البنية اللغوية في قصيدة “تسابيح الفقد، صلاة أمل”للشاعر هشام توتاي/ أ/فضيلة بهيليل*
بواسطة مسارب بتاريخ 24 مايو, 2016 في 12:04 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1994.

تسابيح،هو ما اختاره الشاعر ليفتتح به عنوان قصيدته، شبيه برجاء يخالطه ألم وأمل،ألم في التوجه بالتسبيح غير أن هذا التسبيح هو تسبيح فقد وضياع،حالة تنبئ عن فوضى داخلية عميقة منذ البداية، فالشاعر يدرك من الوهلة الأولى أنه يعيش حالة ضياع وغربة ووحشة،ترجمتها مفرداته التي وردت في جل أبيات القصيدة، غير أن هذه الحالة إنما هي مؤقتة وصاحبها ما يلبث أن يعود فيستبشر ويأمل طمعا في الوصول إلى حقيقة ما تنير له هذا الدرب الوعر المظلم تجسد ذلك في الشطر الثاني للعنوان “صلاة أمل”، فإن كانت هناك تسابيح فقد فهناك صلاة أمل.حتى أن اختياره لمفردتي “تسابيح،صلاة” إنما يعكس مدى قوة الشاعر وإيمانه بحصول أمر مفرح جميل حتى وإن طالت تسابيح الفقد تلك، بل هو يقرن الضياع بالتسابيح والتسابيح من الذكر فكيف أتبعها بالصلاة في مفارقة جميلة ما بين فقد وأمل.

يفتتح الشاعر قصيدته بتصدير شبيه بمناداة للعالم نيوتن صاحب قانون الجاذبية ،ليقول له أن عالم الحسابات  والمنطق والفيزياء ،عالم يشدنا للأرض، وهو في ذلك يرغب لو لم يكن هناك قانون جاذبية ليطير بعيدا رفقة أحلامه.عالم المنطق يفترض أسبابا ونتائج حتمية، غير أن عالم الخيال والطموح والرغبة في التحرر عكس ذلك.وهو إنما أتى على توظيف نيوتن ليوضح العلاقة ما بين الجاذبية والتحرر منها وهو الفيصل ما بين العقل والقلب ، ما بين واقع يشده للأرض، وحلم يطير به للسماء.

تأتي ألفاظ الشاعر بسيطة لا غرابة فيها، غير أن ترتيبها على تلك الشاكلة جعلها تخرج من دائرة المألوف إلى اللامألوف عن طريق ما يسمى بالانزياح والعدول وهو ما يتأتى باختلال مواقع الألفاظ،عن طريق التقديم والـتأخير، وقد عمد العرب إلى تقديم  الذي بيانه أهم ، وهو ما وجد بالقصيدة كقوله:

“كثيرا ..لقد نمت حتى ثملت” ،”وأيضا كثيرا حلمت”و قوله “وبعضا من الذاكرة قد فقدت”.

فقوله “كثيرا لقد نمت …” بدل “نمت كثيرا حتى ثملت” أو “نمت حتى ثملت كثيرا” إنما كان لغرضي بلاغي، فهو لا يهمه إخبار القارئ بنومه حتى ثمل بقدر ما يريد أن يبين له الكم ،فكثرة النوم هي المعنى المراد أكثر من النوم ذاته،كما أنه اختار مفردة “كثيرا” بدل غالبا أو شديدا أو غيرهما،لأنها أنسب دلاليا من غيرها،هو الأمر الذي أوضحه البنيويون وعلى رأسهم فردينان  دو سوسير من خلال المحورين المتعامدين:التركيبي والاستبدالي،فعبرهما يتم دراسة المعاني وتتشكل عبر انتظام الكلم من بعضه إلى بعض، وقبله كان عبد القاهر الجرجاني قد أشار إلى تلك العلاقة  في قضيتي النظم والتعليق،فكلما كان التركيب مجازا  كنا في مجال الإبداع، ويعنى المحور التركيبي بحدّ مواضع الألفاظ داخل الجملة مع مراعاته بسط فكرة أصل الرتبة ثم الإخلال بها، وهنا يبدأ الإبداع،الغرض من هذا الإخلال هو إنشاء الظاهرة الفنية.

فتتابع الألفاظ بهذا الترتيب دون غيره وبتلك الألفاظ دون سواها هو الذي يحدد مدى بلاغة الجملة من عدمه، فلو أورد مثلا كلمة “سكرت” بدل “ثملت”  لكانت أقل دلالة ،لأن الثمل بلغ 

أقصى درجات السكر التي تفقد الوعي وتبقى صاحبه غير قادر على الحراك، وهو أبلغ من السكر، كما قوله “نمت” بدل استلقيت أو تعبت أنسب للسياق الذي وردت فيه من أي مفردة أخرى.

إن ما يميز النصوص الشعرية الحديثة هو اعتمادها على الرمز والإيحاء أكثر من المباشرة، فهو لم يشرح أن نيوتن هو مخترع الجاذبية بل أورده كرمز للجاذبية مخاطبا إياه بصيغة صديق  “آه يا صديقي نيوتن” ليمحو تلك العلاقة المتعالية بين كبار العلماء  وبسطاء الباحثين ، وأيضا حين يأتي على ذكر إديسون الذي يصفه بالحكيم في قوله:” هيا هات تأويلك يا إديسون الحكيم؟ !” هو سؤال وتعجب في آن ، وهو أقرب إلى السخرية أو التعجيز منه إلى الاستفسار حين أضاف كلمة “الحكيم”، كأن هذا العالم نسي أن يفسر أين يسكن هذا الظلام الذي يبدد الضوء، وهو ربما هنا يفتش داخل دهاليز روحه، في تلك الظلمة التي أرّقته وأرهقته حتى ما عاد يجد منها خلاصا ولا لها جوابا شافيا لروحه المنهكة تساؤلا وبحثا عن كل ما يمت  للظلمة بصلة، تجلى في ذكره لمفردات وجمل كلها تعكس مدى تأثير عالم الظلام والمجهول عليه،كقوله: (عتمة الليل، الظلام أتى، توغلت في عمق ذاتي، تغمض الفيزياء عينها)، غير أنه رغم سيطرة عالم الحزن والتساؤل والظلام على روحه، يظل هناك بصيص أمل  وعالم من نور  مثّلته ألفاظه   المتفائلة رغم الحزن ،كقوله:”عسى أن نتعلم كيف نتخلص من قانون الجاذبية،أبحث عن قبس الصحوة،حاملا شمعة،كثيرا حلمت، ولكني ما تركت التبصر ،إلى أن أعانق صدر المدى”.

ينطلق الشاعر في بناء قصيدته من تسلسل منطقي بدأه بمخاطبة نيوتن فيما أسماه بالتصدير ،ثم صوّر عالم معانيه بدغل جعله مغتربا، وتوظيفه لدغل بدل بستان أو حديقة ،للدلالة على ما يسود الدغل من فوضى ومن خضوع لعالم الطبيعة وقوانينها التي من أبرزها قانون الجاذبية الذي افتتح به القصيدة، وهو تسلسل منطقي يمهد المتلقي لما سيلي، ثم يأتي على ذكر رؤاه التي صارت شبيهة بثقوب ناي، جعل لها يدا من الطبيعة تحركها تمثلت في الريح،كأنه أراد أن يقول بأن اختلاف تأويل الرؤى يكون باختلاف المفسرين ،تماما مثل ثقوب الناي التي يختلف العزف فيها باختلاف العازف، واختياره 

لها يد الطبيعة عازفة يؤكد فكرته الأولى  أن كل شيء مرتبط بقوانين الطبيعة  وبعالم تحكمه ضوابط حتى وإن حاول هذا الإنسان الخروج والتمرد على تلك القوانين فإنه يعود في نهاية المطاف إلى نفس النقطة.

في مفارقة لغوية جميلة يوضح الشاعر علاقة الشعور باللاشعور أو علاقة المنطق بالخيال، وإلى أي حد يمكن الفصل بينهما ،يقول: “توغلت في عمق ذاتي، وجدت من الوهم ما يجفل ملائكة الوعي عني” فإن ذاته مثقلة بالوهم لدرجة أجفلت وعيه، فهو ممتلئ بكل وهم هربا أو تنفيسا لكرب لدرجة جعلته غير واع ومدرك ، بل تائه بحثا عن أشعة نور يضيء بها ذاته المظلمة .

إن وعي الشاعر بوجود تلك العتمة هو الذي دفعه إلى البحث عن أشعة الحقيقة من أجل تبديد الظلام المحيط ، وهو رغم عجزه يحاول من خلال نور شمعة أن ينير عتمة الليل دون أن يكون لضوء إديسون  دخل في ذلك ،فيحلم كل ما يريد الوصول إليه ، يحاول النهوض، يسقط، ورغم ذلك يواصل، ثم يبرر سقوطه بأنه حلم بأكثر مما ينبغي حين رفع عينيه كثيرا إلى الأفق فوجد رجله على ضفة الهاوية،هوى، تكسر، ضاع ورغم ذلك ظل هاجس التبصر لشهوة أوقدت ناره تعانق المدى.

قصيدة تسابيح للشاعر الشاب هشام توتاي تعكس اهتمام الشباب بالشعر وكتابتهم في هذا المجال، بل وحتى محاولتهم الارتقاء بهذا الجنس الأدبي ليترك بصمة تميز الوقت الذي يعيش فيه هؤلاء الكتاب.

* قاصة وباحثة جامعية من الجزائر

اترك تعليقا