من بين الأزمات التي يعيشها المشهد الثقافي عندنا، غياب الرؤية للعمل الثقافي الناضج، واختفاء إستراتيجية ثقافية فاعلة، عند أغلب الفاعلين في المشهد، مما جعله مجرد (نشاطات) ، ولما يمكنه من الارتقاء إلى مستوى (الأفعال) ، وهو ما، يدفعنا إلى السؤال هل عندنا مؤسسات نشر أم محلات نشر؟ والواقع يجيب على السؤال، وبالذات في الجانب الإعلامي منه، وإذا أجرينا استطلاع بسيط، يقوم على سؤال، كم عدد دور النشر التي لها مواقع انترانت؟ وكم عدد دور النشر التي تعقد ندوات لإصداراتها؟ فمن بين مأتي دار نشر في الجزائر، لا يتجاوز عدد من تضع الإعلام في الاعتبار لا يتجاوز عدد أصابع اليد، فهي أخفقت في توزيع الكتاب، كما فشلت في الترويج والتعريف بما تنشره.
والأمر يتجاوز دور النشر، ليصل إلى المعرض الدولي للكتاب، الذي يعجز عن التعامل الإعلامي، ويحقق أعلى درجات الفشل، فالجميع تعود على إرسال (فاكسات أو رسائل الكترونية) ، خارج وقت الحاجة المطلوبة، وهي تتسم بالتعالي والأوامر، من قبيل (نطلب تغطية) ، فهؤلاء بالرغم من مشاركتهم في المعارض الدولية، واختلاطهم بمؤسسات النشر المحترفة، إلا أنهم لم يتعلموا شيئا من التقاليد الحديثة في التعامل الإعلامي.
مما يجعلنا اليوم أمام (دار نشر) ، وليس (مؤسسة نشر) ، والفرق بين الاثنين كبير وواسع، فهذه الدور تطبع الكتاب، ولكنها لم تؤسس لتقاليد نشر الكتاب والاحتفاء به، وفي عالم الناس اليوم، هناك قسم من الإعلام الثقافي، خاص بإعلام الكتاب، الذي له قواعده وأساليبه وتقنياته وفنياته، المرتبطة أصلا بمؤسسات النشر، بداية من التبشير بفكرة الكتابة، مرورا بالإعلان عن اقتراب الانجاز، وصولا بالإعلام بالصدور، وما يتبعها من نشر الملخصات وإقامة الندوات، وانتهاء بالنقاش والجدل حول الكتاب.
كما يخبرنا الواقع، أن الكثير من دور النشر، لا وجود لها في الواقع، كونها تعتبر نفسها مجرد (دكان) ، للحصول على الأرباح، فهي لا تشارك في معارض الكتاب، وتتعامل ب(أمر بالطلب) ، حتى أن الكثير من هذه الدور، قد ظهرت ما بين (2008 و2011) ، بمناسبة عاصمة الثقافة العربية، والمهرجان الإفريقي، وعاصمة الثقافة الإسلامية.
لقد تحدثت في كتابي، حركة الإعلام الثقافي في الجزائر، عن أهم مظاهر الخلل في الرؤية والممارسة الإعلامية والثقافية في الجزائر، وهنا يمكن الإشارة إلى أن أصحاب دور النشر عندنا، لا يدركون بأنهم أصحاب مؤسسات ثقافية بالدرجة الأولى، وعليهم تقع مسؤولية، تثمين الإبداع الإنساني والتأثير في الذوق الاجتماعي العام، والمساهمة في نشر الوعي، ورفع مستوياته بين أفراد المجتمع.
ولهذا، نجد الكثير من الكتاب، هم يعملون على النشر الإعلامي لكتبهم، وهم من يسعون إلى التعريف بها، في الوقت الذي يفترض أن تتولى دار النشر، إقامة الندوات والجلسات في الجامعات، ومختلف الولايات، وفي كل الفضاءات للنقاش والجدل حول ما تصدره من الكتب.
كما تتحمل المؤسسات الإعلامية، جزء من المسؤولية، كونها لم تمتلك الخبرات الإعلامية الكافية، التي تجعلها تقدر الخبر الثقافي، وبالذات ميلاد الإبداعات الإنسانية، فالكتاب عند الأمم المحترمة، يعتبر إضافة نوعية ودليل على حياة الأمة، ومؤشر على رقيها وتحضرها، الأمر الذي يغيب عندنا تماما، لأننا مازلنا نملك هياكل صحفية، ولم نصل إلى مستوى المؤسسات الإعلامية، عندنا الصحفي الموظف، ولم نحصل بعد على الصحفي المثقف.
-
تصنيفات
-
أحدث التدوينات
- بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان / فلسفة الكتابة في المعتقل وقراءة في سوسيولوجيا أدب الحرية / ناشرون فلسطينيون
- تمثل الطبيعة الجميلة والتمثيل الجميل للطبيعة واعادة انتاج الأثر الفني، مقاربة استطيقية / د زهير الخويلدي
- لستُ بالفعلِ صحفيّاً / فراس حج محمد
- صدور كتاب ”بعض تاريخ الصّراع الفلسطينيّ-اليهوديّ : دراسات، حوارات، رسائل”. / سعيد بوخليط
- قراءة وتعليق في المجموعة القصصية اثنتا عشر قيامة لعازر لكاتبها لعرافة إلياس / أحلام بن دريهم
- سبعون عاما على استشهاد أحمد رضا حوحو غادة أم القرى :رواية واحـــدة وجُغرافيات مُتعدِّدة / محمد بزرواطة
- تاريخ الهامش ورواية الريميتي لواسيني الأعرج / د فشار عطالله
- “تحت ضوء الزيتون” / أنثولوجيا شعرية تكسر حصار الإبادة الجماعية / تقرير صحفي: فراس حج محمد| فلسطين
- مقاربة تعقدية عند ادغار موران بين الكائن الثقافي بالطبيعة والكائن الطبيعي بالثقافة / د زهير الخويلدي
- ديمقراطية النقد والناقد في كتاب “الأسوار والكلمات”[*]./ رائد الحواري




