بهجة الشعر/ بهجة القراءة:
لا أفعل حياتي كلها إلا القراءة، حتى و أنا أكتب فأنا بصدد القراءة و ما أدراك؟، و حتى و أنا أتسكع في الصمت أو في الطرقات، فأنا بصدد القراءة أيضا، و بعض الكتب مثل بعض البشر، ما إن تلتقيهم، عند النظرة الأولى، عند الكلمة الأولى، تشعر أن شلالا من الفرح يغمرك، كأنك التقيت بعض ذاتك العميقة المتجذرة في الآخر و ما أدراك؟، هذا تماما ما حدث لي، عندما أرسل لي الشاعر عبد الله الهامل نسخة إلكترونية عن كتابه الثاني في الشعر: ” صباحات طارئة”، و كان كتابه الشعري الأول عن منشورات الاختلاف بعنوان: ” كتاب الشفاعة”. لم يتغير منذ الكتاب الأول، إنما ازداد تيها في البحث عن الذات، في ثنيات خراب عظيم و ما أدراك؟. يأتي الفرح من جرعة الصدق التي وحده الشعر، قادر على صياغة وجعها بشفافية و ما أدراك؟… و اهبع ائتلقت روحي فرحا بشاعر جزائري يحفر بعمق شعريا، كأنه ينزل بالوضوح إلى نبع العتمة ليسلط عليها كشف الشعر، ما أجملك أيها الشاعر بشعرك، فمتى كان الشعر ورطة؟، إنما هو تورط بالحياة، و الفرق هو ذلك الذي لا يقاس إلا بالشوق، و يجعل الفرق واضح بين حي يتبختر فيه الموت يحول كل الحياة إلى موت مشدد، و بين حي، يحول كل شيء بما فيه الموت إلى مركز كوني لتربية و تنمية العمق و الصدق، و يا ما أبهاها رؤاك الشعرية في هذا المشغل الخاص بالأعماق: الشعر و ما أدراك؟
في الشعر و الإنسان و الوجود/ النص و الحقيقة:
بعض الكتابة هو الهوية الوحيدة للإنسان، أخص من الكتابة: الشعر. لا توجد آلة، على الإطلاق، مهما كانت دقيقة و فائقة الذكاء بقادرة على استغوار أعماق الإنسان، منذ بدأ الإنسان يرسم على الكهوف خطوطا و رسوما تحيل على عالمه، و هو يعبر الحياة، بما يعبر منه فيه من حياة. لذلك يظل الشعر حالة لا تزداد بالتقادم إلا عراقة، كالخمر المعتق، كأنها بالفتوحات الشعرية وحدها، يتقدم الإنسان حضاريا نحو أعماقه، التي هي في حالة توق دائمة في اختراق ما يخنقها و يضيق الحياة فيها، و الانعتاق على وسع الحرية و الفرح.
في كتاب ” صباحات طارئة” ما يجعلني أبتسم فرحا و أنا أقرأ رؤى الشاعر عبد الله الهامل، فلا يكتب الشعر كما الأجناس الأدبية الأخرى، و بنسب متفاوتة، إلا من الذات عن الذات، هو إذن، هوية وجودية، ليس إلا الشعر بالقادر على صياغتها، مما ينفلت من عقال كل القوانين و القواعد و الأعراف، الغارق في ذاته، كطفل يخلق عالمه الخاص و يغرق فيه، مما لا يرى الكبار الذين فاتتهم عين الصفاء الطفولية، ليروا ما لا يرى بالعين
المجردة. إنه موجود و غير موجود في آن، هكذا الشعر، هكذا العطر، هكذا الوجود كله و ما أدراك؟. “و كل على قدر الزيت فيه يضاء” مظفر النواب.
رؤى الأعماق في مرآة الواقع:
هذا المقطع بديع الكشف:
“منذ قرون
أنتظرك على نار هادئة
بها أشعل لفافة التيه
وأرقص كما يليق بعاشق يدحرج الكرة الأرضية
ويقترح الربيع أوسع من تفتُّح زهرة في الفجر /
أوسع من أغنية طائر كان يفتح في شبابيك السَّهو والزَّهو
أَنَّا رأتكِ العين مكسوة بالبياض البياض البيـاض
المحدّق فيَّ برعب الأساطير السّاحِبُني إلى أفيائكِ
مستظلاً بروائحك المالحة
وحاضناً رماد الجمرة التي كوّتْني …
أسمّي لهفي عليك حكمة الرّيح
وأتبع ذئب المخيلة إلى المسغبة”.
الحس بالوجود يبدأ بالواقع، ثم يتم بالتهويم على إيقاع الحلم الذي لا تمسه الأوحال، من ضوء خالص، كأن الروح تشتعل بالبهاء في فضاء الحب، ” و أتبع ذئب المخيلة إلى المسغبة”، يا لها من عبارة؟ كيف ستحاورها البلاغة، و هي مما تحمله من ” حكمة الريح”، تعصف باللغة و بالتركيب ” الساحبني إلى أفيائك”، و تجعله يخلق فضاء للمعنى، يبحث عن بلاغة جديدة، بمستوى القول الجديد.
بين الواقع و الشعر/ البحث عن وطن لا يصل إليه الرحيل:
يعبر المقطع التالي، عن رحمة الكتابة، كأنها وطن الإنسان الأول، فهو لذلك يلجأ إليه مما يهرب منه، و يظل في حالة رحيل، كأنها القصيدة الهاربة، كما الحياة الهاربة، من العصور القديمة، لأطلال تنتهي دون أن تنتهي، إلى عصور حديثة كل ما فيه يوحي أن اللقاء رهن المواعيد، و لكن الانتظار لما يأتي و لا يأتي، يجعل الإنسان في حالة وقوف تاريخية/ كأنها مؤبدة على الأطلال:
“مَرَّةً ؛ كسرتني قافيةٌ في الطريق إليكِ
فرتّبْتُ مواعيدك طللاً أتفقدكِ فيه كلما هبَّ
الموت من جهاتكِ المشرعة على الرحيل الرحيـل الرحيل”
تلك الذات المعذبة بأصوات الجماعة، لا تزال تبحث عن ذاتها، منذ قديم الزمان، منذ كان الرمل، شاهد مثالي على انزلاق العمر، إلى أن صار الفضاء مفتوحا على ضيق كل شيء في ” صحراء عسكرية” لا نجاة منها إلا بالنفي أو الموت. إنه العجز إذن، يا عبد الله الهامل البهي، كأننا لم نتقدم خطوة عما أنجزه الأجداد، و لكن يبدو أننا تقهقرنا عميقا إلى ” داحس و الغبراء” و ما أدراك؟ الشاعر/ الإنسان في حالة محاولة: ” بأمل أن أضيف كلمة أخرى للقصيدة النمرة/ الافترستني يوم عيد ميلادك الأاول في السنة الأولى من القرن الأول/ لانتظاراتك المزمنة”……من يصوخ سيرة الخيبة كما الشاعر، من يتحمل هذه الحقيقة النكراء إلا الشعر؟؟.
“أخرج كل صباح من بيتي المعلق في صحراء عسكرية
بأَمَلِ أن أضيف كلمة أخرى للقصيدة النمرة
الافترستني يوم عيد ميلادك الأول في السنة الأولى من القرن الأول
لانتظاراتك المزمنة…
هنا
تلزم غيمة في هجير النص كي أتفاءل بمستقبل زاهر لهذا العبث
بَيْدَ أن نداء الأيائل في روحي زبدْ
والطبول الإفريقية تضج في دمي من صباح الأبدْ
بَيْدَ أن البيْداءَ في غلسِ الوقت المكرّر أكبر من جغرافيا
إسطرلاب رحالة قديم.”
ـــــــــــــ
“تخرج منها إلى الشرفة أو إلى اللاشيء
هي النجمة الوحيدة في منارة أيامه الضائعة.
تخرج إلى …
فيفجأ أنوثتها منظر الذئب يحتضر
وفي عينيه حنان موجز
ودمعة كبيرة.”
يا ما أصاب الرجل من انهزام، لكن يا صديقي، في الحرب تموت الذكورة و الأنوثة في آن، كما الحضارة كما الحوار، كما كل الأسماء الجميلة، و كيف إذن هي الحرب؟ أليست سلبا و نهبا و نصبا و ما أدراك؟ لا تترك في الإنسان بهجة إلا و تسلبه إياه، ” و في عينيه حنان موجز/ و دمعة كبيرة”….القراءة مستمرة، كأن الأثر الجمالي يمنعها من الانتهاء و ما أدراك؟.
حكيمة صبايحي/ التأمل مستمر في هذا الكتاب البديع، لشاعر كبير من الجزائر اسمه: عبد الله الهامل
* حكيمة صبايحي قاصة و شاعرة و استاذة بجامعة بجاية






عبد الله الهامل شاعر جدير بالكلام الخالق ولا أقول جديدا لو قلت انني شخصيا اعده فاتحة للشعرية الجزائرية الواعية بمنجزها والراسمة للمسافة قلقها الوجودي الخاص منذ أول كلمة في كتاب الشفاعة مرورا بصباحات طارئة …..محبتي الطيب