شعرية الإحالة في ” اللعنة عليكم جميعا ” السعيد بوطاجين …/ حكيمة صبايحي *
بواسطة مسارب بتاريخ 23 مارس, 2013 في 09:00 مساء | مصنفة في حفريات | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 11869.


ـ مدخل:
لقد استوحيت هذه الدراسة من مناقشة لمذكرة تخرج بشهادة الماستر في الأدب العربي، تدرس الرمز في المجموعة القصصية، التي عنوانها: ” اللعنة عليكم جميعا”، و لكنها أخفقت في تأويلها للرموز، إخفاقا له ما يبرره، إن عجز الطلبة عن التأويل، عجز في الفهم، لانفقاد حلاقات المعنى، مما تشير أو تحيل عليه الكتابة البوطاجينية. فما تزخر به كتابات السعيد بوطاجين القصصية، يتطلب تاريخا من الهواجس الثقافية، التي تشحنها القراءات بأدوات أولية لمقاربة النص القصصي، دون الإساءة إليه. و لأجل ذلك قررت أن أنجز قراءتي الخاصة لهذه المجموعة القصصية، في سياق الكتابة البوطاجينية، و أتمنى ألا أظلمها، فهو كتب في النقد الأكاديمي، كما كتب في الصحافة، النقد المخترق لبلادة النظريات العاجزة عن احتواء التحولات المذهلة، التي تدفع بها الحروب لإنكار ذاتها، قبل أن تجد متسعا للوقت حتى تستقر، و تجد اسما لها و تقاليد، تحفظ لها حق البقاء في ذاكرة الأدب. كما كتب القصة و الرواية.
ـ كتب ـ حتى الآن ـ السعيد بوطاجين ثلاث مجموعات قصصية، و هي على التوالي حسب تاريخ النشر: ما حدث لي غدا عن منشورات الاختلاف الجزائر ط2 2002م، و وفاة الرجل الميت عن منشورات الاختلاف الجزائر ط1 ماي 2000م، و اللعنة عليكم جميعا عن منشورات الاختلاف الجزائر ط1 أكتوبر 2001م، و قد نشر رواية بعنوان: أعوذ بالله عن دار الأمل للنشر و التوزيع، تيزي وزو، 2006م. و أصدر أيضا ثلاث كتب في النقد الأكاديمي، عن منشورات الاختلاف: الاشتغال العاملي/ دراسة سيميائية لرواية غدا يوم جديد لعبد الحميد بن هدوقة، الطبعة الأولى أكتوبر 2001م. السرد و وهم المرجع/ مقاربات في النص السردي الجزائري الحديث، الطبعة الأولى 2005
م. الترجمة و المصطلح/ دراسة في إشكالية ترجمة المصطلح النقدي الجديد، نشر رابطة كتاب الاختلاف الجزائر بالاشتراك مع الدار العربية للعلوم ناشرون بيروت، الطبعة الأولى 2009م. ( و لا أعلم بالبقية، ففي جمهورية بجاية، أكاد أكون في جزيرة معزولة عن الفعل الثقافي و ما أدراك؟)

ـ رمزية الكتابة:
الأدب في طبيعته التكوينية رمزي، فهو إذ ينقل الحياة من مستوى الفكر و الشعور و الوعي و الإدراك المبهم، إلى مستوى الوعي اللغوي الجمالي، في تجليه النصي، الذي يجعل الحياة قابلة للمعاينة و التأمل و المساءلة، و يفتح آفاقا للحوار من خلال المعرفة الأدبية، التي ينتجها الكاتب و ليس إلا الكاتب هو القادر على إنتاجها، بما ميزته الطبيعة من موهبة، تصقلها التجربة، و لكن لا أحد يستطيع اكتسابها بالتعلم و لو كان أذكى خلق الله. و إذ كانت المعرفة الأدبية مثار أسئلة منذ نشأة الأدب، فلأنها و منذ نشأتها، فهي الأقرب في طبيعتها، إلى طبيعة منتجها: الإنسان، و هو مثار كل الأسئلة في الأساس.
يستمد الرمز حيويته الجمالية من قدرته على استدعاء ذاته و الانخراط في علاقات جديدة يستدعيها النص، تحقق حوارية بناءة على المستوى البنيوي و الدلالي للرمز متعددة الأبعاد، فهو يغوص في معناه، و يمتد بما يكتنز من معنى إلى غير معناه، و يشكل معان أخرى، تمتاح من كل شيء: من اللغة و من السياق و من الوجود الذي تتكفل الذات بصياغته وفق ما يمكنها أن ترى، فكل على قدر الزيت فيه يضاء كما قال مظفر النواب. لا يمكن عزل الرمز عن هذه الأقطاب الثلاثة إلا و فقد كل المعاني، و حتى معناه الأصلي.
الحديث عن الرمز في القصة، هو ـ في المقام الأول ـ حديث عن مرجعية النص الفكرية و الجمالية و الوجودية، و هذا ما تحيلنا عليه بيسر، ليس في متناول الجميع، كتابات الكاتب الجزائري المعاصر السعيد بوطاجين القصصية، فالعلامات/ الرموز الدالة، التي تؤثث قصصه تحيل على نصوص أخرى، في أجناس أخرى، و لغات أخرى، و ميادين أخرى، و معارف أخرى، تتطلب قارئا لا يكف عن الحفر بما ينحفر فيه عبر الوقت و القراءة، و هو قارئ على حياء عظيم، لأنه لا يقحم أنفه فيما لا يشغله، و قبل أن يتكلم، فهو يتأمل كثيرا، و يعاشر الأسئلة طويلا، و يأخذ كل الوقت، حتى تستوي الحكمة في لغته، و الحكمة تولد من عصير الحماقات، بطبيعة البشر المؤهلة للنقصان أبديا، و لذلك فهو ـ أي القارئ يقرأ و يقرأ في ذاته قبل المتن، و إن كان المتن هو الذي يحيل إليه، و يؤجل أي كلام إلى وقت آخر.
ربما كان الفرق الأساسي بين رمزية الكتابة في درجتها الأولى، أنها تخلق عالما مواز للعالم الموضوعي، و رمزية الكتابة من الدرجة الثانية، و التي هي مشغل الجمالية، و التي تنقل النص من مستواه المسطح المباشر، إلى مستواه الأكثر تعقيدا، المتعدد الأبعاد و الدلالات، و الزائغ كالهيولى، لا يستقر على شكل و لا على معنى، بما ينفتح على نصوص أخرى و علوم أخرى و ثقافات و تجارب أخرى، هو ما يجعل نصوصا في متناول الجميع، و نصوصا أخرى تتطلب نوعية من القراء، يجب أن تكون ذات مستوى: إنسانيا و ثقافيا أيضا و في آن. فالأكثر أهمية في الأمر، هو أن تكون هذه النوعية من القراء ذات هم وجودي، يجعلها لا تتوقف عن التساؤل، و عن البحث عن الإمكانات التي يتيحها السؤال من المقاربات الممكنة. دون ذلك… يصير النص لعبة أطفال، هو في متناول الجميع، دون فرق بين الذكي و البليد، فالمهم هو اللعب دون هدي المعنى و ما أدراك؟.

في البدء: أريد أن أؤكد: نص لا يحيل إلا على ذاته، نص لا ينفع إلا تمرينا لغويا في درس النحو و الصرف، أو تعليم اللغة العربية للأجانب مثلا، و لكن لا علاقة له بالنص الأدبي، في بعده الإيحائي، الذي يختزن رسائل مشفرة، برموز ذات معنى، في علائقيتها البنيوية، هي ما يجعل النص ” أدبا”، هي ما يمنحه حق الإقامة في” مملكة الإبداع”، و هي التي تجعله يخترق العصور و اللغات، و هو على اكتنازه الجمالي، يبصم بالأثر على الجمالي على كل قارئ و في كل وقت.

اللعنة عليكم جميعا: كم هي غالية على عمري هذه المجموعة، فأنا ابنة السياق الذي كتبت فيه و عنه، و أشعر أنني لا أزال أعيش في أجوائها، و العنوان: اللعنة عليكم جميعا، يطلع من قلبي كنشيد جماهيري، لبشر لم تبق حيلة، لم تستثمر للتنكيل بهم، فخرجوا في مظاهرة عارمة، يحرقون و يخربون كل ما يجدونه في طريقهم…لو يأذن لي أستاذي المبدع العظيم السعيد بوطاجين، أن أوقع على كل حرف ورد في هذه المجموعة القصصية باسمي، فسأوقع دون تردد، و العنوان يرددني: اللعنة عليكم جميعا.
في النقد: النص يحرر، و النقد يأسر ما يحرره النص، و لهذا النص في حالة تجاوز واختراق و تخط مستمرة لذاته و لسواه، بكل المعاني، بينما النقد يتأمل و يتساءل و يستقصي، و يأخذ وقتا طويلا قبل أن يستوعب ما يرصده النص من تحولات في الحياة، قبل النص في المقام الأول.

مفاتيح القراءة:

على القارئ أن ينتبه إلى أهمية مقدمة السعيد بوطاجين ذاته لهذه المجموعة القصصية، و لا بد أن لا يهمل على الإطلاق، المقولة التي تتصدر كل قصة، و ذلك التاريخ الغريب، في التقويم الذي تنختم به القصة، و الذي ينسجم مع الفضاء العام للدلالة في كل قصة على حده. و قبل ذلك، يشكل الإهداء موجها دلاليا مهما: ـ إهداء اللعنة عليكم جميعا: ” فكرت مليا و قلت:
لمن أهدي هذه الحكايا؟
لن أهديها إلى الإنسان المفترس،
لن أهديها لآكلي لحوم البؤساء،
و لا إلى الثرثارين جدا،
أما الخارج عن هذه الكائنات فله
حبي و كلماتي و حيائي”.

و قد ورد في مقدمة السعيد بوطاجين ذاته، للمجموعة القصصية ما يلي ـ و هي من الموجهات الخارجية للدلالة الباذخة الوجع في متن الحكاية ـ :
” أيها القارئ الذي لا يعرفني، يكفي أننا أخوة و أمنا الأرض شاهدة. هذا أنا: متعب من وقتي، و لست فخورا بانتمائي لسلالة متوحشة. أجد متعة في السخرية مني، و من الذين يسخرون مني”
و يضيف، في المقدمة ذاتها، مما يشكل القطب الدلالي الآخر، الموجه للفضاء العام للقصص ما يلي:
” لا بقيت منكم باقية، و لا وقتكم من اه01 واقية، اللعنة عليكم جميعا، و السلام علينا، ثم اللعنة علينا يوم نصبح مثلكم، و السلام عليكم يوم تصبحون مثلنا… آمين”
و كأن الإهداء و المقدمة، هما خلاصة القصص الثمانية بتركيز شديد الدلالة.
………………………………………………………………………….

الإحالة في ” فصل آخر من إنجيل متى”: ص 9 ـ 19:
لا بد في البداية من التوقف عن رمزية العنوان: ” فصل آخر من إنجيل متى” و علاقتها بمضمون الحكاية، و التي تختم الدلالة بهذه العبارة: ” جمهورية السيد بوطاجين حفظه اهبت، بتاريخ تبت يد أبي لهب”….
تبدأ القراءة بالتساؤل: هل القصة تشبه قصة السيد المسيح عليه السلام، في طريقه إلى السماء، و هذا ما يوحي به عنوان القصة، و هو يشبه إلى حد بعيد ما ورد في كتاب العظيم اليوناني: نيكوس كزنتزاكيس، الذي عنوان: ” تقرير إلى الإغريق” أو ” الطريق إلى غريكو” حسب الترجمة، و في كتاب آخر له عنوانه: ” المسيح يصلب من جديد”. و قد استهل السعيد بوطاجين هذه القصة بمقولة لنيكوس كزانتزاكيس.
القصة هي رحلة افتراضية في الزمن إلى المستقبل، و البطل موجود في الماضي، و الإنسان متمسك بوحشيته كأن الوحشية هي إنجازه التاريخي العظيم، الذي لا يجوز تجاوزه أبدا. و في الجسر الرابط بين اللحظتين: الماضي و المستقبل، يستدعي رموزا كثيرا، تحيل عليها الأسماء و المقولات: ” أيها الناس اسمعوا و لا تعوا” الحجاج بن يوسف، يوري غاغارين الذي وصل إلى القمر، و لذلك يقول ” في الطريق إلى الآتي”……
بين الحجاج بن يوسف و يوري غاغارين يرتسم ” الطريق إلى الآتي” في الزمن الجزائري المعاصر، كما تقدمه القصة، من وحي عنف واقعي فاق الخيال في العنف و التوحش. لكن الواقع الجزائري عينة فقط، لأنه يشبه واقع العرب جميعا على مسرح الحضارة الكونية.
إنها عذابات المسيح عليه السلام، كأنه الطريق ذاته الذي يسلكه العظماء في كل وقت: المسيح، بوذا، نيتشه، المهاتما غاندي، و الشعراء، و من بينهم، الذين يشكلون الخلفية الجمالية الأساسية لهذه القصة، المبدع العربي الكبير: محمد الماغوط، و هذه صورته المرجعية في هذه القصة، ص 13: ” رائع أريد أن أشتري عصا، ثم أجمع كل أحلامي القديمة و أسوقها أمامي كخرفان هزيلة، و عندما أصل إلى أول محطة، أعطيها جواز سفري لأحررها مني، لأن الذين آمنوا و ارتدوا و عبسوا و تولوا، إذ رأوها ترتدي الضياء. و سأرجع وحيدا مجزأ، مطأطأ الرأس كالحطاب، لأحرس أرصفتي من القادمين الجدد، فأنا أخشى أن تنتزع، و أبقى معلقا في الفضاء، أبحث عن طوبة تقبل إيواء قدمي، و لكن يا بؤس نفسي، لا أستطيع أن أشتري عصا” ص 13.
في القصة، يتجاوز الكاتب، هم محمد الماغوط الذي يحيل عليه، فالماغوط، يتخلى عن كل شيء و بما في ذلك الأرصفة، أما الكاتب في هذا النص، فيتوجس خيفة من مستقبل لن يكون لنا حتى الحق في التسكع على الأرصفة و ما أدراك؟ و هذا هو نص الماغوط، الذي عنوانه: ” بعد تفكير طويل”:
” انزعوا الأرصفة
لم تعد لي غاية أسعى إليها
كل شوارع أوروبا
تسكعتها في فراشي
أجمل نساء التاريخ
ضاجعتهن و أنا ساهم في زوايا المقهى

قولوا لوطني الصغير و الجارح كالنمر
إنني أرفع سبابتي كتلميذ
طالبا الموت أو الرحيل
و لكن
لي بذمته بضعة أناشيد عتيقة
من أيام الطفولة
و أريدها الآن
لن أصعد قطارا
و لن أقول وداعا
ما لم يعدها إلي حرفا حرفا
و نقطة نقطة
و إذا كان لا يريد أن يراني
أو يأنف من مجادلتي أمام المارة
فليخاطبني من وراء جدار
ليضعها في صرة عتيقة أمام عتبة
أو وراء شجرة ما
و أنا أهرع لالتقاطها كالكلب
ما دامت كلمة الحرية في لغتي
على هيئة كرسي صغير للإعدام .
قولوا لهذا التابوت الممدد على شواطئ الأطلسي
إنني لا أملك ثمن المنديل لأرثيه
من ساحات الرجم في مكة
إلى قاعات الرقص في غرناطة
جراح مكسوة بشعر الصدر
و أوسمة لم يبق منها سوى الخطافات
الصحارى خالية من الغربان
البساتين خالية من الزهور
السجون خالية من الاستغاثات
الأزقة خالية من المارة
لا شيء غير الغبار
يعلو و يهبط كثدي مصارع
فاهربي أيتها الغيوم
فأرصفة الوطن
لم تعد جديرة حتى بالوحل.”

تعكس هذه القصة بكل الرموز الموظفة فيها، مرجعيات السعيد بوطاجين الأدبية و الفكرية، التي تجعل السخرية في الكتابة تتجاوز سطح الواقع، لتؤسس لعمق التضحية على مسرح الكون. و هكذا تشكل الأسماء: عباس بن فرناس و يوري غاغارين و المسيح و بوذا، و سواهم كل البشر المعذبين بإنسانيتهم، المنفيين في وقتهم، و الذين تحولوا إلى رموز بشرية للتضحية، و مصيرهم كما مصير البطل في هذه القصة، في مستشفى للمجانين، و قد أصيب بالشيزوفرانيا/ مرض انفصام الشخصية، كأنه هو المريض، لا العصر بأكمله و ما أدراك؟.
تؤكد الديانات: المسيحية من خلال العنوان، و الإسلام من خلال تاريخ الخاتمة، و الكتب البشرية عند العرب و سواهم من خلال: محمد الماغوط و نيكوس كزانتزاكيس، و أحلام الناس الفذة: يوري غاغارين و الوصول إلى القمر، و عباس بن فرناس و حلم الطيران عند العرب، تؤكد أن ” فصل العذاب” يتجدد في كل وقت، بحكم الوجود البشري، الذي كلما تقدم ماديا تقهقر إنسانيا، و هي إحدى المفارقات، التي يجب أن ينخرط العلماء في الاجتهاد، محاولة للحد من ازدهارها و ما أدراك؟.
……………………………………………………………………………………

ـ قصة: حد الحد ( ص 37 ـ 51):
هناك موجهات رمزية لهذه القصة تبدأ بمقطع المتنبي قبل القصة، و ما يستغرق القصة من مقاطع شعرية لمظفر النواب، دون إشارة من القاص.
ـ مقطع المتنبي: بم التعلل لا أصل و لا وطن و لا نديم و لا كأس و لا سكن
أريد من زمني ذا أن يبلغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمن
لا تلق دهرك إلا غير مكترث ما دام…… في روحك البدن
فما يديم سرور ما سررت به و لا يرد عليك الفائت الحزن

ـ مظفر النواب:

هذا طينك يا اهإه يموت به العمر
و يشتعل الكبريت/ جنونا
هذا طينك قد كثرت فيه البصمات
و أفسق فيه الوعي سنينا
هذا طينك…طينك….طينك تتقاذفه الطرقات
بليل المنفى و الأمطار
دلتني عليك الأشعار
فكيف أدل عليك بجمرة أشعاري
جعلتني الدمعات كمنديل العرس طريا
لا أجرح خدا”

وتريات ليلية ص 52 الطبعة الجزائرية
ـ مظفر النواب:

و أيقظني
ريح الشباك يا وطني
يا وطني، و كأنك غربة
و كأنك تبحث في قلبي
عن وطن أنت، ليؤويك
نحن اثنان بلا وطن
يا وطني”/

وتريات ليلية، ص 118 ـ 119 الطبعة الجزائرية
و تنتهي القصة بهذا التاريخ العجيب: ” كتب هذه القصة على بركة اهتي، في مملكة عبد الجيب، بتاريخ: قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق” ص 51.
ما سبق ، هي الموجهات الرمزية، التي تسير مصير الشخصية: ” محمد عبد اهبت” في عصر الملك الأموي، و ذريته الأمية و حاشيته الأمية، و هو في السجن لكنه أكثر حرية من سجانه، الذي يقرر في الأخير أن يمنحه المفاتيح ليفعل ما يشاء. تدور أحدث القصة عن ذلك اليوم الذي دوهم فيه الشاعر ـ و لذلك تحضر سيرة مظفر النواب من خلال قصيدته الملحمة التي تؤرخ لعملية هروب شاعر ثم القض عليه و تعذيبه ـ دوهم الشاعر بحثا عن الكنز، و الكنز في هذه القصة ، متعدد الدلالت، فهو من وجهة نظر ” عبد الجيب” يدل على المال و الذهب، لكن من وجهة نظر محمد عبد اهبت، هو تلك القصاصة التي عثر عليها، مكتوب فيها مقطع من الشعر، و كأن الشعر ـ بالنسبة إليه ـ هو خلاص إنساني لا مثيل له، بالنسبة للمصابين بالصدق و الفطرة الإنسانية السليمة المجبولة على الخير.
هذه القصة مليئة بالمفارقات على جميع المستويات، تشكل عالما رمزيا مشعا بالدلالات، فالسجين و كلما سئل عن الكنز ليعترف، إلا و تهاوى في الهذيان عن أوجاع الإنسان المعاصر الذي عصرت روحه و القلب من القهر. كيف يتحول القصة إلى نشيد حياة يستدعي الشعر و القرآن الكريم، انتصارا للحرية، فوحدها من يمكن أن ينخلق في فضائها الزمن الإنساني غير المتوحش.
……………………………………
ملاحظة: تتكون المجموعة القصصية من القصص التالية:
ـ فصل آخر من إنجيل متى
ـ من فضائح عبد الجيب
ـ حد الحد
ـ 37 فبراير
ـ علامة تعجب خالدة
ـ ظل الروح
و للضفادع حكمة
حكاية ذئب كان سويا

و هي جديرة بالقراءة و التأمل من أكثر من زاوية نظر، و صفحتي في الفايسبوك لا تتحمل أكثر من لفت الانتباه إلى أهمية المجموعة، و كتابات السعيد بوطاجين بصورة عامة، إنه كاتب كبير من الجزائر المعاصرة.

 

 

 

 

 

 

——————————————————————————————

* حكيمة صبايحي ( كاتبة وأستاذة جامعية من الجزائر )

التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. سلام الله عليكم قراءنا الأفاضل. قرأت فصولا تقصر ولا تطول لكاتبنا المجدد، وما كنت في حاجة لأكمل ما قرأت، كما أني لست في حاجة لأنتقد منتوج زميلنا الجاد الساخر الناقد الفاقد للمصدقية عنذ مثقفين كثيرين ومن دهماء أيضا من عامة الناس الفضوليين لقراء هذا النوع من الأدب الذي لم أستسغه ولم يستسيغوه وما عرفنا له طعما، وما كان زميلنا ليختار هذا العنوان المعبر عن البضاعة التي جاد بها إلى سوق البيع والشراء استغلالا لبراءة الناس جميعا. لقد لعن الناس جميعا بلسان الحال قبل المقال وما ندري قصده ، وما كان له ليوظف هذه الكلمة الثقيلة معنى ومبنى في قاموس الإسلام المجيد غير المؤدبة وغير المهذبة، وقد نهانا رسولنا الكريم أن نلعن أحدا ولو كان من المسيحيين، بل ولو كان مزاحا، بل ولو كانت من مجلوقات الله جمادا. آه من الرموز التي وظفها زميلنا الكاتب في معظم كتاباته التي تُحتمل شتى الاحتمالات ولها مغزى لا يدركها إلا هو أو من كان من طبقته وعلى شاكلته. إن اللغة العربية في حاجة إلى وضوح معنى ومبنى ولا بأس من البيان والمعاني والبديع التي عرفها واستحسنها طلابنا في المدارس خدمة للبلاغة العربية الراقية.
    من يقرأ لك؟ من يفهمك؟ لمن هاته الكتابات والروايات؟ ما هدفها؟ هل تخدم الإنسان؟ هل أديت رسالتك في الحياة الدنيا؟إنك تخاطب طبقة تحب الالتواء والغرابة هروبا من الصدق الذي هو عدو للكذب وهروبا من الشجاعة التي هي عدوة للخوف. فمتى تصدقون ومتى تتحلون بالشجاعة الأدبية؟.

  2. لو عشت جحيم القتل باسم الإسلام من إخوة لك تعرفهم ومنهم من هم من دمك لفهمت عبارة: “اللعنة عليك جميعا”، لكن ما أبعدك عن المعرفة الإنسانية، لا تعرف من الدين إلا ظاهره، ولا عن الأدب والسخرية إلا سطحيتها، الله يهديك لا تتكلم في المرة القادمة عن الأمور التي يتجاوزك فهمهان إذا إذا شئت التدين فالدين لله، ولك بيوت الله لتفعل ذلك في ستر الله، واترك الأدباء يعبرون بما وهبهم الله، قد تعود الإنسانية يوما ما إلى رشدها وإلى فطرتها التي انحرفت حد الافتراس، أم أنت ملاك تعيش في الجنة ونحن لا نعرف؟ أتمنى ألا تكفرني تحياتي

اترك تعليقا