إن الحديث عن الواقع الثقافي في بلادنا يثير التأسف والحسرة لدى الملاحِظُ، فكما هو معروف فالثقافة تؤدي إلى السلوك الراقي، والمواءمة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي والبشري، بيد أن واقعنا ينفي وجود مثل هذه السلوكات الحضارية، إذ أن المؤشر الثقافي في أي مجتمع من خلاله يمكن تحديد مدى تطوّر أيّ مجتمع.
إن المجتمع الجزائري ومن خلال معايشتي لأوضاعه اليومية، وأنا فرْدٌ منه ما زال يسبح في وحل التخلّف في شتى مجالات الحياة، خصوصًا السلوكية منها.. يرى البعض أن السبب يعود إلى فترة الاستعمار، وفترة الاستقلال ..فترتان الثانية منهما امتداد للأولى، ولو في ثوْب الوطنية، حدثت فيهما مصادرة شاملة للإنسان الجزائري تولّدت بتأثيرٍ منها تشكيل شخصية جزائرية تفتقر إلى كل قيمة سامية ترتبط بحبّ الوطن، والعمل الإنتاجي الميداني، والتضامن، والإبداع، وتثمين المكتسبات العامة، والحفاظ عليها، والتهرّب من المسؤولية والالتزام الوطني، والأخلاقي، بل وحتى الديني في البعض من الحالات.
هذه الثقافة السلبية وليدة القيم المادية الصرفة، وذات السلوكيات الأنانية البشعة، ظل الإنسان الجزائري ينهل منها حتى تمكّنت منه، وتجلّت عبْر سلوكياته الراهنة التي لا تفيد المجتمع الجزائري، إنما تعمل على تخريبه، وتكريس انحطاطه، ممّا أبرز ” نمط شخصية جزائرية “صارت معروفة داخل البلد وخارجه.. شخصية تُعتبر النموذج ” الناجح ” بالمفهوم السلبي أخلاقيا، وبالمفهوم الناجح جزائريا، تتصف بجملة من المواصفات المنحرفة من الجهل، والرشوة، واختلاس المال العام، والمحسوبية، وشراء الذمم، مواصفات تنبذها كل الشرائع السماوية، وكل القيم الإنسانية، لكنها واقع مرٌّ تغلغل في خلايا المجتمع الجزائري، تحرّكها دافعية المهارة والشطارة، فأضحت من المسلّمات المعتمدة لكل منْ تهفو نفسه للارتقاء إلى خانة الشخصيات الفاشلة أصلاً والناجحة صدارة.
إن انحطاط الواقع الثقافي إذا ما حلّ بمجتمعٍ ما فهو يُعدّ من الكوارثّ ذلك لأنه يؤسس لمرضٍ عضالٍ يمتدّ إلى كل شرائح المجتمع انطلاقًا من الفرد ليخرّب توازنه، ويفسد انسجامه الحيوي، ويهدر طاقته المنتجة والمبدعة، ويقحمه في متاهة الفوضى والتشتّت.
إن منْ يطالع صحافتنا اليومية المكتوبة، وما تحفل به من أخبار الفساد المالي، والاقتصادي، والأخلاقي، والتفكّك الأسري، والمجتمعي، وصور الفضائح وأنواع الجريمة لينفي كل ما يرتبط بالثقافة عن هذا المجتمع
* قاص من الجزائر




