بعد عشرين سنة من رحيل القاص والباحث السوسيولوجي عمار بلحسن …كتاب يعيدون قراءة منجزه الابداعي والفكري
بواسطة مسارب بتاريخ 28 أغسطس, 2013 في 08:56 مساء | مصنفة في حفريات | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 8088.

 

 

القاص والباحث السوسيولوجي الراحل عمار بلحسن

 

بعد عشرين سنة من رحيل القاص والناقد والباحث السوسيولوجي عمار بلحسن لا يزال هذا المبدع المفكر الذي يصادف التاسع والعشرين من شهر أوت ذكرى غيابه الفاجع يبعث في الذين قرأوه قاصا وباحثا وناقدا ومترجما المزيد من إثارة السؤال الإبداعي والنقدي والمعرفي بغية إنارة  بعض الجوانب التي لا زالت عصية على الفهم والتمثل وهو الذي أضاء سماء القصة الجزائرية “بفوانيسه” “وأشعل البحر” وحاول جاهدا التساؤل عن هذه  “الأعطاب” التي تحول دون دخول المجتمع الجزائري فضاء العصر والحداثة الجذرية الصادمة للوعي القائم وليست تلك الواجهاتية في هذا الملف يحاول بعض الكتاب ممن عايشوا هوسه بالإبداع والبحث والترجمة إحياء ذكراه بنوع من المعرفة وإثارة السؤال النقدي الذيلابد منه ….

تابعوا 

-

تحية لروح عمار في ذكراه  -الحبيب السائح*

* الحبيب السايح – قاص وروائي

أقدر أنه لو طال العمر بعمار بلحسن ـ وهو من سني ومن أعز أصدقائي تقاسمنا غرفة الجامعة في حي اللوز بوهران وجنون الشباب وحلم الثورة ـ إلى هذا الزمن لكان؛ ليس فحسب أكبر كاتب قصة قصيرة بعد زكريا تامر؛ لأن يوسف إدريس تجربة أخرى سابقة، وأهم مختص في على الاجتماع الثقافي، ولكن ربما من أكبر الروائيين في جيلنا؛ لأني أعرف حساسيته النفسية تجاه التجديد، كما هشاشته الروحية كل ما هو جميل غنائي ومأسوي. قصصه، من تلك التي جمعها في “الأصوات” كما قرأت كثيرا منها مسودة بخطه الجميل من نوع النسخي المائل إلى الرقعة، لم تكن مدهشة لي وحدي ولكن لأصدقائنا الآخرين ـ إني أذكر واسيني لعرج وأمين الزاوي وعمار يزلي؛ لأننا كنا وقتها كتاب قصة شبابا في الجامعة نفسها وننشر في الجرائد الحكومية (الشعب والجمهورية) ومجلة آمال. لذلك، كان فاز قبلي بجائزة القصة القصيرة التي كانت تنظمها وزارة التعليم العالي. ولذلك نشر قبلنا في الملحق الثقافي لجريدة الشعب. ولذلك قطع قبلنا المسافة إلى المشرق فنشر في مجلة “أقلام” العراقية الشهيرة. أما من حيث الفكر فإنه كان متقدما جدا كـ “معرب”؛ نظرا إلى اختصاصه “علم الاجتماع” ـ ومثله عمار يزلي ـ مقابل اختصانا نحن في الأدب. كان يقرأ، يقرأ كثيرا. وبرغم أن علم الاجتماع، في وهران خاصة، كان بتأطير يساري، فإن عمار ـ على درجة مفارقة لنا ـ نحن اليساريين وقتها ـ كان يتمع باستقلالية عجيبة في أخذ مواقفه تجاه القضايا السياسية. كان معنا في حركة التطوع، ولكنه كان دائما يملك هامش الحرية الذي لم يكن لبعضنا. لعله لذلك، كانت كتابته على درجة من الذاتية النافذة ومن الغنائية الجميلة. فلغة قصه مزيج هائل النكهة من الشعري والسردي. صحيح أنه كان لكل منا بداية خيار أسلوب في الكتابة القصصية؛ نظرا إلى “الالتزام” بتيمات معينة، ولكننا كنا نغبط عمار بلحسن على تلك الجمالية الساحرة في بلاغته. عمار بلحسن كان نموذج الكاتب المتحرر من قيد “الأيديولوجي” وقتها. في بداية مرضه، أذكر أنه تحول، وهو الهش، إلى أجمل إنسان خلقة وروحا وتماسحا يمكن أن تتمناه صديقا. عمار، كان كاتبا جميل السرد وباحثا متوتر الوعي عالي الإنسانية. إنه هو صاحب مقولة الأصوليات الثلاث: “الدينية والسياسية والثقافية”. تحية لروحه في ذكراه.

العبور الثمانيني للشاهد المتعجل،عمار بلحسن سوسيولوجيًّا  - رابحي عبد القادر*

  شكلت مرحلة الثمانينات  من القرن الماضي نفق عبور مأساوي ليس بالنسبة لما سيكون عليه الخطاب الفكري و الثقافي في المرحلة اللاحقة، و لكن، و هذا هو الأخطر، بالنسبة لجل المثقفين الذين كان لديهم الحدس الكافي و الحساسية اللازمة لاستشراف الحقبة المظلمة من تاريخ الجزائر المعاصر و ما حملته من متغيرات في البنية المُؤسسة للدولة الوطنية، فكانت أقلامهم مغطوسة في حبر المرحلة و كتاباتهم متلونة بتلوينات حشرجات أنفاسهم و هي تشاهد المد القادم من بعيد يأخذ في غير إنذار ظاهر و لا انتظام جل الطموحات المعلقة على أبواب مرحلة الاستقلال الوطني إلى هاوية الحلم. و هي بهذا الحضور الكثيف و الثقيل في مدونة الأزمنة المتعاقبة على الجزائر، تعد المرحلة الأكثر حدة في طرح المقولات الفكرية و السياسية و الثقافية و النقدية المتروكة في باحة البيت الوطني بدون حلّ، و الأكثر غموضا و تعصبا و ابتعادا عن العقل في إيجاد إجابات جذرية و مقنعة لها.

* رابحي عبد القادر -شاعر وناقد

و ربما بدت هذه المرحلة أبعد ما تكون عن واقع العشرية الثانية من الألفية الثالثة و ما فرضته و تفرضه من تغيرات جذرية على مستوى الفعل المرتبط بالحراك الاجتماعي في المجتمعات العربية عموما و المغاربية على الخصوص. و ربما صار الكثير من المثقفين و الدارسين و المبدعين ممن عبروا النفق الثمانيني عبورا حقيقيا أو عبورا افتراضيا أو لم يدخلوه أصلا غير معنيين بصورة مباشرة بما أفرزته فترة الثمانينيات من القرن الماضي من نتاج فكري و ثقافي و إبداعي نظرا لعدم توفر شروط الربط المعرفي و المنهجي الذي يبحث من مسببات النتائج التي آل إليها الواقع الحالي في ما سبقها من إفرازات فكرية و معرفية هي على درجة كبيرة من الأهمية و على درجة وثيقة من الارتباط باللحظة الآنية لحركة التاريخ، وكذلك نظرا لعديد التشابكات و التعقيدات التي تعكسها صورة الواقع و هو يحاول أن يكتب صفحة جديدة من التصورات الأولية لما ستكون عليه هذه المجتمعات في العاجل القريب و في الآجل البعيد.
غير أننا و نحن نحاول العودة إلى تراكمات ما أنتجته المرحلة و ما تلاها في التسعينيات في الجزائر خاصة، من أفكار سياسية و ثقافية و اجتماعية، نسجل ضرورة التوقف طويلا عند مجموع هذه الأفكار و تمظهراتها على مستوى الخطابات و على مستوى المشاريع و على مستوى تأثيرها في تشكيل جيل من المثقفين و الدارسين الذين أخذوا على عاتقهم التصدي بالدراسة و التحليل لعديد الظواهر المتعلقة بمجموع الإشكاليات المطروحة في هذه الخطابات. و سيلاحظ الدارس مدى ثراء الفترة الثمانينية نظرا لانفتاح حقل الممارسة الفكرية و الثقافية على النفق المظلم، من حيث إنتاج خطابات تحاول قراءة التحولات التي كانت تجري بصورة تحتانية في بنية المجتمع الجزائري خاصة، من وجهات نظر ليست متباينة على مستوى التوجهات الإيديولوجية و الطرح المنهجي فحسب، و لكن متصارعة كذلك على مستوى حدة التصور المؤسس لقطبية هذه التوجهات في شكل ثنائية متضادة ستطغى على مستوى الفعل السياسي و الحراك الاجتماعي في فترة التسعينيات في الجزائر، و في بداية العشرية الثانية من القرن الحالي على مستوى المغرب العربي خاصة والعالم العربي بصورة عامة. و سيلعب قطبا هذه الثنائية دورا أساسيا في تجييش الأفكار داخل هذه الخطابات و ترسيخ منطلقاتها الإيديولوجية في بنياتها السطحية و الكامنة.

2-
لا يختلف اثنان في أن النخبة المثقفة– التي يتساءل المرحوم عمار بلحسن فيما إذا كان أصحابها ‘أنتيلجنسيا أم مثقفون في الجزائر’؟() -، و في هذه الفترة خاصة، كانت في غالب الأحيان صدى لما تحمله هاتان الثنائيتان من مبادئ سياسية و إيديولوجية و تشهره سلاحاً في وجه تسارع حركة التاريخ التي حاول ‘الإيديولوجيون الكبار’ الذين يعتقدون عادة أنهم أولى من الجميع بالتلاحم النظري مع سياقاتها، توجيهِهَا وفقا لرغباتهم و مصالحهم انطلاقا من اعتقادهم المطلق بقدرتهم على صناعة النخب التي تصنع بدورها الخطابات اللازمة للعب دور الإقناع أو التوجيه أو التحييد أو التعبئة، و شحن بطارياتها في اللحظات الحرجة لحركة التاريخ من خلال تحيين المنغّصات النائمة في البهو الخلفي للبيت الوطني و إلقائها في ساحته الكبرى – المسمّاة عادة بساحة الشهداء- ليتلقفها المثقفون خاصة و يجتهدون حينذاك في تأجيج شراراتها و تعميمها في هشيم الواقع الاجتماعي.
ربما أعطت حدة الوعي بحساسية المرحلة التاريخية لعمار بلحسن فرصة النفاذ إلى عمق المساءلة الثقافية من كوّة أكثر اتساعا لم تُعْطَ لكثير من أبناء جيله، و مكنته من الاطلاع على واقع الممارسة الحياتية الآيل إلى التغيّر الجذري في بنياته و الانتقال العنيف في حركيته –كما هي عادة المجتمع الجزائري- من مرحلة ما بعد الكولونيالية كما تُصوّرها أدبيات المثقف الثوري إلى مرحلة إعادة تركيب صورة المجتمع الجزائري في ذهن الجيل الجديد من المثقفين بطريقة مختلفة عما كان ‘الإيديولوجيون الكبار’ الموروثون من الفترة الكولونيالية يخططون لترسيخه في ذهنيات هذا الجيل من خلال الإصرار على توجيه المنطلقات الفكرية للمسار الثقافي للأمة في المقررات التعليمية و الخطابات الثقافية و البرامج الاجتماعية و تمديد فعاليتها المنعدمة إلى فترة الثمانينيات مما أدى إلى تكليس الرؤى الاستشرافية و تغليب التحليل غير الواقعي (الموصوف بالواقعي) لاحتياجات المجتمع دون الأخذ بعين الاعتبار انفتاح الساحة الفكرية و الثقافية على أبوابٍ لم تكن مفتوحة من قبل أدت مباشرة إلى إيقاظ الروايات المختلفة للحادثة التاريخية المكبوتة بصورة متعمدة منذ أمد بعيد في المدونة الوطنية، و فتحت الباب أمام استيقاظ الأصوات المغيبة عن الساحة منذ الاستقلال و إزاحة فرضية توريث العمى الإيديولوجي المعمم على الأجيال القادمة المستعدة بغير معالم واضحة إلى الدخول في مغامرة القرن الجديد.
و لعلها الفترة التي تحولت فيها صورة الكثير من هؤلاء ‘الإيديولوجيين الكبار’ من فاعلين ثوريين أثناء الثورة و في فترة الاستقلال إلى جزء من الإرث الكولونيالي في صورته الإنسانية المنفتحة على مآلات النخب المولودة تحت مظلتها الزمنية و المتغذية من ينبوعها الثقافية و الألسني()، فأصبحوا بفعل الممارسة الشمولية للعمل السياسي و الإيديولوجي في فترة ما بعد الاستقلال جزءً من المشكلة بعد أن كان الكثير منهم عنصرا أساسيا في تعبيد الطريق الوعرة للوصول إلى الحلّ الذي أدى بالمجتمع الجزائري إلى الخروج من النفق المظلم للحقبة الاستعمارية.
و ربما كان عمار بلحسن أكثر المثقفين الجزائريين في تلك الفترة اقتناعا بحتمية حركة التاريخ و هي تعيد ترتيب البيت الداخلي وفق تراتبية لم تعهدها الواقع السياسي و الاجتماعي في جزائر الثمانينيات، و لكن بطريقة كان يحذر من أن تقع فعلا، فتلاحمت مأساته الشخصية المتمثلة من مرضه بمأساة المرض المعمم الذي ربما أبصره قبل غيره مقبلا بخطى ثابتة للاستقرار في أوصال الإنسان الجزائري في فترة التسعينيات، فورث منه نصيبه الذي أدى به إلى استشراف حالاته المستعصية الآتية من العُقد المتروكة بدون حلّ في عمق التاريخ الجزائري الذي لم يُقرأ كتابُه المفتوح على الأزمنة و المتروك مخطوطا يحاوره الغبار بصوت جهوري مرتفع إلى اليوم. و لعله لذلك كان يحاول أن يقرأ حركية المجتمع من عمق اللحظة الممزوجة بمأساة الذات وهي تعاني من ترهل الجسد آملا في أن تـ’كشف الغمة عن هموم الأمة’() و أن يُرفع الداء المسلط عليها كما الطاعون على شعب طيبة.

3-
ينتمي عمار بلحسن إلى جيل من المثقفين الجزائريين الذي عايشوا الثورة الجزائرية من دون أن يكون لهم السن الكافي للانخراط في العمل الثوري على غرار من سبقهم من المثقفين. فجيل الخمسينيات من القرن الماضي لم تتوفر له فرصة الالتحاق بالثورة نظرا لصغر سنه()، و لكنه تحمّل و هو في العاشرة تقريبا قوة وقع ردة الفعل الكولونيالية على الفعل الثوري المصمم على الخروج من نفقها المظلم. و هو بذلك يكون –كما العديد من أبناء جيله ممن سيصيرون أدباء و كتابا و شعراء و باحثين في الجزائر المستقلة- قد تمثل الفترة الأكثر حساسية في تاريخ الجزائر المعاصر من حيث تأكيد الانتماء إلى الشعب و القطيعة مع الأنموذج الاندماجي الذي حاولت فرنسا الاستعمارية أن تفرضه على المثقفين الجزائريين فحاول العديد منهم إعادة إنتاجه بلغة المستعمر و تكريسه في خطابات ما قبل الثورة() و أثناءها و بقي العديد منهم وفيا له بصور مختلفة خفية و ظاهرة بعدها.
كما يكون عمار بلحسن قد انطبع –تماما كما أبناء جيله من المثقفين – بما حملته هذه الفترة من آلام في خضم مأساة الجرح الكولونيالي و هو يعمق الفعل الجذري في جسد الإنسان الجزائري من أجل إرغامه على تمديد فترة الخضوع للقيم الكولونيالية على الرغم من تغير الظرف التاريخي و شيوع المد الثوري الطامح إلى تحرير الإنسان المستعمَر و الداعي إلى سلوك الفعل الثوري طريقا وحيدا لتحقيق الحرية. و لعله، نظرا لشدة هذا الوقع المتعدد الأوجه، أن كان أثره باديا على هذا الجيل الذي ينتمي إليه المرحوم عمار بلحسن بصورة جلية، ليس في الاقتناعات الفكرية و الإيديولوجية التي سيؤمن بها صادقا فحسب، و لكن في التوجهات التي سيسلكها في التعبير من مكنونات المرحلة التاريخية التي عايشها و هو طفل، و حاول أن يفك عقدها (أو الفكاك من عقدها) و هو شاب مقبل على الحياة، و سعى إلى تجسيد اقتناعاته من خلال المشاركة في فعاليتها و هو رجل مندرج في فاعلية حركتها وفق ما وفرته له إمكانياته الفكرية من وعي بالمرحلة التاريخية التي أصبح هو و أبناء جيله ينتمون إليها في فترة الاستقلال.
و لعل ثقلا تاريخيا كهذا الذي يحمله على عاتقه كل جيلٍ أتاحت فرصةُ التاريخ لممثليه أن يكونوا مخضرمين هو الذي سينجب في فترة الاستقلال العديد من الباحثين السوسيولوجيين الذين كان عمار بلحسن واحدا منهم في فترة شهدت طغيان الدرس الثوري و شيوعه على عموم التوجهات الفكرية و الثقافية. و ذلك على غرار عبد القادر جغلول و الهواري عدي و نذير معروف و علي الكنز و غيرهم على الرغم من التفاوت النسبي بينه و بينهم في السن و الاختلاف النسبي في الأطروحات الفكرية و الممارسات الألسنية ().
كما شهدت هذه الفترة اندراج معظم الدراسات و البحوث الجامعية خاصة ضمن الرؤية السياسية الرسمية و الإيديولوجية المسيطرة و ضمن منحى تغليب التصور الاجتماعي في المنطلقات و في طرائق التحليل و في المناهج. و ذلك كله نظرا لما كان يعانيه الحقل المعرفي المغلق من توحيد لتصورات النخبة المثقفة داخل مرجعيات الفكر الاجتماعي اليساري على الدرس الفكري و الاجتماعي عموما و على طرائق الإبداع الأدبية و على مناهج النقد الأدبي بصورة خاصة. و الأكيد أن هذه الحالة قد أثرت، نظرا لتماهي طرحها النظري مع فكرة الانعتاق من الاستعمار و الحماسة الحالمة التي أعقبت الاستقلال، على التوجهات الفكرية لهؤلاء المثقفين و من بينهم عمار بلحسن. و لعل النهل من هذه المرجعية الوحيدة المتوفرة في تلك الفترة قد أثر على التصورات الأولية التي طبعت كتاباتهم الأولى فكانت صياغاتهم متأثرة بفكرة المرحلة و بحماس اللحظة و بالالتزام الصادق بما يمكن أن تحققه النضالات الفكرية و الميدانية للمثقفين في مستقبلها القريب.
و لعل موهبة عمار بلحسن رحمه الله و تميزه بالنظر إلى الشرط الاجتماعي الذي عاشه- و أبناء جيله- في طفولته() جعلاه يظفر بسهمين تلقفهما بذكاء حاد و جعلهما زادا لقوسه فمكناه من توسيع زاوية النظر إلى الحقل المعرفي و الإبداعي في الجزائر و كشفا له الأبعاد المتروكة في حواشيه: سهم علم الاجتماع و ما يتيحه لدارسه من معانية و تريث و اتزان و موضوعية في الحكم على أسباب الظواهر الاجتماعية و على نتائجها، و سهم الأدب و ما يتيحه من توغل في فهم الذات و العالم بإحساس مرهف و عين فاحصة. و هو ما كان يتوفر لعمار بلحسن من خلال مساره الأدبي بوصفه مبدعا و قاصا() قادرا على تطويع اللغة و إخضاع بلاغاتها للمنظور الاجتماعي و حقيقته المعبرة عن الواقع كما كان يعيشه في فترة ما بعد الاستقلال. و هو بهذه الحالة يكون من الأدباء القلائل الذين بقوا أوفياء للغة العربية فحاول أن يضيف لها أبعادا اجتماعية شعبية خاصة في كتاباته القصصية، معطيا بذلك الصورة المثلى لما يمكن أن يكون عليه مثقف منحدر من طبقة اجتماعية شعبية من وفاء لتصوراته الفكرية التي نشأ عليها و التي كان يعتبر من خلالها أن “الأدب الوطني كمؤسسة يعمل بلغتين،و ينتج جزائريته و هويته في سجلين أو مدونتين لغويتين متباعدتين”(). و هو ما اعتبره” مفارقة لا شك أنها تاريخية”() في بنية الخطاب الأدبي الجزائري.

4-
و لعل ما مكنه من التعامل مع واقع اللغة على مستوى الممارسة الإبداعية نابع من اهتمامه بـ’سوسيولوجيا الأدب’ و ما يوفره علم الاجتماع الثقافي، ميدان اختصاصه، من إمكانات الفصل المفاهيمي بين (الأدب و الإيديولوجيا)() التي جعلته سابقا في إدراك ما يمكن أن يعتري المفهومين من سوء فهم ينعكس بالضرورة على الإبداع في فترة كان فيها الخلط المتعمد بينهما يقود العديد من المثقفين و الأدباء المتحمسين من أبناء جيله إلى اعتبارهما وجها واحدا لعُملة الطرح المشوب بشيء من الشمولية الزائفة و الادعاء الوهمي. و لذلك كان عمار بلحسن يعتبر أن ” الأدب الثوري الأصيل هو الذي يُكتب كتابة جيدة و أصيلة، و لكن هذا لا يعني أن الأدب إيديولوجيا و سياسة”(). و بناء عليه، فإن ما كان يعتبره “مهزلة و مأساة عندنا في الجزائر هو أن هناك من يقرأ بعض العناوين لبعض الكتب التقدمية و يدعي أنه تقدمي، و هناك من يقرأ بعض الآيات القرآنية الكريمة و يدعي أنه أصولي”(). و الأكيد أنه كان يعي جيدا أن الخلط المتعمد أو الساذج في تصوّرِ أدبٍ خاضعٍ للإيديولوجيا مصدره حالة سوء الفهم المعمم التي تنخر المقاربة الثقافية التي يحملها المثقفون الجزائريون عن فعل الكتابة الإبداعية الأصيلة و عن فعل القراءة النقدية العارفة بخبايا سياقاتها التاريخية و أنساقها الفكرية و الجمالية.
و لذلك، فهو عندما يحاول أن يقرأ ‘القراءة’ بوصفها “فعلا جماعيا و ليس مجموعة من القراءات المنفصلة”() ضمن ما يحققه المدخل السوسيولوجي من إمكانية ربط النص بواقع الممارسة القرائية، فإنه لا يتعمد تغليب وجهة النظر السائدة بقدر ما يحاول أن يجعل منها توجها من ضمن عديد التوجهات ذات الصبغة الإيديولوجية المختلفة التي ينفتح عليها فعل القراءة بوصفها فعلا متغيرا على الرغم مما قد تطرحه صورته الجمعية من ثبات. و هو بذلك يحاول الانفتاح على ما بدأت تشير إليه المدونة النقدية الجزائرية من مدارس نقدية جديدة كـ’نظرية القراءة’ و ‘جماليات التلقي’ كانت مغيبة منذ زمن من واقع الممارسة النقدية و هي أبعد ما تكون من حيث الطرح الجمالي و المنطلقات الإيديولوجية عمّا كان سائدا في صلب هذه المدونة من منهج اجتماعي في فترة السبعينيات و الثمانينيات. و هو بهذا يحاول كذلك أن يعرض لحالة الانتقال التي “شهدتها ظروف ثقافية و فكرية امتازت بأزمة الفاعل و ‘موت المؤلف’ و تحلل القيم وتحولها إلى أشياء [..] و كأن قراءة النص الأدبي انتقلت على صعيد البنيات الداخلية و السياقات الخارجية من إيديولوجيا المؤلف و الكاتب المتحكم في عملية البيان، و توجيه المصائر و التخييلات و الرؤى إلى نزعة نصوصية داخلية أدت إلى اكتشاف الأنا القارئ في النص و تعويض القارئ الجماعي بالقارئ الخاص”(). و لعله كان يحاولُ، من خلال الانفتاح على جميع الزوايا الممكنة التي يتيحها التحليل السوسيولوجي للأدب، تجاوُزَ الصورة النمطية للقيم الثابتة في المناهج الاجتماعية المتصفة باليسارية من جهة و في تطبيقاتها على النصوص الأدبية من جهة ثانية. فلم يكن روبير إسكاربيت صاحب كتاب (سوسيولوجيا الأدب)()، إنجيل العديد من الأدباء و النقاد في الفترة السبعينية، في نظر عمار بلحسن غير مدرسة قد “أخطأت موضوعها السوسيولوجي و أسئلته”() بالنظر إلى ما يمكن أن تطرحه أسئلة الأدب على الكاتب و على القارئ معا من” شيفرات سيميائية و فكرية و إيديولوجية ، هي الخطابات التي تمفصل مصالح و اتجاهات و منظورات اجتماعية و سياسية ، تشكل بنيات فكرية و لغوية لجماعات معينة”() .
و ربما جعله تميُّزُه في استعمال هذين السهمين ( الأدب و علم الاجتماع) و التحكم في مساراتهما الفكرية و الجمالية المعقدة، أديبا في نظر زملائه السوسيولوجيين و سوسيولوجيّا في نظر زملائه الأدباء. و هذا ما لم يتوفر لأبناء جيله من الأدباء الذين انتهى معظمهم إلى مثقفين سلطويين يدافعون عن مصالحهم الخاصة، و لم يتوفر كذلك لأبناء جيله من السوسيولوجيين الذين اكتفوا بالسهم الأول فتعمقوا في الدرس السوسيولوجي الباحث عن تفسير العُقد الآنية للمجتمع الجزائري في المطبّات القديمة في التاريخ الجزائري من خلال محاولة تقويض الأطروحات الكولونيالية عند نوشي و لاكوست و دوكوا و غيرهم في الفترة الاستعمارية()كما هو الحال بالنسبة لعبد القادر جغلول رحمه الله، أو تعمقت في تحليل المسار التاريخي للمجتمع الجزائري بالنظر إلى القراءة الأنتروبولوجية للمدرسة الغربية المعاصرة خاصة عند عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو و هو يحاول أن يؤسس للدرس الأنتروبولوجي المعاصر من خلال دراسة سلوكيات المجتمع القبائلي في الفترة الاستعمارية()كما هو الحال بالنسبة للهواري عدّي، أو حاولت توصيف الأمكنة في المجتمع الجزائري() و دراسة حراكه وفق النظرة الأنتروبولوجية التي تساءل التاريخ الاجتماعي المغاربي لما بعد الحرب()كما هو الحال بالنسبة لنذير معروف، أو حاولت النفاذ إلى عمق المجتمع الجزائري من خلال دراسة ‘فينومينولوجيا الوعي الوطني’() و البحث عن ‘مسارات الأزمة العاصفة بالجزائر و العالم العربي’()كما هو الحال بالنسبة لعلي الكنز().
و لعل هذه الجيل من الباحثين السوسيولوجيين، و من بينهم عمار بلحسن، كان من أكثر الباحثين الجزائريين في مختلف التخصصات الإنسانية و الاجتماعية تعمقا في فهم أزمة الأجيال التي عبرت مشروع الدولة الوطنية و جابهت لوحدها تحديات التاريخ و اللغة و التأصيل و الحداثة و الانتماء والمجتمع و الاقتصاد و غيرها من الإشكاليات المطروحة، بالنظر إلى العديد من الكتابات الأدبية و التاريخية التي كانت أكثر التفافا على مكونات الأزمة و مسبباتها، نظرا لما يحمله الدرس السوسيولوجي من أبعاد لا يمكن أن تتنصل من الحقائق الاجتماعية و إفرازاتها على الواقع المعيش، و لا يمكن أن تزيف نتائجها الملموسة كما يمكن أن يحدث- و قد حدث فعلا-للكتابات الأدبية و التاريخية.

5-
لقد أدرك عمار بلحسن رحمه الله بحدسه المتوهج و فطرته الطبيعية و كذلك بما أتاحه له حمله للسهمين و التوغل في أغوارهما، قبل العديد من الدارسين ما كان يكتنف المشروع التحديثي للدولة الوطنية من عطب أثناء محاولة تطبيقه على غرار المجتمعات العربية الإسلامية، والذي لم يكنْ ليدركَ تناقضاتِه الجوهرية في فترة التطبيل الإيديولوجي للحداثات المستوردة العديدُ من الدارسين الذين راهنوا على ضرورة التغيير الإيديولوجي القسري للمجتمع من خلال الدعاية إلى ما سيصبح استيرادا عشوائيا للحداثة الريعية مقابل التصدير التبذيري للكنز المادي للأمة، أو تفسيرا هجينا للفراغات الثقافية الآنية من خلال تغييب الأطروحات المعرفية المؤسِّسة للمدونة الثقافية الجزائرية، أو تناسيا للعامل الجوهري في تحريك بنيات المجتمع الراكدة و هو حرية التفكير و حرية الاختيار اللذين لا يمكن أن يغيبا أو يُغيّبَا عن كل معادلة حضارية تضع الإنسان و مرجعياته في لب المغامرة الوجودية و في آنية تحققها على مستوى الواقع فتحقق لصانعيها درجة الرقي الطبيعي بأفراد المجتمع إلى مستويات أحسن مما كانت تكابده في المرحلة الكولونيالية. و هو بذلك يكون قد حاول رحمه الله أن يضع اليد على الجرح في ما يتعلق بإشكالية التحديث في المجتمعات العربية و الإسلامية و دورها في التأسيس لخطاب مناور في سيطرته على اللحظة بأدوات إجرائية خشنة أحيانا و مرنة أحيانا أخرى وفق ما تقتضيه المصلحة العليا للدويلات الوطنية، و غير واضح المعالم في تبنيه لأطروحات الحداثة كما أنتجها الفكر العقلاني الغربي. و من هنا، فإن عمار بلحسن يستعمل ” مصطلح حداثة معطوبة أو معاقة للدلالة على أن الحداثة[..] نتاج العقلانية و الإبداعية و الذاتية الفلسفية و الجمالية و العلمية و التكنولوجية، الغربية أو العالمية”() للتذكير بفارق المناورة التي تستعملها الأنظمة و النخب في المجتمعات المتخلفة لتزييف الوعي في هذه المجتمعات و تعطيل مساراتها التحررية.
و الذي يقرأ كتاباته في المرحلة الأخيرة من حياته يدرك مدى اهتمامه بالبحث عن المعوقات الجوهرية التي تقف جدارا في وجه تأسيس مجتمع متماسك من حيث نظرته للذات و للآخر، و ذلك من خلال توسيعه للحقل السوسيو-أدبي () الذي كان يشتغل عليه سابقا و محاولته إدراج مجمل الأيقونات الطارئة على الخطاب الفكري و الفلسفي العربي في فترة الثمانينيات و بداية التسعينيات في كتاباته التي سجل فيها ما كان يلاحظه من تناقضات مفاهيمية في الأطروحات المعرفية لما يسميه بـ”الأصوليات الدينية و اللغوية و التغريبية”()المسيطرة على الساحة الثقافية و الداعية إلى تثبيت اقتناعاتها في واقع المجتمع الجزائري. و هو على الرغم من توجيه النقد المؤسس لهذه الأطروحات من خلال ما كان يبدو أنه يخيفه فيها و هو طرحها العنيف للمشاكل المتراكمة في الخطاب السياسي و الفكري الجزائري منذ فترة ما قبل الاستقلال، إلا أنه كان يحاول أن يقف إلى جانب ما كان يبدو له منطقيا من حيث أن نوعية الأسباب تؤدي في نظره حتما إلى النوعية نفسها من النتائج. و لعله من منظور الباحث الأكاديمي الحريص على اتزان مواقفه في الحكم على العديد من الظواهر كان يحاول أن يطبع أحكامه بالطابع العقلاني الذي يبعدها عن الطرح المتطرف.
فعلى الرغم من اقتناعه بأن الأصولية تسعى إلى السلطة “نظرا لكونها حزبا سياسيا أو أحزابا”() و هذا ما أثبت الحراك الاجتماعي الحالي صحته، فإنها تعتبر في نظره حركة ثقافية “أعادت طرح مشكلة التعريب و الهوية و الانتماء العربي الإسلامي للجزائر” () في فترة حساسة من تاريخها المعاصر. و هو حينما يريد استنطاق الواقع بالبحث عن أسباب عودة طرح إشكالية الهوية و التعريب في المجتمع الجزائري في الصورة المتشنجة التي شهدتها مرحلة الثمانينيات في الجزائر خاصة و التي ” تحولت إلى علاقات غامضة استمرت لمدة ربع قرن بعد الاستقلال”() ، لا ينكر أنها كانت ردّ فعل منطقي لتجذّر الأصوليات المضادة في منظومة السلطة الثقافية التي مكنت التيار الفرانكفوني التغريبي و النزعة البربرية النخبوية من الاستيلاء على مساحات التعبير و توطيد مكانتها في المجتمع بالنظر إلى ما كانت تعانيه الطبقات الفقيرة المتكونة من المتروكين على الهامش الذين لم يستفيدوا من ريع النظام الاشتراكي في السبعينيات و لم يصلوا إلى تحقيق مطالبهم المادية و المعنوية في فترة الانفتاح المزيف التي شهدتها الثمانينيات. و لذلك كان عمار بلحسن يعتبر أن الأصولية الدينية “ظهرت حركةً شعبيةً و جماهيريةً مضادة للنزعات النخبوية الأمازيغية و الفرانكفونية و رد فعل عليهما”(). و لعله في طرحه هذا كان يضع نصب عينيه عديد التجارب التي مرّت بها المجتمعات المشرقية حيث كان الخطاب الإسلامي أكثر تبلورا في التأسيس للفعل السياسي عن طريق تفعيل الحركة المطلبية و ‘التمكين’ للفكرة الإسلامية على أرض الواقع بعد الانتصار الذي حققته الثورة الإسلامية في إيران على أكثر الأنظمة رجعية في العالم الإسلامي و هو نظام الشاه و بداية هذه الحركات في الحلم بإمكانية الوصول إلى السلطة بعد التجربة التي حققها الإسلام السياسي في إيران.

6-
و لعل الجميع يعرف اليوم كيف انتهت هذه الحركات أثناء تصادمها مع حراس المشاريع التلفيقية للسلطة السياسية في مصر خاصة و في العديد من الدول العربية الأخرى. و ربما كان عمار بلحسن يضع أمام عينيه تجربة الحراك الاجتماعي الذي شهدته الجزائر في ما اصطلح على تسميته بـ’أحداث أكتوبر 1988′ و الذي أدى إلى قلب العديد من الموازين على مستوى الخطابات السياسية و الفكرية و غيّر بناء على ذلك العديد من الممارسات التي أدت إلى الانفتاح المعروف على الحقل السياسي و حرية الممارسات ثم ما تبعه من انغلاق فجائي أدى إلى دخول قطبيّ المشروعين المتصارعين في خضم المواجهة السياسية العلنية المنذرة بتأزم الوضع نظرا لانسداد أفق التصورات التي حاولت تحقيق المشاريع التلفيقية من جهة و انقطاع إمكانية الحوار الايجابي من جهة ثانية بين أصحابها و أصحاب المشاريع المضادة من جهة أخرى.
إن البعد الموضوعي الذي يوفره الدرس السوسيولوجي في تحليل الظواهر الاجتماعية هو الذي مكّن عمار بلحسن من طرح الإشكاليات الجوهرية التي انبنت عليها المواجهة الدموية بين هذين القطبين في فترة لاحقة كان عليه أن يودع بداياتها توديع الشاهد المحذر من عواقبها، و هي إشكاليات التاريخ و الانتماء و الهوية و اللغة و المجتمع و غيرها مما كان يعتبره و غيره من الدارسين محركا أساسيا لقاطرة المشروع الثقافي و الحضاري للدولة الوطنية و التي كان يهيمن عليها مفهوم “دولة-أمة(Etat-nation) [التي] تلغي الاختلافات و التناقضات بتسوية إيديولوجية تحت لفظة ‘الثقافة الوطنية’ “(). و لعله البعد الموضوعي نفسه الذي مكّن زملاءه علماء الاجتماع من اتخاذ مواقف تبدو اليوم و بعد مرور عقدين من الزمن متزنة و موضوعية بالنظر إلى مواقف عديد المثقفين المتموقعين داخل هذه القطبية من أزمة التسعينيات التي لم يقدر لعمار بلحسن أن يعايشها على الرغم مما كان يحمله من همّ ظاهر بغموض مآلاتها لم يكن خفيّا على من عرفه عن قرب أو من قرأ كتاباته في أواخر مشواره.
و قد كان لهؤلاء العلماء عديد الكتابات التي حاولت أن تتقصى مواطن الداء في عمق الأزمة و تبحث عن أسبابها التاريخية و الفكرية و الاجتماعية كما هو الحال بالنسبة للكتابات التي شرح فيها عبد القادر جغلول مسببات الأزمة()، أو المقالات التي حاول فيها الهواري عدي أن يرصد التغيرات الطارئة على الخطابات السياسية و تأثيرها على السلوكيات الاجتماعية في فترة التسعينيات()، أو ما كتبه علي الكنز من تحاليل لبنية المجتمع الجزائري و علاقته بالأومة في الفترة نفسها().
لقد غيرت أزمة التسعينيات العديد من المواقف التي كانت تبدو راسخة رسوخ الجبال في أذهان العديد من الباحثين و المفكرين و علماء الاجتماع ممن مكنهم الوعي العميق بخطورة المرحلة الثمانينية و ما شهدته من تحولات جذرية على المستوى العالمي من النظر إليها بغير مرآة الإيديولوجيا و قنوات التجييش التي تستعملها الأصوليات المعاصرة المتموقعة في أبراجها الفكرية المعتادة عن طريق ‘الروموت كونترول’ السياسي الذي يتحكمون من خلاله في طبيعة الحراك و نوعيته و مآلاته. و لعل ما تشير إليه كتابات عمار بلحسن الفكرية و السوسيولوجية خاصة في أواخر حياته كفيل بالوصول إلى رصد العين الثاقبة التي كانت تنذر من داخل نصوصه بما كان سيحصل للمجتمع الجزائري من شرخ في التصورات و انقطاع في قنوات الحوار و الخروج الكلي من حقل التغطية المعرفية الكفيل بدرء المصاب و رتق الممزق في بنياته الاجتماعية الهشة.
لقد استطاع عمار بلحسن أن يستشعر في أواخر حياته مواطن الخطر في هذه البنيات الهشة و أن يرصد مواضع الدّاء بحسه النقدي و رؤيته الاستشرافية، و لكن كذلك بما وفره له الدرس السوسيولوجي النقدي من إمكانيات وضع المقدمات و النتائج في أماكنها الصحيحة من دون القفز على المسلمات أو السطو على النتائج و توجيه مساراتها إلى غير الوجهة الآيلة إليها من خلال قراءة لا تدعي امتلاك الحقيقة بالنظر إلى ما كان يوفره التعالي الإيديولوجي من كبر زائف لكثير من المثقفين الجزائريين المتموقعين داخل الأبراج الرسمية و المتاجرين عن بعد بجرح المرحلة في كتاباتهم الفكرية و الإبداعية. فقد حاولت كل كتاباته أن تطرح الإشكاليات المركزية التي كانت و لا زالت تستحوذ على الخطاب في فضاءاته النظرية و تستولي على الممارسة في مساحاتها الواقعية بعين فاحصة و رؤية متنورة زاهدة.
ــــــــــــــــ
(+) للموضوع مصادر و مراجع و إحالات

التحولات المتسارعة لم تغير مطلقا من راهنية المنجز الإبداعي والفكري لعمار بلحسن  - قلولي بن ساعد*

* بن ساعد قلولي – قاص وناقد

تتعدد مناحي الإبداع وحقول الكتابة عند عمار بلحسن من القصة القصيرة إلى النقد الأدبي ذو الموضع السوسيونقدي إلى البحث السوسيولوجي في قضايا الإسلام السياسي والهوية والتاريخ والحداثة والتراث والإزدواجية اللغوية وغيرها التي خاض غمارها وتاه في سبلها ومفازاتها المتنوعة الجوانب والأبعاد، وكلها كانت تمثل إحدى المنظورات وآليات الإشتغال لديه وفق ما أستقاه من مفاهيم وأشكال فنية من سياقات مختلفة عربية وأجنبية في سيرورة لا تتوقف لمحاصرة المآخذ والمعضلات التي واجهته والإكراهات الثقافية التي ميزت عصره وزمنه وإستبدت بوجدانه الفكري والسياسي والثقافي والإجتماعي وحتى الحياتي، ففي النقد الأدبي إستطاع عمار بلحسن عبر ما كتبه عن (الأدب والإيديولوجيا) والرواية والتاريخ أو (نقد المشروعية) و(القص والإيديولوجيا في رواية الزلزال للطاهر وطار) و(الرواية والإيديولوجيا الوطنية – دراسة سوسيولوجية لثلاثية محمد ديب) وغيرها مما أنجزه بمخبر سوسيولوجيا الأدب بقسم العلوم الإجتماعية – جامعة وهران أن يتجاوز تلك المنطلقات النظرية العامة التي دأب عليها النقد السوسيولوجي السياقي الخارج – نصي كما أرسى دعائمه ومقوماته النظرية والمفهومية كل من إسكاربيت وألبير ميمي غيرهما من النقاد السوسيولوجيين الذين توقفت مساهماتهم على صعيد النقد السوسيولوجي عند محطة محددة وهي الإنهمام بالسياقات الخارجية للمنجز الأدبي السياقات الإقتصادية والإجتماعية التي شكلت نواة إنتاج النص في ظروف وملابسات معينة بإعتبارالمبدع  منتجا لبضاعة أدبية تخضع للعرض والتداول والتسويق ودراسة الوسائل الإقتصادية للأدب على غرار الإنتاج والإستهلاك والقراءة والإنتشار والتداول النقدي الإعلامي منه والأكاديمي ليصل بلحسن وهنا سر تميزه إلى ربط النص ببنيته الإجتماعية دون التضحية بأسئلته الجمالية والبنائية والفنية رغم أنه يستقي كل مفاهيمه والأدوات الإجرائية التي يستخدمها من داخل تيار محدد هو النظرية البنيوية التكوينية بإفرازاتها الإيديولوجية والماركسية  وعلى صعيد آخر نجده يكاد يكون من السوسيولوجيين القلائل الذين قاربوا بوعي إبداعي ومعرفي شديد الخصوصية “أعطاب” المجتمع الجزائري والإكراهات التي حالت دون تمثله الوجداني ومعايشته الوجودية لأسئلة الحداثة والعصر والمدنية والديمقراطية في تعدد واجهاتها ومقولاتها وتباين الخلفيات النظرية والغايات المضمرة أو المعلنة التي تسمح بتحديد أسئلة الهوية والتاريخ والحداثة والإزدواجية اللغوية لتشمل الكيفيات التي رأى بلحسن أنها تطال وتخترق مجالات عدة منها السياسي والديني والإجتماعي والثقافي في طابعها المؤسساتي أو الشعبوي أو الدوغمائي أو اليومي المتحول بحثا عن (خارطة طريق)  تدلنا بوضوح على أن (الحداثة المعطوبة) وهو عنوان إحدى مقالاته ليست معطى جاهزا أو قدرا محتوما على المجتمع الجزائري وعن ماهية الإنسان والمجتمع والدولة أو (دولة الإستقلال السياسي) مثلما يسميها. وفي القصة القصيرة لم يبتعد كثيرا عن تيار الواقعية الذي كان سائدا خلال فترة السبعينيات من القرن المنصرم من وجهة نظر طوباوية في بعض الأحيان وإنتقائية عبر لغته الشعرية الفجائعية التي لا تخفى على أحد متميزا عن بعض مجايليه على الصعيد الموضوعاتي بإهتمامه الواضح بإشكالات فرضتها يوتوبيا الحلم الثوري وقضايا التحرر والتحرير تنويعا على ما إكتسبه من قراءاته لمفكرين نافذي التأثير كأنطونيو غرامشي الذي كان يشكل مرجعية كبرى بالنسبة لبلحسن على ضوء مشكلات (المثقف العضوي) والإيديولوجيا، ثم الموقف الإنتقادي من الماضي ومن الطابع المحافظ السكوني للذهنية العربية المعاصرة مثلما أنه قدم أيضا مساهمات متعددة في حقل الترجمة، ترجمة النظرية الإجتماعية وإشكالات (المثقف العضوي) ومهامه وشروط إنبثاقه لدى غرامشي، وعلى العموم فالمنجز الإبداعي والفكري لعمار بلحسن لا زال يحافظ على راهنيته ولم تُغير من مشروطيته الإبداعية مطلقا التحولات المتسارعة كون هذا المنجز بأسئلته المتعددة لا زال يعيش معنا مشاغل عصرنا على أكثر من صعيد  .

عمار بلحسن من التأريخ للوجع إلى مقاومة الغياب – غزلان هاشمي *

“لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم” ،هذه المقولة لدي موسيه اعتراف بأن كل منجز عظيم هو بالضرورة ما ترعرع بين جنبات الوجع أو بين مسافات الحزن حينما يسيج الكلام بصمت نبيل ليتموضع في شكل بوح إبداعي رقيق ،عمار بلحسن وهو يكتب تاريخ وجعه يحاول مقاومة الموت بحياة رمزية جديدة،هي لحظة الكتابة وزمن تموضع البوح في شكله الإبداعي ،فلم تكن الكتابة في مثل هذه اللحظات تعبير عن مخاوف من العدم والانتقال إلى ذاكرة الإبداع ،إذ الخوف نفي لكل اعتبار متحقق يروم المشاركة ،وما كتابة الذاكرة إلا رغبة في هذه المشاركة..مشاركة الحرف ولحظات الألم …ومشاركة الحرف ،عمار بلحسن يملأ فراغات النص بكل ممكن واحتمالي ويحول الموت إلى حضور ماثل في ذاكرة المجتمع ،بل نجده يربي المجتمع على استقباله بما يناقضه ،فحياة الإبداع تمثل لراهنية تتخذ أشكالا مختلفة لا تموت أبدا بل تحيا مع كل قراءة متجددة،ولربما كل العبارات التي تلت العنوان تحمل في تعدديتها احتمالية الحياة والتجدد ،إذ مع كل احتراق تنبثق رؤية للوجود ومع كل احتراق ينفتح نص جديد”كتاب متورمة ،ليليات الألم،رؤى جنائزية ،آفاق الأمل،نصوص مؤرخة بتاريخ المرض…..”

*غزلان هاشمي – قاصة وناقدة

إذن مع بحثنا في تأريخ الوجع عند عمار بلحسن تنتفي التسجيلية ،وتتحول اللغة إلى إمكان يروم التحقق وتوق إلى الحضور والمثول بين مسافات البوح،فهل اللغة إذن هي تلك النجمة التي كان يبحث عنها؟.

في نصه “آه ..تلك النجمة” يتضح الانشغال بالأسئلة ،وكأن النجمة في تموضعاتها المتعالية تضيء زمن النص وتشي بالاستمرارية والمثول الدائم ،لكنها تظل محكومة باستحالة التموقع ضمن سلطة النص ،حيث تظل حلما ينتظر التحقق أو اعتبارا مسيجا بهيبة الحضور المتعالي،والمقطع الموالي خير دليل على ذلك،إذ يقول” كانت تبتعد ..وكنت ابتعد..
لم أعد خائفا لأن النجمة ترافقني
ألم ترافق النجوم  دائما الأنبياء
المناضلين والفنانين؟”

إذن فالذات/النص تظل تناضل من أجل الحصول على زمنها ومن أجل استرداد ذاكرة اللغة،لذلك فهي تتموضع في شكل حواري دائم لتقاوم الغياب ،وتصنع اعتباراتها من ذلك الامتداد الذي يفيض عن قيود الزمان والمكان ليتسع لأحلام التمكن “ها أنا قبالتك…ممتلئ بالبحر وأحلام البر..”،بل وتبحث عن التدخل القرائي العاصف برتابة المعنى من أجل تهييج لغة النص “أين الرياح الكافية لتأجيج أمواجي؟”،وتحميلها تعددية الإنجاز وتجاور العوالم الإبداعية “ثم هذه كلماتي متخمة بضجيج العوالم وصخب الأشعار”،والتي تواجه بفشل الوصول إلى المعنى الأحادي رغم وهم الاقتراب لتبقى الاحتمالية تسيج هوية النص الملتبسة” ها أنا قبالتك, وها أنت قبالتي
وأراك وأسفي تهربين كطيف قبيل القبلة بطرفة عين
-فهل سترحلين عن قلبي , بحري
كالأخريات”

ها أنا قبالتك…حبيبتي
ممتلئ بالبحر وأحلام البر كأني
أدخل أجواء الله بي أشواق الخلق
فبحق هذه العشبة المراهقة..قولي لي:
-أين الرياح الكافية لتأجيج
أمواجي؟
ثم هذه كلماتي متخمة
بضجيج العوالم وصخب
الأشعار…فبحق تلك الزنبقة
البرية أومئي لي:
-أين مناطق الصمت الكثيفة
لتفجير كلماتي؟
ها أنا قبالتك, وها أنت قبالتي
وأراك وأسفي تهربين كطيف قبيل القبلة بطرفة عين
-فهل سترحلين عن قلبي , بحري
كالأخريات

و………………………………..

ويستيقظ النص/الذات على فشل الاقتراب من المعنى النهائي أو الصيغة المكتملة ،حيث يعترف بفقر وسائله الاستدلالية وسلاحه التأويلي مما يجعل حلم الوصول مغتالا بسبب غموض علاقته باللغة التي تفضل الالتباس وإحباط كل محاولات الاقتراب والولوج إلى أسرارها”تحاصر أفراحي صيغ العلاقات الباردة…”،لكن النص يظل في محاولاته عسى يقترب من زمن اللغة الأصيلة أو زمن الكشف عن غموض العلاقة المقدسة”فأتبعها متفردا..متوحدا..بي أشواق التكوين والتشكيل ……حلاجا كنت ترافقني إشراقات الصوفية وتهاليل الله”،وتتعدد محاولاته محكومة بأمل الالتقاء في زمن المستقبل”أدخل بلادا ..أخرج من بلاد..أبني أحلاما..”،حيث كلما قارب لحظة الاقتراب توج المجهود بالفشل” وسقطت على وجهي متعبا”،لتظل الله في تعاليها حلما مسيجا بالاستحالة ترتحل بين مسافات معتمة ،وتصنع ضياءها من عدم الاقتراب” كانت نجمة أنيقة
تصعد مشعة تحف بها أطياف نورانية تنده لي..:
وقررت الرحيل..أليس الرحيل قدر الفنان ؟”
وحيدا كعادتي…حزينا كعادتي
تغتال توهجاتي أتعاب الأيام الفقيرة
تحاصر أفراحي صيغ العلاقات الباردة
تحبط تالقاتي أشكال الجمل الفارغة
أقاوم وأقاوم
أركب سفن الخلق تزفني إلى
محيطات الإبداع أغاريد حسون ونغمة حزن
فأتبعها متفردا..متوحدا…
بي أشواق التكوين
والتشكيل.. اللعب واللذات….
حلاجا كنت
 ترافقني إشراقات الصوفية وتهاليل الله
 ودقات
سمفونية..
ادخل بلادا..اخرج من بلاد
ابني أحلاما..اهدم أشواقا..
انحت لفظا..أشكل قلبا
ارسم نجما أصور نغما
اكتب لفظا..اسحق حقدا
اسقط عرشا أتوج ساعدا
ارمي حرفا..اقتل قصرا
في لحظة التطهر كنت هائجا كالبحر
بين اللغة واللغة كنت
أبحث عن لحظة معاناة تشبه فجرا ريفيا
عسلا جبليا  فرحا طفوليا
أوشكت…لحظة..فقط
وأمسك بلغاتي..يا الهي..
أين تلك الكلمة التي تملا فمي
لأصرخ بكامل قوتي:
-يا عالم…يا مخلوق الله…
لماذا وشمت على روحي كل تلك الأخاديد؟
وسقطت على وجهي متعبا..
أجهشت ببكاء حار..ثم فتحت عيني
مثقل الروح , ثمل الجسد
وبدأت أرى..من خلف الهضاب الهمجية
ومن وراء سماوات الضباب…
كانت نجمة أنيقة
تصعد مشعة تحف بها أطياف نورانية تنده لي..:
وقررت الرحيل..أليس الرحيل قدر الفنان ؟

وتبقى حروب الكلام وصراعات المعاني تبحث في انتقائية واضحة عن زمن اللغة الحقيقي ،حيث يتعدد قدر التأويلات بين السقوط والجنون والبحث المتواصل رغم تعاليها وابتعادها عن قدر المكوث في مستقر المعنى”والآخرون تبعوا نجمة وما يزالون في أثرها”،لتبقى مهمة الذات مقاومة الغياب بطرح الاحتمالية والتعددية رغم خيانة التحقق الفعلي “وترشدني إلى نجمة طعنتني ذات يوم”.
البعض سقط …البعض جن
والآخرون تبعوا نجمة وما يزالون في أثرها
أما أنا فقد كنت أشكل
وجها للحب والمقاومة..أعيد صياغة القارات المنهوبة
وأندد بالسرقات والانتهاكات وأبحث عن جمل..
شفافة..كثيفة..قوية  تقول الحب
الذي اختزنه هنا تحت الثدي الأيسر
وترشدني إلى نجمة طعنتني ذات يوم..
ويقر النص بأنه أوشك على مقاربة المعنى الأصيل والامساك باللغة ،لكن قبل نهاية التشكل سقط شهيد التحقق ،إذ قدر اللغة أن تظل في تعاليها واحتمالية منجزاتها،ليشتعل النص/الذات احتراقا من غموض التحقق ،لكنه يواجه بغواية اللغة التي تدعوه لدوام المقاومة والمحاولة .
أوشكت أن أذوق طعم الخلق..
ولكن قبل لحظة كن فيكون
سقطت شهيد المعاناة..
وما زلت ساقطا…بين جمرات تشتعل..
بينما نجمة أنيقة تومئ إلي تند إلي:
قاوم يا بن الأرض.

عمار بلحسن تفكير الجزائر- محمد بن زيان *

*محمد بن زيان – باحث وناقد

عاش عمار بلحسن فترة قصيرة من العمر  لكنها فترة مشحونة و مكثفة ، بدأ في النصف الأخير من سبعينيات القرن الماضي و انتهى في مطلع التسعينيات ، بدأ في خضم فترة حماس منطلقا بارث المعركة التحريرية و تطلعات بناء الدولة الوطنية  حماس أيديولوجي يساري و انطلاق في التأسيس لثقافة تصفها أدبيات ايديولوجية الحزب الواحد بالوطنية و الثورية و العلمية ، و برز عطاء عمار في ثمانينيات القرن الماضي و هي فترة صدمة الاصطدام بالتجلي ، التجلي بتبدد الأحلام و افلاس السبل المسلوكة و في الثمانينيات كانت ارهاصات ما سيشهده العالم لاحقا ، و في السياق المشار إليه تبلورت جماليا و فكريا مؤشرات تشكل تجربة من رموزها المرحوم بلحسن الدي كان حاملا لمؤهلات قيامه كقامة أدبية و بحثية في السوسيولوجيا و هو ما عكسته إسهاماته المنشورة في منابر عربية و وطنية ، عمار لم يكتب له القدر طول العمر فرحل عنا و هو في سن فاتحة للنضج ،و رحل بعد معاناة مع مرض أليم و التبس مرضه بعلة أصابت البلد فكتب عن ألمه و ألم البلد بلغة شفافة و عميقة ، لغة الكشف . يكتب في التمهيد ل ” كشف الغمة ” : ( فأنا أحد المثقفين المعربين ـ المزدوجين الذين تكونوا من حضن اليسار الجامعي في السبعينات ، كتبوا و أبدعوا و أحبوا الثقافة و الجزائر بتواضع و لم ينسوا القيم و طبقوا ما قال الله عز و جل في كتابه ” …. أقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم …” . لم يعلم “”و لكن أقلامهم لم تعرف تعارضات بين إيمانهم العميق الصامت و العقلانية فقد غمست قبل أن تعرف النظريات الكبرى للتاريخ و الثقافة و المجتمع و تشهد تفكك المنظومات الفكرية و الإيديولوجية و إفلاس أنظمة البيروقراطية في حبر اللوح المجفف لتراث الإسلام و العربية و الحضارة الإسلامية و اندفعت بحب للمعرفة البشرية و رمت بقلبها و ذاتها في عقلانية و حداثة العالم و هي في عز النضج لترى واقعها ، بدو ن نزعة سلفية و تغريبية ، تغتال العقل و تبطل النظر و تقمع الإجتهاد و الإبداع و تهرب للأمام مدافعة عن حداثة لا تعيشها و تراها إلا كعيش إدماج وهمي مدع في تبعية فكرية و معرفية ، ناكرة هوية مفتوحة نيرة شكّل الدين و العقلانية نبراسها عبر الزمن و لا تشكل حاجزا في وجه التقدم و الدخول في وجه التقدم و الدخول في العصور الحديثة و التاريخ أو تنكسر إلى الخلف مستسلمة في نزعة ميتة تقدس التراث و خطاب الأسلاف آمنة في حضن تاريخ نير ، توارى إلى غير رجعة حاملا عظمة بائدة . ” 1 “. هذا القول يعرض التوجه الذي توج به عمار مشواره القصير و المشحون بما يؤشر لثراء و أفق مفتوح بالتجدد المستمر و الإجتهاد المتواصل و الاستيعاب المدقق و الحكيم ، حكمة تظل هي المنشودة فكما يقول ( التوحيدي “علم بلا حكمة بلاء و حكمة بلا عمل” هباء) . في مطلع الثمانينيات عرفت الجزائر نقاشات أثارتها الأحداث التي عرفتها من الربيع القبائلي إلى أحداث أكتوبر ، و الأحداث التي عرفها العالم و التي حملت مقدمات ما ستختتم به الثمانينيات أي تبدد المعسكر الشرقي و بداية ما تبلور منذ التسعينيات و لا زال متحولا لحد الأن . في هذا السياق بكل ملابساته تبلور طرح عمار و تفكيراته . و عن النقاشات التي عرفتها البلاد اثر طرح ملف السياسة الثقافية للنقاش في إحدى دورات اللجنة المركزية للحزب الواحد أنذاك و التي اشتغل علي بعضها كتب في مقدمة كتابه ” أنتلجنسيا أم مثقفون في الجزائر” ” ( و ربما يكون افتتاحا لنهايات تصور شعبوي ـ تاريخي ، غذى و ما يزال يغذي تغييب و تضبيب القوى المنتجة الجزائرية اليدوية ـ الذهنية في وحدة شمولية هلامية شاسعة و كلية ، لا تعرف التناقضات أو التفريقات و التحديدات . الحق ، إن طرح مسألة ” المثقف الجزائري ” في نهاية عشرينية مفعمة بالتحولات السريعة … يظهر ـ على الأقل بالنسبة لي ـ كحصيلة دالة . حصيلة تفكير نقدي ، هو إعادة نظر و مساءلة ، الهدف منها ، ليس فقط تعيين مكانة و دور المثقف في المجتمع ، بل و إعادة موضعته كذات و كمجموعة اجتماعية مستقبلية في سياق ديناميكية التناقضات و العلاقات الاجتماعية المتنوعة و تعبيراتها الثقافية التراثية و الحاضرة ، وطنيا و كونيا . إننا هنا ، أمام محاولات تفكير المثقف حول ذاته و شخصيته و عمله ، أمام خطابات فكرية تتساءل عن ” منتجيها ” و شروط تكونهم ، و ظروف إنتاجهم ، و تحديدات نشاطهم . ابتداء من 1980 مما طفا على  المكبوت و استرجع أولويته في الجزائر : ظهور الثقافة و المثقفين كميدان للصراع و الجدلية الاجتماعية ) ” 2 ” . شكلت طروحات غرامشي قاعدة التعاطي مع موضوع المسألة الثقافية و المثقفين ، و ذلك نظرا لأهمية ما طرحه غرامشي من أفكار حول المثقفين التي تعتبر كما يقول بلحسن : ( ربما المساهمة الوحيدة التي يعترف بها الجميع ، من اليمين إلى اليسار وبدون استثناء .. ) ” 3 ” . طروحات غرامشي ما يبلور حقيقة و معنى كينونة المثقف فهو يقول : ( الوعي الذاتي النقدي ، يعني تاريخيا و سياسيا خلق نخبة من المثقفين ، فالكتلة البشرية لا تتميز و لا تصير مستقلة من تلقاء ذاتها ، من دون أن تنظم نفسها بالمعنى الواسع ، ولا تنظيم بدون مثقفين و بدون منظمين وبدون قادة ) ” 4 “. و في كراسات السجن يقول غرامشي : ( كل الناس مثقفون ، لكن ليس لكل إنسان وظيفة المثقف في المجتمع ) و يوضح : ( عندما نميز بين المثقفين و غير المثقفين فإننا في الحقيقة نشير فقط ا لوظيفة لوظيفة الاجتماعية المباشرة ا) ” 5″ و لكن طرح غرامشي في السياق الجزائري ملتبس بإشكال شغل و يشغل الباحثين و المثقفين و منهم المرحوم عبد القادر جغلول الذي شكل الحوار الذي أدلى به للصحفي محمد بلحي محور النقاشات التي ضمها كتاب بلحسن ” أنتلجنسيا أم مثقفون في الجزائر؟ ” و في الحوار المشار إليه قال : ( أما بالنسبة للتفرقة التي يقوم بها الفيلسوف الإيطالي غرامشي بين المثقف العضوي و المثقف التقليدي ، فإنها تبدو لي غير قابلة للتطبيق على على واقع البيئة و الوسط الثقافي الجزائري الحالي. فالمثقفون التقليديون يتناقص عددهم من يوم لأخر ، أما العضويون فإنهم لا يوجدون مطلقا ، نظرا لتشكل النسيج الثقافي العام و تحوله و تغيره ) ” 6 ” . عمار اشتغل على ما يتصل بالموضوع الثقافي من حقل اشتغاله السوسيولوجي و من خصوصيته كمبدع و اشتغاله على ما هو ثقافي ساقه إلى تفكير الجزائر بكل مفرداتها و عناصر تكونها و معطيات سيرورتها و صيرورتها و حيثيات تحولاتها و تغيراتها . و العودة إلى النصوص التي كتبها عمار في فترة قصيرة لكنها مكثفة ، تبلور تطورا رؤيويا و تطورا في الآليات الموظفة فمن كتابه ” الأدب و الأيديولوجيا ” إلى ” كشف الغمة ” حمل عمار رؤية مفتوحة في قراءتها الدينامية للواقع بإحداثياته المتشعبة و بجذوره وخلفياته ، رؤية تجسد مكابدة عمار لمعاناة التحقق كمثقف مهموم بدوره النقدي و المنخرط في الديناميكية الاجتماعية كفاعل و هذه المكابدة تمثلها اسهاماته المتواصلة حتى قبل رحيله بأيام في المنابر الإعلامية ، اسهامات حققت التواصل بين الأكاديمي و الإعلامي و مثلت خروجا من الدائرة الأكاديمية المغلقة و ارتقاء بالنقاش الإعلامي لصياغة الفضاء العمومي الذي تحدث عنه هابرماس كشرط للديمقراطية و لصياغة المواطنة . و حملت أطروحات عمار أفكارا صارت بعد رحيله من محاور الاهتمام المرتبط بالأحداث المستجدة و افرازات التطور الهائل في تكنولوجيات الإعلام و الاتصال و ما أعقب نهاية الحرب الباردة و دخول العالم في سياق تحولات تصوغها شعارات النهايات و المابعديات ، فعمار تحدث عن ما تجدد عند علي حرب وغيره ممن تحدثوا عن النخب و المثقفين . كتب عمار مفتتحا دراسته ( الكتابة و المنبر الغائب : المجلات الثقافية في الجزائر) بالعبارات التالية : ( “يبدو العالم الثقافي الجزائري رماديا ، أشبه بصحراء سائدة ، لا ينبت فيها إلا بعض نباتات الصبار التي تختزن ماءها و نسغها مؤونة منذ سنوات تعتاش منه ، في انتظار غيث مستحيل ، كأرض تمص مخزونها متدهورة نحو التصحر النهائي ، تذوي براعمها ، و يجف ضرعها و زرعها ، لتترك اليباس يعيش في دبالها بلا هوادة ) ” 7 “. و ذكر إن استهلاله هذا ليس شعريا إنه ( إعادة جذر كلمة ” ثقافة ” إلى رحمها الأصلي ، الفلاحة ، و تكوين صورة للفكر و للإبداع في معادل رمزي و بلاغي داخل جزائر تعيش منعطفا خطيرا : إما النجاح في قيادة مجتمع على أعتاب الحداثة و الديمقراطية ، أو السقوط في هوة التفتت ، و الفوضى  والتاريخ الأليم (08كتب هذا بفترة قبل دخول البلاد  في المسارنفسه  مرحلة الفوضى وواصل باحثون كجغلول والأشرف من

 إشتغال على الملابسات التاريخية للمسارات الثقافية الجزائرية و عاد للفترة الكولونيالية فدرس الأدب و المسألة الوطنية ، و اشتغل على المسألة الثقافية بكل تفاصيلها ، متوقفا عند الحيثيات التاريخية ، مسجلا كما كتب في افتتاحية العدد الرابع من مجلة التبيين الصادر في فترة كانت مشحونة بمناخ مشحون بما أرهص لما عشناه في التسعينيات : ( لا ، ليست هذه الأزمة الأولى ، إن بلدنا الجزائر ، وهومن أجمل بلدان البحر المتوسط قاطبة ، يضرب بجذوره في عمق تاريخي و جغرافي ، اختلطت في فضاءاته شيم الحرية بالعنف ، النظام بالفوضى ، الدولة بالقبيلة .. عرف دائما تطورات و قفزات عنيفة ، و يبدو تاريخه سلسلة من الأزمات ، تعكس مخزونات و طاقات نفسية و ثقافية و اجتماعية عظيمة و رهيبة داخل الإنسان و المجتمع . يظهر الإنسان الجزائري في منظور علم النفس التاريخي كائنا يتطور عبر المواجهات و المجابهات العنيفة ، من الرجال الأحرار الأمازيغ ، حتى ثورة نوفمبر التحريرية انعجنت عناصر الشخصية القاعدية كمركب وجودي يختزن جدلية المقاومة و النفي و الشهادة ، يحتمل رؤية درامية و عنيفة للتاريخ والزمن و الكينونة ..) و يسجل بأن الجزائري في الفترة التي كتب فيها مقاله يبدو ( كائنا مرميا في معمعة الحداثة و العصر ، يغذيه حدس البطولة ، و إرادة الكينونة ، و إثبات الذات في عالم شرس المصالح و الرهانات ، بدون استراتيجية أو استشراف علمي و معرفي للواقع و 9 ” تأمل و فكر و رصد المعيش لم  يغرق عمار في العموميات النظرية و بلور في نصه الأخير الذي كتبه و هو يصارع المرض و عنونه بعنوان للمقريزي ” كشف الغمة ” ما يسكنه و يشغله حتى و هو في محنته فكتب عن بؤس الحياة الجزائرية في المظاهر و البنايات ،و وصف الحالة التي كتب فيها : ( بكل ما ترك لي المرض المستعصي من صفاء و بكل ما بقي في الجسد من نفس و في القلب من حب و في العقل من عقلانية ، و في عزلة صوفية ) و يقول : ( كتبت ما كتبت ، قاصدا تنبيه الغافل ، و استنطاق الصامت و كشف الغمة ، غمة الروح الجزائرية في مأزقها ، أزمتها ، محنتها (09) ). مع مع عمار تم تحقيق انفتاح النقاش السوسيولوجي على الواقع المتحول و في إطار أوسع من الاشتغال المفاهيمي الصرف و أوسع من الاشتغال في الفضاء المحصور أكاديميا . ففي ( كشف الغمة ) كتب عمار بلغة هي متصلة بلغة كتب بها يوميات الوجع ، أي لغة شفافة تمزج بين خلفيته الأدبية و السوسيولجية و حالة هي أقرب للتصوف ، كتب عن جزائر تتعرض لتبلور ما تراكم في رحم المراحل المتعاقبة عبر التاريخ و سبق لعمار تناولها في دراساته و مقالاته

الكثيرة المهمة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

 ال . هوامش ” 1 ” ص”4 و7 و 8″ كشف الغمة ” منشورات مديرية الثقافة لولاية معسكر ـ دار الأديب ـ وهران . ” 2 ” ص ” 5 ” و ” 6 ” ( أنتلجنسيا أم مثقفون في الجزائر ) الطبعة الأولى ” 1986 ” دار الحداثة ـ بيروت. ص ” 34 ” المصدر السابق ” 3 ” ص ” 33 ” المصدر السابق ” 4 ” “5 ” عن موضوع نايف سلوم ( قراءة في كراسات السجن لأنطونيو غرامشي ) ـ موقع الحوار المتمدن العدد ” 801 ” 11″ ” أفريل ” 2004 ” ص ” 59 ” ” أنتلجنسيا أم مثقفون في الجزائر ” ” 6 ” ” 7 ” ص ” 503 ” ” الأزمة الجزائرية ” مركز دراسات الوحدة العربية ـ الطبعة الثانية ” 1999 . ” 8 “المصدر السابق ” 9″ ” من تسييس الثقافة إلى تثقيف السياسة ” مجلة التبيين العدد الرابع . .” ص ” 3 ” ” كشف الغمة ” “ 10

-

الكتابة بألم الجسد…. – ضيف الله عبد القادر*

في ذكرى رحيل عمار بلحسن

أن تكتب في أغلال المرض وزنازن الجسد…معناه أن تتعذب…في كل حرف أو جرة قلم وتغميسة حبر تسقط شريحة من نسيجك أو جلدك… بصمة وفداء لحرية الروح ومقاومة اليأس.
عمار بلحسن

الكتابة بألم الجسد

قراءة في يوميات الوجع لعمار بلحسن 

أن تكتب في أغلال المرض و زنازن الجسد…معناه أن تتعذب…في كل حرف أو جرة قلم  و تغميسة حبر تسقط شريحة من نسيجك أو جلدك… بصمة وفداء لحرية الروح ومقاومة اليأس.
عمار بلحسن

 

* ضيف الله عبد القادر – قاص وكاتب

يوميات الوجع سيرة وجع خطته لغة مقطرة من عصارة ألم لا يطاق ، لا يسعك وأنت تتلقاها إلا أن تكابد وتتألم شئت أم أبيت، ينمحي الزمن ويتوارى المكان وتصير اللغة مكانا للألم  الذي قاومه عمار بلحسن في ربقة مرضه العضال ، عبر لغة نصية يدفعنا عمار بلحسن لمكابدة كل لحظة ألم عاشها عبر إيصال الإحساس الكامل لعوالمه الباطينية  التي تطل عبرة لغته من السطح كرغوة حزن موجعة ، يخرج من بين فواصلها قبس منير وسط ظلمة الجسد الملغم الذي حاصره على حين غرة ” آه يا جسدي ، أتعبتني ياجسدي..” حصار الجسد لروح وانقلابه على صاحبه وتعذيبه المتواصل يضعه في صف العدو المتربص بعدوه .
يقف الكاتب هنا في مواجهة الجسد وهي المواجهة المحتومة التي تتحول فيها الكتابة والقراءة إلى وجه واحد ينبثق منه في نهاية الأمر نص الجسد المتورم ” آه ياجسدي الذي كان وعذبني ، ياجسدي ودنياي ونصي بأي اللغات أقرأك وأكتب عن مكنوناتك…” هذا التساؤل المبني على لحظة قهرية حرجة مصبوغة باليأس و الآسى الذي يغلف غيم المصير الذي آل إليه جسد عمار بلحسن في غفلة من الزمن، يرصد لنا غبن الحوارية التي تتم بين عمار وجسده الذي تتشوه مراياه أمام وحيرة الروح التي تحول الجسد  في لحظة الكتابة إلى نص مكتوب وغير مكتوب في الان نفسه ، نص ينفلت عن القراءة والكتابة ـ كيف تستطيع أن تكتب الألم وكيف تقرأه فيما بعد . هذا هو السؤال الذي تبدو اللغة عاجزة عن الاجابة عليه تقف يوميات الوجع  كسيرة ذاتية تعلن نفسها نصا مضادا للجسد وفي نفس الوقت نصا للجسد الذي يكتب ذاته بذاته، يكتب تورمه ويستعيد في الآن ذاته لحظات سعادته الماضية عبر الحلم وعبر الذاكرة أيضا حيث تنساب اللغة  لتنفلت آلام  الوجع مخاتلة عن الجسد المكلوم ، منقدفة كومضة برق في ظلمة الروح لتبدأ المواجهة التي أرادها الكاتب أن تبدأها مع أول تغميسة حبر “وحيدا بي إرادة الكتابة ورغبة ملحة في الحياة… تهت وحيدا بحثا في عناء جسدي” ، ليرسم أيضا بدايات لهذا الوجع وهذه الحيرة مستعيدا آلام الطفولة” من صغري عانيت منك ياجسدي تحكي أمي…”
هذا هو تاريخك أيها الجسد  و هذه محنتي معك. هكذا يدين عمار جسده  عبر الذاكرة التي تنسل منها خيوط بألوان عدة لمحطات تعبرها الطفولة عبر تاريخ أجساد الأجداد، مبرزا صورة الجسد في لحظة عنفوانه وأيامه الزاهية التي يتعثر فيها الأمل من حين لأخر بفعل خروقات الوجع المباغتة للفرح والمضادة لفعل الكتابة الذي يمثل فعل كشف  وفضح ” رسغي يوجعني” يتوقف شريط الذاكرة هنيهة مسائلا الجسد عن غدره ” أه يا راحة جسدي المستحيلة فقدت القدرة على الكتابة يدي توجعني ورسغي تؤلمني ” يربط عمار بين الكتابة والحياة ، وبين الجسد وأداة الكتابة التي يحاول الجسد  تطويعها وبالتالي تطويع أداة الروح  التي تعد السبيل الوحيد لمواجهة اليأس والتحدي أمام  ألم الجسد الذي يستطيل  مقطرا رتيبا مما يجعل الكتابة سلاح ضروري يجهض به كل محاولات الانقلاب التي يدبرها الجسد في غفلة من صاحبه لأجل إفنائه ” تغتالني ياجسدي..” يذهب الكاتب في هذه المواجهة إلى أقصى حدودها حيث يقرفص الموت كآخر نقطة في النفق ، لهذا لا يتوان عمار في حشد تفاصيل الألم قاصدا شحن الروح لكي ينبت فيها الأمل بالانتصار على المرض من خلال استدعاء الغيبي والمتعالي من اعتقادات الكاتب. نجده مثلا  يعود إلى الله ليدفع الأمل إلى أقصاه  من خلال قدرته سبحانه وتعالى في فضاءات ملكوته ” مالك الغيب والشهادة والصحة.. ” ، لك العافية ياجسدي ، ولي الصبر والمقاومة لن تقتلني ياجسدي سأقاوم جيوشك الهمجية، ….عزائي أجساد أبنائي” هكذا يغلق عمار الطريق أمام خروقات الجسد ليسقط كل محاولاته عبر الأجساد المنحدر من صلبه ، أجساد أبناءه الثلاث ،” ياجسدي لي ثلاث جوهرات ، 
لي سناء
وأنيس
ونسمة
ولك أن توجعني ياجسدي”
هذا التحدي وهذا التسليم أيضا بالوجع تخرج منه حبات الضوء التي تجعل عمار واثقا بأن جسده المكلوم لن ينتصر عليه لأنه ليس وحيدا في المواجهة ، هناك ثلاث جواهر مندفعة للحياة ، لهذا فالانتقال المتواتر من الأمل إلى الخيبة بفعل هاجس الموت الذي يحدق بلا توقف والذي ينطرح كسؤال مخيف ومرعب  والذي الكثير من العبارات في نص يوميات الوجع  ” جسد ملغم ، أرض مشعة حيث لا ملجأ أوظل أو حائط….”  و الدخول فيما بعد النهاية بعد توديع وجوه الأبناء والأم  مع الإبقاء على حبات الأمل في أفق تلك اللحظة

 ” من يدري قد ينتفض الجسد من محنته وتهب الروح روح الأب القدسية في الأجواء، وأعود من بعيد من فيافي الموت ، ستمر بك روحي غدا كالطائر الحر ينشر جناحيه على البركة…” كما يترك وصايا أخرى للأم الكبيرة التي حملته وهن على وهن ، وصايا للحفاظ على تلك الجواهر مع أمهم ” تكفلي بحمل الأبناء وأمهم الهشة فاطنة..” ” اسمحيلي يا من تهجلت وكبرتنيني…لم يسعفني العقد لأسكنك وأحبك أكثرا، وداعا ، عينيك على أبنائي حتى الغمضة الأخيرة وعاوني فاطنة في الزمان ..” هكذا ينزلق الدمع من مآقي عمار وهو يسلم الروح لبارئها والجسد للتراب واضعا حكايته وتجربته المريرة في لغة تقطر من مُزاد تخيطه الجروح القاسية ليؤثث مواجهة مسبقة مع الموت ومع المرض حتى لا يفجع في فلذات أكباده كما فجع في جسده ” اهتموا بافاطنة و الأطفال كبروهم ، قدروهم أعطفوا عليهم ثم أغرسوا فوق قبري نبتة أو زهرة وقولوا كان عموما أبا وزوجا لكن القدر لم يمهله ليكون أحسن….”
كان هذا نداء عمار الأخير للعالم وللأصدقاء ولكل الذين يعرفونه ليلتفوا حول جواهره النفيسة التي تركها عزاء له في هذه الحياة التي لم يُقدر له فيها ليكون أبا وزواجا أحسن. يعود عمار بعد هذا العبور من برزخه للحياة وللمواجهة كأنما عمار كان رافضا للموت رافضا للخيبة ورافضا لكل ماهو سودوي عبر رجوعه إلي بدايات الصراع مع المرض وتمسكه بالحياة رغم الماء القميء المدمر الذي لا يزال جسده يغوص فيه ” سنناضل ونقاوم هذا النهر الأصفر والقميء ، سينجلي وتعود الخضرة إلى جسدي..”
هكذا تبدأ نقاط الضوء في الاشتعال وتتراءى في نهاية النفق كوة أمل مما يجعل عمار يرحل في رحلة بحث عن علاج ليفجر لغم هذا  الجسد ، هذه الرحلة التي تتحول إلى رحلة مطهر بعذاباتها وحواجزها التي تدفع بأحاسيس الكاتب إلى التحول عبر الألم الذي تشترك فيه مسببات عدة  منها  الغربة ، الوطن… و الجسد….” عندما قال لي الصيدلي الفرنسي الشاب وهو يسلم لي الدواء لتحضير راديو سكانير في لانس ، ماذا يحدث لك سيدي؟
لماذا تجتاز سكانير؟
صمت وبكي القلب ، هل رأيتم قلبا يبكي؟ كان فؤادي ينزف وأنا صامت قبالة الصيديلي الشاب
” ماذا يحدث لك سيدي؟
أتمنى لك حظا سعيدا مع السكانير غدا
يحدث لي ما حدث لأيوب النبي
يحدث لي ما يحدث لأصدقائي وناسي وأهلي…”
في  هذه الرحلة العلاجية  يعرج عمار أيضا عبر عوالم المناجاة والتأمل معانقا ومستعيدا سيرة الأنبياء والرسل المبتليين وأصدقاء المرض ، يشاركهم الألم ، يأخذ من أيوب النبي حظه وصبره للوجع المقدس، ” أيها الجد المقدس العابر نبع المكلوميين” يناجيه من خلال حكاية النفي والألم ويستلهم من يوسف الجمال المؤلم ليدخل أغوار السماحة مع المسيح في عذاباته ، هكذا يقطف عمار ثمار مقاومته وصبره من روح الأنبياء وحتى من أصدقاء المرض الذي يناجيهم.  يناجي بدر شاكر السياب رفيق الدرب ، يناجي خدة وكثيرون عبر العالم ، يتواصل مع أروحهم ويتذكر نضالهم ضد المرض ضد الموت ، لتكون رحلة عمار رحلة مطهر ورحلة مقاومة وبحث مضني عن أمل في الأفق رغم سوداوية الغيم الذي لاح له منذ عرف بأنه تحت أنياب الخنزير ـ المرض الخبيث ـ ، ليرسم فاجعة الجسد الغدار الذي زرع لغما لا يهادن أبدا ، لهذا اختار عمار أن يتجاوز هذا الجسد الصلصالي الفاني ليتشبث بالروح ويعتصم بحبال مرافئها ، فقد ناجي الله وتمسك بحبله واعتصم وذرف الدمع حارا وحول أحلامه كلها إلى مسقط الرأس حيث سلالته التي تنام في صمت ، وحيث سينام الجسد إلى جوار الروح في انسجام وتجانس دائم ليخلد عمار في النهاية عبر يومياته  وجعه بلغة قلما تُعجن بتلك الطريقة الصوفية الرهيبة لتخلف سيرة ذاتية موجعة جدا ولتخبر عن نمط آخر من الحياة قد لا يدركه إلا القليل من البشر.

.

التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. lمبادرة طيبة أن يخص رجال الفكر والمعرفة، بوقفة من أهله وأصدقائه.. خاصة إذا تعلق الأمر بأمثال عمار بلحسن.
    شكرا لطاقم التحرير، وشكرا للأساتذة المساهمين، في تخليد هذا الرجل الفذ..

  2. قرات لعمار بلحسن كتابين فقط الاول مجموعته القصصية العبقية بنزق الكتابة المتفجرة كينابع الماء الصافي *فوانيس* قبل ثمان سنوات فقط ايام كنت طالبا في الجامعة….لقد ادهشتني لغة عمار الشاعرية المناسبة وهي تفتت سيميائية النص لترصع قصصا واقعية مفعمة عن الوطن والحب والزوجة والامل الموجوع..وعن الخيبة والفراغ وتجليات النفس الذكية الواعية للكاتب القاص بطل التيمات القصصية في فوانيس…اما الكتاب الثاني فكان عن الثقافة العضوية وهو كتيب صغير لكنه مركز من سوسيولوجي ماهر ومفكر كبير ……
    وانا اتعلم نسج خيوط القصة القصيرة وهي تتشابك بين اناملي الفتية كخياط حديث العهد بالحرفة اجدني من حين لآخر لا اشبع من معين اللغة الشاعرية المنسابة المتدفقة لترسم معاني الاشياء والكلمات والايحاءات و…..ثم انصت للعمق …وكم هو ثعب الاخلاص لعناصر القصة القصيرة وفي نفس الوقت الابحار عبر شراع الاحاسيس وسفن الكلمات…..كم هو الطريق اذا شاق وصعب…….لقد ظل الرائع عمار بلحسن وتلميذه اللاحق القاص والروائي كمال بركاني الذي اقتربت من عوالمه السردية عن قرب تشرفت بصداقته بحكم نفس المنطقة الجغرافية …وادركت صعوبة الاشتغال باللغة في نفس الوقت احترام فن القص والكتابة المتنية السردية الطويلة -الرواية-….ظلا بالنسبة لي هذين الرائعين قامتين تكتبان بالفصحى الشاعرية..التي احب النسج ونسقها المتين ..الى جانب الكبار واسيني والسايح…وبوكبة ورابحي ….وصاحب نجمة واللاز…والقائمة اللاحقة طويلة…………………………

اترك تعليقا