” رسائل جزائرية ” للروائي رشيد بوجدرة الأدب و اللغة و السياسة
بواسطة مسارب بتاريخ 11 يناير, 2012 في 07:49 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1434.

 

قلولي بن ساعد /قاص وناقد

 

     لم يهدأ رشيد بوجدرة هذا الروائي الذي أطلقت عليه قبل سنوات صفة الكاتب ” الغاضب بامتياز ” ووصفه الروائي أمين الزاوي من شدة إثارته للجدل  بأنه يشبه إلى حد بعيد ” جلول الفهايمي “  الشخصية المحورية في مسرحية ” الخبزة ” لعبد القادر علولة ” قال ذلك أمين الزاوي حين كان قصر الثقافة بوهران الذي كان آنذاك أمين الزاوي مديرا له بصدد التحضير لملتقى ” رشيد بوجدرة خمس و عشرين  سنة من الكتابة ” لكن حدث و أن وضاع مشروع ذلك الملتقى في غمرة حديث رشيد بوجدرة عن الأمير عبد القادر بما لا يسر بعض الأطراف حيث تعرض لردود فعل كثيرة و هاهو يعود إلى القارىء  المعرب تحديدا   عبر رسائل أدبية سياسية سماها ( رسائل جزائرية ) قام بترجمتها إلى اللغة العربية الروائي محمد ساري  لأن القارىء المزدوج اللغة كان قد قرأ هذا الكتاب منذ سنوات و ويبدوا أن وضعية الجزائر الأمنية آنذاك فعلت فعلها في الرجل بلا شك فاللغة الإستفزازية لم تمنع بوجدرة من التمسك بطفولته و الاعتزاز بماضيه لذلك نجده يعود إلى الحديث بحميمية عن أستاذه الذي علمه اللغة الفرنسية وهو على مقاعد الدراسة .. بقسنطينة  ذلك المربي الملتحي القادم من جزيرة كورسيكا و الذي بفضله قرأ فيكتور هيغو و جان دي لا فوتنان و جورج صاند و بفضل خاله الشيوعي العامل بالسكة الحديدية أكتشف ألبير كامي و الصحافة هي بيت العلة و المحرض الأساسي على غضب بوجدرة الذي يفيض به فقد بدأت شكواه منها في وقت مبكر حين ذاع صيته بوصفه واحد من الروائيين الغاضبين  بأمتيازبعد رواج روايته (الانكار)  خلال السبعينات والتي مهدت لموجة من الأعمال الروائية و القصصية المنددة بالمجتمع التقليدي و طقوسه الأدبية التربوية والمعيارية و التي لا يسمح المساس بها لكن هذا اللقب بالنسبة لبوجدرة ليس أكثر من أكتشاف في غير محله لصحفيين في ثوب( نقاد) يفكرون على نحو مخالف للحقيقة فهو يعتبر نفسه مبدعا و كفى دون ألقاب و صفات من شأنها أن تخفي موهبته و عبقريته الأساسية و السؤال المطروح هنا : هل يكفي هذا  الأحتجاج والإعتراض لتبرئته من صفة تتناثرموضوعاتها في معظم كتاباته الروائية ؟ لكن لماذا أيضا التوقف عند آراء بوجدرة  السياسية وهو مجرد هاولها كون  فضل عليها الأدب حتى و إن كان للسياسة فضل عليه فمن مادتها صاغ هذا الكتاب وحاك من قماشتها روايته ” فوضى الأشياء ” و عليها أتكأ في طريقة إلى الشهرة منذ أن أصدر روايته ( الإنكار) التي فتحت الباب على مصراعيه لموجة ” الأدب الغاضب المشبع بالسياسة ” الذي بدا سياسيا في ثورته على الراهن و إن كان أكثر إفصاحا عن ميله  الإيديولوجي من الطاهر وطار  وعبد الحميد بن هدوقة والأعرج واسيني خلال قترة السبعينات التي شهدت بروز أعمال روائية واقعية عبرت عن  المحمول الفني الملتبس بالنزعة الأشتراكية و مع أن تيار الوجودية و العدمية كان الأشد انتشار في الوطن العربي فإن هذا الأدب حسب بوجدرة ساهم في نزع لبوس المنحى الطبيعي عن الخطاب الأدبي عموما سردا كان أو شعرا ممهدا لولادة صيغ كتابية أمعنت في الخروج عن الطبيعة التي تكبح زئبقية اللغة وإنزياحاتها الأسلوبية و على الرغم من أن كتاب ” رسائل جزائرية ” مشبع بالتوابل السياسية فإن فيه أيضا متسع للأدب و للتاريخ و هنا يبدو بوجدرة تواقا الى الأنحناء بحنو باهض بشكل عفوي أمام أصدقاءه الكتاب الكبار مثل جون سيناك و الطاهر جاووت و رشيد ميموني و كاتب  ياسين الذين يعتبرهم بوجدرة(أنتجوا خطابات مضادة كانت ضحية قمع و مصادرة  ليس فقط من قبل الرقابة الحكومية و لكن أيضا من طرف الرقابة الذاتية و الوشاية و المصلحية الحقيرة رقابة هؤلاء الذين يبكونهم اليوم) لدرجة أن بوجدرة وهو يرافع عن هؤلاء خاصة الطاهر جووت كتب يقول : ” نعم سيذكر التاريخ أن الطاهر جاووت ولد فقيرا و عاش فقيرا أجيرا لشقة بضواحي العاصمة في حي شعبي , عاش طاهرا و كتب بسعادة و موهبة كبيرة , نعم كان طاهرا و أسمه دال على ذلك ” فيما يكشف و يعترف أن جون سيناك الوحيد الذي شجعه و أهتم به و بأدبه كان ” يحسن فتح الأقواس  و يدعي عدم معرفة إغلاقها لأنه كان داهية و طيبا كأحد أبناء الأقدام السوداء .. شاعر سخي إلى حد التلعثم إلى حد الخجل ” لكن الغضب لا يلبث أن يطغى عليه حين يتذكر أولئك الكتاب الأفارقة و المغاربة الذين لا عمل لهم إلا التسابق وراء الجوائز التي تدرها عليهم المؤسسات الفرانكفونية معتبرين أنفسهم هم الذين أثروا اللغة الفرنسية وقد أنبرى للرد عليهم واصفا الأمر بمجرد هرطقات لا علاقة لها بالأدب و الفن لأن اللغة حسب بوجدرة ( تتطور مع أهلها الذين يمارسونها وليست في حاجة إلى عكاكيز و إلى المتزلفين و الانتهازيين إن لها كرامة و تتصرف بلباقة و لا تستحق كل هذه  الدناءة و هذا الانبطاح) إذن كتاب ( رسائل جزائرية ) كتاب يمتلئ بالسخرية المرة و الكتابة فيه تقترب من الشعر حتى تكاد تلامسه أحيانا كما أن إحدى هذه الرسائل تنطوي على نصيحة ثمينة مفادها حسب بوجدرة أن ” تعريف ” اللغة بطريقة إستبدادية بيروقراطية شوفينية هو إمساك بها إلى حد إفراغها من ذاتها الخاصة ومن جنونها الخاص و أن ما ينقذ اللغة هو قدرتها على اختراق القوالب ..الجاهزة  والمبتذلة و عدم تعلقها بقشرة الأكاديمية و الصفائية أي عدم تحولها إلى لغة خشب فيما هي لغة لحم و دم ” إنها نصيحة ثمينة صادرة من مبدع و روائي في حجم رشيد بوجدرة و عليه وجب على الذين إتخذوا من اللغة في صورها  وتمظهراتها التقعيدية رخصة مرور أو بقاء على قيد الحياة الإبداعية يخفون بها عجزهم المفرط على القدرة و الخلق و الإبداع و النقد المؤسس على المعرفة و الحرية إن أرادوا فعلا السير في وضح النهار دون عكاكيز مدرسية أو شبه مدرسية و بعيدا عن وثوقيات الأجوبة و الأسئلة الجاهزة المفتعلة لتقبل رياح الإبداع و النقد الخالص على أرض لزجة  رجراجة من التعدد و الإختلاف في مجتمع  كوني تهدمت مختلف وثوقاته الإيديولوجية المهترئة تحت معاول توتر الكتابة الإبداعية و إنزيحاتها الأسلوبية والبنائية  داخل مشهد ثقافي معتل يظهر في خط أفقي من خلال المؤسسات الجامعية و الشبه جامعية القاتلة للفرد و للحرية الفردية بمختلف مواقعها ووظائفها في تسويقها لحمى الألقاب و التتويجات  بدل الكفاءات ..حد الرداءة , حد العبث .. حد تسطيح الأشياء و النصوص وإفراغها من جوهرها و أسئلتها القيمية و الجمالية و الموضوعاتية .

التعليقات مغلقة.