“السبعينية” بوصفها نسقا متجددا.. ( الجزء الثاني) … / عبد القادر رابحي *
بواسطة مسارب بتاريخ 1 أبريل, 2013 في 06:36 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1270.

3-
ثمة فرق كبير ظاهرٌ بين (السبعينية ) كما تجلت بعضُ أفكارها في جيل السبعينيات في الجزائر ، و بين (السبعينية) كما تجلت بعض أفكارها لدى الكثير من المثقفين العراقيين الذين شردتهم الأنساق الثقافية المغلقة في العراق مثلا. كما أن ثمة فرقا ظاهرا كذلك بين (السبعينية) في اليمن الجنوبي و (السبعينية ) في اليمن الشمالي قبل الوحدة التي وحدت معها النسق السبعيني في نوع من تبادل الأدوار المتواصل إلى يومنا هذا بين الضحية و الجلاد. كما أن هناك فرقا ظاهرا بين (السبعينية) كما طبقتها الرؤية الناصرية ببعدها الشعبوي في مصر، و بين (السبعينية) العاطفية كما تجلت ممارساتها عند الكثير من الأنظمة الملكية المتواصلة في شرائها للذمم الإبداعية بكل توجهاتها الفكرية و الإيديولوجية من خلال ضخ المثقفين العابرين للإيديولوجيات بعصب الحياة المكسوب عن طريق المشاركة في التصوّر الجوائزي، و المسكوب في طريقهم مادة لاصقة و زالقة في الوقت نفسه. و لعل هذا ما يدل على أن ( السبعينية) تكاد تكون واحدة في منطلقاتها و في تصوراتها للممارسة الثقافية، في حين أن ضحاياها متعددون في توجهاتهم الإيديولوجية و في مشاربهم الفكرية و السياسية و الإبداعية. إنه نفسه النسق الذي يتعامل مع كل هذه المشارب المتعددة للمثقفين من خلال ترسيخ الرؤية الاقصائية إما من خلال التدجين، أو من خلال الإبعاد. و ذلك كلّه من خلال ترسيخ المشروع الثقافي للرؤية السياسية التي حاولت الدولة (الدول)الوطنية الخارجة لتوّها من المرحلة الكولونيالية أن تفرضه على الشعوب المتعطشة إلى الحرية، من دون الحاجة إلى تغيير الآليات التي كان يطبقها المستعمر نفسه على المثقفين الوطنيين.

لقد وظفت المؤسسات الثقافية الرسمية في هذه الدول، كما في غيرها كثير، المثقف المُدجَّن ليكون دوما ضد المثقف المُبعد أو المغيّب أو المغضوب عليه، بما كانت تنتجه وتروّج له من مُغلقات سياسية و إيديولوجية، و بما توارثته من آليات تطبيقية من الفترة الاستعمارية، لتغرس النسق الأكثر خطورة في مسار المثقف و هو إلهاؤه بمثقف آخر مثله، أي بنفسه، و إقناعه بلا إمكانية التعايش المتعدد داخل مشروعها، و باستحالة اقتراح بديل غير البديل التصارعي بين النخب المثقفة على حساب الرؤية الوطنية في شساعة طرحها للحاضر، و عمق قراءتها للتاريخ، و تصورها لبناء المستقبل.

ذلك أننا لو حاولنا أن نعود إلى أدبيات بعض هؤلاء المثقفين في هذه الدول أثناء فترة الاستعمار و بعد الاستقلال، لوجدنا أن هناك تشابهات كبيرة بين ما كانوا ينتقدونه قبل الاستقلال و ما أصبحوا يطبقونه على زملائهم المثقفين و هم يندرجون في المشروع الثقافي للدولة (الدول) الوطنية المستقلة، و يتضايفون مصلحيًّا مع انغلاقاته الفكرية والسياسية التي طالما وقفوا ضدها و ناضلوا من أجل التحرر منها.

و في هذه الحالة تتشابه (السبعينية) في كل هذه الدول، لأنها طبقت آليات تحقيقها للبقاء في الساحة حرفيا، ليس فقط بما توارثته من نسق كولونياليّ لم تنْمَحِ بصماتُه من ذاكرة المثقفين بصورة نهائية، و لكن كذلك بما استوردته من أفكار شبه ثورية سرعان ما تبيّن أنها أكثر دوغمائية و انغلاقا من النسق الثقافي الكولونيالي نفسه.

-4-
لقد لعبت المشاريع الثقافية الوطنية في الدول العربية عموما، و كذلك في الجزائر، دورا مركزيا في تحجيم المثقف و المبدع عموما، وكذلك في إخضاع طاقاته الإبداعية المشوبة رؤيته المصلحية الضيقة إلى صالحها. و يبدو هذا طبيعيا جدا في ما حملته و لا زالت تحمله هذه المشاريع من تصوّر متعالٍ عن نفسها على الرغم من تجدد المراحل التاريخية و المواقف السياسية و الواقع الاجتماعي. و هو تصور قادر بفعل التحكم في المغريات المادية على شراء الأفكار من منتجيها المثقفين و إفراغها من محتواها الحيوي الذي يعتقد المثقف أنه لا يزال يحافظ عليه، ثم تعليبها بالغلاف السلطوي الباحث دوما عن أقصر الطرق و أكثرها إقناعا لترسيخ مشروعه الثقافي بوصفه مشروعا وحيدا قادرا على البناء الثقافي المستديم.
و الحاصل كذلك أن الاستغلال المفرط لفكرة ( السبعينية) من طرف المشاريع الثقافية للدول الوطنية هو الذي أدى إلى ما يمكن تسميته بالتحجرات المعرفية التي أنتجتها الانغلاقات السياسية لهذه المشاريع. و النتيجة أن لا أحد أصبح يؤمن بهذه المشاريع أو يصدق ما تنتجه خطابات مثقفيها من أفكار سواء كانت ثورية أو ضد ثورية.

لقد سقط الكثير من المثقفين لشدة خوفهم من تضييع مصالحهم الآنية التي لا تتجاوز التفاهات المادية و “المناصبية” التي انتهوا إلى اعتبارها محميات يملكونها، في أسر النسق السبعيني المتجدد. و تبيّن أن الأفكار الأكثر ثورية و تغييرا ليست أفكارا يسارية بالضرورة، بل إنها كانت في غالب الأحيان ليبرالية، لأن الأفكار الليبرالية هي كذلك أفكار ثورية في أساساتها و في منطلقاتها، و أن الاعتقاد برسوخ فكرة التحويطة الطوطمية على المعتقد الإيديولوجي بإمكانه أن يجدد حضوره في راهن المساءلة السياسية و الإيديولوجية و الثقافية، ولكنه لا يضمن إمكانية انفتاحه على هذا الراهن المتغيّر بما يحمله من روافد تجاوزية لما تنتجه الذات الفاعلة من معطيات معرفية. و من هنا، تضمن (السبعينية) بقاءها في الأنساق الراهنة بانغلاقها المحكم، لأن انفتاحها يعني بالضرورة موتها الفعلي و النهائي.

ذلك أن المتمعن في المنظورات الجمالية للخطابات الأدبية المتغيرة عبر العصور و المراحل التاريخية لا يمكنه إلا أن يلاحظ مدى ارتباطها الجذري بحرّية الإنسان و بحركيته، و ليس بانغلاقاته الفكروية على العشريات، أو على الأزمنة، أو على الأجيال. أما أن تكون (السبعينية) بوصفها نسقا متجددا، دالّةً على عشرية السبعينيات من القرن الماضي بصورة أو بأخرى، فذلك لما تمثله فكرة الانغلاق التي وصلت إلى أوجها في هذه الفترة. و هو انغلاق أخذ طابعا يسارويّا في تمركزه الإيديولوجي في كثير من مناطق العالم، و لكنه أخذ كذلك طابعا رأسماليا في انغلاقه على نفسه و إقصائه للرؤية المختلفة كما كان الحال في العديد من دول أمريكا اللاتينية ، و في الشيلي خاصة.

-5-
فلعل ( السبعينية)، بعد كل هذا، هي الرؤية الدوغمائية التي تنقل فكر المُعْمَياتِ من الجسد الفلسفي المحنّط إلى الرؤية المغلقة، و تورّثها بما فيها من جينات إلى أبنائها المستنسخين من أجل إدامة حضورها في راهن اللحظة التاريخية.

 

 

 

 

 

———————————————————————————————————

* عبد القادر رابحي ( كاتب وأستاذ أكاديمي من الجزائر )

اترك تعليقا