يثير النموذج الإنساني في الأعمال الأدبية إشكاليتين جوهريتين: تتعلق الأولى بحياة الأعمال الأدبية التي يكتب الخلود لبعضها والفناء لبعضها الآخر. إثر نجاح أو إخفاق في تجسيد ذلك النموذج الإنساني الحي الذي ينفذ إلى أعماق القراء في شتى أصقاع العالم، ليتطابق مع حالاتهم الوجدانية، ويتمثل إنسانيتهم بخيرها وشرها. وتتعلق الإشكالية الثانية بهجرة النصوص، وارتحال هذه النماذج الإنسانية الأدبية عبر الأزمنة والأمكنة، حين تغادر أوطانها لتعانق معنى الإنسان حيث كان، وهو موضوع يهتم به الأدب المقارن.
تتظافر الإشكاليتان فتحيلان إلى ثالثة يبلورها سؤال مفارقاتي يكون قد راود القارئ العربي مفاده: ترى لماذا – وأنا العربي الثقافة والانتماء، أجد نفسي متطابق الشعور والوجدان ، مع الروسي راسكولينكوف بطل رواية «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي، والياباني تنغو بطل رواية «84Q1» ، والفرنسية إما بوفاري (بطلة فلوبير)، واليوناني زوربا (بطل كازنتزاكي)، بينما لا أجد ذلك التطابق الروحي والنفسي والجوهري مع أبطال كاتب من بيئتي ولغتي وثقافتي وعصري، رغم كل ما يجمعني به من وشائج وأسباب متينة؟ ولماذا لم ينتج السارد العربي المعاصر نماذج إنسانية لشخصياته عالمية الصيت والأثر، بعد نجيب محفوظ والطيب صالح وغيرهما من أبناء ذلك الجيل الذي خلد أبطاله ونمذجها إنسانياً وعالمياً قبل أن ينطفئ؟
لكن ما هو النموذج البشري من حيث المبدأ؟ وما علاقته بعالمية الأدب؟
أولاً- التشكيل المخيالي للنموذج:
يقصد بالنموذج الإنساني آلية يرسم بها الكاتب صورة نموذجية متكاملة الأبعاد الإنسانية لشخصيات أدبية تتجسد فيها جملة من الفضائل أو النقائص البشرية التي يجد من خلالها كل من يقرأها أثراً عميقاً في نفسه ووجدانه، وتتطابق بموجبه الشخصية المخيالية مع القارئ الواقعي، وتتوحد معه إنسانياً فيحدث بينهما ذلك التساند الوجداني المتبادل الذي نسميه «التأثير»، وعادة ما يكون هذا النموذج، عبر مختلف أوصافه وخصائصه، تعبيراً فائقاً عن الوضع البشري الواقعي في جميع أحواله وأخلاقه وتصرفاته خيراً أو شراً، جمالاً أو قبحاً، انتصاراً وانكساراً.
والكاتب في استجماعه للصفات البشرية تراه يُسَخِّر كل طاقاته الإبداعية في رسم نموذج حيوي يؤلف في حركاته وسكناته وخطابه سمات الشخصية البشرية النموذجية، التي تصلح أن تكون مثالاُ يشاكل نفسيات وأحاسيس طباع كل من يقرأه، فتشاركه الشخصية المخيالية همومه الإنسانية، بل وتتجاوز حالته في العالم بمضاعفة جرعاتها المأساوية، فتحقق الشخصية الأدبية بلاغتها لدى القراء بقوة تجسيدها الحي للنموذج البشري الذي تتمثله.
وقد يجمع هذا النموذج في تكوين إنسانيته سمات بشرية عديدة كالتواضع والكبرياء والطيبة والخبث والتمرد والخنوع وغيرها من متناقضات الطبع الإنساني، وذلك في صور مركبة تقود إلى معنى واحد، ونموذج موحد، يتآزر فيه الخلقي والسلوكي والاجتماعي والنفسي لبناء صورة نموذجية عنوانها الإنسان.
ثانياً – مستويات التمثُّل
وللنموذج البشري فئات منها العام، المتعلق بالمهن والحرف (نموذج التاجر والمرابي، والراهب، والعسكري، والمومس، والمخبر، والحارس …)، ومنها ما يخص المستويات الاجتماعية، (نموذج النبيل، والفقير، والسيد، والخادم…) ومنها ما يجسد الطباع والأمزجة البشرية (الكريم، البخيل، الصعلوك، الأبله، والمجرم والكسيح والمشوه، والمجنون، والدرويش، والمتقلب، والمتسامح…).
وهناك من النماذج ما هو خاص، حينما ينبري كاتبه لنمذجة عادات وسلوكيات السلالات والأعراق البشرية والمعتقدات: (نموذج العربي، ونموذج الغربي، ونموذج الأمريكي/ المسلم، المسيحي، الوثني، الملحد) أو يختص حصراً بكاتب معين دون غيره، كنموذج الصديق المقنّع، والعدو المقنّع عند شكسبير، ونموذج العصابي (الشيزوفريني) والسكير المتهتك عند دوستويفسكي، أو نموذج الطاغية المتجبر عند نجيب محفوظ، أو نموذج الوطني المضطهد عند الطاهر وطار أو الممسوس عند إبراهيم الكوني وغيرها. كما توجد أنواع أخرى فرعية كالنموذج الغرائبي (أو الأسطوري)، مثل شخصية العفريت، أو القرين، في أدب الخيال العلمي، أو الشبح (هاملت لشكسبير/ أكاكي في قصة المعطف لغوغول)، أو الساحرة (شكسبير، باولو كويلو، إبراهيم الكوني). وكلها نماذج تختلف في الشكل لكنها تتوحد في التعبير عن أحوال النفس الإنسانية.
ثالثاً- تلقي النموذج
ما على المتلقي للأعمال الأدبية سوى سبر النماذج البشرية المتعدد (بصورة أفقية) كتلك التي يشاهدها في مجتمعه وجواره – ثم يستخرج أكثرها بروزاً في النص بصورة عمودية، تتفاعل مع ما يقره في نفسه ويعايشه في لحظات تأملاته الخاصة (وعادة ما يكون النموذج الإنساني عمودياً عند تلقي الشخصية الرئيسية وأفقياً مع بقية الشخصيات الثانوية والهامشية). لا لشيء إلا لأن الكاتب يكون قد عايش ذلك الوضع، أو مر به، أو حدثته نفسه به، أو أجبرته الظروف على فعل ذلك قبل تمثله. فإن لم يجد القارئ في تلك التجربة ما يثيره، فالقصور كامن في أحد الطرفين؛ أما القارئ الذي مر جانباً ولم تؤهله قراءته لاستغوار النموذج الإنساني، أو أن القصور متعلق حصراً بالنص الذي يعجز عن تصوير نماذجه البشرية وبث الحياة بكل انفعالاتها وتناقضاتها في كيان ما تقدمه من نماذج.
ولعل هذه الصورة الأخيرة هي الأرجح في حالتنا الراهنة، لأن النموذج الإنساني لا يطلق عليه هذا المصطلح الرصين إلا إذا كان حياً ومطابقاً لحالات أكبر شريحة من الناس في كل أنحاء المعمورة، فلا يطالعه أحد حتى يتماهى معه ويتبناه تأثراً ومساندة، وأي تصوير لا يجذب مغناطيسه جينات التطابق البشري، ولا يستثير النماذج العليا (كارل يونغ)، في اللاشعور، ولا يعترف فيه القارئ بالسقوط في ما أتته الشخصيات السردية من سلوكيات، وعايشته من حالات ومآزق بشرية، فإن هذا المولود الدعي للأدب يكون قد ولد ميتاً ، وبالتالي سيحرم من هذه التسمية الأصيلة، ولن يكون إلا حالة خاصة لا تعني غير صاحبها، ولا نعجب بعد هذا إن رمى التاريخ الأدبي بهذه المسوخ الأدبية الدعية في سلة مهملاته التي تتسع لكل غث وهزيل.
ولئن كان الفن محاكاة في الأصل فإن على تصوير النموذج أن يكون أبلغ وأعمق وأكمل من الأصل، فإن طلبت من رسام معين رسم صورتك فإنه سيرسمها أحسن من صورتك الحقيقية، وهذا ما تسعى إليه أنت في الصورة الفوتوغرافية حسب أرسطو الذي يقول في فن الشعر: «بما أن المأساة محاكاة لأناس أفضل منا، فعلينا أن نتتبع طريقة مهرة الرسامين: فهؤلاء حين يريدون تقديم صورة خاصة عن الأصل، فإنهم يرسمون صورة أجمل من الأصل، وإن كانت تعتمد على التشابه معه، وهكذا حال الشاعر، فإذا حاكى أناساً شرسين، أو جبناء، أو فيهم نقيصة، من هذا النوع، في أخلاقهم فعليه أن يجعل منهم أناساً مميزين فيما بينهم»، والتميز في تمثل النموذج يكون شاملاً لما يأتيه الإنسان من طباع خيرة وجميلة أو سيئة ودميمة على السواء.
رابعاً- مساءلة النموذج الإنساني في السرد العربي:
عبر مختلف مستوياته وأجناسه، لا يصور النموذج الإنساني سوى الطبيعة البشرية، وقد يعبر عنها حتى بالخيال العلمي، والنسق الغرائبي الذي يجيش العواطف والشجون بصورة أبلغ أحياناً من النماذج الواقعية. وقد سجل التاريخ الأدبي باعتراف القراء في جميع أصقاع العالم، ذيوع نماذج إنسانية عابرة لحدود الأزمنة والأمكنة، فخلدت بعد مبدعيها، الذين فاقتهم نماذجهم الإنسانية الحية شهرة وصيتاً، في صورة، بينيلوب، وكلكامش، ودون كيشوت، وزوربا، والجبلاوي، ومصطفى سعيد، وأكاكي، وجوليان سوريل، وغيرهم ممن شقوا آفاق العالم وخلدوا بمقولاتهم وسلوكياتهم وأنماط شخصياتهم في أذهان القراء، بعد موت آبائهم من الكتاب.
ذلك أن عالمية الأدب متعلقة بما ينتجه مبدعوه من نماذج إنسانية حية، مهما كان هذا الأدب بعيداً وقصياً عنا في الأزمنة والأمكنة، ومختلفاً في أنساق الثقافة، وأن الأدب الذي لا يمكنه تجاوز محيط كاتبه، ولا يجتلب إلى مداره القارئ الأقرب من محيطه وثقافته على الأقل، إنما هو أدب كسيح تعزى مشكلته إلى قصور فني ومعرفي وتجريبي في بناء نموذج إنساني أصيل، ومن آيات الأصالة قدرة النموذج على اختراق حدود قوميته وتاريخه وجغرافيته، وفي هذا سر خلود ما خلد من أعمال إبداعية، وذهاب الأكوام المكومة من مصنفات الأدب الكسيح إلى سلة مهملات التاريخ الأدبي بسبب زيف النموذج الإنساني الذي تصوره، آية على أن الأدب يعادي أدعياءه.
فإلى أي وجهة تصب ملايين الأعمال السردية العربية التي تقذف بها بطون المطابع وتعلنها المنابر وصفحات الإعلام، وتتوجها مؤسسات الجوائز من دون أن تنتج في الواقع أي نموذج إنساني حظي باعتراف القراء في العالم، أو بلغ العالمية في عصرنا هذا؟ فهل عادانا الأدب العالمي إلى هذه الدرجة؟ أم ترنا نحن الذين عاديناه بهدرنا رأسماله، حين عجزت أقلام كتابنا عن صياغة نموذج إنساني يتجاوز حدود محيطه؟
* ناقد وأكاديمي من الجزائر




