- ظــلال:
من سنين حين طلبت مني أن اتصل بها لأؤكد لها أن صديقتي التي هي في الواقع زوجة أخيها – لأنها لاتملك هاتفا – ستكون في بيتها غدا، احترت في السرية التي تحيط بها رقم هاتفها، فلم تكن شخصية هامة. ولا زوجها.
إذ كان علي أن أتصل، وأنتظر أن يرن الهاتف مرتين وأقطع، ثم أعيد الاتصال برنة واحدة لتتكلم أخيرا.
صديقتي قالت : لتتفادى المعاكسات، والاتصالات غير المهمة، من أناس يضيعون وقتها. لم أطل التفكير في هذا لا سيما وأنها استقبلتني بظرف، فسألتني عن دراستي، لتسجل أني اْختلف عن صديقتي، المحتدم الصراع بينهما خفيا وعلنيا. فهي لا تفوت فرصة لتظهر عارفة بخبايا كل شخص، فاهمة عن الجميع. بعض الناس هكذا يبنون قوتهم (الظاهرة) على ضعف وزلات الآخرين. إنهم من الذكاء السلبي وليد امحاءات الماضي، بحيث يترصدون كل ما يقال، ولا يقال و يستشعرون ما تقوله تقلصات وجهك من غضب لم تظهره. ليذكروك بذلك زلة أوقات ضعفك.
التقيت منهم الكثير يتفاوت حقدهم على العالم، ليضعوا كل المسؤولية في فشلهم، وفضاضتهم عليه. ولم يبعدهم عني إلا دعائي وتضرعي لله. ففي الواقع إني امرأة حالمة، تحب الخير في سذاجة، وتقرأه في كل الناس رغم الحذر الذي علمنيه فشلي العاطفي؛ فلم أفهم إلا مؤخرا أن الحب لم يستحق مني كل ذلك العطاء الذي بذلته لأناس ليس لهم تسمية أخرى غير أنهم غرباء. فلم أكن أفعل سوى أبعث بمرسلات عن الحب الذي أحتاجه وأريده من أناس لم يبذلوا جهذا لفهمه بل استغلوا ذلك ما شاء لهم.
هل أقدر على حصرهم أنا كثيرة الترحال واللقاء بحكم عملي كممثلة تجارية ثم العلاقات الدائمة تخنقني(بسبب صعوبات طفولتي) ؟فبعضهم صار صداقات جميلة وبعضهم يظل مجرد علاقات عمل احتاجها في اتصالاتي لذلك اْعزف أوتار هواتفهم بين حين وآخر.
فأجاملهم في الأعياد والمناسبات فعلى من هو في نفس حقلي أن يحافظ على علاقاته ويوسعها؛ فبفضل هذا قبضت على كرسي الإدارة لأعوام
لكن بالمقابل لم أستبقي رجلا بعد فجيعة خطيبي الذي مات برصاص أخطأه وهو ينزل من البيت أيام المواجهة بين السلطة والمتمردين.
لزمتني سنتان لأستفيق من الحقيقة التي رفضتها دوما: لماذا كل الذين أحبهم يتركونني وحيدة للحياة تنهشني ؟
قال الناس : احمدي الله أنها مجرد خطوبة، فبإمكانك أن تبدئي حياتك دون أطفال.
أما قلبي الذي تغطيه سماء الوحدة. والخوف فلا أحد سأل عنه. ومتى سألوا عن طفلة لم تشعر إلا بالدونية مع جدة وحيدة حرمت الحب والرعاية ؟
فقد كان خطيبي ملاذي.ربما لم أحببه كما صور لي ألمي وحرماني لكن بلقائنا
عرفت أنه يمكن لشخص أن يهتم لتأخري. ويخاف علي. ويسأل عن غيابي. ويعودني إذا مرضت. ويتفهم تعبي وفرحي.
بقــايا:
احتجت إلى زميلة جامعية بالخزينة العمومية؛ لتوصلني إلى المدير. قالت : إن السكرتيرة صديقتها. ثم الأهم أن المدير قريبها .
حين عدت مساء، اتصل بي يريد أن يتزوجني !
الحقيقة أذهلني الأمر، فكل الذين التقيت كانوا يهربون عند ما أحكي قصتي. أما هو فكان محددا. واضحا. متأكدا من أنه لا يريد أن يعرف شيئا لا أرى فائدة في ذكره.
كثيرا ما سمعت عن هذه المفارقات، أما أن تحدث لي أنا التي لم تفضلني الحياة بفرح!
أنجبت ابني الأول، فالثاني ..بعد ولادته بشهور، تلقيت مكالمة تقول : إن زوجك يأتي إلى عمارتنا كل يوم، ولا يخرج إلا بعد العاشرة! وهو موعد رجوعه يوميا.
لم أضطرب، لم تنتبني الحمى. لم يظهر علي شيء، وإن عانيت مطولا من آلام في المعدة.
في الغد عندما استيقظت، رن الهاتف باكرا. نفس الصوت. ونفس الكلام. اتصلت بإحدى معارفي في البريد أطلب عنوان الرقم.
صحيح تمنيت أن لا يكون الكلام حقيقيا، إنما عندما رأيته، قادما لم أفاجأ، فأنا لا أنتظر الكثير من الآخرين. لقد عودتني الحياة أن لا أفرح. كثيرون قالوا:
إني أحمي سعادتي من الحسد، والحقيقة التي يؤكدها وأنا أراه يدخل العمارة أنه كان ربحا إضافيا لي بعد كل الضربات التي أوجعتني لا غير.
نعم تمنيت أن تطول حياتي معه. إنما ليست مشكلة. فأنا لم أخسر -بعد- دواعي قوتي.
قطعت عطلتي، وأدخلت ابني الروضة، مع أني رغبت – كما لم أشعر بذلك أبدا قبلها، ولا بعدها – بالبقاء معه إلى أن يدخل المدرسة.
وواصلت عملي بشراسة سماها الآخرون نشاطا، تتنامى كلما تذكرت أنه كان بإمكاني أن أتركه لأبقى تحت رحمة الشك، والذل، والانتظار الفارغ مرة أخرى.
لم أطلب الانفصال لأني لم أرد لطفليّ أن يعيشا ما عشت.
لكني كنت أتقرب منهما أكثر فأكثر، وأبعدهما عن أبيهما بكل ما أستطيع، حتى قال يوما : مر وقت طويل لم أر الأولاد!!
لم أعلق. ولم أجد بدّا للصراع.
كان لي أن أطلب معونة أزواج صديقات، يعملون بالشرطة. غير أني لم أشأ أن أكون موضوع القصة، التي ستتداولها الأفواه عن الخيانة، والزوجة المسكينة. بعد أن عشت حياتي مثلا يضرب للأطفال الذين تجاوزوا حرمانهم.
- أسـمــال -
ولأن الأقدار تربط تفاصيل كثيرة نعجز عن الإحاطة بها طويلا، فإن الصدفة تفاجئنا يوما، كما فعلت بي وأنا ألتقي إحدى زميلات الدراسة الثانوية عند الحلاقة التي أرتادها من سنين .
قالت : إنها انتقلت إلى شقة قريبة بعد أن رافقت زوجها المدير الولائي من مدينة لأخرى. وأنها ستزورني في عملي قريبا.
فضلت الفكرة، فأنا لا أحب الزيارات في البيت؛ لإيماني أن الحياة تنحت يوميا تضاريس صعبة المسالك في الناس، فما بالك إن غابوا عن أعيننا سنينا ! .
بدت ثرثارة في الأول، إنما كلامها لا يخلو من تجربة، وكما النساء دائما يخضن في الأمور باستطراد دون حائل، وصلنا إلى صديقتي التي كانت ترافقني قديما ؟
أكدت أن طوفان الأيام لا يذر حبيبا ولا قريبا.
إنما وهي كبلاعة تشفط الكلام من غيرها قالت : لقد رأيتها مؤخرا تخرج من شقة قريبة مني. في عمارة طبيب القلب ؟
لم يضمني شخص بهذه الحرارة التي استقبلتني بها صديقتي التي تذكر ما كان بيننا بتفاصيله !
حتى جعلتني أندم للجليد الذي أقمته بيننا. لكن ما بداخلي من حذر كان أقوى من حاجتي إلى المشاعر الحقيقية لم أملك يوما أن أخبر وجها للحياة غير الذي أرانية أبي الذي لا يتصل إلا ليأخذ مالا ينفقه على زوجته وأولاده، أو أمي التي لا أعرف عنها لليوم شيئا، بعد أن تزوجت في البلد الأجنبي الذي هاجرت إليه. لذلك لم ألم زوجة عمي ولا زوجة أبي نفسها في زياراتي القليلة لها. فأحد لم يرض لي الألم سواهما.
سألتها عن علاقتها بعائلة زوجها، فأكدت أنها في تذبذب كما بدأت، وإن كانت حققت تقدما في علاقتها بزوجها الذي اقتنع -أخيرا- أن أخته هي السبب في كل ما حدث.
- تصوري إنها تتوعد أختها بالطلاق ؟ولم تفوت الفرصة لتقول إنها انتقلت إلى هنا لتعمل بالخزينة العمومية.
-السكرتيرة؟
ليس لي إلا أخذ طفليّ . فأنا لم أملك يوما الثراء الذي يغفر لزوجي ..
أسمال الوحدة، والألم تغطي رغبتي في الدفاع عنا.
—————————————————————————–
* فاطمة بريهوم (كاتبة من الجزائر)





أشد البلاء ..أن تقطع الأيام وحدك .
هذا يوجع قلب الرجل ، دفعة واحدة
ويطحن قلبا المرأة .. طحن الرحى
قلبها وهي امرأة ..
وفلبها وهي أم .
” ليت أمي لم تلدني ” هكذا قال اليتيم :
الوارد ذكره في الآية 9 و 10 و 11 من سورة الضحى /