عندما يتعلّق الأمر بلمس المستحيل ، فإن اليأس أول الأولويات ، وحلول ألغاز الكلمة الجميلة المكثّفة تنزع فى خلد القارئ العابر الغافل أو المتمرّس المتمعّن ضربا من احتمال يكاد يكون علامة القراءة الأصل الذي بنا عليها صاحب النص نصّه ، على أننا نستلم لذّة الدّهشة في التخمين والسؤال عن الموصوف المتدثر داخل حجب النص بين أن يكون ضميرا عاديا ، إنما عانى الشاعر في تبطينه وربط خطوطه الرفيعة بمعلم القراءة الأصلي ، وعادة ما يكون هدوء التقليد بعد جنون الإثارة والتحليق / أعني الحصول على المعنى المراد بعد تحليل الخيال !
• – المراهنة على المفقود بتشغيل الزمن الحالك أو تمرير الهم :
لا بدّ أن نستسلم لمعطيات الصورة بمجرّد انطباع النتيجة في طيران السواد أو حطّه بعد تفعيل السبب فى الضمير المؤنث المهيمن
أسرجت فكرها
والغراب الذي حط في أرضها
طار ذاك الغراب
الشاعر يحتقب جميع الملابسات المأساوية في رمز الغراب الذي ابتليت به الأرض لكنه لا يقع إلا على فساد ونتن ، ولا يطير إلا بعد بعثرة وتخريب انتصارا لشبع شبح المأساة فهو سيرورة لغير المحبَّذ المزعج والذي يُهِمُّ التعبير الحداثى هو موقع الضمير الباعث على الفكرة – أسرجت فكرها – وزاوية تصوير اللقطة فإن كان الطيران أفقيًّا فهو زحزحة السواد فوق قحل الصحراء وأحيانا يكون بمعنى الواقع المرير فى معارك التغيير والتحرير أما إذا كان عموديّا فهو مستَنفَر لحادث طارئ مبشِّر لكنه منذر بالانقطاع لصولة مأساويَّةٍ أخرى .. وهو اشتقاق الغربة التى هي انكسار وحدة زمنيّة ما وعطلها – قد تكون حقبةً أو أعواما ً- فتأسر مجتمعا كبيرا داخلها رهينةً وهي كما لاح لى قطار انحصر فى نفق بمسافريه فهم يرون الأنفاق الأخرى تعج بالحركة والمضيِّ دون أن يستطيعوا مشاركةً أو حراكاً ..
- الكلمة الدريّة لدى مصطفى تشعّ حتى بسوادها الخالص ، فيراهن بالإلقاء في مصطلح (المساءات ) ، فإذا أطال المد عنوةً عنى أن المساء آتٍ ، على فرض سكون التاء ، فإذا فرغ المعنى علم المتلقّي أنما هو مبتدأ يليه ما يليه من سواد ، وسواء فرز زمن السواد والسكون والبرد عن زمن البياض والحركة والحرارة في التعبير بالجمع أو الإنذار بمجيئه لا محالة !
والمساءات من زبد
أثقلت خطوها
واكتفت بالعتاب
أسلمت قلبها للناي عمرا
و المساءات تترا …
تتوالى والعيون الحالمه
والرؤى محض أوهام
قد نجرّب تلحيم الثنائية (المساءات من زبد) فى السواد الذي سيذهب بحتميّة ما والزبد الذي سيذهب جُفاء ؛ فمجمع المضافين هو الذهاب والابتعاد ويبقى سرّ البياض فى الزبد على أنه فى نظري النهار الذي يزجيه ويدحضه . وصفة السلبيّة فيه فالاستعلاء على ما يمكث فى الأرض وهو فى زخرف البياض المزعوم وآنيّة الإدّعاء قبل الفناء وعدم الثبوت هو الزمن الفارغ من المنجَزات والبطولات لا يلبث أن يكور عليه الليل خمولا .. وبعد أن صنع الظرف الذي سيجري عليه أحداثه وأحكامه ومواقفه بتلك الريشة السوداء والرمادية استرسل فى مناجاته الليلية أثقلت خطوها / واكتفت بالعتاب /
بين الضمير والصفة تتفاوت القيم :
رغما عنا ، وبتلقائية أيضا ، تحضر أم المؤمنين بهيمنتها بالذات المؤنثة التى تشد أزر مستقبل الوحي ( انظر المناظرة بين النبي الموحى إليه وزوجه = والشاعر وضمير موصوفته المستقبل الفاعل ) ، وبأسلوبية ما ؛ نشاهد استمرارية اسم الفاعل بوصف الديمومة والحضور ( العيش ) ، ولعل السر نفسه الذي يؤنس الأدباء – خاصة منهم المسلمين – بضرورة وجود الذات المراعية بدور الأمومة الرسمى ، ثم المتجلية بزي الحبيبة ثانيا ؛ فالأولى احتضان واحتواء ، والثانية إنتاج ومواصلة واستمرار
الهدم الترميمي / محاولة البقاء / تجريب شخصي للسيرورة :
من المدهش انتهاء الفواصل بسلبيّة المعيار التكنيكي ، وليست الخسارة فى الناتج المعدوم ، فبمعاودة الكرة قد تتبدل النتائج / ومن هذه السلببيات ما يلي :
والنبوءات التي بشرت
بالذي يحضن الحلم
سراب
والمدارات حبلى
والذي ضيع الحلم
غاب
أمن حطام الليل جئت
والمداءات التي
عانقتك
يباب
فالعجب فى انتكاس النتيجة خلاف المعطيات المعروضة طيلة امتداد الصورة التمهيدية :
النبوءات …… بشّرت …….. الذى ………….. يحضن …….. الحلم = سراب
المدارات …. حبلى ….. الذى …. ضيّع …… الحلم = غاب
المداءات …..التى ………. عانقتك = يباب
فزمن الانتكاسة وقع على ضمير المذكر / سراب / غاب ( الذى ضيع الحلم ) / يباب . ثم جعل يقصر بمسافة الشاعر النفسية التى يقيس بها الهزة : فالنبوءة استعلام وخبر مستند إلى دليل محسوس ومقيس على نتائج وقواعد مسبقة والمدار هو مناخ الحادثة فى الكينونة والمدى – فى نظري – الزمن أو الحيز أو الأثر والنتيجة ، أما نتيجة الخطوات الآنفة من التوصيف / السراب ( شيء على غير مؤداه الحقيقي ( خيبة التجربة ، واليأس من الوصول ) /الغياب : عطل وتفاوت بين القول والفعل وتقهقر الخام عن مقتضبات اللزوم .. واليباب هو الفراغ ، والاتساع من غير طائل .. أرض شاسعة بلا مواطنة ربما …
ويجدر بنا الاشارة إلى كيفية الدخول إلى الصورة وذلك بإحضار الشاهد / عائشة واستنكاف الوضع قبل تجلي التشخيص : أي ليل تلحفته / .. أي ويل توسدته / وربما يتماهى لدينا التصرفان المتباينان فى الفعل : تلحف وتوسّد حتى يتجلى النطاق التمييزي كما يلي :
التلحف ← إخفاء الزينة والهوية للمعاينة← تنكر للمشاهدة المخابراتية ← تواري الحقيقة خلف الواقع ← هدنة السياسة . ← نتيجة الغيب الحتمية قبل حلول القدر اللازم ← ظرف تمييز الأحداث ← ابتعاد سياسي محسوب .
- التوسّد ← الأوبة إلى فترة انتقالية بين تعَبين ممتدّين ←الابتعاد الاضطراري ←الهروب المؤقت بغية استجلاء الحقيقة ← إراحة الأفكار بتمييزها شورى وإزاحة الرديء الضار ← ابتعاد زهدي اضطراري .
تواجد الذات الشاعرة ضمن خلفية الجلد ! *
أحيانا كثيرة يكون الحياد بطمس الذاتيّة المتحولة عن ابتعاد طويل في دوائر النص ، وحيلولة الرجوع أو التراجع خشية الكسر في دقة التوصيف ، فيلبي تداعي الامكان وجود الضمير( هو ) كموضوع ( هي ) بدل ( أنا ) كموضوع حديث ( أنا )
أه يا حزنها ……… الصدمة
لو تذكرتني ……… اقتراح حل ..
لو تفحصتني…………. وعد سياسي مرتقب . ..
عائشه لم تكن لي……..خسارة مواطنة لغياب الضمير .
ولم لملمت أشلاء هذا الضياع……… الأزمة الحاصلة
واحتمت بالغياب …….. امتداد الأزمة / وتخلف فى النمو / تراكم التدهور
ـــــــــــــــــــ
أرسلت زفرة ……… إعلان عجز خافت .
من تراه يكون ….. البحث عن الجدارة والاستحقاق / ( إشارة إلى فسادالمنظومة الحاكمة )
أهو هو …….. اقتراح وترشح واقتراع وتعيين ..
أه لو يأت ذاك الشقي …….تلمس ذي الحنكة للصالح العام الشقاء خبث السياسة وشجاعة العدل ، وبأس النهوض .
إنني متعبه …… لتعطيه البلاد مقاليد الحكم
الحياة الكريمة طموح لا يضمحل بواقع منهك ، وليس مقصورا على عصر دون غيره ، ورغم أن صاحب الإصلاح والبناء الباعث هذا الأمل لا يموت صوته فى التاريخ الذي نرده إلا أننا نفتقد العزيمة لهذا الرشد والمحرك الفعلى للانطلاق .
عائشه ..
ليس للحب زمان أو أفول
والذي رمم الأمنيات
ارتضاه التراب
وأنا
خلف أوهامها الداميه
حافي الأقدام
لا أرض لي ..
لا صوت لي ..
لا قافيه ..
غير وهم راح يهذي
عائشه
وإذا كانت النتيجة الحتمية ما كنا بصدده في نسبة تغيّر الحال وتطور الوضع نحو الأفضل كان تكرار المقطع الأول : …
أسرجت قلبها
والغراب الذي كان قد …
طار ذاك الغراب …!؟
والذي يظهر أنها دائرة زمنية وحيز لمجموعة أحداث متتالية ومتشابهة في المعطيات بتعبير ( التاريخ يعيد نفسه ) * أو هو التاريخ الذي رفض الانصياع للتغيير لفشل الآليّة والأداة !.
• يلاحظ عدم تقمص الشاعر دور النائب المقترح للحلول ونحن نظنه الصانع للقرار
لأن واقعية الصدق تأتي من تجريب المحنة وليس حياد التفرج وانسلال من المسؤوليّة .
والقراءة اتجهت إلى هذا المنحى اضطرارا لنفاد وقود السيطرة على وضعها النفسي ، .. فكم تضجر من واقعها المعاني حتى وهي سيمولوجيا مصطفة في سطور !
————————————-
شعر : مصطفى صوالح محمد
******
عائشه
أسرجت فكرها
والغراب الذي حط في أرضها
طار ذاك الغراب
عائشه
أي ليل تلحفته
والنبوءات التي بشرت
بالذي يحضن الحلم
سراب …!
عائشه
أي ويل توسدته
والمدارات حبلى
والذي ضيع الحلم غاب
أمن حطام الليل جئت
والمداءات التي
عانقتك
يباب…!
أه يا حزنها
لو تذكرتني ..
لو تفحصتني ..
عائشه لم تكن لي
ولم لملمت أشلاء هذا الضياع
واحتمت بالغياب
أرسلت زفرة
من تراه يكون
أهو هو
أه لو يأت ذاك الشقي
إنني متعبه
والكرى عاف كلَ الجفون المتعبه
أه يا حلم دوختني
والرؤى والسنون التي باعدت حلمنا
ضاع حلم الصبا
أه يا ظلم أوجعتني
عائشه ..
ليس للحب زمان أو أفول
والذي رمم الأمنيات
ارتضاه التراب
وأنا
خلف أوهامها الداميه
حافي الأقدام
لا أرض لي ..
لا صوت لي ..
لا قافيه ..
غير وهم راح يهذي
عائشه …
أسرجت قلبها
والغراب الذي كان قد …
طار ذاك الغراب …!؟
————————————————————————-
* محمود عياشي ( كاتب من الجزائر )





