعدام وأهمية الحياة والأشياء والناس مادام الموت سيأتي ليختم كل شيء.وهذه فكرة – كامو- دوماً.. ما قيمة كل شيء إذا كان الموت سيختم كل شيء. فلا شيء له أهمية، لا الحب ولا الحلم ولا شيء أبداً. إن كل شيء أعطي لنا ليستعاد ثانية «..نحن محكومون بهذا العالم الميت والمحدود..أو نحن نجري في الزمن.. إن كل شيء أعطي ليؤخذ.. حيث آثار الإنسان المثالية، الحب أيضاً لا يقول، الكتب كذلك، الحياة نفسها لها نهاية»(39).

لقد انتقلت الرواية من لغتها المكتوبة إلى اللغة المرئية أو الصورة دون أن تفقد شيئاً من روحها أو تفرغ من محتواها. ومنه فإن المخرج استطاع أن يبقي على أفكار – كامو – وعلى ما صور به بطله – ميرسو – وظهر – ماستروياني -متقمصاً الدور بشكل جيد رغم الاختلاف الذي كان حول شخصية البطل ومن سيلعب دورها وكان قد رشح له الممثل – ترانتينيو – وهو الممثل الذي لعب دوراً جميلاً ممثلاً في شخصية الجندي الفرنسي الذي يساعد – علي لابوانت – (سيد علي كويرات في أجمل أدواره السينمائية) في الهرب ويرافقه إلى الجبل في فيلم من إخراج – أحمد راشدي- الأفيون والعصا والمأخوذ عن رواية بالعنوان نفسه للروائي- مولود معمري ثم اختير – ماستروياني – للعب الدور. إضافة إلى –إبراهيم حجاج – في دور الشاب الجزائري الذي يقتله – ميرسو.

وهكذا فقد حافظ الفيلم على الرواية شكلاً ومضموناً، ويعود ذلك إلى أن السيدة – كامو – زوجة الكاتب قد طلبت من المخرج الحفاظ على الرواية كما هي ودون أدنى تغيير. وقد كان – فيسكونتي – ينوي أن يعطي للفيلم أهمية أكبر وأن يربطه بأحداث – الجزائر – آنذاك وخاصة على المستوى الثوري. وقد أكد الذين يفرقون بين الأدب والسينما على أن المخرج لو أخذ برؤيته كسينمائي لتمكن من صنع فيلم أكثر جمالاً، لأنه يبقى للسينما جمالها وخصوصيتها بعيداً عن النص الأدبي.

وقد أشار الشاعر والصديق لآلبير كامو –جون سيناك- والذي اهتم كثيراً بكل ما يتعلق بكامو، مؤكداً أن المخرج «حاول أن يكون قريباً في بعض نواحي الإخراج كاختيار شقة آلبير كامو ببلكور حيث نراها في المشاهد الأولى، وأن نرى الممثل إبراهيم حجاج…. ليأخذ دور العربي..»(40). كما صورت مشاهد الجريمة بشاطئ-زرالدة – قرب العاصمة – الجزائر.

وهكذا فقد ساهم كل محبي –كامو- في إنجاح الفيلم بدءاً من شركة- قصبة/فيلم – الجزائرية التي أسهمت في إنتاج الفيلم مع الشركة الإيطالية – دورونتس. كما اهتم صدقاء الكاتب وسعوا إلى أن يظهر الفيلم في أحسن صورة. فلمَ لم يلق الفيلم نفس النجاح الذي لقيته كل أفلام – فيسكونتي- وخاصة فيلمه-Senso- الذي نال شهرة كبيرة؟

رؤية نقدية:

حوّل إذن المخرج رواية –الغريب- إلى فيلم محافظاً على كل ما جاء فيها. محولاً كل حركة وكل فكرة إلى صورة تنبض بالحياة. فيظهر- ماستروياني-وكأنه -ميرسو- الموجود بالرواية، بلا مبالاته وبروده متحدثاً عن أفكاره وهو في الزنزانة. ويظهر- إبراهيم حجاج – في صورة الجزائري على الشاطئ كما ظهر في الرواية، وكانت – آنا كارينا -كما لو أنها –ماري- في الرواية جميلة ومغرية.ولكن الفيلم لم يحقق ما أراده مخرجه.

لقد أكد تاريخ السينما على أن الرواية من روافدها الهامة لما قدمته لها من نصوص صنعت مجدها. ولا تزال تلك النجاحات العديدة لتلك الأفلام التي قامت على روايات مثل: – ذهب مع الريح – لمرغريت ميتشل، و- آنا كارنينا – لتولستوي، و-عناقيد الغضب – لشتاينبيك، و-غادة الكاميليا – لدوماس وغيرها من الأفلام الناجحة عالمياً. ولكن الذي أكدته الدراسات أنه ليست كل رواية قابلة للأفلمة، وأن الرواية شيء والسينما شيء آخر. كما أنه من حق المخرج أن يفرض رؤيته في الفيلم، لأنه قد يضحي ببعض الأدب لصنع فيلم جيد وهنا يقول المخرج السوري -نبيل المالح – بأن « خيانة النص الأدبي تؤدي أحياناً إلى صنع فيلم ناجح»(41). فهل ساهم اقتباس الرواية كما هي السينما في إفشال الفيلم؟

اعترف مخرج الفيلم-لوتشيانو فيسكونتي- بفشل الفيلم وأنه لم يكن فيلماً مهماً رغم إنتاجه الغزير الذي قدمه طوال عمله السينمائي. فرغم الممثلين الكبار على غرار – ماستروياني- الذي كان آنذاك من أشهر الوجوه السينمائية ورغم ميزانيته إلا أن الفيلم لم يلق الإقبال المنتظر والمعهود لكل أفلام – فيسكونتي.

وقد جاء النقد في معظمه سلبياً ضد الفيلم، ولكن ذلك لم يمنع بعض محبي –فيسكونتي- من أن يشيدوا بالفيلم. فها هو الناقد – تيشين – في – كراسات السينما – يعترف بقدرة المخرج في هذا الفيلم «إن فيلم فيسكونتي هو أولاً وآخراً قصة حب. وهو فيلم يدفع مخرجه إلى احترام العمل الأدبي بحذافيره وعدم السماح بتعديل فيه إلا في حدود تبرز فيها محاسن الكتاب. فالميل إلى الحشو من شأنه أن يشوه جمال العمل الأصلي»(42). إن المخرج ومن خلال هذا من الذين لا يخلون بجمال النص الأصلي كما يفعل الكثير من المخرجين الذين يفرغون النص الأدبي من محتواه.

أما الناقد -ميشيل ماردور- فقد رأى في الفيلم لوحة جميلة حين يقول: «أحب فيلم الغريب، لأننا نشاهد فيه عاصمة الجزائر على بعد كأنها لوحة زيتية رائعة.وقد وفق فيسكونتي في التغني بمناظر بلكور في أطيافها الحزينة، وبأرض الريف الحمراء، وسجن دولاكروا…»(43). ففيلم –الغريب-تظهر مدينة –الجزائر –البيضاء بجمال بحرها ومناظرها الرائعة التي عشقها -ميرسو- في الرواية وعبر عنها بكل حب. إنها المدينة التي أحبها –كامو- في الأصل.. أحب شمسها..وبحرها.. وجبالها.. لكنها ظلت في ذاكرته مدينة فرنسية.

لقد أبدع المخرج-فيسكونتي- في تصوير المناظر الجميلة وحتى في التقاط صورة –ميرسو- بكل دقة، رغم تعقيد الشخصية. ولكن الذي حدث أن الفيلم جاء أقل مستوى من أفلامه الأخرى. ولعل من الأسباب التي ساهمت في ذلك أن المخرج كان مقيداً بالرواية بنسبة مئة في المئة لتعليمات السيدة -كامو-التي لم تسمح واشترطت تحويل الرواية كما هي، ومنه فإن المخرج لم يتدخل في الفيلم فكان أن قدم رواية على الشاشة ولم يقدم فيلماً سينمائيا لأنه بذلك لم ينتقل من الكلمة إلى الصورة ولم يخلق جمالاً سينمائياً، بل أدبياً.

ورغم أن الفيلم لم يحقق النجاح المنشود، إلا أنه يبقى من الأفلام المميزة في تاريخ السينما الجزائرية التي لم تر في إنتاج فيلم – الغريب- إلا اعترافاً بهذا الكاتب الذي ظل جزائرياً ولو أنه لم يرتبط بهذا البلد كما كان صديقه الشاعر-جون سيناك. هذا الكاتب الذي قال عنه وزير التربية 1967في مقاله-Camus vu par un Algérien-مؤكدا المقال بعنوان: Camus l’Algérien وقد خلص إلى أن –آلبير كامو-«يبقى بالنسبة إلينا كاتباً كبيراً أو بالأحرى أسلوبياً كبيراً، ولكن غريب»(44). فكامو ليس بالكاتب العادي، والمخرج-فيسكونتي- لم يقدم رواية –الغريب-إلا لاقتناعه بجمالها وبجمال ما يكتبه –كامو.

كما تجدر الإشارة إلى أن أولئك المعروفين بالأقدام السوداء قد نال الفيلم إعجابهم كثيراً. ليس لأن الفيلم قد حقق غايته الجمالية سينمائياً، بل لأن بطله -ميرسو-قد قتل الجزائري بسبب الشمس. ولعل هذا يعيدنا إلى موقف – آلبير كامو- نفسه من الوجود الفرنسي بالجزائر وإصراره على رفض خروج –فرنسا- من الأراضي الجزائرية التي كانت بنظره ملكية لها.

وما حرص المخرج ومن قبله زوجة الكاتب على الحفاظ على الرواية دون تغيير، إلا احتراماً للكاتب نفسه ومحاولة لنقل النص الأدبي إلى السينما بصدق كبير. وللتذكير فإنه لا توجد من فيلم – الغريب – إلا نسختان، إحداهما بديوان السينما –سينماتاك- بالجزائر ونسخة بألمانيا.

إن فيلم-الغريب -للمخرج- فيسكونتي- يبقى من الأعمال المتميزة في تاريخ السينما، من حيث تعاملها معاً لنصوص أدبية. كما يبقى الفيلم ومن قبله الرواية من أكثر الأعمال قراءة واهتماماً من طرف النقاد. كما يظل –آلبير كامو-من الروائيين الممتازين رغم كل مواقفه السلبية تجاه بعض القضايا ولا يمكننا إنكار جمال لغة –راسين-و-كورناي-و-هيغو- التي تبقى لغة أدبية بجدارة.

هـوامـش:
1 -منيف، عبدالرحمن، الكاتب والمنفى، دار الفكر العربي، بيروت. ط1، ص11.

2 -كامو، آلبير.الغريب. المكتبة الثقافية.بيروت. لبنان 1982. ص7.
3 -الغريب. ص 8.
4 -الغريب. ص 9.
5 -الغريب. ص 11.
6 -الغريب. ص13.
7 -الغريب. ص 16.
8 -الغريب. ص 22.
9 -الغريب. ص 24.
10 -الغريب. ص 29.
11 -الغريب. ص 40.
12 -الغريب. ص 46.
13 -الغريب. ص 46.
14 -الغريب. ص 56.
15 -الغريب. ص 58.
16 -الغريب. ص 59.
17 -الغريب. ص 60.
18 -الغريب. ص 60.
19 -الغريب.ص62.
20 -الغريب. ص 67.
21 -الغريب. ص 67.
22 -الغريب. ص 72.
23 -الغريب. ص 79.
24 -الغريب. ص 91.
25 -الغريب. ص 93.
26 -الغريب. ص 96.
27 -الغريب. ص 98.
28 -الغريب.ص 98.
29 -الغريب. ص 103.
30 -الغريب. ص 104.
31 -الغريب. ص 106.
32 -الغريب. ص 106.
33 -الغريب. ص 107.
34 -الغريب. ص 109.
35 -الغريب. ص115.
36 -الغريب. ص 116.
37 -الغريب. ص117.

38 – Khodja, Hamid nacer Alberr camus, Jean Se›nac ou
p.111. 2000. Le fils rebelle Paris. Me’diterrane’e.
39 – Marcel J. Mélançon. Albert Camus Analyse de sa pensée. Suisse Les ?ditions Universitaires de Fribourg.1976.p11.

40 – خوجة، حميد ناصر. المرجع السابق. ص 114.
41 -المالح، نبيل. حوار بتاريخ .
42 -الإنتاج السينمائي الجزائري. ص 7.
43 -المرجع نفسه. ص 7.
44 – خوجة، حميد ناصر. المرجع السابق. ص 114.

 

* روائية وباحثة أكاديمية من الجزائر

اترك تعليقا