فرق بين تاريخ الأدب و التأريخ للأحداث و أدبية التأريخ ، عرفت فعلاً أن كتابة التاريخ بشكل التواتر و تأريخ الأحداث يختلف عن أدبية التأريخ ، هكذا هو السرد عند الروائي العالمي ” واسيني الأعرج ” . النص عنده يحمل خصوصية لها ايقاعها بين الماضي و الحاضر بكل الهزائم و بعض الانتصارات في راهن يؤرخ للآتي
هذا ما خرجت به من حوار الجمهور مع الروائي ” واسيني الأعرج ” و الذي حضرته يوم 23 ماي 2016 م على هامش احتفائية التكريم للروائي .. , من قبل الرابطة الوطنية لأهل القلم تحت رعاية ثلة من النشطاء و على رأسهم الكاتب و الروائي عزالدين جلاوجي ، هذا اللقاء الذي دام من الساعة 13 سا إلى غاية 18 سا . المتتبع لهذا الحوار المفتوح. تشده طريقة الحوار و التي تشعرك بالرغبة في الاستماع لما في حديثه من امتاع . وصفه الدكتور عبدالحميد هيمة بــ ” أمير السرد “، و في زمن خلو قاعات و دور الثقافة من الإقبال شهدت دار الثقافة هواري بومدين اقبالا للباحثين و الدارسين و الطلبة .
هذا المشهد عاد بي إلى حركة ظهور الرواية التاريخية في الأدب العربي ، و التي كانت عن طريق الترجمة والاقتباس، فالنصف الثاني من القرن التاسع عشر شهد نشاطا بالغا من التعريب الروائي، فقام الأدباء العرب بالتعريب والاقتباس في محتوى الروايات الأوروبية، منهم نجيب حداد الذي عرّب الفرسان الثلاثة لألكسندر ديماس ، وفي سنة 1881 عرّب قيصر زينية رواية الكونت دي مونتغومري لديماس، وبين عامي 1842 و1914 عرّب له ست عشرة رواية “1″
و هي محاولة للبحث عن الذات القومية القوية المنتصرة أو البحث عن دواء شاف للمحن التي تتعرض لها الأمة، أو لأجل التمني والحلم بالانتصار خلال فترات الانهزام، وتجاوزت ذلك في العصر الحالي حيث أصبحت تجسّد قضايا عالمية معاصرة بإسقاط ذاك الماضي على الحاضر وتفسيره.
من هذا المنطلق كانت الرواية التاريخية الواسينية ، تؤرخ لفترة الأزمة الجزائرية، بروايات منها شرفات بحر الشمال، وذاكرة الماء. ورغم قرب الفترة الزمنية التي يؤرخها، فقد بحث في تاريخ الجزائر العريق واستنبط منه أعظم شخصية قاومت الاستعمار الفرنسي وآمنت بالتفاوض: شخصية الأمير عبد القادر، فكتب الأعرج عنها رواية كتاب الأمير (مسالك أبواب الحديد) في 2005 وآخرها
رواية ” حكاية العربي الأخير 2084م”
يعرّف جورج لوكاتش الرواية التاريخية بأنّها “رواية تاريخية حقيقية ، أي رواية تثير الحاضر، ويعيشها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق للذات” 2″ و بالتالي فهي عمل فنّي يتخذ من التاريخ مادة له، ولكنّها لا تنقل التاريخ ،بقدر ما تصوّر رؤية الفنّان له وتوظيفه لهذه الرؤية للتعبير عن تجربة من تجاربه ،أو موقف من مجتمعه يتخذ من التاريخ ذريعة له .
و عليه فإنّ نص الرواية التاريخية لدى واسيني هو نتيجة امتزاج التاريخ بالأدب ؛ فالتاريخ ما هو إلاّ حقائق مجرّدة لوقائع تاريخية معينة سواء كان الأمر يتعلّق بالحوادث أو بالشخصيّات ،بيد أنّ هذا التاريخ المجرد عندما يدخل بنية أساسية تعتمد عليها الرواية يأخذ شكلاً جديداً؛ بحيث يصبح عنصراً فنيّاً من عناصر تكوين الرواية و قد اتضح ذلك جليا من خلال المناقشة التي دارت بين الروائي واسيني و القراء ، فكانت الحالة فيها من التفسير الأفقي للحدث حينما يعبر عن الحدث كما يراه و هو موقف لا يخلو من المزاجية ،لذا فإن “كتابة الرواية التاريخية “محفوفة بالمزالق لأنّ الشخصيّات في التاريخ لها وجود محدد، أو بعبارة أخرى هي معدّة سلفاً وكذلك الأحداث التاريخية والمكان والزمان وغيرها، وعلى الكاتب أن يصوغها صياغة جديدة لا أن ينقلها كما هي في التاريخ، وهذا العمل هو الذي يجعل اتخاذ التاريخ مادة للرواية عملاً مشروعاً ، لكن يشترط في هذه الصياغة للمادة التاريخية أن تحافظ على كنهها و واقعيتها التاريخية كما هي، فيجوز للروائي أن يحذف أو يزيد على الحدث التاريخي ؛ لكن ضمن ضوابط المحافظة على جوهر المادة التاريخية المعاد صياغتها في العمل الأدبي. و هي قراءة عمودية فيها من الصياغة الموضوعية للحدث و هذا ما اتسمت به اعمال الروائي العالمي واسيني الأعرج .
——————
1 _ عبد الله إبراهيم: السردية العربية ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 2003، ص142.
2 _ لوكاتش، جورج، الرواية التاريخية،ص89
* شاعرة وباحثة من الجزائر




