الكتابة النسوية :بين المثول المركزي ووهم الإيديولوجيا الاصطفائية / د غزلان هاشمي *
بواسطة مسارب بتاريخ 29 مايو, 2016 في 11:23 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1372.

يتشكل الوجود الإنساني من مركزية متعالية وأطراف سمتها الهامشية اعتبارا من الموضعية المركزية لذلك يعمد كل حضور مركزي إلى الحفاظ على هذه الموضعية باستعمال العنف بنوعيه:الحقيقي والرمزي/الخطابي والخطاب الذكوري كغيره من الخطابات المركزية يتأسس على فعل التمركزوالذي يعني”نمط من التفكير المترفع الذي ينغلق على الذات ويحصر نفسه في منهج معين ينحبس فيه ولا يقارب الأشياء إلا عبر رؤيته ومقولاته.ويوظف كل المعطيات من أجل تأكيد صحة مقولاته”[1]. انطلاقا من ذلك ظهر الحديث عن خطاب أدبي نسوي ومن هنا تأسست الحركة النسوية على جملة إشكاليات بحثا عن راهنية مغايرة وأهمها “كيف جرى تصوير النساء في نصوص الرجال الأدبية؟ما العلاقة بين انتهاكات النص للنساء واضطهادهن في المجتمع؟ما سر غياب النساء عن التاريخ الأدبي؟هل هناك جماليات نسوية مستقلة بذاتها؟أي إدراك تقدمه لنا الكتب العظيمة؟وإدراك من هو الذي يقدم؟ومن الذي يقيم ويختار النصوص التي تصوغ المعيار الأدبي؟ولماذا ،حين نتأمل الكتب العظيمة تحضر في الذهن أوتوماتيكيا أسماء الكتاب الرجال؟أليست هناك كاتبات عظيمات؟وهل هناك حقا اختلاف جوهري بين كتابة الرجال وكتابة النساء؟”

الكتابة المنتهكة وإعادة صياغة الوعي الإبداعي:

حاولت الكتابة النسوية أن تجاوز راهنية اجتماعية وثقافية ترتكز على وعي انتقائي ينتصر إلى مركزية المثول الذكوري وذلك بخلخلة بنياته التخييلية  ونمط التفكير المهيمن وتهديم الاعتبارات الإبداعية والموضوعاتية وتجديدها ـ جزئيا أو كليا ـ ،حيث الارتكاز على انتقائية لغوية تراهن على الخرق والاختلاف بفعل الانتهاك والسعي إلى هوية لغوية مغايرة تنتهك المعايير الجمالية السائدة وإن كان المنجز النسوي في محدداته وفي بناء اعتباراته غالبا ما يخضع للسياق الثقافي والسياسي والاجتماعي المهيمن مراهنا على حالة الكشف ومن ثمة محاولة التغيير في نمط التفكير بحثا عن المغايرة والاختلاف وتأسيسا لوعي يحترم حدود الذات كذات إنسانية حرة ذكرا كانت أو أنثى.

مثيرات الكتابة النسوية الثورية:

يمكن القول أن مرجعيات الكتابة النسوية تتلخص في نقاط :

الرغبة الموجهة:فهذه الرغبة هي ما يمكن تسميته بالدافع النفسي ،حيث تحاول الكاتبة تأسيس وعي جمالي يحارب مركزية المثول الذكوري وذلك بخلق راهنية إبداعية وثقافية جديدة حيث تقوم بقلب نمط التفكير المركزي الذي يتعالى عن كل المغايرات وبخاصة الخطاب الأنثوي ويحتكم إلى المعيارية الثابتة  

جاهزية الأحكام:ولربما هذا المأزق هو ما يفترض وجود موقفين ،فالجاهزية تغذي رؤية الآخر مهما كان نوعه (آخرية ذكورية بالنسبة للأنثى أو آخرية نسوية بالنسبة للرجل ).لذلك يعمل التخييل المنبني على جاهزية الأحكام على تغذية مدركاتنا وتوجيهها نحو إقصاء المغاير باعتباره رمزا للخطر وتهديدا للهوية الثابتة المستقرة ومن ثمة يصبح الرجل في وعي المرأة صورة لكل اضطهاد يحتم رد الفعل. 

الوعي الانتقائي:

 فإذا كانت الجاهزية عملية لا تتم بوعي الذات فإن الوعي الانتقائي عملية موجهة ومركزة تهدف إلى تهميش المغاير وإقصائه حفاظا على مركزية الذات الأنثوية أو بناء ركائزها ويكون عادة بالترويج إلى صور نمطية تشوش صورة الآخر/الرجل وتعتبره رمزا للعنف والهمجية…..

القلق الوجودي:

وهو قلق تشعر به الذات الكاتبة إزاء وضعها الهامشي الذي تغذيه عدة موجهات نفسية وتاريخية في صيغة تخييلية إضافة إلى وضعها الطبيعي حال الاصطدام بالعنف الاجتماعي المركب(عنف الخطاب والعنف الحقيقي).

البحث عن المغايرة:نظرا لمحاولة الحركة النسوية مواجهة إيديولوجيا الاصطفاء التي فرضها الخطاب الأبوي إذ سعت إلى بناء اعتبارات معيارية تنتهك النماذج السائدة في المجتمع وتعيد الاعتبار إلى المرأة بنقض مركزية الخطاب الأبوي السلطوي وبناء معيارية جديدة تعيد لها فاعليتها .

القضاء على التراتبية القيمية:

إن العقل الإنساني يقوم بصياغة تعارضات قيمية أو ثنائيات ضدية إذ يمثل الطرف الأول من الثنائية مركز الوجود لذلك يسمه بالفوقية والتعالي …بينما الطرف الثاني يتموضع في صيغة انتقاص وتهميش وتغييب اعتبارا من ذلك حاول الخطاب النسوي تهديم بنية الخطاب المركزي وتمثيلاته غير البريئة من أجل إعادة الاعتبار للأنثى كذات وكحضور فاعل .

الآليات الخطابية التي يستخدمها الخطاب النسوي في مواجهة الخطاب المركزي:

1ـ آلية الطمس(إلغاء الخيار المعاكس أي بطمس الخطاب المركزي/السائد)

ويتم الأمر من خلال فعل الانتهاك،حيث يتم تدمير كل المعايير الجمالية الرجالية وتعويضها بمعايير نسوية جديدة وكذا ضرب القيم السائدة باعتبارها من صنع رجالي والبحث عن قيم جديدة غير مركزية. والترويج إلى صور نمطية جاهزة تعتمد الاقصاء أو الانتقاص أو النيل من الآخر المختلف وذلك من أجل الحصول على مركزية أنثوية لذلك يعول الخطاب النسوي في هذه الحالة على التعبئة الأيديولوجية وذلك بالبحث عن كل التبريرات المتحيزة لتغييب الخطاب الرجالي فإساءة التمثيل تنتج صورا انتقاصية تبخيسية من أجل التشويش وإعادة خلق تراتبية قيمية جديدة بالرغم من أن الهدف كما يبدو في أولى خطواته مسحا للحدود ولهذه التراتبية.

ـ آلية إعادة التمثيل والتكييف (بتعديل الخطابات لصالح الطرف الأول الرجالي  حيث يتم تمثيله بكل صفات الكمال عكس الطرف الثاني أو تكييف المرأة عملها وفق معايير رجالية) حيث تعمد بعض الخطابات النسوية إلى الاحتفاظ بمركزية المثول الرجالي فحينما تفكر المرأة هنا تفكر بعقل الرجل وتستخدم لغته ومعاييره وتستعير اهتماماته فتغيب اعتباراتها وتقصيها بل وقد تصل إلى استخدام نفس تمثيلاتها انتصارا لموضعيته المركزية .

3ـ آلية الترميز المشفر(حينما تهرب الذات الأنثوية من سلطة الرقيب فتمرر رسائلها بطريقة غير مباشرة):هنا تفر المرأة من سلطة الرقيب الاجتماعي أوغيره وذلك باستخدام التشفير والترميز تمريرا لرسائلها وقد تستعير سلطة الخطاب المركزي وذلك بالحديث باسم الرجل عن قضايا واهتمامات نسائية من أجل خلق موضعية مغايرة تعيد الاعتبار إلى الأنثى .

الحركة النسوية تثمن التراتبية وتؤكدها:

أعتقد بأن الحركة النسوية في محاولتها لاختلاق معركة أيديولوجية وهمية ،تقضي على تموضعاتها المركزية إذ في سعيها إلى بناء مركزية مثول موازية للخطاب الذكوري تثبت وضعها المنتقص والهزيل وتركز على نضال وهمي في الوقت الذي كان من المفترض عليها أن تركز على القضايا الإنسانية الكبرى والتي تتعالى على التصنيف فالأدب إنساني لا جنس له كما أن مقاومة الحركة النسوية الخطاب المركزي تضعف من المنجز الإبداعي لأنها تجعل التركيز في الصبغة النضالية فقط دون سعي لتجديد الوعي الإبداعي .ومن ثمة يصبح الخطاب النسوي خطابا تبريريا يبحث عن مبررات ظهوره وهذا يضعف من قيمته كخطاب مرتكز على رؤية محددة.

إذن مصطلح الأدب النسوي يفترض وجود خصائص نوعية يرتكز عليها هذا الخطاب وهذا التمايز بقدر ما يؤسس لوعي الاختلاف في ظاهره إلا أنه يضمر تراتبية قيمية ويؤكدها وهذا ما جعل بعض المبدعات يرفضن هذا التصنيف الاستعاري والذي يفرض عقلية اصطفائية واستبعادية في حين أن التجربة الإبداعية ترتكز على رؤية وتجارب إنسانية تجاوز التصنيفية.اعتبارا من هذا الأمر صار الخطاب الأدبي والنقدي المنتج من قبل المرأة أكثر تركيزا على تركيبية الواقع وقضايا الإنسان المعاصر مجاوزا التجنيس الأدبي الذي يفترض وجود تمايزات واختلافات اعتبارية داخل الخطاب الأدبي.

يمكننا القول في الأخير أنه علينا تجاوز التصنيفات المعيارية وبدل التركيز على اصطناع معارك وهمية في الفكر وغيره بين مركز ذكوري وهامش نسائيوجب التركيز على قضايا الإنسان وهمومه لأن الوجع واحد والحزن لا جنس له .

هامش

01.عبد الله إبراهيم:المركزية الإسلامية،المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء/بيروت،ط1،2001.ص7  



* قاصة وباحثة اكاديمية ورئيسة تحرير مجلة جيل الدولية للدراسات الأدبية والفكرية 

اترك تعليقا